الجمعة، 19 مارس 2021

الجنون في بعض ملامحه الأدبيّة والفنيّة (3)


ميّ التي حُجر عليها


الجنون من يدري على مسافة لحظة لحظتين
ملحق النهار – السبت 3 تمّوز 1999
(3)

مجنون العلم
إنّ مفهوم الجنون عند العامّة لا علاقة له بالناحية العلميّة الطبيّة المعترف بها. ولا يفهم أحد كيف يقرّر الناس من هو المجنون ومن هو العاقل. ولكن "الغريب" – بحسب تحديدهم لمعنى الغرابة – هو المجنون حتّى يعود إلى الصراط المستقيم، وكثيرًا ما ترافقت هذه التهمة في بدايات هذا القرن مع كثرة العلم وتعدّد اللغات المكتسبة والشهادات العالية. وكم قالوا عن أحدهم: يا حرام! فلان جُنّ من كثرة ما تعلّم. ولذلك، ربّما، قلّ عدد النساء "المجنونات"، فهنّ كنّ محرومات زمنذاك من العلم، وإذا جنّت إحداهنّ فلأنّ حبيبها قد غدر بها وتركها تجترّ العار والوحدة، وهاجر إلى ما خلف البحار.
في بلدة من بلدات جبل لبنان، يتناقل الناس أخبار ذلك المغترب العائد من البرازيل بلقب أجنبيّ وثورة ماديّة بسيطة، ولكنّه كان يجيد التكلّم بسبع لغات – كما قالوا – وكان حديثه جديدًا وغريبًا، فنظر إليه أبناء بلدته وتأسّفوا على حاله وعاملوه طوال الوقت على أنّه مجنون يدارونه ويشفقون عليه، فعاش بينهم طائرًا يغرّد خارج سربه.
وفي بلدة أخرى، مجنون من نوع آخر، يضحك باستمرار، يلاحق النساء ويتحرّش بهنّ محاولًا رفع فساتينهنّ، لا يهدأ ولا يصمت. وعبثًا حاولوا ردعه أو إقناع أهله بعزله. وعلى طرق إحدى بلدات المتن، تتجوّل امرأة غير لبنانيّة، لا تصمت ولا تهدأ، لا يراها الناس إلّا مرتدية قميص النوم، وتلبس فوقه "الكومبينيزون"، لأنّه أجمل والدانتيل فيه أعرض وحرام ألّا يراه الناس بحسب قولها. لا يستطيع أحد أن يحزر متى يفلت لسانها بالصراخ والشتائم، ومتى تهدأ وتخبر حكايتها ومشاهداتها، لا تؤذي ولا تتسوّل، تعمل في البيوت، تختفي أيّامًا ثمّ تظهر فجأة. يقول البعض إنّها امرأة شديدة الذكاء و"محتالة"، ويقول آخرون: مجنونة ما بدها إلّا دير الصليب.
مي زيادة
حين بدأت المصحّات تستقبل نزلاءها، دخل إليها كثر من الناس، بعضهم كان خطرًا، قد يؤذي نفسه أو الآخرين، وبعضهم ضحيّة الحرب، وآخرون ما كانوا يعانون سوى أعراض بسيطة وعابرة، ولكنّ إخوتهم كانوا يبعدونهم مدعومين بشهادة أهل القرية عن هؤلاء الغريبي الأطوار، وفي غياب الوالدين، يضع الأخوة أيديهم على حصّة أولئك من الإرث.
لم يكن الجنون في عرف العامّة حالًا مَرضيّة بل كان غاضبًا إلهيًّا وعقابًا سمويًّا، ومن يدخل المصحّ يُنصح بألّا يغادره وإن شفي، فنظرات الناس لن ترحمه ولن تغفر له جنونه.
في كتاب "فرسان الكلام" يصف توفيق يوسف عوّاد مشاعره بعدما استمع إلى ميّ زيادة تلقي خطابها عن "رسالة الأديب في الحياة". وفي فصل بعنوان "ميّ" يقول عوّاد في المقدّمة: "في أواخر آذار سنة 1938 ألقت المرحومة ميّ خطابًا في الجامعة الأميركيّة في بيروت يصحّ عدّه للظروف التي أحاطت به من أعظم الأحداث الأدبيّة في العالم العربيّ. كانت ميّ قد اتّهمت بالجنون، وحُبس عليها ردحًا من الزمن في العصفوريّة، وأثارت قضيّتها ضجّة كبيرة في لبنان وسائر الأقطار". ويبدأ عواد مقالته التي نشرها في "النهار" متسائلًا: إلى من سيمظر الناس في الوست هول، إلى ميّ صاحبة المؤلّفات والمواقف الخطابيّة والمقالات الرائعة أم إلى ميّ التي "حُجر عليها وسيقت من مصر إلى لبنان سَوق السجين وزجّت في مستشفى المجانين وأدخل في روع الناس أنّها أصبحت مخلوقة دون الناس بعد أن كانت فوق الناس" (ص45).
ومنذ زمن ليس ببعيد، اكتشفت هدى سويد أنّ الشاعر صفوان حيدر مرميّ في سجن روميه بتهمة "الجنون"، وحرّك "الملحق" قضيّته المهملة وألّب الصحافة والرأي العامّ حتّى أُطلق سراحه.
إنّ العرب في جاهليّتهم وضعوا الشعراء والمجانين في خانة الذين يتلقّون أفكارهم من أرواح غير منظورة. ويقول فيليب حتّي في "تاريخ العرب" إنّ الشاعر هو في الأصل رجل معرفة وُهب معرفة ما ستر وذلك بواسطة شعور خفيّ يوحيه إليه شيطان خاصّ. والمجنون عندهم هو من سكنه الجنّ. ويقول كارل بروكلمن في "تاريخ الأدب العربيّ" إنّ الهجاء كان في يد الشاعر سحرًا يقصد به تعطيل قوى الخصم بتأثير سحريّ. ومن ثمّ كان الشاعر إذا تهيّأ لإطلاق مثل ذلك اللعن يلبس زيًّا خاصًّا بزيّ الكاهن. وقد زعم بعض العرب: "أنّ كلاب الجنّ هم الشعراء". ومن هذا القبيل قول عمرو بن كلثوم:
وقد هربتْ كلابُ الشعر منّا
وشذّبنا قتادة من يلينا
ونستمع إلى المعنى نفسه تغنّيه صباح بكلمات الأخوين رحباني في مسرحيّة "دواليب الهوا":
بيكفّيني كون مع شاعر مجنون
تمشي ما أعرف لوين
وأنا إمشي معك.
(يتبع)

الأربعاء، 17 مارس 2021

الجنون في بعض ملامحه الأدبيّة والفنيّة (2)


الممثّل الراحل نبيه أبو الحسن (1934 - 1993)
في دور "أخوت شانيه" من تأليف أنطوان غندور

الجنون من يدري على مسافة لحظة لحظتين
ملحق النهار – السبت 3 تمّوز 1999
(2)

الجنون الحكيم
     الجنون الحكيم أو الحكمة المجنونة، هذا ما قاله الأمير بشير الشهابيّ عن "أخوت شانيه"، المجنون الذي كان يسلّي الأمير بـ"جنونه" وأوصل المياه، بحكمته وبُعد نظره، من نبعَي القاع والصفا إلى القصر الجديد، قصر بيت الدين. ويعرّف فؤاد افرام البستاني عن هذا "الأخوت" في كتابه "على عهد الأمير" قائلًا: "كان رجلًا خفيف الروح، عذب الحديث، حلو النكات، يُصاب من وقت إلى آخر بنوع من السويداء، فيأخذ بالهذيان المضحك. فكان جنونه سارًّا مفكّهًا، والجنون فنون" (ص32). وبعدما عجز المهندسون وبعض "المعلّمين" البارعين في فنّ البناء عن الوصول إلى الحلّ الأقلّ كلفة لجرّ المياه، أعلن "الأخوت" أنّه قادر بسهولة وذلك بأن يأمر الأمير "بصفّ الزلم من نبع القاع إلى بتدّين وليحفر كلّ واحد ذراعًا أمامه، ثمّ توصل الحفائر ويجري الماء في القناة" (ص35). ويؤكّد الأمير عند سماع ذلك أنّ من المجانين من يكون أحكم العقلاء.
     ويروي "سلام الراسي" أخبارًا طريفة عن مجانين عرفتهم قريته "إبل السقي" في جنوب لبنان، وتناقل الناس أخبارهم الطريفة من جيل إلى جيل، ويقول نقلًا عن "سهيل الحمصي" "إنّ شخصيّة القرية لا تكتمل إلّا إذا عاش فيها مجنون عريق يكون له دور طريف في حياة القرية" (ص135)، ثمّ يخبر في مجموعته "الجنون فنون" قصّة عسّاف الجليلاتي الذي ادّعى الجنون تهرّبًا من الخدمة الإلزاميّة زمن الأتراك، حين كان الشبّان يُجمعون ويرمى بهم في ساحات المعارك. وقد "برطل" عسّاف هذا قائمقام "مرجعيون" بواسطة أحد أفنديّة المنطقة ليجد له عذرًا يعفيه من الخدمة، وشهد الأفندي أنّ الرجل أخوت. ولكنّ عسّافًا رفض هذا العذر واعترف بأنّه اتّفق مع الأفندي على القول إنّه قصير النظر لا مجنون. فقال الأفندي: "وهل تريد يا حضرة القائمقام برهانًا أسطع من هذا على جنون هذا الشابّ؟" فوافق القائمقام وأكّد جنون عسّاف لأنّ كلامه فضحه، واضطرّ الرجل إلى تمضية حياته وهو يؤكّد للناس جنونه كي لا يقع في تهمة خداع الدولة للتخلّص من واجب الخدمة العسكريّة. انتهت الحرب ولكنّ عسّافًا وجد صعوبة في الرجوع إلى الصواب.
     وفي حكاية "مجنون يحكي وعاقل يفهم" يصف سلام الراسي مجنونًا عاش في "إبل السقي" أيضًا اسمه عبدالله نصّار. ومن مظاهر جنونه أنّه كان يرسل شعر رأسه ولحيته ويجلس قرب العين، وحيدًا شارد الذهن، يغنّي أبياتًا من العتابا من نظمه، وعلى سجيّته، من دون أن يتقيّد بشروط القافية أو الوزن. وحين استدعي الشابّ للمثول أمام جاويش درك مرجعيون أيّام "سفر برلك" راح يغنّي قائلًا:
                                  نزل دمعي ع خدّي شروش كبّه
                                  على قبور النصارى حيّكوا اليبرق
                                  سبحان من خلق الجرذون يقطر زيت
                                  حبّك بقلبي متل لبيط الكِدش
     وقال الناس يومذاك أنّ عبدالله قد أعفي من الخدمة العسكريّة لأنّه مجنون، وقال آخرون بل لأنّه شاعر، فالشعراء كذلك لا يصلحون للحرب.
(يتبع)

الثلاثاء، 16 مارس 2021

لحدّ هلّأ - الحلقة رقم 17 - عصفوريّة وفالته (2)

الجنون في بعض ملامحه الأدبيّة والفنيّة (1)


زياد الرحباني - فيلم أميركيّ طويل

الجنون من يدري على مسافة لحظة لحظتين
ملحق النهار – السبت 3 تمّوز 1999
(1)
يقولون: في كلّ قرية مجنون "أخوت"، وساذج بسيط القلب، يلوّنان أيّامها بالغرابة والبراءة. يقولان ما لا يقوله الآخرون. يسبحان عكس التيّار. يتكاملان ويتناقضان. ليل ونهار في لحظة واحدة ومكان واحد، يتواجهان مع أنّ قد قيل أنّه لا يمكن للمرء أن يرى مؤخّرة رأسه، ويهرب أحدهما من الآخر مثلما يهرب المجرم من ضميره، والمشوّه من المرآة، والأعرج من ظلّه ترمي به الشمس في طريقه.
     مجنون يرى ما لا يُرى. وساذج ينظر ولا يرى. مجنون لا يصدّق ما يقال، وساذج يصدّق كلّ ما يُقال. مجنون لا يفعل شيئًا ولا يقدّم خدمة لأحد، وساذج يكلون إليه كلّ الأعمال ولا يرفض. مجنون غاضب كبحر شتويّ لا يتوقّف عن الحكي، وساذج هادئ صامت كبئر عميقة لا قرار لها. مجنون وقح، وساذج خجول. مجنون يعرّي الناس بنظراته، وساذج تعرّيه نظرات الناس. مجنون يركض وسط الشارع ويخيف الآخرين، وساذج يمشي مع الحائط ويخاف الآخرين. مجنون تخشاه النساء، وساذج لا يشعرن بوجوده.
     ولكنّ للأولاد رأيًا آخر. هم يحبّون كليهما، ويلحقون بكليهما: الأوّل يثير مخيّلتهم وشيطناتهم، والثاني يحرّك عواطفهم وبراءتهم. يلحقون بالأوّل ليستفزّوه، ويلحق بهم الثاني لعلّه يجد رفاقًا يلعب معهم.
     وباهتة القرية التي تخلو دروبها وأزقّتها من وجودهما، وقاحلة المدينة التي أسرتهما في مستشفياتها وأبعدتهما عن صورتها الملمّعة القابلة للتصدير والرافضة لكلّ ما لم يدخل في تصميمها المدروس.
     إنّ الجنون والبساطة مصطلحان يختلف تحديدهما بين إنسان وآخر أو بين منطقة وأخرى. ومن الصعب وضع مفهوم واحد لكلّ من هاتين الكلمتين. ولكنْ ثمّة اتّفاق مضمر بين أهل بلدة ما على النظر بطريقة مختلفة إلى إنسان معيّن ويقرّرون أنّ هذا مجنون وذاك بسيط ساذج. والغريب أنّ هؤلاء الناس أنفسهم يتجنّبون الإشارة، في أحاديثهم المتداولة خلال السهرات والأمسيات الطويلة، إلى النساء اللواتي يوضعن تحت هذا العنوان أو ذاك، وكأنّه من غير اللائق أن تعلن حياة هذه المرأة خارج حيطان منزلها، أو كأنّ وجودها الأنثويّ سريع العطب أصلًا، ومن دون هاتين العاهتين، فكيف تكون الحال معهما؟ وهكذا صارت طرق القرى ملعبًا لا تطأه إلّا أقدام رجال محكومين بتسميات وألقاب ما أن يحملوها ويوسموا بها حتّى تلتصق بجلودهم، فيعاملون كحيوانات شاردة، وتبقى هذه الأسماء إلى ما بعد موتهم، فيذكرون بها ولا يعرفون من دون هذه الصفة أو ذاك النعت. أمّا النساء فينسى الناس وجودهنّ إذ يؤسرن داخل الجدران الصمّاء، خوفًا عليهنّ من استغلال جنسيّ وهنّ اللواتي لا يعرفن ولا يفهمن ولا يقاومن. وخوف العار يتحوّل حبسًا كبيرًا مؤبّدًا، لا تخرج منه "المجنونة" الأسيرة أو "الساذجة" الخادمة إلّا إلى القبر.
     ومع ذلك فإنّ إميلي نصرالله تحكي لنا عن "روزينا" المجنونة في رواية "الإقلاع عكس الزمن". تقول الكاتبة إنّ هذه المرأة جاءت لتودّع "رضوان" المسافر إلى كندا، وفي يدها صرّة. ينظر إليها الرجل مستغربًا مجيئها ويتذكّر كم "تعمّد مداعبتها ليسمع منها الكلام اللامعقول. وأحيانًا الشتائم تنصبّ فوق رأسه ورؤوس الذين يزيدون العيار على المرأة فيخرجونها عن صمتها ليدخلوا معها في حوار طريف" (ص36). ولكنّ "روزينا" المجنونة – هكذا ينادونها – "المقيمة متوحّدة متوحّشة في كوخ يشبه الصومعة، معتزلة العالم وسكّانه" لا تخرج إلى العالم إلّا "لتخضّ هدوءه، وتبذر فيه بذور القلق والغرابة. وهي حين أتت مودّعة الرجل العجوز كانت تحمل حفنة تراب من أرض القرية هديّة لأولاده المغتربين وتقول له: "الشباب بيكونوا اشتاقوا لرائحة تراب "الجورة" (اسم القرية). ويكتشف "رضوان" أنّ التي صنّفوها من زمان في خانة الخارجين على كلّ عقل ومنطق فيها من الحكمة ما يفوق حكمة العقلاء.
(يتبع)

الأحد، 7 مارس 2021

المجتمعات المريضة (2011)


Grey's Anatomy


صار الجلوس أمام شاشات التلفزيون أقرب إلى الجلوس في عيادات الأطباء أو في أقسام الطوارئ في المستشفيات أو أمام أبواب غرف العمليّات الجراحيّة. ولو كان التلفزيون قادرًا على بثّ الروائح كما يبثّ الصور لوجدنا أنفسنا مزكومين بروائح المطهّرات والمخدّر ممزوجة بإفرازات الأجسام والجراح.
فإذا أخذنا مثلاً المحطّات التلفزيونيّة الأرضيّة في لبنان، نجد أنّ البرامج الطبيّة المتخصّصة تحديدًا بالعلاج التقليديّ أو الطبيعيّ أو البديل، صارت تحتلّ فترات بثّ طويلة تشعرنا بأنّنا لن نعجز مع قليل من المتابعة على تبادل الوصفات الطبيّة عبر "الإيميل" وإعطاء النصائح لمن نعرفهم من المرضى. فلكلّ محطّة طبيبها الخاصّ (فضلاً عن منجّمتها)، أو معالِجُتها المتخصّصة، وكلّهم يغسلون أدمغتنا وأمعاءنا بنصائح يختلط فيها الغرب بالشرق، والحديث بالقديم. كلّ ذلك وجمهور المشاهدين عاجز عن الفهم أو التمييز بين ما تقوله "مريم نور" أو ينصح به "زين الأتات" و"نقولا قيماز" أو تعلن عنه شركة "أمانة كير" ثمّ جاء برنامج "لازم تعرف" متزامنًا مع برنامج "الأطباء" المنسوخ عن الأصل الأميركيّ. وفي أكثر الأحيان تختلط الوصفات وتتشابك التعليمات فيتحوّل العلاج الذي اخترعه المريض سمًّا زعافًا.
أمّا إذا انتقلنا إلى المحطّات الفضائيّة العربيّة فنجد في انتظارنا "الدكتور فيل"، و"الدكتور أوز" الضيف الدائم في برنامج "أوبرا" التي تستضيف فضلاً عنه أطباء آخرين وفي مجالات مختلفة، و"دكتور هاوس"، و"الأطباء" الأميركيّين، ولن ننسى مسلسل "إي آر" المتخصّص في ما يجري في قسم الطوارئ، وGrey's Anatomy وغير ذلك من المعلومات الجادّة على المحطّات العلميّة أو التعليقات الساخرة في البرامج الكوميديّة، فضلاً عن برامج الحوار العربيّة في الصبحيّات وبعد الظهر ومساء. غير أنّها كلّها تشعرك بأنّك كيفما قلّبت المحطات فستجد حتمًا طبيبًا يقدّم لك رأيًا في حالتك النفسيّة أو ما قد يتعرّض له جسمك.
لا اعتراض على واجب التوجيه والتحذير والتوعية، والبرامج الوقائيّة أفضل بما لا يقاس من نشرات الأخبار التي تنقل انتشار وباء أو ظهور مرض، والمثل عندنا يقول: درهم وقاية خير من قنطار علاج. والأطباء كانوا في تاريخ البشريّة عناصر أساسيّة منذ المجتمعات البدائيّة حيث ارتبط عملهم بالسحر والشعوذة لأنّهم قادرون في رأي الناس على طرد الأرواح الشريرة التي تسبّب الأمراض. وسيبقى للأطباء هذا الدور الأساس ما دام الإنسان عرضة للأمراض، وما دام المرضى يقاومون الموت، وما دامت الحياة غالية على قلب كلّ إنسان. ولكن كم من طبيب عالج بلفتة حنان وخفّف الألم بابتسامة، وهذا علاج بسيط وسحريّ في الوقت نفسه على كليّات الطبّ أن تلحظه في مناهجها.
ولكن ما يلفت الانتباه في كثرة هذه البرامج هو دلالتها على كثرة الأمراض. فما كانت هذه الأحاديث الطبيّة لتجد الصدى والإقبال لو كان الناس أصحّاء أو مطمئنّين إلى أنّ أنظمة الحياة المعاصرة لن توقعهم في شرك الأمراض النفسيّة والجسديّة. فمما لا شكّ فيه أنّ المجتمعات هي المريضة لا الأفراد، والأنظمة الغذائيّة هي الموبوءة لا الأشخاص، ولذلك كانت المعالجة الجماعيّة الإعلاميّة هي الحلّ بعدما بات من المستحيل معالجة كلّ فرد على حدة، لكثرة ما انتشرت الأمراض وتنوّعت الأعراض.
فحين نجد طبيبًا نفسيًّا يعالج في بثّ مباشر حالة مراهقة مدمنة على المخدّرات، وتمارس الدعارة لتأمين حاجتها منها، نفهم أنّ الحاجة أمّ الاختراع، وحاجة المجتمع كلّه للتخلّص من أمراضه هي التي تدفع إلى مثل هذا النوع من العلاج العلنيّ الصادم بعدما كان الأمر محصورًا في العيادات وداخل جدران الصمت والعيب والممنوع. ومن الطبيعيّ أن يزعجنا ويثير خوفنا امتلاءُ شاشاتنا بهذا الكمّ من الأمراض والشذوذ والإدمان والشراهة في الأكل والتدخين. ولكنّ الحلّ ليس في إسكات الجهاز وتعتيم الشاشة كي نوحي لأنفسنا بأنّ الأمور على ما يرام، لأنّنا على صفحة الشاشة السوداء سنرى انعكاس صورتنا وهي، إن كنّا صادقين مع أنفسنا، لا تختلف كثيرًا عمّا كنّا نشاهده قبل أن نضغط على زرّ إطفاء التلفزيون.

الجمعة، 26 فبراير 2021

الموسيقيّ الدكتور وليم نصّار المقاوم بالموسيقى حتّى آخر مظلوم في الأرض

 


الفنّان وليم نصّار 

الموسيقيّ الدكتور وليم نصّار المقاوم بالموسيقى حتّى آخر مظلوم في الأرض

        لسواي من رفقاء وليم نصّار في الحزب الشيوعيّ أن يتحدثوا عن تجربته الحزبيّة والسياسيّة؛ ولسواي من النقّاد الموسيقيّين أن يكتبوا عن قيمة أعماله، وأن يدرسوها أكاديميًّا وعلميًّا؛ ولغيري ممّن واكب مسيرته عن كثب أن يصفه كإنسان مقاوم، أمّا أنا فأكتب مقالة انطباعيّة عن بعض أعماله الغنائيّة ما كنت أحسب أنّني، بعد فيروز، سأجد أغنيات (وليس كلّ ما أصدره نصّار) لن أملّ من الاستماع إليها، لأكتشف كلّ مرّة أنّ في كلٍّ منها جديدًا لم ألحظه سابقًا.

ما يجمع النتاج الموسيقيّ لنصّار، في رأيي، التزامه الأكيد بقضيّة آمن بها فجعل صوته وموسيقاه والكلمات التي وضعها أو كتبها سواه في خدمتها، وليس العكس، أي أنّ مشروعه الفنيّ ليس فنيًّا بحتًا على الرغم من تخصّصه الأكاديميّ في الموسيقى، وخصوصًا الإتنية منها. وهذا ما يميّزه عن عدد من الفنّانين الملتزمين الذين بدت القضيّة السياسيّة في بعض أعمالهم وسيلة لا غاية. ما لفتني في بداياته، وكان لا يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، اهتمامه بالتوزيع الموسيقيّ، معطيًا لكلّ آلة حقّها في العمل، وهذا أمر يحسب له إذ يعبّر عن إيمانه بالعمل الفريقيّ، وتوزيع الأدوار، لا بالنجوميّة والأحاديّة. فنجده مثلًا في أغنية "مويل الهوى" التراثيّة الفلسطينيّة، يبرز البيانو والناي والكمنجة والقانون في عزف منفرد يفرض نفسه وعازفه في عمل يحترم التراث، ويؤمن بأنّ على الجماعة كلّها أن تكون في خدمة المبدأ والقضيّة.

والقضيّة التي يبدو لكثيرين، عن غير وجه حقّ، أنّها محصورة بفلسطين هي بالنسبة إلى نصّار قضيّة الإنسان والمجتمع بغضّ النظر عن الدين والوطن والعرق واللون، لذلك دافع عن لغة المسيح الآراميّة، ودافع عن حقوق الأرمن والأكراد، وعن الأزيديات وسواها من القضايا التي جعلته ناشطًا لافتًا وفاعلًا في مجال حقوق الإنسان في كندا (منفاه الاختياريّ) والولايات المتحدة وأوروبا. ولم يتردّد في توجيه نقد لاذع وخطير للمنظّمات الفلسطينيّة واليسار اللبنانيّ والفلسطينيّ حين اعتبر أنّهم تخلّوا عن القضيّة الأساس.


يحمل وليم نصّار شهادة الدكتوراه في العلوم الموسيقيّة (إثنو- ميوزيكولوجي) ومارس مهنة تدريس الموسيقى في عدد من الجامعات والمعاهد الموسيقيّة في أوروبا، الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ولا يزال، إلى جانب نشاطه الموسيقيّ والغنائيّ. كما يحمل عضويّة عدد من الجمعيّات الموسيقيّة الدولية، ويعتبر اليوم أحد أهم فنّاني أغنية الاحتجاج في الغرب الداعين إلى نبذ العنف ووقف الحروب في الشرق الأوسط.

ثمّة محطّة أساس لا بدّ من التوقّف عندها قبل الإضاءة على ثلاث من أغنياته، هي الإصابة بالسرطان. ففي العام 2014 أصيب وليم نصار بسرطان الدم وسرطان الكبد، وخضع لعلاج قاس لمدة عام ونصف. ويخصّص الفنّان، كعربون وفاء للدعم المعنويّ الذي تلقّاه من الجمعية الكندية لمكافحة مرض السرطان، حفلتين في كلّ عام يعود ريعهما كاملًا لصالح الجمعيّة متبرّعًا والموسيقيين الذين يرافقونه ببدل أتعابهما، فضلًا عن كونه ناشطًا فاعلّا في مشاريعها وبرامجها. والإشارة إلى المرض هدفها لفت الانتباه إلى أمرين: أوّلهما أنّ المرض الذي يأبى أن يتركه لم يثنه عن العملين الفنيّ والاجتماعي/ السياسيّ، فكان يقيم الحفلات ويشارك في الاعتصامات ويخضع للتوقيف والتحقيق حتّى وهو في المستشفى، مع الإشارة إلى أنّه لا يزال يتابع العلاج حتّى الآن؛ وثانيها أنّه اختبر الألم الجسديّ بكلّ أنواعه (السرطان ومحاولة الاغتيال) فازداد رغبة في تحسين أوضاع الناس، رافضًا الحروب والظلم، داعيًا إلى الفرح والسلام، ما انعكس في أعماله الموسيقيّة ومقالاته.    

على طريق عيتات

البداية مع الأغنية الأشهر لوليم نصّار "على طريق عيتات"، هي الأغنية التي أطلقت اسمه ولونه الفنيّ المميّز، وتعرّضت بعد انتشارها وبسبب شهرتها للقرصنة والسرقة في أكثر من بلد وبصوت أكثر من مغنيّة ومغنّ. في تركيا أدخلوا اسم اردوغان، وفي سوريا استبدلوا اسم عيتات بالقرداحة، وإحداهنّ استبدلت عيتات بعيتيت، وبدل "جمّول" (جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة) وضعوا "علي" وأسماء أخرى، وسرقات كثيرة غيرها، ما دفع بنصّار إلى رفع دعاوى قضائيّة تحفظ حقّه، وحقوق من وضعت الأغنية من أجلهم.

صدرت الأغنية عام 1986 لتكريم الأسير أنور ياسين، صديق نصّار، ثمّ أعيد تسجيلها بتوزيع جديد عام 2015، بعنوان "ترتيلة حمرا" من ألبوم "شو بتشبهي الرمّان". ثمّ أعاد صاحبها نشرها بأسلوبين آخرين، جاز وأوبرا، ليكون مجموع أنواعها أربعة، كأنّ وليم نصّار، كاتب كلماتها وملحّنها ومغنّيها، يجد فيها غنى موسيقيًّا قابلًا للتنويع وإعادة التوزيع، أو كأنّي به يتمسّك بمرحلة المقاومة القادرة على التعبير عن نفسها بأكثر من أسلوب ولغة ووسيلة، أو يذكّر نفسه بالبداية الثوريّة، رافضًا تغيير مبدأه الأساس وهو العداء للكيان الصهيونيّ وما يمثّله، أو يؤكّد لمن يحاول إسكاته من الداخل اللبنانيّ المتأسرل المتصهين أنّه باق على العهد.

ومع ذلك، لم يسلم وليم نصّار من حملة تكذيب وتشهير شنّها عليه بعض المنتمين إلى الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين (ربّما لأسباب شخصيّة كالغيرة والحقد)، لمشاركته في المهرجان الدوليّ للموسيقى الاثنيّة في كيبيك، وحاز فيه جائزة المهرجان الأولى فرفض تسلمها كي لا يصافح موسيقيّة صهيونيّة. وكأنْ لم يكفه أن يتعرّض لهذا الهجوم من بعض الفلسطينيّين الذين اعتبر نفسه واحدًا منهم، والذين تعهّدوا بالاعتذار بعد مشاهدة فيديو الحفل ولم يفعلوا، حتّى أتته الملامة من المجتمع الغربيّ الذي اتّهمه بمعاداة الساميّة نتيجة رفضه الجائزة، فارتفعت أصوات تطالب بسحب الجنسيّة منه.  

بيروت

في 25 شباط من العام 1987، وبعد سبعة أشهر من إصدار أغنية "بيروت"، وبالقرب من ثكنة الحلو، مرّت سيّارة بالقرب من وليم نصّار، وهو خارج من أحد المقاهي، فأصيب في يده وصدره. وفي اليوم نفسه أحرق المعتدون بيته بعد نهبه، وصارت المكتبة الضخمة وألبومات صور العائلة رمادًا. يروي نصّار في أحاديثه أنّه يعرف من أطلق عليه النار ولماذا. ومع ذلك لم يغادر بيروت مباشرة بعد محاولة الاغتيال، بل بقي فيها لغاية سنة 1993، وحين أخذ قرار الهجرة، فعل ذلك، بحسب تعبيره، "بسبب الحريرية واتفاقات أوسلو، واستفحال الاستبداد المخابراتيّ السوريّ". فاختار المنفى الطوعيّ في كندا، وانضمّ إلى أهله هناك، حيث تابع الدراسة، محاولًا أن يتابع الحياة متحديًّا الغربة والملاحقة ومرض السرطان.

في أغنية "بيروت"، ثلاث عبارات تلقي الضوء على لغة مختلفة متحديّة لم يكن هناك ما يماثلها في تلك الفترة: سرقوا هدايا العيد وليلة الميلاد – الشعارات العتيقة – يا إمّي شيلي حجابك، وهي بذلك تفضح مطلق النار الذي صادر عيد الميلاد، وبقي ملتصقًا بالشعارات العتيقة واستفزّته عبارة نزع الحجاب. ولكنْ فيها بالنسبة إليّ شجن وحزن ورؤيا مستقبليّة سوداوية على الرغم من الرهان على السنديانة الحمرا التي، بحسب الأغنية، تطمئن إلى الغد ما دامت تكبر وتنمو، وعلى الرغم من "الفجر الطالع وغنيّة بكرا ويللي بيكفّوا كتار". وما النفي الطوعيّ الذي اختاره نصّار سوى اعتراف بأنّ السنديانة الحمرا لم تستطع أن تحميه من شمس حارقة بدأت تحوّل البلاد صحراء قاحلة في الطبيعة والفكر والفنّ.

أمّا عن لحنها فأكاد أجزم بأنّ الحنان السائل منها بكلمتي بيي (بيي بتذكر شو قلتلي) وإمّي (ولو فيكي يا إمّي تمحي عن الحيطان) لا مثيل له في أي أغنية عاطفيّة أو وطنيّة أو سياسيّة. ولعلّ من يستمع إلى هذه الأغنية سيجد أنْ جرى تقليدها في كثير من الأصوات والأغنيات.  

شو بتشبهي الرمّان

"شو بتشبهي الرمّان" أغنية عاطفيّة تعبّر بالنسبة إليّ عن مشروع نصّار الموسيقيّ الذي يجب أن ينصرف إليه بعدما استنزفته الأغنية السياسيّة، وإن كنت لا أحبّ لصق السياسة بأغنياته التي أعتبرها إنسانيّة/ اجتماعيّة. ففي كلمات "شو بتشبهي الرمّان" جرأة في التعبير عن الحبّ، لا تبتعد عن الجرأة في الموقف الملتزم بالقضايا الكبرى، ليصير الحبّ هنا قضيّة كبيرة كذلك، تستحقّ بدل الصوت صوتين، إذ استعمل نصّار صوته بأسلوبين يوحيان بأنّ ثمّة شخصين يغنيان. لكأني به يعبّر عن حاله بجزء من صوته وعن الحبيبة بجزء آخر من الصوت نفسه، لتحضر المرأة، بين الصوتين، بصدرها العامر، وعطر جلدها، وشفتيها المرتعشتين، وريق فمها السكريّ الطعم، وجسمها القمحيّ ولون الخبا الغافي في حميم مواضعه. وقد تكون هذه الأغنية، في رأيي، من أكثر الأغنيات اللبنانيّة/ العربيّة تصويرًا لمشهد حسيّ حميم بلا كلمة نابية تجرح الجمال وتخدش العشق، برفقة موسيقى غنيّة تجعل المستمع إليها يكتشف كلّ مرّة آلة جديدة لم يلحظ وجودها من قبل، كأنّ الأغنية تتجدّد مع كل إعادة واستعادة.

وإذا كنت اعتبرت هذه الأغنية جزءًا من العمل الثوريّ لنصّار، فلأنّني أرى المرأة حاضرة فيها بجسدها وشهوتها، كما تحضر في العمل الحزبيّ والاجتماعيّ، لتكون شريكة الرجل في أيّ نشاط أو واجب... أو متعة هي من أبسط حقوقها.



الموسيقيّ وليم نصّار مع المطران هيلاريون كبوجي

نصّار ووجه الكنيسة الثائر

إنّ اختيار هذه الأغنيات لا ينتقص طبعًا من قيمة غيرها، أو من قيمة المقطوعات الموسيقيّة التي تحمل أسماء تجعلها جزءًا من رسالته الفنيّة الثوريّة. لكنّي، إذ أتمنّى على الدكتور نصّار ألّا يكتفي بشهرته الكنديّة/ الأميركيّة/ الأوروبيّة، وأن يعمل على تعريف الأجيال اللبنانيّة الجديدة به، وكثر لم يسمعوا باسمه كما لاحظت حين نشرت بعض أغنياته على مواقع التواصل، أدعوه إلى مواجهة أعدائه بالموسيقى والمزيد من الأغنيات. فهو، وإن كان ينشط على صعد كثيرة ومنها العمل الصحافيّ بنشره مجلّة "الكاتب اليساريّ" التي تصدر بثلاث لغات، ويحارب المرض الذي أنهكه منذ شبابه وحاربه كما حارب إسرائيل والتعصّب والجهل والحقد، مقصّر في إصدار ألبومات موسيقيّة هي كلمته التي لن تسكتها رصاصة مكتومة الصوت، أو مرض مهما بلغ خبثه فلن يصل إلى خبث من يدّعي محاربة إسرائيل، ثمّ يقتل من ينتصر عليها بالموسيقى والحضارة والعلم.

مقلّ وليم نصّار في إطلالاته الإعلاميّة العربيّة واللبنانيّة، لكنّي ومن خلال مقابلتين له مع زاهي وهبي عبر تلفزيون المستقبل وفاتن حموي عبر إذاعة صوت الشعب، وبحسب موقعه الرسميّ على الإنترنت، ومنشوراته على فيسبوك وتغريداته على تويتر، أجده يمثّل، بحسب انطباع شخصيّ لن يعجب على الأرجح الدكتور نصّار، حال كثيرين من المسيحيّين الذين اضطهدهم مجتمعهم المسسيحيّ المتهوّد ولم ير فيهم وجه المسيح الثائر، ثمّ اضطهدهم مجتمعهم اليساريّ المنحرف لأنّه كان صورة عن ثورة المسيح التي فضحت ثورتهم، واضطهده بعض الفلسطينيّين لأنّه أشار إلى انحراف في مسار القضيّة، واضطهده الغرب لأنّهم كان فلسطينيًّا أكثر من كثير من الفلسطينيّين.

لذلك، وانسجامًا مع قراءته الخاصّة لمجريات الأمور، والتزامًا بمواقفه التي دفع ثمنها في دكاكين تجّار الهيكل، كان من أوائل الداعمين لزيارة البطريرك الراعي إلى فلسطين، فتوجّه إليها في الوقت نفسه، وكتب مقالة افتتاحيّة في مجلته "الكاتب اليساريّ"، هاجم فيها رافضي الزيارة، وردّ على حملة تخوين البطريرك المارونيّ وعلى الداعين لمحاكمته بتهمة التطبيع. وكان من المتوقّع ألّا تمرّ هذه المقالة من دون أثر، فمن جهة توقّفت الحملة العلنيّة ضدّ البطريرك، ليردّ، في المقابل، من طالتهم كلماته بحملة إشاعات وتشهير وتقارير إلى الأجهزة الأمنيّة، خصوصًا أنّه أنهى مقالته بموقف حاسم، فكتب:

"أسجّل موقفي أخيرًا وبالقلم العريض …

أنا الشيوعيّ ذو الخلفيّة المارونيّة... الملحد... والمعارض لكلّ أشكال التطبيع مع "إسرائيل" .. دولة وشعبًا "يهوديًّا"… أعلن أنّني مع أيّ زيارة أو إقامة في فلسطين … سواء كانت فلسطين الضفة الغربيّة أو فلسطين التاريخيّة … فهذا تحدٍّ وكسر للتعنّت اليهوديّ في منع لمّ شمل الفلسطينيّين .. لإبقائهم معزولين عن أشقائهم العرب … ومعتقلين في سجن كبير اسمه الوطن ..

أنا وليم نصّار... الملحد … والشيوعيّ من أصول مارونيّة حتّى آخر قطرة دم... وغير المؤمن بالكنيسة .. أعتبر أنّ زيارة البطريرك بشارة الراعي .. ممارسة لحقّ العودة إلى فلسطين … رغم أنف ضابط الأمن "الإسرائيليّ".

سنأتي إلى إسرائيل وفلسطين .. وإلى موارنتها على وجه التخصيص …  رغم كلّ الدروب الشائكة … وبكافّة الوسائل والطرق الممكنة ..

سنعبر إليهم …  وكنيستنا المارونيّة رأسها أعلى من أن تطاله المسوخ …"


***

أنشر هذه المقالة في توقيت يقع بين ذكرى محاولة اغتيال وليم نصّار يوم 25 شباط 1987، وقبل توجّه داعمي البطريرك المارونيّ بشارة الراعي إلى بكركي يوم السبت 26 شباط 2021، تأييدًا لطلبه حياد لبنان، وقبل أن يصدر الفنّان اللبنانيّ الكنديّ ألبومه الجديد "ارتباك".

هي إذًا مرحلة ارتباك لنا جميعًا، فهل سنعرف اليقين بعدها؟

لعلّ الفنّ يكون طريقنا الجميل إليه! 

***

روابط خاصّة بالموسيقيّ وليم نصّار:

 facebook.com/w.nassar5 

          https://williamnassar.com/

                             


مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.