الثلاثاء، 26 يوليو 2022

عمْ بطرُش يا بطرُس - من كتابي "الموارنة مرّوا من هنا" - 2008

     1- عاد بطرس تعبًا من جولاته المكوكيّة الأسبوعيّة على بيوت نوّاب المنطقة، وجلس في فيء العريشة ومدّ رجليه على حافّة من الباطون تسند حوض الزهور الممتلئ بشتلات الحبق والمردكوش، ثمّ نادى بأعلى صوته: بو جبرايل، تعا ت نشرب فنجان قهوة وخبّرك أيش صار معي اليوم.
     فردّ بو جبرايل وهو يقف على أعلى "السيبة" الرباعيّة القوائم: متل منّك شايف، عم بطرُش يا بطرس. بعدان، بعدان.
     فما كان من بطرس إلاّ أن أنزل رجليه اللتين تؤلمانه من كثرة الوقوف والمشي وشدّ ظهره المتشنّج من كثرة الانحناء، وعبر الدرب الترابيّة وتوجّه نحو بيت بو جبرايل العتيق والمواجه لبيته ووقف عند أسفل السلّم وقال للرجل الذي علم بأنّ ثمّة ما يجب أن يقال "الآن الآن وليس غدًا"، ثمّ نطق بالكلام الجوهريّ: يا بو جبرايل، بسلامة فهمك، فرشاية وحدة بالمكان المناسب تغنيك عن كلّ هالطرش. وفهمك كفاية. إسمع منّي ولو لمرّة واحدة بتعيش مرتاح كلّ عمرك.
     فردّ بو جبرايل في حكمة: هالطرش يا بطرس أنظف من هيداك الطرش، وفهمك كفاية.


*****
    2- بعدما ضاقت بها سبل الحياة والعمل وباعت كلّ ثمين تملكه (ما عدا الكتب التي لم يشترها أحد)، قرّرت مريم بنت بو عزيز أن تجد الطرق اللائقة لتأمين آخرة صالحة، وبدأت تبحث عن فكرة ذكيّة تلائم السوق وتعوّض عليها خسارة العمر في وظائف لم تضمن المستقبل وقرّرت أن تقبر الفقر قبل أن يقبرها.

    فكّرت في أن تتاجر بالأدوية التي كانت تستعملها جدّتها (نعنع لوجع البطن، بقدونس لتسهيل البول، زهر أكي دنيا للسعال، حشيشة الزلال، إكليل الجبل للسكّري...) ثمّ اكتشفت أنّ أطباء الطبّ البديل لم يتركوا شيئًا أخضر إلاّ وأخذوه، ثمّ إنّ الدولة بدأت مؤخّرًا في تشديد الرقابة على موجة جزّ الأخضر واليابس، ومريم لا تملك شهادة في الطبّ تسمح لها بالوقوف ضدّ الدولة ولا تعرف أحدًا في وسائل الإعلام ليساعدها على تسويق أدويتها، فصرفت النظر عن الفكرة ووضعت على النار إبريق اليانسون لعلّه يعينها على مزيد من الهدوء والتفكير.
     ثمّ خطر على بالها أن تنظم كلمات للأغاني. فالأمر بالنسبة إليها أسهل من شرب المياه، فجدّها ووالدها كانا شاعري زجل معروفين، وأمّها كانت تغنّي لها كي تنام، وهي تحبّ الكتابة وتستطيع أن تؤلّف كلمات جميلة نابعة من القلب، ولكنّ ذلك أيضًا يتطلّب علاقات عامّة وخاصّة لا تعرف مريم عنها شيئًا. ثمّ أنّها عندما أخذت الورقة والقلم وبدأت في كتابة أولى أغنياتها، ارتفع صوت أولاد الجيران وهم يرافقون بأصواتهم كلمات أغنية تصدح من التلفزيون: بحبّك يا حمار. فدمعت عينا مريم من سخرية الموقف وقالت لنفسها: لقد أحببت الكثيرين ولم أكتب لهم أغنية، وها قد أتى من سبقني وسرق الكلمات من فمي. من يريد شعرًا في زمن الشعير؟
    وعادت الحيرة من جديد: ماذا ستعمل مريم لتحصل على المال وهي متقدّمة في العمر ومرهقة وتحتاج إلى من يهتمّ بها ويساعدها. وفجأة، وكما يحصل في المسلسلات التي لا يصدّق أحداثها أحد، قرّرت مريم بنت بو عزيز من بلدة "ريحانة بيت العابد" أن تبيع كليتها. صحيح أنّ الأمر غير قانونيّ بحسب معلوماتها البسيطة، ولكنها لن تعرض "بضاعتها" للبيع، بل ستعطيها مقابل حاجتها من الطعام وما تفرضه العمليّة من أدوية، والأغنياء يستطيعون ذلك في سهولة. وهكذا ستعامل مريم أحسن معاملة على اعتبار أنّها تقدّم جزءًا منها في سبيل عمل إنسانيّ. أليس هذا أكثر احترامًا لنفسها من الخدمات التي يقدّمها الأصدقاء ليريحوا ضمائرهم ويربحوا مقعدًا في جنّة "بلا ناس ما بتنداس".
     بعدما قدّمت مريم كليتها في مقابل كميّات هائلة من المعلّبات وأكياس الحبوب والأدوية، انهالت عليها الطلبات: ذاك يريد عينًا فقبلت لعلّها ترى أقلّ قدر من بشاعة هذا العالم، وتلك تريد رئة فقبلت لعلّها تتنشّق كميّة أقلّ من الهواء الملوّث. الطحال؟ لم لا؟ تأجير الرحم؟ لم لا؟ الجلد للمحروقين؟ الشعر للحلاّقين؟ الدم؟ ألا تريدون رِجلاً؟ يدًا؟ قلبًا؟ عقلاً؟...خدّروني ودعوني أنام وخذوا ما تريدون.
      بعد ذلك عاشت مريم خفيفة كورقة شجرة وحرّة كقدّيسة.


*****
     3- أيّها المسيح! احمل صليبك واتبعني إلى أقرب منشرة لنجعل خشبه عِصيًّا تصلح للضرب.

الثلاثاء، 19 يوليو 2022

الياس خوري بقدّاس ضحايا مرفأ بيروت

 

حابب كتير الياس

يقوم من موتو

ويروح ع القداس

يسند وجع إمّو

ويشرب بدالا الكاس

خاف ت تلمحو وتنهار

من قبل ما تضمو

صار رح يبكي

واختنق صوتو

سرّب على الصورة

رسم بسمة حب

وحطّا على تمو

هالتم يللي

ما لحق ينباس

الا بلهفة قلب

اسمو قلب إمو

والإم شو إسما؟

ما حدا بيعرف

منعرف بإنّا بس

إم الياس

#ماري_القصّيفي

#جريمة_٤_آب

#تفجير_مرفأ_بيروت

#٤آب

#الياس_خوري

 

السبت، 4 ديسمبر 2021

الحبّ في زمن الميلاد (من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)


يصل زمن الميلاد ويحضر معه الوقت:
الوقت الذي مضى:
حين كان الطفل ينتظر جدّه صاحبَ الحكايات والدروس والعِبر، حاملَ أكياس الزبيب وعلبة الدبس وكمشة التين المجفّف،
حين كان الطفلُ يغفو على وعود جدّه بعالم أفضل، بحياة أجمل، بالسفر والنجاح والحبّ والزواج والأولاد،
وحين كان الطفل يغرق في النوم قرب جدّه، كانت رائحةُ الرجل العجوز الحكيم ترافق أحلام الطفل وتهديه كنجمة الميلاد إلى حيث يولد العطاء وتشعّ الحكمة.
...
الوقت الذي وصل:
حين صار الطفل رجلاً يستعيد حكايات جدّه مع أوّل كانون ويحملها زادًا طوال السنة وهو يشعر بأنه ليس وحيدًا لأنّ رائحةَ جدّه معه،
وهو مع ذلك أكثر الناس وحدة في خضمّ الازدحام الذي يحيط به، ولا يجد غيرَ شجرة يخبرها عن طفولته ويتقاسم معها الزبيب والدبس والتين والحكايات. جدّه صار شجرة.
...
الوقت الذي يأتي:
محمّلاً بالخيبة يومًا، وبالأمل يومًا:
يريد الرجل أن يصير جدًّا على صورة جدّه ومثاله، ينتظر الأحفاد، يزيّن المنزل، يرتدي كنزته الحمراء، ينفض الغبار عن أسطوانات قديمة تدور على نفسها كالدراويش وتينو روسي يرنّم أغنيات الميلاد،
يحاول الرجل أن يكون جدّه: ولكن لا زبيب ولا دبس ولا تين،
يفهم الرجل أنّه صار عجوزًا، وأنّ الزمن مضى وأنّ الأحفادَ لا يعرفون الزبيب والدبس والتين. ويكتشف أنّ حكاية جدّه ستنتهي معه، لتبدأ حكايته هو.

***
يحضر زمن الميلاد ويحضر معه الحنين:
الحنين الذي له طعمُ الدمع:
تنظر الجدّة إلى أولادها وأحفادها وتسأل نفسها خائفة: هل سأكون معهم في الميلاد المقبل؟ تستعيد وجوه الغائبين وتفكّر: هل يحتفلون بالميلاد في السماء؟
وحين تتخيّل طفلتها، التي هناك، تفتح الهديّة، وزوجَها، الذي هناك، يحمل طفلته لتضع الملاك على رأس الشجرة، تطمئنّ إلى أنّ الذين هناك يجعلون السماء سماء
...
الحنين الذي له لون البحر:
تحضّر الأمّ مائدة العشاء وهي تضع الحقّ في احمرار عينيها على فرم البصل للتبّولة
تنظر إلى مريم ترنو إلى طفلها في مزود المغارة، وتسألها:
هل تعلمين أنّ ابني الصغير هناك خلف البحر ولن يكون معنا في ليلة العيد؟ هلّا جعلت أيّامه كلّها أعيادًا وجمعت شملنا في هذي البلاد من دون أن أخاف عليه من فقر أو يأس أو خطر! هلّا جعلت الدفء في فراشه والطعام على مائدته والفرح في عينيه!
...
الحنين الذي له رائحة الحطب المشتعل:
ترتعش نفس الفتاة وهي تستعيد صورة جدّها يرمي الحطب في الوجاق ويقلّب بأصابعه التي تحطّبَ جلدُها حبّاتِ الكستناء والبلّوط: الكستناء لها ولأخوتها، والبلّوط له ولجدّتها ووالديها الذين تعيدهم النكهة المرّة إلى زمن الفرح الطفوليّ حين كان العيد يكتفي بأبسط الأشياء

***
يحضر زمن الميلاد وتحضر معه السكينة:
السكينة التي تشيعها الأضواء الخافتة والموسيقى الهادئة فيشعر الإنسان التعب بأنّه وصل إلى حيث الراحة، والإنسان الحزين إلى حيث الفرح، والإنسان الوحيد إلى حيث اللقاء
هي السكينة التي لا صوت لها عاليًا، ولا ضجيج صاخبًا، ولا ألوان باهرة
هي السكينة التي تنبع من الداخل وتفيض على كلّ ما ومن حولنا
هي السكينة التي لا يعرفها إلّا الأطفال والعاشقون والممتلئون نعمة العطاء
هي السكينة التي تجعل المريضَ قابلاً آلامه لا مستسلمًا لها
والأسيرَ عارفًا قيوده لا مقيّدًا بها
والمسافرَ عابرًا المسافات لا تائهًا فيها
هي السكينة التي لا بدّ منها وإلّا
استحوذ علينا جنون هذا العالم
وشرّدتنا أهواؤه
وأقلقت أرواحَنا تغيّراتُ مناخه وأرضه وناسه وعناصره
هي السكينة التي تجعل
السماءَ في قلب مغارة
والابتسامةَ في قلب هديّة
والواحدَ منّا في قلب الآخر ولو على مسافات وأعمار
يحضر زمن الميلاد الذي لا بدّ منه كي نستطيع أن نتابع حياتنا بعده
ونحن نعرف أنّ ثمّة نجمةً تنتظر أن نرفع رؤوسَنا ونراها ونمشي على هديها

***
يحضر الميلاد وأنت تنأى في المسافة
تقودُك نجمتُك بعيدًا
وأبقى أنا عند المغارة
لأرافق الطفل على درب جلجلته.


الأربعاء، 1 ديسمبر 2021

اسمه عيد الميلاد! صحيفة النهار - الثلاثاء 14 كانون الأوّل

شذّبوا أغصان الشجرة كي لا تخفي المغارة!
هل ينتهي مسيحيّو الشرق في كرة زجاجيّة؟

أين الطفل يسوع؟

أجمل زينة للعيد



ما نعيش في أجوائه وما نحن مقبلون على الاحتفال به في 25 كانون الأوّل ليس عطلاً سعيدة  happy holidays، وليس أعياداً (بالجملة) جميلة، وليس استراحة طويلة بعد الفصل الأوّل من العامّ الدراسيّ، وليس تمهيدًا لسهرة رأس السنة، وليس مناسبة لسلسلة من البرامج التفلفزيونيّة محورها الانتباه إلى الوزن الزائد خلال هذه المرحلة.
هو بكلّ بساطة عيد الميلاد، وبالتحديد عيد ميلاد السيّد المسيح، ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كلّ الدهور والمساويه في الجوهر. وما دام هذا التعريف هو ما تؤمن به الكنيسة الرسوليّة الجامعة حتّى الآن، فعلينا الاعتراف به واحترامه واستخدامه عند الإشارة إلى هذه المناسبة، سواء أكنّا مؤمنين أم ملحدين، ممارسين إيماننا عن اقتناع أم بالإرث والتقليد، مسلمين أم دروزًا أم مسيحيّين أم يهودًا، بوذيّين أم هندوسيّين أم من أتباع العِلم. ويصحّ الأمر نفسه على جميع المناسبات الدينيّة التي ارتأى أتباعها إعطاءها تسميات معيّنة هي من صلب عقائد المعنيّين بها سواء أعجبنا الأمر أم لا، آمنا به أم رفضناه. فعيد الميلاد هو عيد الميلاد، وعيد الأضحى هذا اسمه، وعيد الفطر لا تتغيّر هويّته بتغيّر من يأتي على ذكره، وصولاً إلى رأس السنة الصينيّة وسوى ذلك من الأعياد الدينيّة والمدنيّة.
تعرّض عيد الميلاد منذ بداية الاحتفال به لأكثر من محاولة لتشويه معناه، من المسيحيّين الذين لم يفهموا الجوهر الدينيّ للمناسبة، ومن غير المسيحيّين الذين يسيئون – عن جهل أو عن قصد – إلى رموزه وشعاراته وطقوسه. وإذا حصرنا الكلام في المرحلة المعاصرة، فنجد أنّ بابا نويل هو من الأخطار على الدين إن لم نضعه في خانة مساعدة الفقراء وتوزيع الفرح على الناس. ومن غير المسموح أن يصير هو بطل العيد ومحوره فيخفي بقامته الكبيرة وجسمه العريض وثيابه الدافئة ولحيته البيضاء طفل المزود الصغير العاري. ولذلك باءت بالفشل محاولات بعض الكهنة استبدال مقدّم الهدايا ذي الثياب الحمر بثلاثة من المجوس يوزّعون الهدايا على مثال الملوك الذين حملوا الهدايا للطفل يسوع. فالأطفال يولدون اليوم وفيهم جينات موروثة تعتبر بايا نويل من المسلّمات، كالتنفّس والجوع والعطش. وشجرة العيد خطر آخر إن صارت تتبع الموضة والألوان السائدة وآخر صيحات الأزياء والديكور، ومغارة العيد خطر ثالث إن كان ثمن أيّ تمثال من تماثيلها يوازي الحدّ الأدنى لعائلة في حاجة إلى دواء وماء وكهرباء.
ولا يخفى أنّ السينما الأميركيّة خطر دائم على هذه المناسبة، وتتحمّل صالات السينما وإدارات المحطات التلفزيونيّة الأرضيّة والفضائيّة المسؤوليّة الأخلاقيّة والأدبيّة والوطنيّة والقوميّة، حين تختار أفلاماً أو برامج تسخر من العيد أو تتلاعب بمفهومه الدينيّ أو تجعله إطاراً لقصص طريفة أو حكايات حبّ يحضر فيها الجميع ويغيب صاحب العيد.
أمّا الخطر الأكبر، فهو اللغة التي بقدر ما هي إنتاج الفكر تستطيع أن تكون المؤثّر في خلاياه والمتلاعب بما يدور فيه. فحين يُختصر الاسم بالإنكليزيّة ليصير  Xmas، مع ما يعنيه الحرف الأوّل الذي "يؤكّس" على المعنى الروحيّ ويلغيه، فذلك مؤشّر إلى عمليّة غسل دماغ تحاول حرفاً بعد حرف أن تمحو العيد من الوجدان الجماعيّ. وحين يصرّ مقدّمو البرامج ومذيعو التلفزيون، أيّاً تكن المحطّة ومهما كان انتماؤها، على التهنئة بموسم الأعياد من دون تحديد، فذلك يعني أنّ المحاولة تأخذ بعدًا آخر لطمس الهويّة وتمييع هدف الاحتفال. وهذا أمر فعلته إسرائيل حين خطّطت لإلغاء الوجود الفلسطينيّ من فلسطين، فمحت أسماء القرى والبلدات وغيّرت معالم الشوارع والطرق وهدمت ما يرتبط بذاكرة المكان، كعيون المياه وساحات القرى والجوامع والكنائس وأنواع الأشجار، كي لا يجد العائدون، ولا بدّ عائدون، ما يذكّرهم بحكايات آبائهم والأجداد.
ليس الوقت ملائمًا أبدًا للتذرّع بحجج إعلاميّة وإعلانيّة وانتماءات علمانيّة في وقت يبدو الخطر على مسيحيي الشرق أكيدًا وخطيرًا. ومن غير المسموح أن يكون الإعلام اللبنانيّ، بمختلف اتجاهاته ووسائل تعبيره، رأس الحربة في حرب تطاول أيّ دين من الأديان التي يتشكّل منها النسيج الاجتماعيّ في المشرق العربيّ عموماً واللبنانيّ خصوصاً، فكيف إن كان الأمر يتعلّق بالمسيحيّين الذين يتعرّضون لاعتداءت الأصوليّين؟ فإن كان الإعلاميّون والمعلنون يجهلون ما يفعلون فالأمر خطير على الثقافة واللغة والدين، وإن كانوا يعلمون ويفعلون فالأمر في غاية الخطورة على الكيان اللبنانيّ كما نتمنّاه: المتعدّد الحضارة بلا حساب للعدد، والمنفتح على كلّ العالم من دون أن يكون مشرّع الأبواب، والمتنوّع الثقافات من دون أن تكون النوعيّة فيه حصريّة.
*****
صحيفة النهار - الثلاثاء 14 كانون الأوّل

الأحد، 21 نوفمبر 2021

في وداع أنطوان بو لحّود



      كنت قرّرت منذ بعض الوقت أن أتوقّف عن الكتابة عن الراحلين من أهل بلدتي الريحانيّة. بدا الموت اللبنانيّ المحيط بنا، مرضًا وقتلًا وانتحارًا، حاضرًا في يوميّاتنا، ما جعلني أفترض أنّ الامتناع عن الكتابة عمّن يرحل قد يحمي البلدة من الزوال، أو لعلّني أقنعت نفسي أنّ تأريخ الموت تأكيد على وجوده وطغيانه. فلأتجاهله... فضلًا عن أنّ الكتابة عن أحدهم كانت ترضي البعض من عائلته وتغضب البعض الآخر... فكثر يريدون من النصّ الأدبيّ أن يشبه عظة كاهن يردد الكلمات نفسها في كلّ مأتم، ولا يرى في الراحلين سوى هباتهم للكنيسة.

رحلت برناديت بو لحود، وسعاد أبو جوده القصّيفي (إم الياس)، وإميل غيّا، ... ولم أكتب... لكنّي في مأتم أنطوان بو لحّود انتبهت إلى أنّني لا أكتب في الواقع عن أشخاص بقدر ما أكتب عن مرحلة من تاريخ البلدة، وبالتالي الوطن. أكتب عن رعيل من النساء والرجال هم في الحقيقة وجه لبنان في مرحلته الانتقالية من كونه وليد المجتمعات الزراعيّة المتعلّقة بالأرض إلى مرحلة التعليم الجامعيّ والهجرة.
هؤلاء الذين كتبت وأكتب عنهم، هم ذاكرتي وسكّان البلدة التي أحببتها، والتي ودّعتها في أكثر من نصّ لأنّها كانت تختفي مع رحيل كلّ من ساهم في تكوين شخصيتها وتحديد هويّتها.
لبلدتي في الوجدان والبال أجيال ثلاثة أعرفها: جيل أجدادي وجيرانهم وينضمّ إليهم جيل والديّ ومن في عمرهم، جيل ثان يكبرني بقليل، وجيل ثالث غادر البلدة، إلّا أفراد لا يزيد عددهم عن أصابع اليد الواحدة.
تربطني صلة قويّة بالجيلين الأوّلين. لقد كنت على حداثة عمري، وبسبب واقع صحيّ هو شلل الأطفال محاطة بهؤلاء الكبار من الجيلين الأوّلين، يعودونني ويجالسون أهلي فأصغي إلى أحاديثهم وذكرياتهم وحكايات البلدة وناسها. ولعلّ تلك الجلسات، فضلًا عن المطالعة هي التي كوّنت شخصيّتي الكتابيّة، وغذّت مخيّلتي وجعلتني أغادر السرير والغرفة والبيت لأجول في تاريخ البلدة ودروبها الترابيّة وحقولها.
الجيل الجديد لا يعرف هذه "الريحانيّة"، ولن يفهم السبب الذي من أجله أكتب عن هؤلاء الغائبين المقيمين. ليس الأمر واجبًا أخلاقيًّا أو اجتماعيًّا، وليس قطعًا مسايرة لأهل فقيد أو أبناء فقيدة. هي رغبتي في استعادة هؤلاء الذين ما عرفوا غير الحب والاحترام والقيم. هو التوق كي أعود طفلتهم المدللة، وابنتهم الموهوبة، والشابّة التي عاملوها كأنّها أكبر من عمرها، كأنّها من جيلهم.
لم يكونوا هكذا معي دون سواي... هم هكذا، يحترمون الكبير والصغير، يقدّرون العِلم ويحثّون أولادهم عليه، يحفظون الجيرة والعهود، كرماء لا يتأخّرون عن مساعدة، ظرفاء يحبّون السهر والزجل، تدور حياتهم حول كنيسة مار الياس، وفي الأعياد يتنقّلون من بيت إلى بيت بفرح كأنّهم لم يروا بعضهم منذ زمن...
وأنطوان بو لحّود لم يشذّ عن هذه القاعدة، حتّى حين اختار شريكة حياته تقصّد أن تكون شبيهة هذه البلدة التي أحبّها حتّى الموت، وكان يتمنّى لو دفن في ترابها. لكن من سوء حظ هذه البلدة التي جعلت الكنيسة محور الاهتمام وقبلة الصلاة أنّها لم تحظ بعناية المطرانيّة التي تحدّد الرعايا بمقدار ريع صينية الأحد لا بمقياس العلاقات التي تربط بين أهلها.
لا، لا يعرف الجيل الجديد هذه "الريحانيّة". فهم إمّا مهاجرون لا تعنيهم شؤونها، أو مغادرون يقيمون خارج حدودها، فلا يزورونها، إن فعلوا، إلّا في المآتم. وما أنا بالنسبة إلى أكثرهم سوى كاتبة غريبة الأطوار، لا يقفون لها احترامًا حين تصل، ولا يلتفتون إليها حين تعبر، ولا يقرأون كتبها أو مقالاتها، ولا يوجّهون لها التحيّة، ويدّعون أنّهم لا يعرفونها حين يلتقون بها في مكان عامّ... يجيدون لغات كثيرة ولا يعرفون كيف يلقون التحية على من يكبرهم سنًّا.
أنطوان بو لحّود كان عكس كلّ ذلك... كان سليل جيلين من "الخواجات" ولو كانوا فلّاحين وعسكريّين وموظّفين متواضعين، من "الأوادم" الذين لم تغرهم مكاسب سريعة، من اللطفاء مهما علا شأنهم، من المتواضعين مهما كثرت علاقاتهم الاجتماعيّة، من المنتمين إلى الريحانيّة ولو اكتسحها الباطون واحتلّها الغرباء بأموالهم وثرواتهم.
لذلك كانت الريحانيّة التي أعرفها حاضرة في مأتمه ولو لم يرها سواي. كانوا جميعهم حول نعشه: الأحياء والموتى من عائلات القصّيفي وبو لحّود والحلو وغيّا ومشلب وحرب والجرجس وبو خليل ومتى وكرم وداود وباسيل وصوما ويونس وابراهيم وديب وكسرواني ونقّور وفرحات ومغاريقي... كلّ واحد منهم عاد إلى حيث كان يجلس، وشارك في الصلاة. وحين انتهت المراسم، غادر أنطوان مع العائدين إلى الريحانية الأجمل، وعدنا نحن، آخر الريحانيّين الأحياء إلى بيوت تركها الشبّان والصبايا في رحلة البحث عن الأمن والأمان، تاركين خلفهم حرّاس الذاكرة ينتظرون موعد الرحيل.
هو أول أحد اليوم بلا أنطوان بو لحّود الذي ورث عن والده اسكندر صوتًا جميلًا وضعه في خدمة القداديس وأورثه لابنه ألكسندر الذي أطرب والده في نعشه حين رنّم له دامعًا ورتّل من أجله حزينًا. وسيأتي عيد الميلاد ولن يزورنا "الخواجه طوني"، كما تناديه أمّي، مع زوجته ليقدّما التهنئة بالعيد احترامًا منهما لوالديّ العجوزين، وحرصًا على تقليد بدأ يندثر برحيل أمثاله.
هو أوّل أحد بلا الرجل الذي عرف يتم الأمّ مع شقيقه وشقيقته، لكنّهم أكرموا زوجة أبيهم "تانت هيلين" التي ربّتهم كأولادها، ما دفع بالخواجه طوني إلى تسمية ابنتيه على اسمَي والدته "إيفون" وخالته زوجة أبيه.
هو أوّل أحد بلا واحد من أواخر أعمدة الجيل الثاني الذي لن تبقى الريحانية كما هي بعده، الريحانيّة التي لا مدافن فيها، فتوزّع موتاها على الجوار، ولا كنيسة جامعة تعطيها حقّها من الاهتمام... لعلّني أخلط بين الريحانية ولبنان... ربّما الحال واحد.
خواجه طوني... سلّم على صديقك خالي ميلاد. وعلى كل أهل الريحانية.

الجمعة، 26 مارس 2021

الجنون في بعض ملامحه الأدبيّة والفنيّة (4)


أربع مجانين وبسّ
الأغنية


الجنون من يدري على مسافة لحظة لحظتين
ملحق النهار – السبت 3 تمّوز 1999
(4)

في "لسان العرب"
     نقرأ في "لسان العرب": جُنّ الرجل جنونًا وأجنّه الله فهو مجنون. وفي الحديث أنّ النبيّ رأى قومًا مجتمعين على إنسان فقال: ما هذا؟ فقالوا: مجنون! قال: هذا مصاب. إنّما المجنون الذي يضرب بمنكبيه وينظر في عطفيه ويتمطّى في مشيته.
     والإنجيل يخبرنا عن المسكونين بالأرواح الشريرة. يأتي بهم الناس إلى يسوع ليشفيهم ويطرد منهم الأرواح النجسة، وفي الوصف يبدو هؤلاء ضحايا نوبات عصبيّة وداء الصرع و"الوقوع في التقطة" كما يسمّيها الناس.    ولكنّ جبران خليل جبران يدعو إلى نوع آخر من الجنون. ففي نصّ "حفّار القبور" من كتاب "العواصف" يصرخ: "أنا الإله المجنون". وفي نصّ بعنوان "كيف صرت مجنونًا؟" من كتاب "المجنون" يشرح مفهومه ويقول إنّ الناس نظروا إليه عاريًا من البراقع السبعة التي حاكها وتقنّع بها ثمّ سرقها اللصوص،وحين صرخ الناس معلنين جنونه لأنّه يسير من دون برقع خاف من هذا العريّ، ولكن حين قبّلت الشمس وجهه العاري للمرّة الأولى، شكر اللصوص وباركهم لأنّه وجد في جنونه الحريّة والنجاة معًا، حريّة الانفراد والنجاة من أن يدرك الناس كيانه. وفي الكتاب نفسه، قصّة "الليل والمجنون" وفيها يقول المجنون لليل إنّه مثله في عريه وعمقه، ويشبهه في جبروته وصرامته، ويماثله في طربه وصبره ومقدرته، وكما أنّ الليل يكشف مكنونات اللانهاية كذلك يكشف المجنون مكنونات نفسه.
أنا الإله المجنون

     ويؤكّد جبران في أكثر من نصّ أنّ تهمة الجنون التي يرمي بها بعض الناس البعض الآخر إنّما هي نتيجة الاختلاف، ففي كتاب "التائه" يتحدّث في قصّة "المجنون" عن الشابّ الذي حجر عليه أهله في "المارستان" وحين سُئل عن السبب أجاب إنّ كلًّا من والده وعمّه وأمّه وأخوته وأساتذته أراد أن يجعل منه انعكاسًا له في مرآة. ولم يجد غير "المارستان" مكانًا يستطيع فيه أن يكون نفسه لا سواه.

جنون بيروت
     وبيروت التي أرادوا لها أن تكون صورة لمدن أخرى ما عادت تشبه نفسها وما استطاعت أن تشبه سواها. بيروت هذه التي عرفت جنون الترف وثملت بجنون الشعر، ورقصت مجنونة بالحريّة، وذاقت جنون الحرب والقتل والمجازر، كانت أرصفتها مسرحًا لشتّى أنواع الهذيان، الصادق منه والمزيّف، ولذلك وجد "أبو الريش" المجنون فراشًا له على أرصفتها. "أبو الريش" هذا التقطت صوره صدفة كاميرا جوسلين صعب ثمّ اختفى الرجل مع الاجتياح الإسرائيليّ. وقال الناس إنّهم شاهدوه في بزّته العسكريّة ذات الرتبة العالية، يدخل إلى بيروت دخول الفاتحين. وعلى عكس ما حصل مع "أبو الريش" ذي القبّعة الغريبة والملابس الهجينة، حصل مع سعاد نعمه الطرابلسيّة التي تعاني انفصامًا. فحين ظهرت في مدينة صور وادّعت أنّها إسرائيليّة صدّقها الجميع وعرضوا صورتها وقالوا إنّها شديدة الذكاء وخافوا منها. وحين اكتشفوا أو بالأحرى حين كُشف لهم أنّها سيّدة لبنانيّة مريضة، زوجة وأمّ لثلاثة أولاد، وقد سبق أن أدخلت إلى مستشفى الأمراض العقليّة والعصبيّة حيث عولجت من مرض نفسيّ. حينذاك، حين كُشف ذلك، تراجع مستوى ذكائها وصارت "مجنونة". "المجنون" ضابط إسرائيليّ من رتبة عالية، والجاسوسة الإسرائيليّة الخطيرة "مجنونة". أيّ مصحّ كبير هذا الذي نتخبّط فيه؟
(يتبع)

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.