الأحد، 14 أغسطس 2022

يريد البلادَ

 (2021)

يريدُ البلادَ

يريدُ العبادْ

يريد الجبالَ

يريدُ الوِهادْ

ليس لما قد يريدُ

سقفٌ، حدودْ

فكلّ ما في باله

نفطٌ، سدودْ

وغازٌ ومالْ

وبضعُ نساءٍ

وبعضُ رجالْ

نوعٌ غريبٌ من الغنمْ

يجيدُ الثُغاءَ

يقيمُ الدُعاءَ

عند أقدام الصنمْ

***

هو الجُبنُ

هو الغُبنُ

هو العُهرُ

هو القهرُ

هو الكُلُّ

هو الذِّلُ

هو الصوتُ

هو الموتُ

سمّه ما شئتَ

لقد ضاع البلدْ

وما قيمةُ الكلماتِ

حيث تبكي أمٌ

أو يموتُ جوعًا

قُرب النُّفايات ولدْ

****

اشتمْهُم قدرَ تريدْ

وهل يبكي الحديدُ

إن قلتَ:

قلبُك حديدٌ

يا حديدْ؟

أو يُهانُ الصخرُ

إن قلتَ

يا حجرْ

لِمْ أنتَ حجرْ؟

سُبَّ أرحامًا أنجبتهم

سيقولون

ليس في الشتم خطرْ

أنزلِ اللعناتِ على أولادهم

يرسلون جيشًا من أزلامهم

يحرِقُ هازجًا قلبَ الشجرْ

سمّهم ما شئت

ما دمت تمشي في القطيعْ

لا كما يمشي البشرْ

**

إغضبْ لكن لا تكسّرْ

ثُر لكن لا تثرثرْ

أكتبْ لكن لا تفكّرْ

إحزنْ لكن لا تكشّرْ

فلا أنيابَ للدجاجْ

غنِّ وطالبْ

ضِمن أشواكِ السياجْ

وارفعِ الصوتَ

بالدم والروحْ

واقبلِ الموتَ

في سبيل

العاهرين القاتلين

وابقَ تحتَ التحتِ

مقبورًا تنوحْ

وانظرْ إليهم

بين التختِ والعرشِ

رِخَويّاتٌ

ودودْ

أنتَ من سمّاهم:

نمور وفهود وأسود

ورجال لإله صنعوه

ليرسمهم جنود

***

سمّهم ما شئتَ

لكن لا تعاتبْ

يوم تظمأْ

ويُرويك سُمُّهم

وحين في يوم تجوعْ

تنهشُ لحمَ أطفالِكْ

ثم تهتفْ

فليرحلِ السوريّ

وقبلَه إيرانْ

وأولادُ سعودْ

الموتُ لأمريكا

وبني صِهيونْ

أمّا لكم يا قادتي

فالمجدُ والخلودْ

والأرضُ والعِرضُ

بلا شروطٍ أو قيودْ

***

سَمّهم ما شئتَ

فلهمُ البلادُ والعبادْ

ولك قبرٌ

أنتَ بعدَه

بعضُ سَمادْ

وللأرضِ نارٌ

ودمارٌ

وعيونٌ من رمادْ

 

 

الثلاثاء، 9 أغسطس 2022

أنا وفؤاد سليمان وهدف الكتابة

بين عامي 1949 و1951، كتب فؤاد سليمان في جريدة النهار سلسلة مقالات بعنوان "صباح الخير"، جُمعت في كتاب بعنوان "القناديل الحمراء" وضع مقدمته الشاعر أنسي الحاج.

اخترت هذه المقالة التي تحاكي تساؤلاتي عن دور الكتابة، بقدر ما تتشابه ظروف كتابتها مع ظروفنا التي لا يبدو أنّها ستتغيّر... مع الإشارة إلى اعتراضي على عنوان المقالة "بلد الأقزام" إذ أرفض، ولو من باب المجاز، الإشارة إلى الاختلافات الجسديّة والأمراض في معرض كلام لا يتناول الحالة الجسديّة أو المرض.

كتب فؤاد سليمان المعروف ب "تمّوز":

"يوم غيّبت صوتي في قلبي، وقلمي في جيبي، كنت أعني تمامًا ما أفعل... فأنا يومذاك طلّقت هذه المحنة التي تنرفز الأعصاب وتنشّف الدم في العروق...

قلت: لماذا أكتب؟ ولمن أكتب؟ وما نفع أن أكتب؟ ها أنذا منذ سنوات أكتب الحرف من دمي ومن أعصابي، لهيبًا، وأخال أنّ حروفي تذهب في الناس صواعق، فترجف طغاة السياسة في كراسيهم، وطغاة التجارة وراء مكاتبهم، وطغاة الدين في هياكل أصنامهم!!

كنت أخال أنّ صوتًا يصرخ في الأمّة، يتجمّع في ساعة من الزمن غيومًا سوداء تحمل الرجوم...

وما كنت أظنّ أنّ صوتي، وصوت العشرات من أمثالي سيذهب في الفضاء دخانًا...

ما أقسى أن تصرخ في الفضاء... وحدك، في بلد يسدّ أذنه وقلبه وعينه، ويمشي على العمى...

إنّ حرفًا، نكتبه في هذا البلد، من دمائنا، نريده حقًّا وخيرًا، ونريده لهيب نار، قد يكون له قيمة وثمن في غير هذا البلد... هذا بلد يريد أن يفتح بطنه وتمتلئ معدته ويصغر راسه وتزمّ قامته...

وليس للحرف قيمة ولا ثمن في بلاد الأقزام".

***

الأقزام أنقذوا الأميرة النائمة يا تمّوز، وبلادنا لا تجد من ينقذها، لا بين العمالقة ولا بين الأقزام... لأنّ المشكلة ليست في أجسادنا بل في أرواحنا وعقولنا وجيناتنا... وإذا كنت تساءلت في مقالتك عن جدوى الكتابة في مرحلة يصفها كثر اليوم بالعصر الذهبيّ للبنان، فماذا نقول نحن اليوم حين نجلس للكتابة؟

 


الجمعة، 29 يوليو 2022

أفعال ناقصة (من مجموعتي القصصيّة: نساء بلا أسماء - 2008)



اللوحة للفنان وليد عبيد
رسالة اعتذار

من الماء يخرج كلّ حيّ، وعندما يخرج الماء من الحيّ لا يبقى الحيّ حيًّا. يموت. تنطفئ فيه النار.
غريب! تخرج الماء من النار، فتخمد النار وتذوي. أليس مفترضًا أن تدخل المياه على النار حتّى تنطفئ النار؟
من البركان عادة تخرج المياه والنيران معًا. هو لم يكن بركانًا. كان مضطربًا وحارًّا. لكنّها لم تنظر إلى ما يجري، ولو لمرّة، على أنّه انفجار بركان. أيكون زلزالًا؟ لا. الزلزال يغيّر معالم الأشياء، ويبدّل صورها، ويخلق عوالم جديدة. هل يكون الأمر مجرّد هزّة أرضيّة في أدنى سلّم المقاييس، فينفجر قسطل مياه هنا، ويتصدّع بناء قديم هناك، ثمّ تعود الأمور إلى طبيعتها؟ ربّما.
هي. كانت بناء قديمًا. هذا أمر تعرفه جيّدًا.
كانت المياه تخرج منه، فيتعب ويغيب، ويكره أن تلامسه أصابعها، أو تحضنه ذراعاها.
يبتعد فجأة، يلبس الشورت والتي شيرت – لا وقت كافيًا للاغتسال – ويخفي عاره. كأنّ العار أن تراه وقد سالت ماؤه وخفّ وهج رجولته واختفت نيرانه.
يمدّ رجليه على الطاولة التي أمام الكنبة.
يحبّ أن يلتقيا على الكنبة. يقول.
يبعد ناظريه عنها. يتناول الريموت كونترول ويضيء التلفزيون. يكفي أن يكون هو قد انطفأ. تفكّر. ينظر ولا يرى. عيناه غائبتان. شفتاه ملتصقتان إحداهما بالأخرى، لا بشفتيها اللتين انتهت وظيفتهما بقبلة واحدة لدى استقبالها.
يتعب كثيرًا. يتثاءب. يتوجّه إلى المطبخ متمهّلًا كي لا يصطدم بشيء. يأتي بقنينة مياه باردة. بعد أن يشرب، ينتبه. يسألها إن كانت تريد أن تشرب. تشكره ولا تشرب. يترك القنينة على الطاولة فترشح ماء على الخشب. ينظر إلى شاشة هاتفه الخلويّ ليرى إن كان أحد قد اتّصل به. الهاتف كان مخنوق الصوت لئلّا يلهيه. التلفزيون صامت كذلك. تحاول أن تحدّثه، لا يجيب، يرفع صوت الهاتف. يشكو من تعب شديد. يقول إنّه سيرى الطبيب. لا يجوز أن يتعب شاب في عمره من مرّة واحدة.
بالطبع لن يرى الطبيب. يطلب منها أن تتّصل بسيّارة تاكسي لتنقلها إلى منزلها. إذا نامت عنده لن يغفو عميقًا ولديه باكرًا عمل مهمّ. وتعبه لا يسمح له بقيادة السيّارة. يعتذر. يسألها إذا كانت تسامحه. تجيب: بالطبع. تحاول أن تقبّله قبل أن تصل السيّارة. يسبقها ويدير لها خدّه، ثمّ يغلق الباب على مهل.
في الطريق إلى المنزل، تستعيد بداية المشهد.
تسترجع في ذاكرتها وجسدها تفاصيل اللقاء الذي تنتظره دائمًا. تتذكّر كيف كلّمها على التلفون بصوت حنون وملحّ. كان مشتاقًا ومثارًا على نحو مثير. لم تستطع أن ترفض. ألغت كلّ شيء وذهبت. هي التي تقسم بعد كلّ لقاء أنّها لن تذهب إليه ولو ركع عند قدميها. وكانت تعرف أنّه لن يركع.
ذهبت لأنّها تعرف أنّه لن يركع.
ذهبت لأنّها تخاف أن يذهب هو. تخاف من رفضها له أكثر ممّا تخاف من رفضه لها، لأنّ رفضها بالنسبة إليه يعني كبرياء وعنادًا لا يقبل بهما، في حين أنّ لرفضه أسبابًا أخرى كالعمل والتعب والمواعيد. وردّ فعله على رفضها سيكون عنيفًا. وصارت تعرف أنّها وصلت إلى مرحلة من حياتها لا تسمح لها بتحمّل هذا العنف، فتهرب منه إلى اللامبالاة.
استقبلها على الباب عاريًا. كان مستعدًّا. هو دائم مستعدّ. مستعدّ ومستعجل. لم يترك لها الفرصة لإلقاء التحيّة أو لوضع حقيبة يدها على كرسيّ تعرف أنّها موجودة دائمًا قرب الباب. وقعت الحقيبة على الأرض. لم تحسن التقدير. اعتقدت أنّ الكرسي أقرب ممّا هي عليه.
المكان غارق في الظلمة، وأضواء المنازل المواجهة هي التي تجعلهما يكتشفان موقعهما. لم يضئ النور، فتذكّرت الأفلام التي تدمن مشاهدتها، وكيف كانت اليد تمتدّ في هدوء لتطفئ ضوءًا صارخًا في زاوية الغرفة. ولكنّها كانت تأتي في العتمة وتبقى في العتمة وتذهب في العتمة. وكان ممكنًا أن تكون واحدة أخرى سواها دخلت ثمّ خرجت.
تعجبها فكرة أن ترسل واحدة أخرى لتلعب دورها. تعلّمها كلّ الخطوات، تخبرها أدقّ التفاصيل، وتضع لها العطر نفسه. هل سيكتشف يومًا من هي المرأة التي معه؟ تتذكّر أنّها قرأت مرّة أنّ الأزواج الذين أمضوا أعوامًا طويلة من العمر معًا من دون أن يفترقوا، لا يعرفون تفاصيل معيّنة ومهمّة عن شركاء حياتهم.
ولكنّ فكرة واحدة تقذف بها إلى الواقع: ماذا لو بقيت تلك الأخرى مكانها. الأخرى، وبما أنّها ستكون شخصين في الوقت نفسه ستقوم بضعف ما تقوم به هي وحدها. تشعر بخوف وتطرد الفكرة وتتذكّر من جديد:
مشى بها إلى الكنبة وهو يتكلّم. المياه هي التي تتكلّم وشفتاه عاجزتان عن اللحاق بسرعة تدفّق المياه من مجاريها الجوفيّة. كان يقول شوقه وحاجته. يحكي عن رغبته وحبّه. هي جميلة. هي الأجمل. هي الأكثر إثارة. هي لا تصلح إلّا للحبّ، قال. فتألّمت.
كانت المياه تغلي، والبخار يتصاعد، وعليها أن تساعده على إخراج المياه قبل أن تحرق داخله. توسّل إليها أن تفعل. وأخبرها كم اشتاق إلى يديها تداعبان جسده.
استسلم كهرّ بعد الشبع، ارتمى على الكنبة، أغمض عينيه ووضع يديه خلف رأسه.
تعرف ماذا عليها أن تفعل. حفظت الأمثولة منذ زمن. هو أستاذها وستنجح في الامتحان.
تملك مفاتيح جسده، وتعرف المفتاح لكلّ باب. وتعرف متى تقرع قبل الدخول ومتى تقتحم الأبواب بلا استئذان، ومتى تخرج ليغلق الباب وراءها. تحفظ غيبًا قاموس هذه اللغة، تتلو أفعالها كمن يتلو صلاة مسائيّة، وتردّد مفرداتها في هدوء وحذر كأنّها تتلفّظ بكلماتها الأولى.
... وكان يغيب.
كانت تعرفه، وكان يعرف أنّها تعرفه جيّدًا. وهذا ما كان يطمئنه، ويرضي صمته وسكوته الدائمين. دائمان؟ إلّا حين تضطرب المياه في باطن الجبل منتظرة لحظة التفجّر سيلًا لا يرغب إلّا في مجرى، أيّ مجرى في أيّ أرض. وكانت حاضرة. هي التي تعرف. هي التي ترضى. هي التي تنتظر. هي التي تقول إنّ الأرض لا تملك قرار ريّها. وهي لا تستطيع إلّا أن تكون أرضًا منتظرة.
الطريق إلى بيتها قصير. طلبت من سائق التاكسي أن يقوم بجولة أخرى في الطرقات الخالية من السيّارات.
هو ينتظر الآن اتّصالها الهاتفيّ لتسأله إن كان سعيدًا بلقائهما، إن كان مرتاحًا، إن كان يرغب في رؤيتها غدًا. وإذا عادت إلى منزلها الآن فستتصل حتمًا، ولن تستطيع إلّا أن تتّصل. وهي تريد الليلة أن تمنع نفسها عن سماع البرودة التي ستلسعها عبر أسلاك الهاتف، البرودة التي تأتي بعد انطفاء النار، وتؤذي أكثر. وشكرت عجزها عن شراء هاتف نقّال.
صوت المطر على زجاج السيّارة يخدّر أعصابها، وذكريات الساعة الماضية ساهمت في ارتخائها على المقعد الخلفيّ. تغمض عينيها، على عكس ما تفعله حين تكون معه: دائمة الانتباه، تراقبه لترصد إشارات رغبته. ولا تغمض عينيها كما تفعل العاشقات في الأفلام السينمائيّة حين يستسلمن لدفق مشاعرهنّ.
كانت تنظر وتصغي، وتأخذ الدور الذي يرسمه لها، وتنصاع لرغباته المجنونة، وتقوم بما لم تكن تتخيّل أنّ عاشقين يفعلانه في خلوتهما. وكانت الشخص الثالث في لقاءاتهما. تجلس بعيدًا. تراقب. تتعلّم. تُسكِت رغبتها وتمحو أحلامها الساذجة.
تتذكّر كيف يبدو أمامها في صورة مختلفة، ويصدر أصواتًا جديدة، ويتمتم بكلمات لا يقولها عادة، لا قبل ولا بعد. أمّا هي فكانت ترى وتسمع وتحفظ كلّ ذلك في قلبها.
وها هي تستعيده الآن، في السيّارة المتهادية خوفًا من الانزلاق. أليس ذلك ما تفعله بعد كلّ لقاء؟ استعادة كلّ ما رأته وسمعته وحفظته. ثمّ ينتابها غضب مفاجئ، غضب يفاجئها في كلّ مرّة، عليه وعلى نفسها. على أنانيّته ولامبالاته، وعلى تخاذلها وجبنها وتعلّقها الأبله به.
وتقسم، وتعد بأن تتغيّر وتقسو وتطالب بحقوقها، بأبسط حقوقها، بجزء من حقوقها. وكما في كلّ مرّة، تغرورق عيناها بالدموع لأنّها تعرف كم هي مستعدّة لفعل أيّ شيء من أجله، لا من أجله ربّما، بل من أجل وجوده في حياتها، وجود رجل لم تعرف سواه ولم تعد تملك الرغبة في معرفة سواه. وتقنع نفسها بأنّه سيتغيّر، لن يبقى هكذا. سيفتح عينيه يومًا ويراها.
لدى استعادة فيلم لقائهما القصير، تصفعها تلك الاحتياطات التي كان لا يهمل جزءًا منها مهما تكن إثارته شديدة – هو يقول شوقه – واستعجاله واضحًا: النظافة إلى درجة الهوس. كلّا. ليست النظافة. القرف. كان شديد القرف، ولا تعرف إن كان ذلك معها فقط أو مع سواها من النساء اللواتي تشعر بوجودهنّ في حياته، وترفض التأكّد من ذلك أو من قرفه منها، أو من شوقه إليها، أو من معنى وجودها في حياته.
ما تعرفه أنّه لم يضع يده عليها إلّا متسرّعًا أو محتاجًا، ولم يسمح لها باستعمال أيّ غرض من أغراضه الخاصّة. في المقابل كان يطلب منها أن ترتّب المكان قبل رحيلها، وألّا تترك أثرًا، وأن تضع المحارم الورقيّة التي استعملتها في حقيبة يدها. كان عليها ألّا تنسى شيئًا عنده. كأنّها لن تعود. كأنّها لم تأتِ.
تكاد تبكي، ولكنّها تضحك، تضحك في صمت وهي تتذكّر صورة واحدة تطفو فوق أمواج ذكرياتها لتستقرّ أمام قصر الرمال على شاطئ حياتها، صورة قنينة المطهّر. لم يكن هناك موسيقى، ولا شمبانيا، ولا شموع، بل قنينة للتطهير، موجودة دائمًا على الطاولة التي يمدّ عليها رجليه عندما يتعب، عندما ينتهي.
هي المشهد الختاميّ وعاملة التنظيف التي تزيل الآثار فلا يبقى منها شيء، لا من جسدها ولا من رائحتها على يديه، خاصّة على يديه اللتين لا يتوقّف عن اشتمام رائحتهما، قبل أن يسرع – وهي تعرف – بعد خروجها إلى حمّام ساخن يأخذ وقتًا أطول من لقائهما.
سألها السائق ماذا تريد أن تفعل الآن. عادت من عالمه إلى عالمها. اعتذرت منه وطلبت أن يوصلها إلى منزلها.
لمَ اعتذرت من السائق؟ لمَ يسهل عليها الاعتذار ولو لم تكن ارتكبت خطأ؟
لن تحلّل الآن هذه المسألة. نظرت إلى الساعة. لقد تأخّر الوقت، وعليها بعدُ أن تستحمّ وتأكل وتتناول حبوبها المهدّئة للأعصاب.

الثلاثاء، 26 يوليو 2022

عمْ بطرُش يا بطرُس - من كتابي "الموارنة مرّوا من هنا" - 2008

     1- عاد بطرس تعبًا من جولاته المكوكيّة الأسبوعيّة على بيوت نوّاب المنطقة، وجلس في فيء العريشة ومدّ رجليه على حافّة من الباطون تسند حوض الزهور الممتلئ بشتلات الحبق والمردكوش، ثمّ نادى بأعلى صوته: بو جبرايل، تعا ت نشرب فنجان قهوة وخبّرك أيش صار معي اليوم.
     فردّ بو جبرايل وهو يقف على أعلى "السيبة" الرباعيّة القوائم: متل منّك شايف، عم بطرُش يا بطرس. بعدان، بعدان.
     فما كان من بطرس إلاّ أن أنزل رجليه اللتين تؤلمانه من كثرة الوقوف والمشي وشدّ ظهره المتشنّج من كثرة الانحناء، وعبر الدرب الترابيّة وتوجّه نحو بيت بو جبرايل العتيق والمواجه لبيته ووقف عند أسفل السلّم وقال للرجل الذي علم بأنّ ثمّة ما يجب أن يقال "الآن الآن وليس غدًا"، ثمّ نطق بالكلام الجوهريّ: يا بو جبرايل، بسلامة فهمك، فرشاية وحدة بالمكان المناسب تغنيك عن كلّ هالطرش. وفهمك كفاية. إسمع منّي ولو لمرّة واحدة بتعيش مرتاح كلّ عمرك.
     فردّ بو جبرايل في حكمة: هالطرش يا بطرس أنظف من هيداك الطرش، وفهمك كفاية.


*****
    2- بعدما ضاقت بها سبل الحياة والعمل وباعت كلّ ثمين تملكه (ما عدا الكتب التي لم يشترها أحد)، قرّرت مريم بنت بو عزيز أن تجد الطرق اللائقة لتأمين آخرة صالحة، وبدأت تبحث عن فكرة ذكيّة تلائم السوق وتعوّض عليها خسارة العمر في وظائف لم تضمن المستقبل وقرّرت أن تقبر الفقر قبل أن يقبرها.

    فكّرت في أن تتاجر بالأدوية التي كانت تستعملها جدّتها (نعنع لوجع البطن، بقدونس لتسهيل البول، زهر أكي دنيا للسعال، حشيشة الزلال، إكليل الجبل للسكّري...) ثمّ اكتشفت أنّ أطباء الطبّ البديل لم يتركوا شيئًا أخضر إلاّ وأخذوه، ثمّ إنّ الدولة بدأت مؤخّرًا في تشديد الرقابة على موجة جزّ الأخضر واليابس، ومريم لا تملك شهادة في الطبّ تسمح لها بالوقوف ضدّ الدولة ولا تعرف أحدًا في وسائل الإعلام ليساعدها على تسويق أدويتها، فصرفت النظر عن الفكرة ووضعت على النار إبريق اليانسون لعلّه يعينها على مزيد من الهدوء والتفكير.
     ثمّ خطر على بالها أن تنظم كلمات للأغاني. فالأمر بالنسبة إليها أسهل من شرب المياه، فجدّها ووالدها كانا شاعري زجل معروفين، وأمّها كانت تغنّي لها كي تنام، وهي تحبّ الكتابة وتستطيع أن تؤلّف كلمات جميلة نابعة من القلب، ولكنّ ذلك أيضًا يتطلّب علاقات عامّة وخاصّة لا تعرف مريم عنها شيئًا. ثمّ أنّها عندما أخذت الورقة والقلم وبدأت في كتابة أولى أغنياتها، ارتفع صوت أولاد الجيران وهم يرافقون بأصواتهم كلمات أغنية تصدح من التلفزيون: بحبّك يا حمار. فدمعت عينا مريم من سخرية الموقف وقالت لنفسها: لقد أحببت الكثيرين ولم أكتب لهم أغنية، وها قد أتى من سبقني وسرق الكلمات من فمي. من يريد شعرًا في زمن الشعير؟
    وعادت الحيرة من جديد: ماذا ستعمل مريم لتحصل على المال وهي متقدّمة في العمر ومرهقة وتحتاج إلى من يهتمّ بها ويساعدها. وفجأة، وكما يحصل في المسلسلات التي لا يصدّق أحداثها أحد، قرّرت مريم بنت بو عزيز من بلدة "ريحانة بيت العابد" أن تبيع كليتها. صحيح أنّ الأمر غير قانونيّ بحسب معلوماتها البسيطة، ولكنها لن تعرض "بضاعتها" للبيع، بل ستعطيها مقابل حاجتها من الطعام وما تفرضه العمليّة من أدوية، والأغنياء يستطيعون ذلك في سهولة. وهكذا ستعامل مريم أحسن معاملة على اعتبار أنّها تقدّم جزءًا منها في سبيل عمل إنسانيّ. أليس هذا أكثر احترامًا لنفسها من الخدمات التي يقدّمها الأصدقاء ليريحوا ضمائرهم ويربحوا مقعدًا في جنّة "بلا ناس ما بتنداس".
     بعدما قدّمت مريم كليتها في مقابل كميّات هائلة من المعلّبات وأكياس الحبوب والأدوية، انهالت عليها الطلبات: ذاك يريد عينًا فقبلت لعلّها ترى أقلّ قدر من بشاعة هذا العالم، وتلك تريد رئة فقبلت لعلّها تتنشّق كميّة أقلّ من الهواء الملوّث. الطحال؟ لم لا؟ تأجير الرحم؟ لم لا؟ الجلد للمحروقين؟ الشعر للحلاّقين؟ الدم؟ ألا تريدون رِجلاً؟ يدًا؟ قلبًا؟ عقلاً؟...خدّروني ودعوني أنام وخذوا ما تريدون.
      بعد ذلك عاشت مريم خفيفة كورقة شجرة وحرّة كقدّيسة.


*****
     3- أيّها المسيح! احمل صليبك واتبعني إلى أقرب منشرة لنجعل خشبه عِصيًّا تصلح للضرب.

الثلاثاء، 19 يوليو 2022

الياس خوري بقدّاس ضحايا مرفأ بيروت

 

حابب كتير الياس

يقوم من موتو

ويروح ع القداس

يسند وجع إمّو

ويشرب بدالا الكاس

خاف ت تلمحو وتنهار

من قبل ما تضمو

صار رح يبكي

واختنق صوتو

سرّب على الصورة

رسم بسمة حب

وحطّا على تمو

هالتم يللي

ما لحق ينباس

الا بلهفة قلب

اسمو قلب إمو

والإم شو إسما؟

ما حدا بيعرف

منعرف بإنّا بس

إم الياس

#ماري_القصّيفي

#جريمة_٤_آب

#تفجير_مرفأ_بيروت

#٤آب

#الياس_خوري

 

السبت، 4 ديسمبر 2021

الحبّ في زمن الميلاد (من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)


يصل زمن الميلاد ويحضر معه الوقت:
الوقت الذي مضى:
حين كان الطفل ينتظر جدّه صاحبَ الحكايات والدروس والعِبر، حاملَ أكياس الزبيب وعلبة الدبس وكمشة التين المجفّف،
حين كان الطفلُ يغفو على وعود جدّه بعالم أفضل، بحياة أجمل، بالسفر والنجاح والحبّ والزواج والأولاد،
وحين كان الطفل يغرق في النوم قرب جدّه، كانت رائحةُ الرجل العجوز الحكيم ترافق أحلام الطفل وتهديه كنجمة الميلاد إلى حيث يولد العطاء وتشعّ الحكمة.
...
الوقت الذي وصل:
حين صار الطفل رجلاً يستعيد حكايات جدّه مع أوّل كانون ويحملها زادًا طوال السنة وهو يشعر بأنه ليس وحيدًا لأنّ رائحةَ جدّه معه،
وهو مع ذلك أكثر الناس وحدة في خضمّ الازدحام الذي يحيط به، ولا يجد غيرَ شجرة يخبرها عن طفولته ويتقاسم معها الزبيب والدبس والتين والحكايات. جدّه صار شجرة.
...
الوقت الذي يأتي:
محمّلاً بالخيبة يومًا، وبالأمل يومًا:
يريد الرجل أن يصير جدًّا على صورة جدّه ومثاله، ينتظر الأحفاد، يزيّن المنزل، يرتدي كنزته الحمراء، ينفض الغبار عن أسطوانات قديمة تدور على نفسها كالدراويش وتينو روسي يرنّم أغنيات الميلاد،
يحاول الرجل أن يكون جدّه: ولكن لا زبيب ولا دبس ولا تين،
يفهم الرجل أنّه صار عجوزًا، وأنّ الزمن مضى وأنّ الأحفادَ لا يعرفون الزبيب والدبس والتين. ويكتشف أنّ حكاية جدّه ستنتهي معه، لتبدأ حكايته هو.

***
يحضر زمن الميلاد ويحضر معه الحنين:
الحنين الذي له طعمُ الدمع:
تنظر الجدّة إلى أولادها وأحفادها وتسأل نفسها خائفة: هل سأكون معهم في الميلاد المقبل؟ تستعيد وجوه الغائبين وتفكّر: هل يحتفلون بالميلاد في السماء؟
وحين تتخيّل طفلتها، التي هناك، تفتح الهديّة، وزوجَها، الذي هناك، يحمل طفلته لتضع الملاك على رأس الشجرة، تطمئنّ إلى أنّ الذين هناك يجعلون السماء سماء
...
الحنين الذي له لون البحر:
تحضّر الأمّ مائدة العشاء وهي تضع الحقّ في احمرار عينيها على فرم البصل للتبّولة
تنظر إلى مريم ترنو إلى طفلها في مزود المغارة، وتسألها:
هل تعلمين أنّ ابني الصغير هناك خلف البحر ولن يكون معنا في ليلة العيد؟ هلّا جعلت أيّامه كلّها أعيادًا وجمعت شملنا في هذي البلاد من دون أن أخاف عليه من فقر أو يأس أو خطر! هلّا جعلت الدفء في فراشه والطعام على مائدته والفرح في عينيه!
...
الحنين الذي له رائحة الحطب المشتعل:
ترتعش نفس الفتاة وهي تستعيد صورة جدّها يرمي الحطب في الوجاق ويقلّب بأصابعه التي تحطّبَ جلدُها حبّاتِ الكستناء والبلّوط: الكستناء لها ولأخوتها، والبلّوط له ولجدّتها ووالديها الذين تعيدهم النكهة المرّة إلى زمن الفرح الطفوليّ حين كان العيد يكتفي بأبسط الأشياء

***
يحضر زمن الميلاد وتحضر معه السكينة:
السكينة التي تشيعها الأضواء الخافتة والموسيقى الهادئة فيشعر الإنسان التعب بأنّه وصل إلى حيث الراحة، والإنسان الحزين إلى حيث الفرح، والإنسان الوحيد إلى حيث اللقاء
هي السكينة التي لا صوت لها عاليًا، ولا ضجيج صاخبًا، ولا ألوان باهرة
هي السكينة التي تنبع من الداخل وتفيض على كلّ ما ومن حولنا
هي السكينة التي لا يعرفها إلّا الأطفال والعاشقون والممتلئون نعمة العطاء
هي السكينة التي تجعل المريضَ قابلاً آلامه لا مستسلمًا لها
والأسيرَ عارفًا قيوده لا مقيّدًا بها
والمسافرَ عابرًا المسافات لا تائهًا فيها
هي السكينة التي لا بدّ منها وإلّا
استحوذ علينا جنون هذا العالم
وشرّدتنا أهواؤه
وأقلقت أرواحَنا تغيّراتُ مناخه وأرضه وناسه وعناصره
هي السكينة التي تجعل
السماءَ في قلب مغارة
والابتسامةَ في قلب هديّة
والواحدَ منّا في قلب الآخر ولو على مسافات وأعمار
يحضر زمن الميلاد الذي لا بدّ منه كي نستطيع أن نتابع حياتنا بعده
ونحن نعرف أنّ ثمّة نجمةً تنتظر أن نرفع رؤوسَنا ونراها ونمشي على هديها

***
يحضر الميلاد وأنت تنأى في المسافة
تقودُك نجمتُك بعيدًا
وأبقى أنا عند المغارة
لأرافق الطفل على درب جلجلته.


الأربعاء، 1 ديسمبر 2021

اسمه عيد الميلاد! صحيفة النهار - الثلاثاء 14 كانون الأوّل

شذّبوا أغصان الشجرة كي لا تخفي المغارة!
هل ينتهي مسيحيّو الشرق في كرة زجاجيّة؟

أين الطفل يسوع؟

أجمل زينة للعيد



ما نعيش في أجوائه وما نحن مقبلون على الاحتفال به في 25 كانون الأوّل ليس عطلاً سعيدة  happy holidays، وليس أعياداً (بالجملة) جميلة، وليس استراحة طويلة بعد الفصل الأوّل من العامّ الدراسيّ، وليس تمهيدًا لسهرة رأس السنة، وليس مناسبة لسلسلة من البرامج التفلفزيونيّة محورها الانتباه إلى الوزن الزائد خلال هذه المرحلة.
هو بكلّ بساطة عيد الميلاد، وبالتحديد عيد ميلاد السيّد المسيح، ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كلّ الدهور والمساويه في الجوهر. وما دام هذا التعريف هو ما تؤمن به الكنيسة الرسوليّة الجامعة حتّى الآن، فعلينا الاعتراف به واحترامه واستخدامه عند الإشارة إلى هذه المناسبة، سواء أكنّا مؤمنين أم ملحدين، ممارسين إيماننا عن اقتناع أم بالإرث والتقليد، مسلمين أم دروزًا أم مسيحيّين أم يهودًا، بوذيّين أم هندوسيّين أم من أتباع العِلم. ويصحّ الأمر نفسه على جميع المناسبات الدينيّة التي ارتأى أتباعها إعطاءها تسميات معيّنة هي من صلب عقائد المعنيّين بها سواء أعجبنا الأمر أم لا، آمنا به أم رفضناه. فعيد الميلاد هو عيد الميلاد، وعيد الأضحى هذا اسمه، وعيد الفطر لا تتغيّر هويّته بتغيّر من يأتي على ذكره، وصولاً إلى رأس السنة الصينيّة وسوى ذلك من الأعياد الدينيّة والمدنيّة.
تعرّض عيد الميلاد منذ بداية الاحتفال به لأكثر من محاولة لتشويه معناه، من المسيحيّين الذين لم يفهموا الجوهر الدينيّ للمناسبة، ومن غير المسيحيّين الذين يسيئون – عن جهل أو عن قصد – إلى رموزه وشعاراته وطقوسه. وإذا حصرنا الكلام في المرحلة المعاصرة، فنجد أنّ بابا نويل هو من الأخطار على الدين إن لم نضعه في خانة مساعدة الفقراء وتوزيع الفرح على الناس. ومن غير المسموح أن يصير هو بطل العيد ومحوره فيخفي بقامته الكبيرة وجسمه العريض وثيابه الدافئة ولحيته البيضاء طفل المزود الصغير العاري. ولذلك باءت بالفشل محاولات بعض الكهنة استبدال مقدّم الهدايا ذي الثياب الحمر بثلاثة من المجوس يوزّعون الهدايا على مثال الملوك الذين حملوا الهدايا للطفل يسوع. فالأطفال يولدون اليوم وفيهم جينات موروثة تعتبر بايا نويل من المسلّمات، كالتنفّس والجوع والعطش. وشجرة العيد خطر آخر إن صارت تتبع الموضة والألوان السائدة وآخر صيحات الأزياء والديكور، ومغارة العيد خطر ثالث إن كان ثمن أيّ تمثال من تماثيلها يوازي الحدّ الأدنى لعائلة في حاجة إلى دواء وماء وكهرباء.
ولا يخفى أنّ السينما الأميركيّة خطر دائم على هذه المناسبة، وتتحمّل صالات السينما وإدارات المحطات التلفزيونيّة الأرضيّة والفضائيّة المسؤوليّة الأخلاقيّة والأدبيّة والوطنيّة والقوميّة، حين تختار أفلاماً أو برامج تسخر من العيد أو تتلاعب بمفهومه الدينيّ أو تجعله إطاراً لقصص طريفة أو حكايات حبّ يحضر فيها الجميع ويغيب صاحب العيد.
أمّا الخطر الأكبر، فهو اللغة التي بقدر ما هي إنتاج الفكر تستطيع أن تكون المؤثّر في خلاياه والمتلاعب بما يدور فيه. فحين يُختصر الاسم بالإنكليزيّة ليصير  Xmas، مع ما يعنيه الحرف الأوّل الذي "يؤكّس" على المعنى الروحيّ ويلغيه، فذلك مؤشّر إلى عمليّة غسل دماغ تحاول حرفاً بعد حرف أن تمحو العيد من الوجدان الجماعيّ. وحين يصرّ مقدّمو البرامج ومذيعو التلفزيون، أيّاً تكن المحطّة ومهما كان انتماؤها، على التهنئة بموسم الأعياد من دون تحديد، فذلك يعني أنّ المحاولة تأخذ بعدًا آخر لطمس الهويّة وتمييع هدف الاحتفال. وهذا أمر فعلته إسرائيل حين خطّطت لإلغاء الوجود الفلسطينيّ من فلسطين، فمحت أسماء القرى والبلدات وغيّرت معالم الشوارع والطرق وهدمت ما يرتبط بذاكرة المكان، كعيون المياه وساحات القرى والجوامع والكنائس وأنواع الأشجار، كي لا يجد العائدون، ولا بدّ عائدون، ما يذكّرهم بحكايات آبائهم والأجداد.
ليس الوقت ملائمًا أبدًا للتذرّع بحجج إعلاميّة وإعلانيّة وانتماءات علمانيّة في وقت يبدو الخطر على مسيحيي الشرق أكيدًا وخطيرًا. ومن غير المسموح أن يكون الإعلام اللبنانيّ، بمختلف اتجاهاته ووسائل تعبيره، رأس الحربة في حرب تطاول أيّ دين من الأديان التي يتشكّل منها النسيج الاجتماعيّ في المشرق العربيّ عموماً واللبنانيّ خصوصاً، فكيف إن كان الأمر يتعلّق بالمسيحيّين الذين يتعرّضون لاعتداءت الأصوليّين؟ فإن كان الإعلاميّون والمعلنون يجهلون ما يفعلون فالأمر خطير على الثقافة واللغة والدين، وإن كانوا يعلمون ويفعلون فالأمر في غاية الخطورة على الكيان اللبنانيّ كما نتمنّاه: المتعدّد الحضارة بلا حساب للعدد، والمنفتح على كلّ العالم من دون أن يكون مشرّع الأبواب، والمتنوّع الثقافات من دون أن تكون النوعيّة فيه حصريّة.
*****
صحيفة النهار - الثلاثاء 14 كانون الأوّل

الأحد، 21 نوفمبر 2021

في وداع أنطوان بو لحّود



      كنت قرّرت منذ بعض الوقت أن أتوقّف عن الكتابة عن الراحلين من أهل بلدتي الريحانيّة. بدا الموت اللبنانيّ المحيط بنا، مرضًا وقتلًا وانتحارًا، حاضرًا في يوميّاتنا، ما جعلني أفترض أنّ الامتناع عن الكتابة عمّن يرحل قد يحمي البلدة من الزوال، أو لعلّني أقنعت نفسي أنّ تأريخ الموت تأكيد على وجوده وطغيانه. فلأتجاهله... فضلًا عن أنّ الكتابة عن أحدهم كانت ترضي البعض من عائلته وتغضب البعض الآخر... فكثر يريدون من النصّ الأدبيّ أن يشبه عظة كاهن يردد الكلمات نفسها في كلّ مأتم، ولا يرى في الراحلين سوى هباتهم للكنيسة.

رحلت برناديت بو لحود، وسعاد أبو جوده القصّيفي (إم الياس)، وإميل غيّا، ... ولم أكتب... لكنّي في مأتم أنطوان بو لحّود انتبهت إلى أنّني لا أكتب في الواقع عن أشخاص بقدر ما أكتب عن مرحلة من تاريخ البلدة، وبالتالي الوطن. أكتب عن رعيل من النساء والرجال هم في الحقيقة وجه لبنان في مرحلته الانتقالية من كونه وليد المجتمعات الزراعيّة المتعلّقة بالأرض إلى مرحلة التعليم الجامعيّ والهجرة.
هؤلاء الذين كتبت وأكتب عنهم، هم ذاكرتي وسكّان البلدة التي أحببتها، والتي ودّعتها في أكثر من نصّ لأنّها كانت تختفي مع رحيل كلّ من ساهم في تكوين شخصيتها وتحديد هويّتها.
لبلدتي في الوجدان والبال أجيال ثلاثة أعرفها: جيل أجدادي وجيرانهم وينضمّ إليهم جيل والديّ ومن في عمرهم، جيل ثان يكبرني بقليل، وجيل ثالث غادر البلدة، إلّا أفراد لا يزيد عددهم عن أصابع اليد الواحدة.
تربطني صلة قويّة بالجيلين الأوّلين. لقد كنت على حداثة عمري، وبسبب واقع صحيّ هو شلل الأطفال محاطة بهؤلاء الكبار من الجيلين الأوّلين، يعودونني ويجالسون أهلي فأصغي إلى أحاديثهم وذكرياتهم وحكايات البلدة وناسها. ولعلّ تلك الجلسات، فضلًا عن المطالعة هي التي كوّنت شخصيّتي الكتابيّة، وغذّت مخيّلتي وجعلتني أغادر السرير والغرفة والبيت لأجول في تاريخ البلدة ودروبها الترابيّة وحقولها.
الجيل الجديد لا يعرف هذه "الريحانيّة"، ولن يفهم السبب الذي من أجله أكتب عن هؤلاء الغائبين المقيمين. ليس الأمر واجبًا أخلاقيًّا أو اجتماعيًّا، وليس قطعًا مسايرة لأهل فقيد أو أبناء فقيدة. هي رغبتي في استعادة هؤلاء الذين ما عرفوا غير الحب والاحترام والقيم. هو التوق كي أعود طفلتهم المدللة، وابنتهم الموهوبة، والشابّة التي عاملوها كأنّها أكبر من عمرها، كأنّها من جيلهم.
لم يكونوا هكذا معي دون سواي... هم هكذا، يحترمون الكبير والصغير، يقدّرون العِلم ويحثّون أولادهم عليه، يحفظون الجيرة والعهود، كرماء لا يتأخّرون عن مساعدة، ظرفاء يحبّون السهر والزجل، تدور حياتهم حول كنيسة مار الياس، وفي الأعياد يتنقّلون من بيت إلى بيت بفرح كأنّهم لم يروا بعضهم منذ زمن...
وأنطوان بو لحّود لم يشذّ عن هذه القاعدة، حتّى حين اختار شريكة حياته تقصّد أن تكون شبيهة هذه البلدة التي أحبّها حتّى الموت، وكان يتمنّى لو دفن في ترابها. لكن من سوء حظ هذه البلدة التي جعلت الكنيسة محور الاهتمام وقبلة الصلاة أنّها لم تحظ بعناية المطرانيّة التي تحدّد الرعايا بمقدار ريع صينية الأحد لا بمقياس العلاقات التي تربط بين أهلها.
لا، لا يعرف الجيل الجديد هذه "الريحانيّة". فهم إمّا مهاجرون لا تعنيهم شؤونها، أو مغادرون يقيمون خارج حدودها، فلا يزورونها، إن فعلوا، إلّا في المآتم. وما أنا بالنسبة إلى أكثرهم سوى كاتبة غريبة الأطوار، لا يقفون لها احترامًا حين تصل، ولا يلتفتون إليها حين تعبر، ولا يقرأون كتبها أو مقالاتها، ولا يوجّهون لها التحيّة، ويدّعون أنّهم لا يعرفونها حين يلتقون بها في مكان عامّ... يجيدون لغات كثيرة ولا يعرفون كيف يلقون التحية على من يكبرهم سنًّا.
أنطوان بو لحّود كان عكس كلّ ذلك... كان سليل جيلين من "الخواجات" ولو كانوا فلّاحين وعسكريّين وموظّفين متواضعين، من "الأوادم" الذين لم تغرهم مكاسب سريعة، من اللطفاء مهما علا شأنهم، من المتواضعين مهما كثرت علاقاتهم الاجتماعيّة، من المنتمين إلى الريحانيّة ولو اكتسحها الباطون واحتلّها الغرباء بأموالهم وثرواتهم.
لذلك كانت الريحانيّة التي أعرفها حاضرة في مأتمه ولو لم يرها سواي. كانوا جميعهم حول نعشه: الأحياء والموتى من عائلات القصّيفي وبو لحّود والحلو وغيّا ومشلب وحرب والجرجس وبو خليل ومتى وكرم وداود وباسيل وصوما ويونس وابراهيم وديب وكسرواني ونقّور وفرحات ومغاريقي... كلّ واحد منهم عاد إلى حيث كان يجلس، وشارك في الصلاة. وحين انتهت المراسم، غادر أنطوان مع العائدين إلى الريحانية الأجمل، وعدنا نحن، آخر الريحانيّين الأحياء إلى بيوت تركها الشبّان والصبايا في رحلة البحث عن الأمن والأمان، تاركين خلفهم حرّاس الذاكرة ينتظرون موعد الرحيل.
هو أول أحد اليوم بلا أنطوان بو لحّود الذي ورث عن والده اسكندر صوتًا جميلًا وضعه في خدمة القداديس وأورثه لابنه ألكسندر الذي أطرب والده في نعشه حين رنّم له دامعًا ورتّل من أجله حزينًا. وسيأتي عيد الميلاد ولن يزورنا "الخواجه طوني"، كما تناديه أمّي، مع زوجته ليقدّما التهنئة بالعيد احترامًا منهما لوالديّ العجوزين، وحرصًا على تقليد بدأ يندثر برحيل أمثاله.
هو أوّل أحد بلا الرجل الذي عرف يتم الأمّ مع شقيقه وشقيقته، لكنّهم أكرموا زوجة أبيهم "تانت هيلين" التي ربّتهم كأولادها، ما دفع بالخواجه طوني إلى تسمية ابنتيه على اسمَي والدته "إيفون" وخالته زوجة أبيه.
هو أوّل أحد بلا واحد من أواخر أعمدة الجيل الثاني الذي لن تبقى الريحانية كما هي بعده، الريحانيّة التي لا مدافن فيها، فتوزّع موتاها على الجوار، ولا كنيسة جامعة تعطيها حقّها من الاهتمام... لعلّني أخلط بين الريحانية ولبنان... ربّما الحال واحد.
خواجه طوني... سلّم على صديقك خالي ميلاد. وعلى كل أهل الريحانية.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.