الاثنين، 22 أبريل 2019

مطر حزيران بلا قبعة وعصا - صحيفة النهار - 29 حزيران 2010



ليس في الأمثال الشعبيّة اللبنانيّة ما يشير إلى سقوط المطر في حزيران، ربّما لأنّ الشتاء حين يرحل يلملم عباءات الغيم المغسولة بمياه السماء وينشرها على حبال الغسيل في أرض بعيدة تنتظر قطرات تروي عطش تربتها.
ومع ذلك، فحزيران هذا العام أنزل علينا ماءه المجبول بالغبار وتساقطت الأمطار وحولاً أتلفت الزرع ولوّثت زجاج النوافذ وحوّلت الطرق ساحات تزحلق تصطاد من لا يعرف كيف يثبت قدميه على الأرض. وتبيّن أنّ مطر حزيران لا يؤمَن له، فلا هو شتاء يعدك برجل ثلج يعتمر قبعة ويتّكئ على عصا يخلّفهما وراءه حين يذوب في الأرض مع أوّل خيط من خيوط الشمس، ولا هو صيف وكَيف وبساط واسع يمتدّ خارج الدار حيث كان القمر قنديل السهر. هو نوبات بكاء لا نفهم أسبابها، مزاجيّة سماء لم نعد نعرف ماذا تريد من أبناء الأرض، فورة أعصاب لا مهدّئ لها. وحين يتوقّف المطر فجأة عن الهطول نكتشف أنّ الطقس لم يعد طقسنا وأنّ مزروعاتنا أتلفت وثمار أشجارنا تساقطت ومواسمنا بارت ومنتجعاتنا خلت من روّادها. أمّا ألسنة الناس فلا تردّد إلاّ لازمة واحدة: "لم تعد الأمور كما كانت عليه. حتّى الطبيعة تغيّرت وما عاد فينا نوثق فيها". صحيح، لم تعد الأمور على حالها: موسم الشتاء كان بلا ثلج، وموسم الربيع كان بلا زهر، وموسم الصيف يصل بلا شمس، كأنّنا في خريف دائم لا يريد أن ينتهي، بل يزداد ضبابه كثافة مع احتمال حرب يتمنّى نشوبها كثيرون لتصفية حسابات شخصيّة. ولكنّ الطبيعة لا تقتل نفسها بنفسها والحرب لا تقع من تلقاء نفسها، الإنسان عدوّ ذاته مذ وعى ذاته.
تحكي سيّدة في حيّنا وتقول: حين كانت المرحومة أمّي تجلس على هذا المقعد قبل عشرين سنة كانت تقول إنّ الشمس في أوّل يوم من الصيف تغيب خلف قصر الشرتوني. الآن صارت الشمس تغيب أبعد بمبنيين، تتابع السيّدة وهي تشير إلى الاختلاف في موقع مغيب الشمس، وتسأل نفسها بصوت مرتفع: شو عم يصير بالدني؟ من يخبرها أنّ كلّ واحد منّا صار محور الأرض، تدور الأرض والكواكب والنجوم حوله، وهو مشغول بنفسه عمّا حوله؟
حين كتب جبّور الدويهي روايته عن حمّام الدمّ في ليالي الشمال الحزينة، وضع لها عنواناً معبّراً هو "مطر حزيران". وعلى الغلاف الخارجيّ الأخير لها وبحسب القرار الظنيّ في قضيّة الاعتداء على أمن الدولة الداخليّ الحاصلة في مزيارة، قضاء زغرتا، بتاريخ 16 حزيران 1957، نقرأ: "كانت السماء ترسل رذاذًا من المطر... وبسبب المطر أخذ الناس يدخلون إلى الكنيسة من بابيها الجانبيين الشماليّ والجنوبيّ، وأمّا باقي الموكب فدخل من الباب الغربيّ الملوكيّ المواجه لساحة البلدة، وما إن بدأ الموكب بالدخول إلى الكنيسة حتّى حصلت ضوضاء بين الحضور وأطلق طلق ناريّ في خارج الكنيسة كان الإشارة والشرارة الأولى للكامنين في داخل الكنيسة وفي الساحة وعلى السطوح، فشهروا أسلحتهم وأخذوا يطلقون النار على خصومهم، ودام إطلاق النار زهاء العشرين دقيقة فقتل وجرح مئة وبعض المئة من الناس وهرب القسم الأكبر من المعتدين وألقي القبض على البعض منهم".

كان ذلك في أعالي الشمال، غير أنّ الكبار في بلدتي يقولون إنّهم لا يذكرون أنّ المطر تساقط في مثل هذا الوقت من السنة، ولكنّهم يشيرون إلى مطر نزل في آب مرّة منذ زمن بعيد، إذًا "معقولة تشتّي بآب" كما يغني وائل كفوري. أمّا حزيران فيبدو أنّه احتفظ بمطره لحيث كان عليه أن يغسل الدم بعد صوت الرصاص المنهمر كالشتي كما وصفه المصوّر الأرمني في الرواية المشار إليها.
ماذا يحمل مطر حزيران هذا العام، وهو المتسلّل يومًا والمقتحم يومًا آخر ودائماً بلا برق ورعد، فضلاً عن حوادث التزحلق والاصطدام وخربطة مشاريع الاحتفالات والمهرجانات؟ وكم ضحيّة يجب أن تسقط قبل أن نكتشف أنّ انعدام الرؤية لا يكون دائماً بسبب الضباب؟ وكيف سيكون صيفنا الموعود بالنفط على شواطئنا التي صارت أملاكًا خاصّة، في حين تغرق مدننا في عتمة انقطاع الكهرباء وتزدحم السيارات على طرقنا بسبب ورش الإعمار العشوائيّة أو حوادث السير القاتلة؟ وأيّ مصدر للرزق سيكون لنا بعدما فقدنا اعتدال فصولنا واستقرار مواسمنا السياحيّة اللذين كانا فخرنا ولا فضل لنا إلاّ في تخريبهما وتشويههما؟ أسئلة لا تنتظر أجوبة مقنعة أو منطقيّة، فحين يبدأ الخلاف على نفط لم يظهر بعد، ونهمل ثروة مائيّة تروي عطش الشرق ونتركها تذهب إهداراً إلى بحرنا الملوّث، لا يعود يهمّ إن سقط المطر في حزيران أو نشبت الحرب في تمّوز أو نجح تلامذة لبنان بالجملة، فالمهمّ: وين السهرة الليلة؟

* صحيفة النهار - 29 حزيران 2010

السبت، 20 أبريل 2019

المسيح قام... إلى العمل (من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)




لأنّ العمل كثير والفعلة قليلون
لأنّ الأرض تيبس والناس يجوعون
لأنّ ثروات الأرض عند حفنة من الناس،
لأنّ القبور للموتى لا للأحياء
لأنّ المرضى يئنّون والأطباء مشغولون بالمناصب السياسية
لأنّ الأسرى في المعتقلات ضائعون والمحامين يرافعون عن السجّانين
لأنّ الخراف الضالّة خائفة والرعاة يحلمون بالسمن والعسل
لأنّ الثائر في الشارع والشاعر في المقهى
لأنّ التاجر يأكل مال الفاجر
لأنّ المتسوّلين يذوبون في إسفلت الطريق
قام المسيح ليفتح الباب
قام المسيح نشيطًا وسعيدًا
إلى العمل الذي يحبّه
إلى الحبّ الذي في جوهر كلّ عمل.

الجمعة، 19 أبريل 2019

وأنا كذلك الأمّ الحزينة - آذار 2010





يوم الجمعة الحزينة، ينفجر الحزن في الإذاعات والتلفزيونات والبيوت والكنائس، فيذهب "المؤمنون" إلى رتبة دفن المسيح وهم يرتدون ملابس الحداد، ويتسابق الرجال لحمل نعش المصلوب، وتقرأ الأناجيل الأربعة التي تصف مشهد الصلب والموت (لماذا لا تقرأ أناجيل أربعة يومي الميلاد والقيامة؟)، وتدمع العيون حين تصدح الأصوات المرنّمة "أنا الأمّ الحزينة". 
هذا نحن، شرقيّون نحتفل بالموت، ولا نعرف كيف نحيا، وإلاّ لكنّا تذكّرنا أنّ كلّ أمّ ترغب في أن تصرخ من صميم القلب: وأنا كذلك الأمّ الحزينة وما من يعزّيها:
أنا الأم الحزينة التي لا تملك ثمن الدواء لابنتها المريضة
أنا الأمّ الحزينة التي تعجز عن تسديد قسط المدرسة
أنا الأمّ الحزينة التي لا تعرف إن كانت مستقرّة في عملها أو ستطرد عند نهاية الشهر
أنا الأمّ الحزينة التي هاجر ولدها ليبحث عن أمنه وأمانه وطعامه خارج بلده
أنا الأمّ الحزينة التي تعرّض أولادها للاعتداء على حقوقهم وأجسادهم وعقولهم في المؤسسات الدينيّة ولن يشفي جرحها اعتذار أو أسف
أنا الأمّ الحزينة التي قتل أولادها في حروب الآخرين
أنا الأمّ الحزينة التي خُطف وحيدها ولا تعرف إن كان عليها أن تبكيه ميتًا أو أسيرًا معذّبًا
أنا الأمّ الحزينة التي تنظر إلى إعاقة ولدها وتشعر بالذنب لأنّها عاجزة عن اجتراح معجزة شفائه
أنا الأمّ الحزينة التي تبيع كرامتها كي تشتري قوت عائلتها
أنا الأمّ الحزينة التي تتسوّل على الطرق
أنا الأمّ الحزينة التي لم تنفعها ثروتها في حماية ابنها من الإدمان والانتحار... 
هل أتابع؟ 
كثيرات هنّ الأمّهات الحزينات، ولكن ليس لجميعهنّ إيمان مريم وثقتها بأنّ لها من يواسيها في السماء وكذلك على الأرض، وليس صحيحًا القول عنها: وما من يعزّيها. وهل تعدم معزيًّا من اختارها الآب أمًّا لابنه، والتي لم تتخلّ عنها السماء لا في حياتها ولا عند انتقالها إليها؟ ولكن ماذا عن سائر الأمّهات؟ ومن يعزّيهنّ خصوصًا في هذا الشهر الذي يُحتفل فيه بيوم المرأة العالميّ وعيد الأمّ وعيد الطفل وعيد البشارة؟
يجب ألا يشغلنا حزن مريم عن أحزان مثيلاتها من الأمّهات، بل لعلّه يفتح أعيننا على مآسيهنّ وآذاننا على تنهّداتهنّ، إذ كيف يمكن أن تقتنع السماء بمظهر الأسى على وجوه الناس تضامنًا مع امرأة لم يعاصروها ولم يعرفوها وعاشت منذ أكثر من ألفي سنة وكانت تعرف مصير ابنها، في وقت يتعامى كلّ واحد منهم عن آلام من حوله. يكاد الأمر يبدو تمثيليّة كبرى لولا العَشرة الصالحون. لذلك يبدو الاحتفاء بمريم في عيد البشارة المفترض أن يجمع المسيحيّين والمسلمين (ماذا عن أبناء الطائفة الإنجيليّة؟؟ هل سئلوا عن رأيهم في الموضوع؟؟) غريبًا حين ننتبه إلى أنّ المسلمين لا يرون فيها الأمّ الحزينة لأنّ ابن ستنا مريم لم يصلب بل شبّه لهم أنّهم صلبوه، في حين أنّ ابن السيّدة العذراء صلب ومات وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب. فهل نتّفق على مريم السعيدة بابنها ونختلف على مريم الثكلى؟
لا أستطيع شخصيًّا أن أرى مريم كما صوّرها التقليد أو كما صوّرتها الأفلام. فالفتاة العذراء التي قالت للملاك: فليكن لي بحسب قولك، وآمنت بأنّها ستحبل من الروح القدس، لا يمكن أن تكون أمومتها ليسوع وتتلمذها عليه قد جعلاها أقلّ إيمانًا وبالتالي أكثر تفجّعًا بسبب رفضها المصير الذي كان من المفترض أنّها وابنها ويوسف ينتظرونه. طبعًا ذلك لا يعني أنّها قتلت إحساس الأمومة فيها نحو ابنها، ولكنّها لن تكون مريم/ والدة الإله/ أمّ الله/ إن لم يكن حزنها على البشريّة أكبر وأعمق. ونحن، إن لم نسمع في ترنيمة "أنا الأم الحزينة" صدى لأحزان أمّهات الأرض كلّها فإنّما نحن صنوج ترنّ ونحاس يطنّ، ولن نخدع السماء بأصواتنا مهما بدت جميلة.

صحيفة النهار - الثلاثاء 30 آذار 2010
***
سبق نشره على هذه المدوّنة في تاريخ 30 آذار/ مارس 2010

الأربعاء، 17 أبريل 2019

معاناة المسيح لا ألم المصلوب (2010 - من سلسلة الموارنة مرّوا من هنا)



Macha Chmakoff

     آلام المسيح التي يطيب للمسيحيين أن يمجّدوها استمرّت يومًا أو يومين، وهي تشبه آلام اللصّين المعلّقين معه، لا بل هي أقلّ بما لا يقاس من آلام أطفال مرضى، ومعوّقين عاجزين، وأسرى معذّبين، وعجزة محتضرين. ولكن ما يميّز آلام المسيح هي أنّها كانت تتويجًا لمعاناة داخليّة بدأت مذ تفتّحَ وعيه على الحياة وبدأ يدرك ما تواجهه الإنسانيّة، وكانت رفيقته على الدروب التي كانت تمرّ بين المرضى والأصحّاء، والظالمين والمظلومين، والأثرياء والفقراء. ولأنّه كان ينظر ويرى، يسمع ويصغي، يفكّر ويحبّ، كانت معاناته أكبر من آلامه.

     الرجل المعلّق على خشبةٍ بمساميرَ وحبال لا يملك القدرة، إن كان إنسانًا مثلنا، على التفكير بآلام الناس. مشغول هو بأوجاعه وباكتشاف أعضاء في جسده لم يكن يعرف أنّها تؤلم إلى هذا الحدّ حين تتعرّض للضرب والطعن والشوك والجَلد. والرجل المعلّق على الصليب سيقرّر قبل أن يتخدّر عقله من شدّة الوجع أن يطلب من أبيه ألّا يشعر أحد من بني البشر بمثل الآلام التي شعر بها، وسيهمس مرّة ثانية: أبعد عنّي وعنهم هذه الكأس! قبل ذلك لم يكن يعرف بأنّ الجسد يمكنه أن يتعرّض لكلّ تلك الآلام ويبقى عزيزًا على صاحبه ولا يرغب في التخلّي عنه. قبل ذلك كان ينظر إلى الآلام ويعاني مع حامليها، أمّا على الصليب فتألّم معهم ومثلهم وعنهم، ولو لم تنعجن شخصيّته بالمعاناة لما كان لألمه المعنى الخلاصيّ.

     معاناة المسيح الداخليّة هي ما يعنيني من تجربته مع الآلام التي يطلب بعض المسيحيين ما يشبهها حتّى صارت عبارة: مع آلامك يا يسوع، كافية لتجعل المسيحيّ قابلًا أوجاعه، راضياً بها، مستسلمًا لها، ساعيًا إليها. المعاناة تلك طالت من المسيح العقل والروح والنفس، وجعلته في قلب البشريّة، سابرًا أغوارها، سائلًا ومتسائلًا عن أسباب بؤسها وشقائها ورفضها الخلاص. الألم عابر وقد يدمنه الإنسان أو يعتاده، والإنسان مذ صُفع على قفاه ليبكي ويتنفّس اكتشف أنّه والألم رفيقا درب، والمسيح في ذلك ليس غريبًا عن تغيّرات الجسد البشريّ وما يرافقها من أوجاع ولذّات.

     المعاناة أمر آخر وتصدر من مركز مختلف في الدماغ (المشلول مثلًا لا يتألّم لكنّه يعاني). وفي حين أنّ الألم قد يكون موقّتًا أو عابرًا، تبقى المعاناة لصيقة بالإنسان وقادرة على إيهامه أنّه لا يزال يتألّم أو أنّ الألم سيعود، وهي التي تظهر له مدى هشاشته وسرعة عطبه. ولذلك، أزعجني دائمًا، كما سواي كثر، أن ترتبط المسيحيّة بالألم لا برفض الألم، وبالحرمان لا بمقاومة الحرمان، وبالموت لا بالحياة. وأن يزدحم الناس في الكنائس في أسبوع الآلام ويغيبون عنها في أزمنة الميلاد والقيامة. لا بل أتساءل كيف يمكن أن يكون المسيحيّ طالبًا الألم إن كان يؤمن بأنّ إلهه تألّم عنه، وكيف يكون حزينًا ومسيحه مسحه بزيت الخلاص؟ فهل المسيحيّة تنافسٌ على حمل صليب الألم لأطول زمن وإلى أعلى جبل؟ وكيف تكون المسيحيّة صنو الحرمان من جمال الحياة ومُتَعها والمسيح استمتع – بقدر ما عانى - بكلّ لحظة قضاها لابسًا إنسانيّتنا؟ أو كيف تكون مرادفة للجوع والعطش والمسيح خبز الأرض وخمرة السماء؟
     ولكنّ تخفيف الألم في المسيحيّة ليس في غسل أقدام اثني عشر مختارًا غسلوا أقدامهم قبل احتفال الغسل المرسومة تفاصيل مشهديّته بترف لا يناسب عظة التواضع، أو في عيادة مرضى لا تفوح منهم إلّا رائحة العطور والبخور وأنواع الزهور، أو في مواساة حزين لم يحزنه سوى أنّ صور حزنه لن تنشر في مجلاّت الموضة وصفحات المجتمع. وفي طبيعة الحال، ليس كلّ مسيحيّ خبيرًا في تخفيف الألم وبلسمة الجراح، فهذا علم تجتمع فيه الدراسة والخبرة مع المحبة والالتزام، غير أنّ كلّ مسيحيّ مطالب بمحاربة الألم، ألمه وألم سواه، وذلك برفض كلّ ما من شأنه أن يؤذي الإنسان في جسمه أو روحه.

     بعيدًا عن ذلك، لن تكون المسيحيّة سوى قبر على بابه ندّابات لا ينتظرن قيامة، أو مستشفى يقود إلى المشرحة لا إلى البيت، أو مختبر كبير الناس فيه فئرانُ تجارب يُضحّى بها لا مرضى يُضحّى بكلّ ثمين من أجل علاجهم.

صحيفة النهار - الثلاثاء 23 آذار 2010

الاثنين، 15 أبريل 2019

المرأة الفراشة

anne-bazabidila

تتناقل الأشجار منذ آلاف السنين
حكايةَ المرأة التي صارت فراشةً
حين فرشَ لها حبيبُها الأرضَ وردًا
وخشيَ أن يقبّلها كي لا تحترق!
وفي كلّ مرّة تُروى فيها الحكاية
تتجدّد الرغبة
التي تزيّن الأغصانَ بالبراعم...
#ماري_القصّيفي

Les arbres transmettent
Depuis des milliers d'années
L'histoire de la femme
Qui est devenue papillon
Lorsque son amant
Lui a jonché la terre par des fleurs
Et craignait qu'elle soit brûlée
S'il l'embrassait !
Et à chaque fois
Qu'on racontait l'histoire
L'envie qui embellit
Les branches par les bourgeons
Se renouvelle..

الجمعة، 12 أبريل 2019

ضحايا نيسان 1975 (صحيفة النهار 2010)


بيكاسّو - المرأة المنتحبة


     لم تتوقّف الحرب التي بدأت في 13 نيسان 1975 ولم ينته مسلسل العنف ولم يوضع حدّ لعمليّات التعذيب والتنكيل والتشويه والإذلال؛ والقلوب التي نمت على الحقد لم تعرف السلام الداخليّ بعد.
ما أتحدّث عنه هنا ليس ما يجري في كواليس السياسة وأزّقة الصراع وبؤر المؤامرات، ما أتحدّث عنه هو الكثير من المقاتلين الذين كانوا مراهقين في بداية الحرب وتزوّجوا وأنجبوا ولا يزالون حتّى اليوم يمارسون مختلف فنون الحرب ولكن...في منازلهم ومع نسائهم وأولادهم.
     إنّ نظرة سريعة إلى بيوت عدد كبير من هؤلاء المقاتلين تظهر مشاهد لا تصدّق من الممارسات الشاذّة كأنّ الواحد منهم لم يع بعد أنّ هذه المرأة هي زوجته وليست أسيرة عنده وأنّ هؤلاء الأولاد هم أبناؤه وليسوا معتقلي حرب.
     تقول إحدى الزوجات: كنّا صغارًا حين تزوّجنا، وهو الآن نادم على قراره ويعاملني كأنّني سرقت منه حياته وشبابه فيضربني ويشتمني ويخونني ويهدّد بقتلي إذا ما خالفت أوامره.
     وتقول زوجة ثانية: لا يزال زوجي يحتفظ ببزّته العسكريّة ويرتديها حين يرغب في ممارسة الجنس طالبًا منّي أن أفعل ما تفعله النساء في الأفلام الإباحيّة، وإذا رفضت ضربني بالحزام السميك وركلني بالحذاء الضخم ثمّ اغتصبني.
     وتقول زوجة ثالثة: يجبر زوجي أولادنا على مشاهدة عمليّة الإذلال وإذا بكى أحدهم أو تدخّل مدافعًا عنّي ضربه وهدّد بحرقه بأعقاب السجائر.
     وتقول زوجة رابعة: يشعر زوجي بالإحباط فهو في الحرب كان الآمر الناهي وجاء السلم ليخذله ولا يحقّق له ما كان ينتظره. لقد عاد رجلاً عاديًّا، لا يعيره أحد أيّ اهتمام فيصبّ غضبه علينا.
     وتقول زوجة خامسة: زوجي ترك المدرسة والتحق بالحزب، وصرف ما ربحه في الحرب على المخدّرات والنساء والسلاح، ويعمل الآن في شركة أمن خاصّة ولا يكفينا راتبه ثمن الكحول. وإذا لم أعمل وأجلب له المال ضربني وضرب الأولاد.
     حكايات النساء عن "أبطال" حروبنا الصغيرة لا تنتهي، وآثار العنف والضرب والإهانة تظهر واضحة في عيون أولادهم الذين بدأوا يضربون زملاءهم وإخوتهم لردّ الاعتبار لأنفسهم أوّلاً ولتقليد آبائهم ثانيًا، وثمّة بينهم من يضرب أمّه أو جدّته. وفي حين تغلّف هذه الحكايات بالصمت والكتمان والتعتيم، يزداد عدد ضحايا 13 نيسان ويتواصل مسلسل العنف في بلد لا يجرؤ أحد فيه على فضح الأسرار العائليّة وشعار أهله يقول: "خلّيها بالقلب تجرح ولا تطلع وتفضح".
     لا أعرف إن كان ثمّة إحصاءات حول هذا الموضوع، أو دراسات حول هذه الفئة العمريّة من الرجال (بين 45 و55 سنة) الذين كبروا فجأة حين أطلقوا الرصاصة الأولى على الضحيّة الأولى. ولكن مجرّد التواجد في محيط توجد فيه هذه الشريحة من الرجال غير المتعلّمين وذوي الدخل المحدود جدًّا والمقتنعين بأنّهم لم يوفّقوا كما يجب في حربهم الأولى يكفي كي نخاف على أنفسنا حين نسمعهم يقولون وبريق تقشعرّ له الأبدان يسطع من عيونهم: لو تعود الحرب لأيّام فقط لنعوّض ما حرمنا منه.
     ولكن ما الذي حرم منه هؤلاء؟
     الجواب: الإدمان على القتل والعنف والتذويب في الأسيد والاغتصاب ورمي الجثث في مكبّ النفايات أو تحت الجسور أو في مقابر جماعيّة والشعور بالتفوّق والمتعة في فرض قوانين خاصّة.
وأولادهم المراهقون الضحايا؟
     هم مع الأسف أسرى حرب يتماهون مع معتقليهم ويقلّدونهم على الرغم من الكره الشديد الذي يحملونه لهم، والغضب العنيف الذي يجعلهم يتمنّون الموت لآبائهم وهم لا يعرفون أنّهم باتوا، في غياب المعالجات النفسيّة والمتابعة الاجتماعيّة، نسخة طبق الأصل عنهم، أي قنابل موقوتة لا نعرف متى تفجّر نفسها فتجرف معها احتمالات الخلاص.

الأربعاء، 10 أبريل 2019

لولا نيسان 1975...(النهار - الثلاثاء 13 نيسان 2010)

بوسطة عين الرمّانة
هل أصابا الهدف؟


يبدو أنّهما أصابا الهدف

هل بقيت حياتهما كما هي؟؟؟

     
بعد صبيحة الثالث عشر من نيسان من العام 1975، لم يعد العالم هو نفسه، لم يعد لبنان هو لبنان الذي أُخبرنا عنه، ولم تعد حياة أيّ واحد منّا كما كانت عليه، حتّى الذين كانوا أجنّة في أحشاء أمّهاتهم، والذين ولدوا بعد ذلك التاريخ بكثير، والذين سيولدون بعد أجيال، كلّهم، كلّنا، محكومون بما جرى في ذلك الأحد. وإذا كان ترابط الكائنات ودورة الطبيعة يعنيان أنّ سقوط ورقة عن شجرة في الصين يغيّر كينونة العالم، فكيف إذا انطلقت نيران الرشّاشات وسقطت ضحايا وانفجر ما كان يختبئ في الضمائر والصدور ليجرف كلّ شيء أمامه؟ هكذا تتغيّر مصائر الأمم والأفراد في كلّ مكان وكلّ زمان.

     لولا ما حدث في مثل هذا اليوم عندنا، لكان كثيرون أحياء لا شهداء، وأحرارًا لا أسرى، وأصحّاء لا معوّقين، ومقيمين لا مغتربين، وعاقلين لا مجانين، ولكان كثيرون اختاروا مدارس وجامعات غير تلك التي أجبرتهم الحرب على ارتيادها، ولكان كثيرون أقاموا في بيوت بنوها وأثّثوها لا في بيوت هجّروا إليها، ولكان كثيرون ارتبطوا بغير الذين شاءت الحرب أن يرتموا في أحضانهم ليهربوا من الغربة والوحدة والموت. لولا ذلك النهار لكان كثر من الناس اختاروا البلدان التي هاجروا إليها بدل أن يهربوا على أيّ مركب أو طائرة إلى أيّ بلد يمنحهم حقّ اللجوء إليه ويبيعهم الأمان مقابل مبالغ كبيرة من الضرائب، ولكان كثيرون أنهوا علومهم بدل أن يلتحقوا بالأحزاب، واختاروا أعمالاً لا علاقة لها بالسياسة، ولكانت الأرض ملأى بالأشجار لا بالمقابر، والأثير عابقًا بأغنيات الحبّ والصداقة لا بأناشيد للثورة والوطن والموت.

      13 نيسان 1975 ليس منفصلاً في طبيعة الحال عمّا قبله وجعل تركيبة لبنان ما هي عليه، بلدًا تحكمه الجغرافيا وهو مقتنع بأنّه يصنع التاريخ. ولكنّ التغيّرات الجذريّة واستمرار تداعيات ذلك اليوم هما ما يجعلانه محطّة حاسمة في تغيير مسار الوطن وتقرير مصير المواطنين. من هنا أهميّة ألا ننسى ذلك اليوم وما نتج عنه من هزائم لبعض الأفرقاء وانتصارات لآخرين. والدعوة إلى عدم النسيان هي محاولة لتعليم الأجيال الجديدة أنّ الحرب قد توصل قلّة من الأشخاص إلى مراكز المسؤوليّة والقيادة ولكن على جثث من ارتضوا أن يكونوا وقودًا لها، أو راحوا ضحيّتها من غير ذنب. ولعلّ المؤسّسات التربويّة والجمعيّات الأهليّة في المجتمع المدنيّ مطالبة بتخصيص هذا اليوم لتنظيم زيارات لمعوّقي الحرب، وأمّهات الشهداء، وأهالي المخطوفين، وبيوت المهجّرين، والقرى المزروعة ألغامًا، لعلّ جيل الشباب يتذكّر أنّ "الحرب بالنظّارات هيّنة" كما يقول المثل الشعبيّ، وأنّ من شلّت أطرافه وينتظر من يتعطّف عليه ويمسح له أنفه لم يربح من الحرب سوى المعاناة، وأنّ الأمّهات لم يحصدن من بطولات أولادهنّ سوى كلمات التعزية المجّانيّة، وأنّ أهالي المخطوفين يموتون كلّ يوم مئة مرّة وهم يحاولون أن يتخيّلوا مصائر أولادهم فيعجزون، وأنّ المهجّر لم يترك أرضه وبيته فحسب بل حياة وحضارة وجيرة وتاريخًا وتراثًا، وأنّ الأرض المزروعة ألغامًا لا ينبت فيها إلاّ الأطراف الاصطناعيّة.

     نحن الذين استيقظنا صبيحة ذلك الأحد وعلى أهدابنا بقايا من أحلام المراهقة والعشق والنجاح، تمطّينا في أسرّتنا الدافئة ونحن نستمتع بكسل عطلة الأسبوع، تناولنا فطورنا الشهيّ في طقس ربيعيّ جميل، استمعنا إلى زقزقة العصافير قبل أن تخفت أصواتها مع رنين أجراس الكنائس "تذيب روح الله في المتعبين"، كما يصفها الياس ابو شبكة، جلسنا نخطّط لمشروع يوم الأحد قبل أن نعود غدًا الاثنين إلى المدارس، ولم نكن نعلم طبعًا أنّ هناك من قرّر ألاّ تعود حياتنا إلى ما كانت عليه، وأنّ كلا منّا سيجد نفسه مرغمًا على أن يسير في دروب خطّتها له القذائف العشوائيّة ورسمتها الرصاصات الطائشة، وسيكون له لغة ذات مفردات غريبة ومصطلحات جديدة، وستُفرض عليه حياة لا تشبه قطعًا حياة أهله الذين لم يحدسوا بما سيكون عليه مستقبل أولادهم، ولا تشبه حتمًا حياة أولاده الذين حين يستمعون عرضًا إلى أخبار الحرب والقصف والخوف يتصرّفون كأنّهم أمام فيلم سينمائيّ لا يموت فيه الممثّلون بل يقبضون رواتبهم وينتقلون للعمل في فيلم آخر. وهذه هي معاناتنا اليوميّة مع الحرب وعلينا أن نجعلها كلّ يوم رسالة سلام، على الأقل مع أنفسنا.

الأحد، 7 أبريل 2019

العقل وعلامات الاستفهام والتعجّب (2009)





(2009)

     يخيفني العقل البشريّ بقدر ما يثير فضولي وإعجابي ودهشتي. أخاف منه بقدر ما أخاف عليه.
     حين التقيت الممثّلة المسرحيّة رضا خوري وراقبت ما كانت تفعله طيلة الوقت الذي أمضيته معها كنت أخشى أن تكون في كامل وعيها، ولكنّها أسيرة حاجز ما يمنعها من الوصول إلينا، كانت في مرحلة متقدّمة من مرض الإلزهايمر، وكانت والدتها العجوز هي التي تخدمها وترعى شؤونها وتتذكّر عنها. أمّا هي فكانت في عالم آخر. أحببت في ذلك اليوم أن أفكّر في أنّ رضا تؤدّي أحد أدوارها، وأنّها ستخلع عنها بعد قليل قناع التمثيل لتعود إلينا. في لحظة من اللحظات، شعرت أنّها تعرف ما يجري. فحين كانت والدتها تريني ألبوم الصور لمسرحيات ابنتها وأعمالها، تململت رضا في مكانها وأرادت النهوض، فساعدتها خادمة تساعد الأم المريضة في جسدها والابنة المريضة في عقلها. وبعدما انتصبت واقفة بعد معاناة توجّهت إلى غرفة نومها وهي تجرّ نفسها بصعوبة رافضة أن تبقى في مكانها، ثمّ عادت حاملة إليّ صورة فوتوغرافيّة لها كانت موضوعة قرب سريرها وتظهرها في أحد أدوارها المهمّة. كانت رضا تعرف في ذلك الوقت ماذا أفعل عندهم. وبالفعل نشرتُ الصورة مع التحقيق وقلت إنّها من اختيار رضا نفسها.
     كان يدهشني دومًا في مرضى الألزهايمر ميلهم إلى الشتائم واللعنات على أقرب المقرّبين منهم. وكنت شاهدة على حال سيّدة مريضة لا تتوقّف عن الكلام البذيء والشتائم كأنّ لاوعيها يفرغ كلّ ما كان يحرّم عليه إخراجه. فجاء المرض وأطلق الأمور من عقالها.
     بعيدًا عن هذا المرض، أذكر في كثير من الأسى تلك الشابّة التي وضعوها في غرفتي في المستشفى لأنّها كانت مصابة بنزيف. كنت صغيرة وخاضعة لعمليّة جراحيّة في رجلي تمنعني عن الحركة. وفي أوائل الليل، انفجرت أصوات القصف في مكان ما من بيروت، فتوتّرت أعصاب المريضة وخرجت عن إطار السيطرة. علمت فيما بعد أنّ المرأة كانت في مركز للأمراض العقليّة، وأتوا بها إلى هذه المستشفى لعلاج نزيفها. ولم يكن من المسموح أن يضعوها مع أحد. 
     في ذلك الوقت كانت الحرب تسمح بمخالفات كثيرة فهل سيهتمّ أحد بمجنونة موضوعة في غرفة واحدة مع طفلة. 
     أذكر المشهد كما لو أن الأمر حدث اليوم: كيف كانت تحضن المخدّة على اعتبار أنّها ابن أخيها الذي كانت تحبّه على ما يبدو بشكل مميّز، وتغنّي للمخدّة، وتقفز بها من زاوية إلى زاوية هربًا من قصف موجود في تلك اللحظة في رأسها فقط، إلى أن اختبأت تحت السرير وهي تصرخ.
     ثمّ أخذت تقترب منّي لتخبّئني تحت الغطاء كي لا يطالني القصف. 
     لم تنفع محاولات الأطباء والممرضات في تهدئتها رغم الأدوية التي أعطيت لها والحقن. ولما لم يكن هناك مجال لوضعها في غرفة أخرى بقي طبيب وممرّضة طيلة الليل حاجزين بيني وبينها.
     لا أذكر أنّني كنت خائفة منها، بقدر ما كنت أراقب ما يجري وأحاول أن أفهم. كان الدم النازف منها يملأ المكان ويلوّث ملابسها وفراشها وغطاءها ولم يكن من مجال لترتيب وضعها وتصحيحه قبل أن تهدأ. وكانت عيناي المفتوحتان ترصدان كلّ حركة وكلّ كلمة وكلّ نقطة دم. وساعدني الضوء الذي أبقوه مشتعلاً على تثبيت نظري عليها وملاحقتها في رقصة رعبها الطويلة والمرهقة.
     في ساعات الفجر الأولى، غرقت المرأة النازفة في نوم عميق بعدما أعطى خليط الأدوية مفعوله أو بعدما تعبت. لا أدري. ولكن حين تمّ نقلها على سرير متحرّك إلى سيّارة إسعاف لإعادتها إلى المصحّ العقليّ كانت المرأة لا تزال نائمة. أهلها الذين أتوا لمرافقتها اعتذروا من أهلي عن ليلتي الصعبة كما وصفوها. وقالوا إنّ الحرب هي التي فعلت ذلك بها، وأنّها فعلًا متعلّقة بابن أخيها الطفل وتخاف عليه.
     أعتقد أنّ ارتباط الجنون بالحرب وثيق، فالجنون يولّد الحرب والحرب تنتج الجنون. حلقة مفرغة يدور فيها الإنسان. ولهذا سيبقى العقل البشريّ بالنسبة إليّ أمام علامات استفهام وعلامات تعجّب لا نهاية لها.

السبت، 6 أبريل 2019

عاهرة باب أوّل (قصّة قصيرة) - 2015

Aleister Crowley



     اليافطة الأنيقة الخفرة بدت في غير مكانها. ففي مدخل البناء الفخم، وعند بوّابته الإلكترونيّة النظرات، لا يتوقّع المرء أن يجد كلّ يوم، بين يافطات مختلفة الخطوط واللغات لأطبّاء ومهندسين ومحامين، واحدة تعلن عن مكتب للخدمات الجنسيّة. 
     لكن هذا ما حدث للأستاذ الجامعيّ الذي كان يلج المكان للمرّة الأولى، قاصدًا طبيب أسنان أرشده إليه زميله في التعليم. 
     بُهت الرجل الأربعينيّ حين وقعت عيناه على اللوحة ذات الخطّ المرسوم بعناية فنّان وذوقه: خدمات جنسيّة راقية - ط 3، وراح يتساءل كيف يرضى أصحاب الشقق الأخرى بوجود بيت دعارة بينهم، وكيف تكون الخدمات الجنسيّة الراقية في مكان يقصده زوّار وضيوف لا يتوقّعون أن يجدوا شقّة مشبوهة بين مكاتب وعيادات محترمة.
     أفكار كثيرة تصارعت في رأس الدكتور وهو يقاوم رغبته في استكشاف هذا الأمر، مقنعًا نفسه بأنّ من واجبه كأستاذ للعلوم الاجتماعيّة أن يعرف ماذا يجري في هذه المدينة الملأى بالعجائب والغرائب. فلعلّ الموضوع يصلح لاحقًا مادّة لكتاب جديد وعد ناشره بإعداده لمعرض الكتاب المقبل.
     باب غرفة الناطور نصف مغلق، وما من حركة تشير إلى أنّ أحدًا سيلاحظ أنّ الدكتور سيضغط على زرّ الطابق الثالث. ثمّ إنّه غريب عن المبنى، ولن يعرفه أحد فيه، وسيسهل عليه أن يقول إنّه أخطأ في الطبقة، إن وَجد في المشهد كلّه ما يثير الريبة أو ما قد يحرجه.
     في الطبقة الثالثة، ثلاث شقق: مكتب محاماة، مكتب الخدمات الجنسيّة، ولا يافطة تشير إلى وجهة استخدام الشقّة الثالثة التي بدا بابها مغبرًا عتيقًا كأنّها غير مأهولة.
     على باب شقّة الخدمات، دعوة بخطّ صغير تطلب من الزائرين قرع الجرس والدخول. وهذا ما فعله عالم الاجتماع.
     استقبله صوت فيروز، فتراجع إلى الخلف خطوتين ليتأكّد من أنّه لم يخطئ في العنوان. وكاد يهرب خجلًا من صوتٍ حنون ينطلق من حيث لا يدري ليقول بلهفة صباحيّة صادقة: تبقى ميّل تبقى سآل، متل الأول ضلّ سآل... وحين تأكّد من أنّ الشقّة هي فعلًا شقّة الخدمات الجنسيّة تساءل عمّا تفعله فيروز هنا!!!
     المكان غارق في الضوء، ونباتات جميلة ونادرة تتوّزّع الزوايا، ومكتب أنيق إلى يمين المدخل، ولا أحد خلفه. لكن يبدو أنّه حين قرع الجرس ودخل، ثمّة من تنبّه إلى وصول زائر (زبون) فظهر خيال خلف باب عريض زجاجيّ يفصل بين المدخل وسائر أقسام المكان، وقبل أن يفكر الدكتور بالهرب من جديد من موقف أقحم نفسه فيه، خرجت امرأة ثلاثينيّة، شديدة الأناقة، جميلة بشكل يقطع الأنفاس، وعلى وجهها ابتسامة ترحيب دافئة.
أصيب الرجل بدوار وظنّ أنّ في الأمر خدعة أو مقلبًا من ذلك النوع الذي يراه على شاشة التلفزيون.
     صباح الخير. بادرته المرأة. بلا غنج أو دلال أو إغراء. هل الجنس الراقي يكون بمثل هذا التهذيب والكبرياء؟ تساءل الدكتور قبل أن يسرع في الردّ كأنّه يدافع عن نفسه: أعتذر، أنا أستاذ علوم اجتماعيّة ولفتني مكتبكم، هل يمكن لي أن أعرف المزيد عنكم.
ابتسمت السيّدة وهي تومئ برأسها كأنّها تتعرّض لهذا التبرير للمرّة المليون، ودعته بحركة من يدها للجلوس، بينما استقرّت هي خلف المكتب.
- أهلًا بك ومرحبا. طبعًا من حقِّك كأيّ زبون أن تسأل عمّا تريد، وأنا هنا من أجل ذلك. فليس هناك "نحن" لتعرف عنّا. أنا وحدي صاحبة هذه الشقّة ومديرة شؤونها. فماذا تريد أن تعرف.
- عفوًا على السؤال الذي قد يبدو فجًّا: لكن أليس هذا بيت دعارة؟ يأتي رجل ليمارس الجنس فيه مع امرأة؟
- لا أعرف كيف تعرّف أنت بيوت الدعارة، أو ماذا يأتي الرجل ليفعل بالتحديد في بيوت الدعارة كما تسمّيها حضرتك. لنقل هو كذلك. أنتَ بالتحديد ماذا تريد؟ وماذا تفعل هنا؟
- قلتُ لك أنّني أستاذ جامعيّ لفتني الإعلان. ولم أحضر لأخون زوجتي التي أحبّها وأحترمها.
- دعني أوضح لك من البداية أنّ الرجل يخون نفسه ولا يخون أحدًا آخر. فقد تكون الخيانة في أن تنام مع زوجتك. ولكن ليس هذا موضوعنا. سأشرح لك آلية العمل عندنا لإرضاء فضولك العلميّ على الأقلّ. 
    أعطت المرأة الوقت لنفسها كي تبتسم بحريّة، وكي تتركه يستعدّ لما ستقول. وتابعت:
- حين يقصدني زبون طالبًا خدمة جنسيّة راقية، عليّ أن أجري معه مقابلة، تسمح لي بالتعرّف إليه وعلى ما يريد، انطلاقًا من ذوقه وأفكاره وأخلاقه ولباسه وطريقة تصرّفاته... ثمّ آخذ معلومات عن عمله وعائلته وصحّته، وأحدّد له موعدًا آخر بعد أن أقوم بدراسة الوضع وتقييم المعطيات. وقد أعتذر منه إذا لم أجد عندنا ما يناسبه من خدمات، أو أرشده إلى حيث تنتظره امرأة تقدّم له الخدمات الجنسيّة الراقية الملائمة له.
- يعني عاهرة باب أوّل؟؟؟ هتف الرجل ساخرًا كأنّه وجد لقية أو كنزًا، أو قال ما لم يسبقه إليه أحد.
حافظت المرأة على رصانتها وهدوئها وأجابت:
-
إن أردت أن تصفها بهذا الشكل فلا مانع عندي. لكنّي أرى الأمور كلّها بمنظار مختلف. لذلك أتمنّى أن تقرّر ماذا تريد أن تفعل الآن، وإلّا فأنا مضطرّة لإنهاء المقابلة، إن لم تكن زبونًا.
وُجم الدكتور وشعر بأنّه طالب في الصفّ يتلقّى تأنيبًا على سوء السلوك، وكاد يغادر نادمًا على إقحام نفسه في مسألة غريبة كهذه،  بل خشي أن يكون قد وقع في مصيدة تخرب بيته.
بدا على المرأة وهي تراقبه كأنّها تعيد قراءة عنوان عريض في صحيفة سبق أن قرأت تفاصيل الأخبار فيها. وقالت بهدوء واستفزاز:
- لا تخشَ يا دكتور من ردّة فعلي، فمن الواضح أنّك لستَ من طراز زبائننا، فلا قدرتك الماديّة تسمح لك بذلك، ولا شخصيّتك مؤهّلة لخوض غمار مغامرة كهذه. وسيبقى أمر زيارتك لنا سريًّا.
    
     فجأة انتبه الرجل إلى الكاميرا الصغيرة المصوّبة نحوه، وتأكّد له من أنّه وقع في مصيدة عصابة ستبتزّه وتقضي على سمعته ومستقبله. 
     مرّة جديدة، بدت المرأة مستعدّة لتطوّرات المشهد، وتابعت:
- ما من أسرار في عالمنا اليوم، إلّا تلك التي نخفيها عن أنفسنا. الكاميرات موزّعة في المبنى كلّه، وأمام كلّ شقة ومكتب وفي المصعد. ويكفي أن أبحث عنك على صفحات المواقع الاجتماعيّة لأعرف من أنت وماذا تفعل. أو يمكنني أن أعرض صورتك على زبائني وكلّهم من السياسيّين والأمنيّين ورجال الأعمال وقادة الأحزاب، أو على السيّدات العاملات معي، وكلّهنّ من طبقات اجتماعيّة وثقافيّة وعلميّة راقية، كي أجد بالتأكيد من يعرفك ويعرف تفاصيل حياتك كلّها. لكنّي قطعًا لا أفعل ذلك. فاطمئنّ.

    وقف الرجل على عجل. واستأذن بالمغادرة، كتلميذ صغير يريد أن يقضي حاجته التي حرّكها خوفه من الامتحان.  
***
     بعد أسبوع، عاد الدكتور إلى مكتب الخدمات الجنسيّة طالبًا امرأة تلائمه. لم تشر المرأة إلى لقائهما الأوّل، لكنّ الرجل عرف أنّها كانت تنتظره. سحبت أوراقًا من دُرج مكتبها، وطلبت منه أن يملأ الاستمارة، قبل أن تقول له: سأتركك مع صوت فيروز وأدخل لأعدّ لنا فنجاني قهوة. أم تفضّل شيئًا آخر تشربه؟
    فيروز وقهوة وخدمات جنسيّة، ما الذي ينتظره بعد؟
   وافق على القهوة، وأخذ القلم من يدّ السيّدة الجميلة، وبدأ يجيب على الأسئلة.
***
    بعد أسبوع آخر، وبناء على اتصال ورده من السيّدة، حضر الرجل إلى المكتب ليعرف إن كان نجح في الامتحان، وإن كان من طبقة الزبائن المرموقين، وإن كان يستحقّ نعمة الجنس الراقي. 
استقبله صوت فيروز بأغنية "يا ريت إنت وأنا بشي بيت" فارتجف قلبه تفاؤلًا، ورأى نفسه في أحضان امرأة مثيرة من سيّدات المجتمع المخمليّ... وكاد لولا دخول السيّدة عليه أن يشمّ العطر الفاخر الفاجر...
     دعته المرأة كي يتبعها، فاصطكت ركبتها: هل الموعد هنا؟ هل تنتظره المرأة المثيرة خلف الباب الزجاجي؟ أيّ عالم ينتظره حين يعبر إلى الجانب الآخر من الشقّة؟ ثمّ تمنّى لو أنّ السيّدة أعلمته بذلك عند اتّصالها ليستعدّ للقاء من هذا النوع.
     لكنّها استوقفته أمام خزانة فيها عشرات الملفّات، وسحبت واحدًا منها مختومًا، وسلّمته إيّاه وهي تقول مبتسمة بحنان:  
- تجد هنا المعلومات المطلوبة عن السيّدة التي تلائمك، تلك التي وصفتها بأنّها عاهرة باب أوّل. وتجد كذلك طريقة اللقاء بها وسائر التفاصيل، حتّى المبلغ الذي تدفعه لها.
- ألستِ أنتِ من يهتمّ بالجانب الماديّ؟ سأل الرجل متعجّبًا.
- أنا أثق بالسيّدات اللواتي يعملن معي، وبهذه السيّدة خصوصًا. أجابت المرأة وهي ترافقه إلى الباب. ثمّ تابعت:
- أتمنّى، قبل أن تخوض هذه المغامرة، أن تقرأ الملفّ بعناية، وأن تتفحّص الصور والمعلومات التي أعدّها المكتب لك. فحين تعجبك تجربة الخدمات الجنسيّة الراقية لن يسهل عليك الإقلاع عنها. 
     لم يعرف الرجل ماذا يقول، فتركته السيّدة، وعادت إلى ما خلف الباب الزجاجيّ قبل أن تتاح له الفرصة ليشكرها، في حين كانت فيروز تقول: كان غير شكل الزيتون...

     في السيّارة، فتح الرجل الملفّ متلهّفًا لمعرفة محظيّته التي ستؤمّن له متعًا جنسيّة لم تعرف امرأته يومًا كيف تحقّقها له، وإذا به يرى صورة زوجته، ملصقة على ورقة كتب عليها بالخطّ العريض:
     
بعد البحث والتنقيب، وَجد مكتبُنا أنّ زوجتك عاهرة باب أوّل وهي المرأة التي تستحقّها، لأنّ تحقيقاتنا، مع أهلك وأهلها وجيرانكما ومعارفكما وزملائكما، أكّدت لنا أنّها بلسانها السلّيط وأخلاقها السيّئة وعقدها النفسيّة وأقاويلها الكاذبة وتمسكنها المخادع ونميمتها الغبيّة، تمثّل العهر الحقيقيّ الذي يخرب البيوت والعلاقات!


الأربعاء، 3 أبريل 2019

إلى ألكسندر شربل المولود من صلابة الإيمان ورحمة السماء



إلى ألكسندر شربل المولود من صلابة الإيمان ورحمة السماء

وُلِدْتَ يا صغيري مرّة أولى من صُلب رجل ورحم امرأة، وولدت مرّة ثانية من صلابة إيمان رجل ورحمة قلب امرأة. فما أسعد حظّك وما أكرم السماء التي منحتك ولادتين لا يفصل بينهما سوى ثلاثة أسابيع.
وجدوك ملقى في أقمطة على باب دير، وبين عيد مار يوسف، الرجل الذي تبنّى المسيح، وعيد الأمّ، صرت من نصيب أبوين ينتظران منذ اثني عشر عامًا طفولة تحبو في بيتهما الجميل. وحين عجز الطبّ عن منحهما ذلك، تدخّلت السماء وأرسلتك ملاكًا ينشر البهجة كلّما رفرف بصوته مناديًا حنانًا تخمّر في أقبية العمر الواعد.
سيأتي يوم تعرف فيه يا صغيري أنّ السماء أنجبتك، وأنّ الأرض حضنتك، وبينهما كان كلّ ما في الكون ينبئ بمجيئك الثاني، إلى حيث تنتظرك حياة جديدة. لا أعرف كيف ستكون ردّة فعلك حين تعلم، ويجب أن تعلم، أنّ أبوين جسديّين كانا سبيلك إلى أبوين روحيّين: قد تغضب، قد تعاتب، قد ترفض، قد تطرح أسئلة، وهذا كلّه من حقّك، لكن حين تنظر إلى صورك التي يوزّعها والداك الفخوران علينا ستكتشف كم كانت طفولتك جميلة وهانئة ودافئة، وكم أحاط بك حبّ تعدّى الوالدين ليطال العائلة الكبيرة كلّها والأصدقاء والزملاء والجيران، وكم ذُرفت دموع سعادة ابتهاجًا بك. وحينذاك ستبكي فرحًا، وستشكر السماء التي أرسلتك شاهدًا على سخائها، وتقبّل الأرض حيث وضعوك وكان عمرك أسابيع قليلة، وستسامح والدَين قد لا تعرف ظروف تخلّيهما عنك ولا مصيرهما بعدك. 
ولادتك الثانية ستليها معموديّة مباركة تثبّتك ابنًا لمي وفراس، وسيكون شفيعك شربل رفيقك في دروب القداسة، وفي شعنينتك ستكون شمعتك الصغيرة باهرة الضوء دافئة العطاء، وحين تتناول قربانتك الأولى ستذوق طعم السماء التي باركتك مذ ولدت، وفي يومك الأوّل في المدرسة ستكتشف أنّ العلم طريق إلى الله صعب وجميل في الوقت نفسه، وستتوالى عليك مناسبات، فيها بسمة وفيها دمعة، لكنّك، فيها كلّها، لن تكون بعد اليوم متروكًا، وحيدًا، حزينًا.
فيا أيّها الصغير الذي لا أعرف متى وكيف ستقرأ رسالتي هذه، ولا أين سأكون أنا، ابقَ ملاكًا مرسَلًا، كن دائمًا ابن الإنسانيّة التي تجمّعت حول سريرك مذ وصلت إلى بيتك الآمن، كن نجمةً ترشد الضالين إلى مغارة فيها طفل يشبهك، وكن سمعان القيرواني لا يتردّد في مساعدة المحتاج، ولا تخشَ أن تحمل صليبًا قد يكون في انتظارك عند مفارق الحياة، إذ لك من اسمك الأوّل شجاعة الرجال ومن اسمك الثاني قداسة النسّاك، وما أحوجنا يا صغيري إلى من يحمل هاتين الصفتين في زعمائنا الروحيّين والمدنيّين والعسكريّين.
فيا صغيرًا بحجم حبّة قمح واعدة، وجميلًا كزهرة بريّة نضرة، انمُ بالحكمة والقامة، وطرْ كفراشة، وحلّق كنسر. فأنت ابن الحبّ، وصنيعة الرجاء، وهديّة السماء... ولا تقبل بأقلّ من ذلك، لأنّك مستحقّ!

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.