الأحد، 17 مارس 2019

أزمة نقد أم نهاية مرحلة؟ - 2011



هل كانت الثقافة العربيّة تنتظر سقوط الأنظمة الديكتاتوريّة كي تصفّي حسابات قديمة مع أسماء صارت، والبعض يتّهم التبعيّة الفكريّة والنقد الاستنسابيّ بأنّهما هما اللذان صيّراها، رموزًا لا يُسمح إلّا للأتباع والمريدين بالاقتراب من حرمها المقدّس؟ سؤال يفرض نفسه على متابعي الصفحات الثقافيّة الحافلة هذه الأيّام بمقالات "نقديّة" – متناقضة – لا توفّر أحدًا من سلاطة قول وقسوة موقف، وغالبًا من دون تبرير منطقيّ يقنع القارئ بصوابيّة هذا الرأي أو خطأ ذاك. ولعلّ النموذج اللبنانيّ يعطي فكرة عن هذا الواقع في كونه يختصر الحالة العربيّة ويعبّر عن متغيّراتها.

البداية مع الأخوين رحباني. فبعد وفاة منصور الرحباني، بدا كأنّ مجد عاصي ومنصور فقد هالته وسمح بأن تتناول الأقلام إنتاجهم نقدًا لا يتّكئ أغلبه على خلفيّة موسيقيّة أو فكريّة أو شعريّة. صحيح أنّ العائلة الرحبانيّة حرّكت منذ البداية أقلامًا تطنب في الإعجاب الساذج لمجرّد ركوب الموجة أو تجنح نحو الإساءة المجّانيّة خوفًا من تيّار شعريّ وموسيقيّ جديد، لكنّ انفصال زياد عن العائلة ثمّ انفصال فيروز عن عاصي ووفاة هذا الأخير، جعلت العالم الرحباني مادة مغرية للتداول، عدا تسريبات من هنا وهناك أطلقها صحافيّون وشعراء أصدقاء للعائلة تؤكّد مساهماتهم في كتابة نصوص أو الإيحاء بأفكار. غير أنّ وجود منصور منع استفحال هذا المنحى في مقاربة إنتاج الأخوين، وخصوصًا حين راح كثيرون يسعون إلى تمييز ما لعاصي وما لمنصور . وأتت مرحلة ما بعد الأخوين لتفتح سجلّات اختلط فيها الخاصّ بالعامّ (نسب ابن دلال طليقة زياد، توزيع الميراث الرحباني، حصّة فيروز، قيمة أعمال أولاد منصور، انتماءاتهم السياسيّة)، من دون اعتبار للإرث الفنّي الكبير وإيصاله إلى الأجيال الجديدة للتعلّم منه لا لعرضه في متحف أو رفعه على منصات التبخير.
صحيح أنّ من طبيعة النقد أن يتمتّع بمساحة واسعة من الحريّة تسمح له بعرض الإنتاج الإبداعيّ على العقل لكن العرض لا يعنّي التعرّض الانفعاليّ لأمور لا تمتّ للعمل بصلة أو تحويل العمل مناسبة لتصفية حسابات. ولنأخذ مثلاً رأيين نقديّين يختصران المسألة. ففي مقالة عبده وازن عن مسرحية "دون كيشوت" للأخوة رحباني (الحياة، 3/7/2011) نقد عارضه تمامًا رأي صفوان حيدر (السفير، 9/7/ 2011)، فكيف يعرف قارئ النصّ إن كانت المسرحيّة فاشلة (بحسب وازن) أو ناجحة (بتأكيد حيدر)؟ فعن هبة طوجي بطلة العمل رأى وازن أنّها عجزت "عن إعطاء شخصية دولسينايا ملامحها الحقيقية، المأسوية والكوميدية، وبدت تمثل بصوتها الصارخ، إضافة الى غنائها الصارخ الذي جعلها تبدو عاجزة أيضاً عن استخدام طاقة هذا الصوت، الذي قال عنه مرّة أسامة أنّه سيبدأ مرحلة جديدة من الغناء". ثمّ تابع "ولعلّ من الواجب على هبة أن تلتحق بمعهد للغناء تتعلم فيه أصول الغناء والأداء الغنائي، فقوة الصوت (السوبرانو) لا تكفي لتصنع منها مغنية ناجحة". أمّا حيدر فكتب في ما يشبه الردّ: "جاء صوتها البديع وأداؤها المسرحي الرشيق ترسيخاً وتأكيداً لهذا التألّق"، فبدت "كتلة مشتعلة بالحيوية الكلامية والجسدية والغنائية. وقد أدّت هبة دورها بنجاح كبير وجاء صوتها باهراً ومدهشاً بتعدد طبقاته وارتفاعاته وانخفاضاته". وعن أداء رفيق علي أحمد كتب وازن: "وكانت هذه اللعبة «التضخيــــمية» تليـــــق بدون كيشوت نفسه الذي أدّاه – ويا للأسف – الممثل الكبير رفيق علي أحمد، في أسلوب خطابي حتى كاد صراخه يذكر بصراخ أنطوان كرباج في المسرح الرحباني. ورفيق علي أحمد يعلم جيداً أنّ هذا ليس أسلوبه وهذه الإطلالة ليست إطلالته، هو الممثل الذي طوّع الأساليب ونجح في توظيفها لا سيما في أعماله المونودرامية و "الحكواتية"، فجاء ردّ حيدر: "أما أداء رفيق علي أحمد ففيه قد اكتملت معالم الشخصية الأحمدية التمثيلية منذ ثلاثة عقود وتوضحت مظاهرها المميزة الساخرة والمتهكمة التي كانت مستترة في بعض جوانبها في مسرحياته السابقة". والأمر نفسه يصحّ على الكوريغرافيا التي كانت بحسب عبده وازن "شبه مدرسية، عادية جداً ولا جديد فيها، لا تخييلاً ولا حركة ولا رقصاً ولا دلالات. وبدا الراقصون على عادتهم في رؤية مروان، يقفزون و «ينطنطون» أكثر مما يرقصون"، أمّا بحسب صفوان حيدر فالكوريغرافيا والرقص يأخذان "بألباب عيوننا وقلوبنا ومشاعرنا وأحاسيسنا وإيقاعات تصفيقنا". وفي الختام هل أخفق أبناء منصور كما رأى وازن مؤكّدًا على "الركاكة والهشاشة اللتين وقعوا فيهما" أم نجحوا كما يصرّ حيدر "في تجديد مسرحة هذا العمل على صعيد الشكل والمضمون. إنها الرؤية الاخراجية الجديدة قلباً وقالباً والانتاج المثقف والمسرحة والتأليف الدرامي والغنائي والموسيقي التجديدي والمتألق والباهر، تأليفاً وتلحيناً وتوزيعاً وغناء"؟
بعد الرحابنة، أتى دور سعيد عقل المحتفل بأعوامه المئة على وقع كلمات ترفعه إلى مستوى مجد لبنان أو تنزل به إلى دركات الجحيم المتهاوي إليه الوطن المشرذم. فعبّاس بيضون سخر من تاريخ سعيد عقل (السياسيّ والنفسيّ) ومن طريقة الاحتفاء به (السفير الثقافيّ 8 تمّوز 2011) وجاء في ختام مقالته: "سعيد عقل وصل إلى المئة. صعد الدرجات كلها ووصل منهوكا. لقد وصل ونال جائزته قداساً. ما أشق الطريق ما أخفّ الجائزة". أمّا محمّد علي فرحات فله رأي أقلّ حدّة (الحياة، 9 تمّوز 2011): "القداس يتعدّى البعد الديني، على أهميته، الى إعلان علاقة بين الكنيسة المارونية وشعر سعيد عقل المنذور لمجد لبنان". وفي الحالين، ما علاقة القدّاس التكريميّ وهو شأن دينيّ بحت وخاصّ في الحكم على تجربة سعيد عقل الشعريّة؟ وهل القدّاس إن كان موضوعًا يستحقّ الكتابة عنه (أشار إليه أنسي الحاج وعبد وازن كذلك) هو جائزة خفيفة بحسب تعبير بيضون ما استدعى اعتراض المركز الكاثوليكيّ للإعلام أم مهمّة بحسب فرحات؟ وهل شعر سعيد عقل جميل كما وصفه فرحات في قوله" كلمة سعيد عقل الشعرية معلنة الجمال، المتهادية، المفاخرة بنفسها، المعلّمة من حيث هي نموذج، المكتفية بذاتها، لا تحتاج منافسة مثيلاتها في العالم"؟ أم لن يبقى من آثاره إلّا عبارة واحدة استشهد بها بيضون في كلامه على عقل (القاتل لشدّة هيامه بنفسه كما ورد في النصّ) وهي أنّ على كلّ لبنانيّ أن يقتل فلسطينيًّا؟ في رأي يشبه الردّ على أنسي الحاج (جريدة الأخبار) في قوله: "سعيد عقل عنصري؟ نعم، إذا كان العنصري هو الفاقد أمانه في محيطٍ ساحق لا يشبهه. إذا كان في نظر المختلف هو عنهم يشكّل "خطراً...عنصريّة المغبون، عنصريّة فرديّة دفاعيّة ولّدتها عنصريّة الأكثريّة". أمّا عبده وازن فيرى أنّ شعر سعيد عقل "العربي الفصيح هو الذي صنع مجده، لا شعره العامي ولا أفكاره التوهيمية ولا ادعاءاته التي لا حد لها" وأنّه "كان ولا يزال الشاعر الاقل مبيعاً في لبنان والعالم العربي"، ولكن أليس التساؤل مشروعًا عن فائدة هذا المجد العربيّ إن كانت النهاية في أحضان الطائفة، وهو أمر يذكّر بنهاية أحمد فارس الشدياق المختلف في شأنها، وهل تمنّع العرب عن شراء مؤلّفاته سببه لبنانيّة عقل المتطرّفة أم مستوى لغته الأنيقة ومعانيه الصعبة، علمًا أنّ الجمهور نفسه يستمع إلى قصائده الفصيحة المغنّاة وكلماته اللبنانيّة الشعبيّة ولا يعرف على الأرجح أنّ سعيد عقل هو صاحب قصيدة "شام يا ذا السيف"، وأغنية "مشوار جينا عالدني مشوار".
أنسي الحاج، اسم آخر مهدّد بنزع نصبه من الساحات الثقافيّة، وبعيدًا عمّا إذا كان رأيه صائبًا أم متجنيًّا في كتاب عقل العويط "وثيقة ولادة"، لا يمكن تجاهل أنّ المقالات النقديّة التي دافعت عن "شعر" العويط كانت تردّ على ما كتبه الحاج ولو لم تشر إليه بالاسم أكثر ممّا كانت تعرض ما جاء في الكتاب ومنها: مقالات لعبده وازن (الحياة) ومحمدّ علي شمس الدين (السفير) وإيلي عبدو (الأخبار)، وذلك طبعًا بعد مقالة عقل العويط في ردّ مباشر وواضح (النهار). ولذلك كان التركيز في " المقالات/الردود" على شعريّة النصّ الذي كتبه العويط، في رفض أكيد لما وصف به الحاج الكتاب: الإكثار من صيغة قول الشيء وعكسه وما بينهما، عدم المعادلة بين التكثيف والإلهام، الثرثرة التي تسيء إلى البلاغة. ففي مقالة عبده وزان إصرار على أنّ عقل العويط "يشعرن" سيرته، فوردت كلمات: شعر وشاعر وقصيدة 37 مرّة في نصّه، وفي مقالة محمد علي شمس الدين: 16 مرّة، وفي مقالة إيلي عبدو: 18مرّة بينها استعادة لعبارة "يشعرن سيرته" الواردة قبل ذلك في نصّ عبده وازن، كما يؤكّد إيلي عبدو على "التكثيف" في نصّ عقل العويط، ليردّ تهمة عدم التكثيف التي وصف بها أنسي الحاج لغة صاحب "وثيقة ولادة".
لم ينج أدونيس كذلك من وضع حدّ لسلطته الثقافيّة بعدما "تأخّر" بحسب البعض في مواكبة الثورة السورية، أو "أخطأ" في رأي آخرين في المراهنة على شخصيّة الرئيس السوريّ. وتوزّعت الردود على رسالته التي نشرتها "السفير" بين رافض لمبدأ الخوف على الثورة من الإسلام (اسكندر حبش/السفير، خالد صاغية/ الأخبار، رضوان السيّد/ الحياة) ومعترض على الإساءة إلى الديمقراطيّة (نصري الصايغ/ السفير) أو اختزال المثقّفين السوريّين بأدونيس (حسام عيتاني/ الحياة)، ومتحفّظ على مكتوم أو "لامقال" في الرسالة (جان عزيز/ الأخبار)، ومقتنع بأنّ الرسالة "لم تكن أفضل إبداعات أدونيس ولن تُضاف إلى أعماله الكاملة" (ساطع نور الدين/ السفير).
ما الخلاصة من كلّ ذلك؟ النقد ضروريّ ولا جدال في الأمر خصوصًا في هذه المرحلة الانتقاليّة للشعوب العربيّة. غير أنّ المخاوف على النقد (وهو علم قبل كلّ شيء، ووسيلة لا غاية) يجب أن تسبق القلق على الإنتاج الفكريّ والأدبيّ والفنّي، بسبب تعامل أكثر النقّاد في الصحف من خلال معطيين: الأوّل أنّ المتلقّي العادي لا يقرأ إلّا صحيفة واحدة وبالتالي لن يقارن بين نصّ نقديّ وآخر، والثاني أنّ المقالة النقديّة تتوجّه إلى اثنين لا ثالث لهما: صاحب العمل الإبداعيّ والناقد في الصحيفة المنافسة.

الأربعاء، 27 فبراير 2019

أربعة وستّين: أكثر من خشبة وممثّلين (2/2)



الخشبة
يعتبر عبيدو باشا أنّ المسرح/ المسارح ممالك من خشب (عنوان كتاب له). والأخوان رحباني يقولان في مسرحيّة هالة والملك: منيح يللي دولتنا خشب (من وحي مشهد الختم الذي لم يغرق في البئر)، ويرى يحيى جابر مبتهجًا أنّه مصلوب على خشبة وأنّ مسرحه خشبة جديدة للمصلوبين.
اليوم، ممالكنا الخشبيّة مهدّدة بالزوال، في دولتنا الخشب التي نخرها السوس، فهل قدر المسرح أن يبقى صليبًا تُرفع فوقه آلام الناس، ويرزح تحت ثقله مسرحيّون كبار؟
لو كان لنا أن نبني مسرحًا من خشب الأرز، في بلد لا يعرف ناسه من هو مارون النقّاش (ولو لم يكن النقّاش مسرحيًّا بالمعنى الاحترافيّ للكلمة) ، لكانت القيامة ولقام لبنان.
الممثّلون
قد يبدو النصّ الذي كتبه كميل سلامة هو البطل الأساس، لكنّ مراقبة دقيقة للممثّلين على خشبة المسرح تظهر كيف ذاب هذا النصّ فيهم حتى صاروه وصارهم.
الممثّلون الأربعة، على اختلاف خبرتهم وأعمارهم وفترات ظهورهم على المسرح، يؤدّون الأدوار بلا ادّعاء ولا فذلكة ولا عرض مواهب ولا صراخ. وبذلك فهم لا يشبهون موضة سائدة في بعض مسرحيّات اليوم يجترّ فيها الممثّل/ة نفسه وأداءه وصوته وحركاته: صراخ أقرب إلى الزعيق، حركات أقرب إلى التهريج، احتكاك جسديّ أقرب إلى ممارسة الجنس. نعم، ثمّة ممثّلات وممثّلون تعرف أنّهم إن أدّوا أدوار القداسة أو العهر، فلن تختلف النظرة أو الحركة أو النبرة.
ممثّلو أربعة وستّين متواضعون في أداء أدوارهم، لا يستجدون تصفيقًا، ولا ينتظرون ضحكة، ولا يستعرضون مواهب يثقون بأنّهم يملكونها لكنّهم لا يتاجرون بها. إن بقي أحدهم على المسرح طيلة العمل ككميل سلامة، أو أطلّ مرّتين سريعتين كأدون خوري، فلا فرق، وإن ظهرت إحدى الممثّلتين في زيّ واحد كرولا بقسماتي، أو غيّرت الزيّ والدور كهبة نجم، فأيضًا لا فرق، لأنّ كلًّا منهم يترك الأثر المطلوب. ولكلّ منهم أثره وتأثيره.
صحيح أنّ كميل سلامة لم يسبق له أن أدّى دورًا من إخراجه، لكنّه أحسن الإمساك بخيوط الإخراج فلم تفلت من يده ولو كان على المسرح. واتّكل على ممثّليه يؤدّون أدوارهم، بلا مؤثّرات صوتيّة تقضم أعصاب النصّ، أو مؤثّرات مرئيّة تسرق الأضواء من وجوه الممثّلين، وبلا ديكور صاخب أو أزياء مبالغ فيها. بل نحن أمام مشهديّة نقيّة صافية كافية ووافية تقدّس المسرح في أصالته، وتحترم عين المشاهد وسمعه، وتجسّد النصّ في العين والصوت والحركة.
***

رولا بقسماتي/ العدالة
القانون الذي تمثّله رولا لا علاقة له بالعدالة. فالنبرة الساخرة، والنظرة الجامدة، والصوت الجافّ عناصر لا علاقة لها بالعدالة التي من المفروض أن تطلب رحمة لا ذبيحة. العدالة التي كانت كرتونًا مع الأخوين رحباني أمست صخرة لا تتأثّر بدموع المظلومين. يرتدي القانون دم الضحايا لونًا أحمر فوق أسود الحياد الأشبه بقبر. فقانون يفتح ملفّات الضحايا ولا يلتفت إلى المجرمين لا علاقة له بالعدالة لا من قريب ولا من بعيد. فالرقّ كان قانونيًّا، والعبوديّة كانت شرعيّة.
ولقد نجحت رولا في تغييب أنوثة العدالة تحت ذكوريّة القانون الذي يسأل ولا يُسأل، الذي يحمي الأذكياء ولا يحمي الأغبياء (يا غافل إلك الله)!
***

هبة نجم/ الأمّ- الحبيبة
كلتاهما تخلّت عن الرجل (راضي). الأمّ بالموت والحبيبة بالغدر. ولكن أليس الموت غادرًا غدّارًا بالنسبة إلى الأبناء بغضّ النظر عن أعمارهم؟ ألهذا أعطيت اسمًا قريبًا من العدالة (الأمّ عدلا والحبيبة آديل). المرأة هنا تُحاكم أيضًا، يحاكمها الرجل والقانون، يسألها عن دورها في "صناعة" الضحيّة؛ الأمّ كوّنته على صورتها ومثالها: هادئًا قانعًا راضيًا، والحبيبة كوته بغدرها فصار ناقمًا حانقًا غاضبًا لكنّه بقي عند مستوى الانفعال الصامت من دون أن يصل إلى مستوى الفعل.
ولقد نجحت هبة في إظهار المرأة الراضية المغادرة ذات العينين البريئتين، والمرأة الطمّاعة الغادرة ذات النظّارتين السوداوين.
***

أدون خوري/ الحرب - القانون
لا تسأل العدالة الحربَ عمّا ارتكبته، بل تحاكم الضحايا وتحكم عليهم. لذلك يبقى المقاتل شرسًا في وقفته، عالي النبرة، يتكلّم بثقة المنتصر، لا يخشى مطرقة المحكمة ولا قضبان السجن، ولا تأنيب الضمير. لا يندم ولا يعتذر. لا يخجل ولا يأسف.
حتّى حين ينتقل من زي القتال ولونه الزيتيّ إلى أسود المحاماة تبقى الحرب حاضرة: الحرب على الإنسان وحقوقه باسم الحقّ والقانون.
ولقد استطاع أدون في دقائق قليلة على المسرح أن يستحضر هذه الأجواء الثقيلة لحربنا الطويلة ونظامنا المجحف.
***

كميل سلامة/ الضحيّة
ارتدت العدالة دم الضحايا لونًا أحمر، وارتدت الضحية الثورة لونًا أحمر مخنوقًا تحت رماديّة المواقف. "راضي" ثائر في داخله، لكنّه يخمد نار ثورته، يطفئها، ينثر عليها غبار الأيّام ورماد الحرب. أكثر ما يمكن أن يفعله هو أن "يعربش" على سلّم يوصله إلى ساعة توقّف عقرباها قبل دقائق من موعد العرض المسرحيّ (الثامنة والنصف إلّا خمس دقائق). يقفز مجروحًا من الألم في رقصة عبثيّة بين قفص المتّهمين ومقاعد الحاضرين وقوس المحكمة. يحمل خرقة صفراء بلون العمر الذابل، ويبحث عن موت لا يأتي، وعن ثورة طال انتظارها.
ولقد نجح كميل سلامة في إدارة نفسه، فلم يقع ضحيّة جمعه بين الإخراج والتمثيل، ولمساعدته في الإخراج، زوجته لينا سلامة، دورٌ في ذلك بلا أدنى شكّ.


الاثنين، 25 فبراير 2019

أربعة وستّين مسرحيّة تدين أجيال الحرب






أنت لا تذهب إلى مسرحيّة لكميل سلامة، لترى كم هي جميلة من الناحية الفنيّة، بل لتكتشف إلى أيّ حدّ هي جميلة؛ ولا تقصد مشاهدتها لتداوي جراح نفسك، بل لتنكأ جراحًا التأمت على قيحها، ولا تخرج منها إلى الشارع وأنت تملك أجوبة في جيبك، بل وأنت معلّق من رأسك الذي يؤلمك بعلامة استفهام كبيرة فوق صفحة وجودك في وطن اسمه لبنان وفي كتاب الحياة التي يشبّهها بطل المسرحيّة بالحفاض.
***
64
هو عمر التقاعد في لبنان. يوقّع الموظّف عند بلوغ هذه السنّ على ورقة تفيد بأنّه قد نال حقوقه. والسؤال الذي نطرحه نحن الذين اقتربنا ونقترب من هذه المرحلة: ما هي هذه الحقوق التي نلناها؟
***
غبار
كيف يثور شعب يجد للغبار مكانًا في تعابيره اليوميّة: غبرة رضاك، غبرة صبّاطك، غبرة الحرب، بنفضو متل الغبرة؟ وهل تصلح خرقة القماش (بطلة المسرحيّة) التي يمسح بها راضي (بطل المسرحيّة) الغبار عن أثاث قاعة المحكمة أن تكون راية يرفعها الثائرون إن ثاروا؟
***
راضي
راضي رضي بالهمّ، والهمّ لم يرضَ به. هو نحن، بفقرنا، بصمتنا، بتخاذلنا، بخوفنا من خسارة ما نملكه إن قلنا لا، ونحن في الحقيقة لا نملك شيئًا.
***
حفاض
حياة راضي مشدودة بين حفاضه طفلًا وحفاض أبيه العاجز في دار العجزة. بل هي حياة كلّ منّا، يلتصق بنا خراؤنا فننتظر من ينظّف لنا مؤخّراتنا/ خصوصًا حين تكون مدّخراتنا قطعة قماش لمسح الغبار؟
***
 جيل الحرب
المسرحيّة تديننا، نحن الذين ولدنا عشيّة الحرب، لأنّنا سكتنا: عن الظلم والقتل والقصف والفساد والفقر والتجارة بالأطفال والتفكّك العائليّ... وإن لم يكن لنا حيلة في اختيار أسمائنا وأهلنا وطائفتنا، فلماذا عجزنا عن عدم الانجراف خلف الصمت فلم نثر على أمراء حروبنا الصغيرة ولم ننتفض على الذين جرّونا إلى أتون مصالحهم، ولم نرفض الزحف خلف زعماء يمسحون الأرض بنا كما يمسح راضي الغبار؟
***
الموت
لا يغيب الموت عن الخشبة: والدة راضي، والده، ضحايا الحرب، محاولة انتحاره الأولى في خلال الحرب حين سخر منه المقاتلون وحمّلوه مسدسًا بلا رصاص وطلبوا منه أن يقتل الشخص الذي أساء إليه، فصوّب راضي الفوهة إلى رأسه معترفًا بأنّه أكثر من أساء إلى نفسه... ومحاولة انتحاره الثانية قبل أقفال الستارة. ولكن كيف وصل المسدس إلى جيب راضي وهو في المحكمة؟ كيف خرج المسدس من يد المقاتل/ الشاهد في محاكمته الوهميّة إلى واقعه عند التقاعد؟ هل عرف راضي أنّ الوقت حان، وأنّه سيواجه اليوم حكم العمر والتقاعد، وأنّ مواجهته نفسه الفاشلة ستقضي عليه؟
راضي، بطل المسرحيّة المهزوم، لم يمت في نهاية المسرحيّة. فنحن لم نسمع الطلقة ولم نر سقوط الرجل على الخشبة. على كل حال، كيف ينتحر رجل بمسدس لا رصاص فيه؟ وكيف ينتحر رجل مات مذ صادق الغبار وسكت عن الظلم ورضخ لمصير كتبه له الآخرون؟
فهل يبقى راضي على قيد الحياة ليرى الثورة آتية؟
***
الساعة
عقارب الزمن متوقّفة في حياتنا نحن أبناء جيل الحرب: ذكرياتنا عن الحرب لا تأخذ هدنة، نستعيدها في كلامنا، في تهديداتنا (إذا بترجع الحرب والله لأعمل كذا وكذا) في كوابيسنا، في أفلامنا ومسرحنا ورواياتنا... لكنّ الساعة المتوقّفة نفسها لا تنسى أن تسجّل أنّنا كبرنا وهرمنا وحان الوقت كي نتقاعد وننسحب، وأنّ المعارك التي فرضت علينا، أعطت قادتها وقوّادها الغنائم وتركت لنا الغبار.
***
كميل سلامة
تبقى المعلّم!


الأربعاء، 20 فبراير 2019

كلمة الأستاذ جوزف مغامس المرحّبة بي في احتفال الشعر والحبّ في مدرسة سيّدة اللويزة - زوق مصبح




قولوا لجوزف مغامس
إنّ رأسي لا ينحني إلّا احترامًا لمن يحسن قراءتي وكتابتي
ولا أشعر بالارتباك إلّا في حضرة الشعر
ولا تحلّق روحي عالية إلّا على جناحَي قصيدة
وجوزف مغامس فعل كلّ ذلك وأكثر...
أنت يا صديق الكلمة، وضعتني أمام مرآة كبيرة، في حضرة جمهور راقٍ، فرأيتُني، بفعل كلمتك، جميلة وراقية وعاشقة... شكرًا على المحبّة التي وحدها تجترح معجزة كهذه!
****

ماري القصّيفي، وبعد...
قرأتُك سيّدتي، نعم قرأتك طرداً و عكساً
عموديّاً وأفقيّاً
في هدأتي وفي جنوني
في صباحاتي وفي مساءاتي
وفيها كلها، خرجتُ من
بين سطورِك
متعباً، مكبلاً بقيود الضياع
مثقلاً بعشرات علامات الاستفهام، 
ومئات علامات التعجُّب، 
أما علامات الحذفِ فبلا عدد... 
وكلّها شغلت كياني. 
وها أنا في حضرتك أسألك 
في زمن الحب والعشق وأمام كلّ النّاس
وبشجاعة وشغف أسألك:
من أنت يا سيدة؟ 
ما سرّك؟ بل ما لغزك؟ 
ما شأنك في خواطر الرجال 
عفوا الرجال الرجال
وما لك في عوالم النّساء؟ 
تحلمين بما لا يمتلك القابلية لأن يكون
واذا كان يوماً، فمختلف مثلك 
وغريب ومُبهم... 
تُرى ما الأمر سيّدتي؟ 
الله! لو أعلم على اسم مَن مِن الآلهة حُبِلَ بكِ!! 
حتّى كنت كيانا بعضه امرأة سيّدة 
بعضُه أنثى بعضُه حوّاء
وفي هذا المزيج يتراءى لمن يغوصُ في كُنْه سرّك
طُهر نفسٍ يدنو من قداسة
وعهر فكر يدنو من خطيئة
وجرأة على مواجهة قبيلة من ذكور
و تعمّد للكذب أحيانا خوفاً على قرّاء من عدم إحتمال حقيقة
من أنت يا غريبة؟ 
حُلُما، فكراً و تعبيرا؟ 
على اسم أيّ جنيّ رصدت قلمك؟ 
فرحت تكتبين بمزاج أنثويّ راقٍ
بهوىً خريفيٍّ
عرّى الأصفر من كآبته
وجعله لوناً صارخاً في قوسك القزحيّ الذي يرتسم في سماء كلماتك الثائرة الهائجة المتصارعة بين وعي الفضيلة ولا وعي الرذيلة. 
من أنتِ يا امرأة، بصمتها تفرض مهابة و بثرثرتها تُشعل ناراً وبألم جسدها تعلِّم التحدّي... 
من أنتِ يا أيّتها المتطرفة في مواقفك، في أحكامك وفي مفاهيمك؟ حتى في خجلك وفي تواضعك، وفي كِبَرك أنت متطرّفة... 
وما هم... فمعك نحن أيضاً سئمنا الوسط والعاديّ وبتنا نميل الى التطرّف حتى في الحبّ والعشق والهيام. 
ماري القصّيفي،
منذ اللحظة، نحن متورطون فيك في جريمة الحبّ المختلف.. 
وكلما قرأناك سنكون في عداد المرتكبين... 
مرّة جديدة... ما همّ
يلذّ لنا الدخول الى سجنك المتحرّر. 
ماري القصّيفي،
قبلك كنا نقول لمن نحبّ:
نحن نحبُّكَ وربما نحُبّكَ كثيراً 
بعدك سنقول له:
نحن نحبُّكَ أكثر و سنحبُّكَ أكثر... 
ماري القصّيفي لأننا نحبّك ندعوك الى المنصة ولعلك تقبلين عربون محبّة أنت يا من قلت ذات يوم : أنا أكبر من الحبّ وأصغر من المحبّة.
الأستاذ جوزيف مغامس
١٥ شباط ٢٠١٩ - مدرسة سيدة اللويزة - زوق مصبح

الأربعاء، 13 فبراير 2019

الكلمة التي ألقيتها خلال تسلّم جائزة حنّا واكيم للرواية اللبنانيّة 2012




مع وزير الإعلام وليد الداعوق والوزيرة السابقة منى عفيش
والدكتور إلهام كلّاب البساط والسيّد إيلي واكيم

أيّها الأصدقاء
أمضيتُ ثلاثين عامًا في التعليم والتربية منتظرةً أن تكرّمَني مؤّسساتٌ عَمِلت فيها ولها، فجاءني التكريمُ من مؤسّسةٍ لم تسمعْ باسمي قبل اليوم، ولم تكن هي موجودةً في قاموسي إلى أعوامٍ ثلاثةٍ خلت، هي مؤسّسةُ حنا واكيم. فشكرًا للقيّمين على هذه المؤسّسة، بشخص رئيسِها الأستاذ إيلي واكيم، ابنِ العائلة التي أرادت للوالد (حنّا واكيم) أن يرتبطَ ذكرُه بالرواية اللبنانيّة عبرَ تكريم الروائيّين من خلال التلاميذ. والشكرُ الخاص لنائبة رئيس المؤسّسة الدكتورة إلهام كلاّب البساط، السيّدةِ المثقّفة، العاملةِ بهدوء مثمر ومهنيّةٍ لا تُبارى، في حقلِ التربية المزروعِ ألغامًا طائفيّةً وحزبيّة، وفي حقلِ الثقافة حيث العملُ كثيرٌ، والفعلةُ مشغولون بالمحاصصة والمحسوبيّات.

وكنت أنتظِرُ المكافأةَ من زملاءَ وتلاميذَ عمِلت معهم خلال كلِّ تلك الأعوام، فجاءتِ الجائزةُ من زملاءَ وتلاميذَ لا أعرفهم ولا يعرفونني، يمثّلون مؤسّساتٍ تربويّةً عريقة، ويكوّنون نواةً واعدةً لمشروع تربويّ/ ثقافيّ جامع. فشكرًا لكلٍّ منهم. لقد أثبتم لي، أيّها الأعزّاء، أنّ التعليمَ سيبقى رسالةً مهما حاول الجهلُ والربحُ الماديّ أن يتسلّلا إلى وزارتِه ومناهجِه وإداراتِ مدارسِه، وأنّ التلاميذَ ثورةٌ وثروةٌ شرطَ أن نحسِنَ توجيهَ الثورةِ وأن نجيدَ استثمارَ الثروة.
وأتوجّهُ بالشكر العميق للصديق الإعلاميّ والكاتب أنطوان سعد، الذي غامر، في إطلالةٍ أدبيّة أولى لدار سائر المشرق، في نشر روايةٍ هي الأولى لكاتبتها. وأتقدّمُ كذلك بامتناني من النقّاد والروائيّين والصحافيّين الذين واكبوا عملي الصحافيّ والأدبيّ وأعطَوه الكثيرَ من اهتمامهم ووقتهم، وأخصُّ منهم الشعراء: شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، هنري زغيب، عقل العويط، عبده وازن، يحيى جابر الذي كان أوّل من حثّني على كتابة رواية، واسكندر حبش، صباح زوين، لامع الحر، جوزف أبي ضاهر، عناية جابر، زاهي وهبي، اسمعيل فقيه، والروائيّة السيّدة إملي نصرالله، والروائيَّين السوريّين ياسين رفاعيه ومها حسن. وأحيّي في هذه المناسبة السيّد جورج فغالي صاحبَ دار مختارات التي نشرت كتبي الأربعة الأولى، وأرفعُ تحيّةَ محبّةٍ للأصدقاء المشجّعين ميراي يونس، كاتيا غصن، جورج كعدي، جنى الحسن، غازي قهوجي، إيلي الحاج، جوزف باسيل، سلمان زين الدين، وميشال مرقص.
وأتوجّهُ هنا إليكم أيّها الأعزاء التلامذة لأقولَ لكم: أحسنوا الإصغاء لمن حولَكم، فإنّ هذه الرواية ما كانت لترى النورَ لو لم تولدْ من رحمِ عائلتي التي تحبُّ الحكايات، فلوالديَّ الشكرُ على ذاكرتيهما اللتين أمدّتاني بكثيرٍ من تفاصيلَ واقعيّة وردت بين طيّات المتخيّل، ولشقيقتيّ وشقيقيّ الامتنانُ لكونهم أوّلَ من يقرأُ وينتقد، ولبنات شقيقتي ميرا ويارا ورنا محبّتي واعترافي بدورهنّ في جعلي أرصُد من خلالهنّ نِظرةَ الأجيال الشابّة إلى كتابةٍ تتّكئُ على التاريخ والحرب.
ختامًا أيّها الأصدقاء، يجب أن نعترف "إنّو كلّ الحقّ علينا، لا عَ الطليان ولا عَ فرنسا" ولا على غيرِهما، لأنّنا لم نبحثْ عن هُويّتنا ولم نتمسّك بها. ولقد صار علينا، بدلَ أن نبحثَ عن تاريخِ الحروب التي فرّقتنا، أن نكتُبَ تاريخَ الحضارةِ التي تجمعُنا وتقودُنا إلى مزيدٍ من الإبداعات والنجاحات، وقد تكونُ هذه الجائزة دافعًا شخصيًّا لي لمحاولةِ كتابةِ جُزءٍ من هذا التاريخ ولو عبر الحكاية، إلى جانب روائيّاتٍ وراوئيّين لبنانيّين، كان لي فخرُ الانضمامِ إلى حلقتِهم المضيئة في عتمةِ هذا الشرق الذي لن يعرفَ ميلادًا جديدًا ما لم يقُدْهُ الفكرُ وتحْمهِ الحريّة.

شكرًا لكم جميعًا

الأحد، 20 يناير 2019

عن رواية "ماكنة الخياطة" للأديبة مي منسّى




ماري القصيفي
صحيفة الحياة - الخميس ٧ يونيو ٢٠١٢
تتابع «مي منسّى» في رواية «ماكنة الخياطة» الصادرة عن (دار «رياض الريّس») عمليّة المصالحة مع ذاكرة تنوء بآلام عائلة عانت نوعين من الفصام: انفصام شخصيّة الابن الذي كان يعِد بأن يكون شاعراً كبيراً فإذا به ينتهي في مصحّ للأمراض النفسيّة، وانفصام الهويّة اللبنانيّة التي كانت تعد العالم بالأعجوبة الحضاريّة الجميلة فانتهى بها الأمر شظايا مجتمع وفتات بشر.
لا تخفي الروائيّة ملامح السيرة الذاتيّة عن روايتها غير أنّ الشأن الخاصّ لم يطغ على العامّ الذي بدا في خلفيّة الصورة العائليّة، فالحرب اللبنانيّة وتداعياتها وآثارها على البشر والحجر، ليست مجرّد إطار زمنيّ تجري فيه أحداث الرواية بل هي السبب في كلّ تغيير طاول حياة الناس، بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا التغيير نحو الأسوأ أو نحو الأفضل.
لذلك تقدّمَ سيرُ الرواية على خطّي الخاصّ والعامّ في شكل متساوٍ، فكانت العائلة تغرق في العتمة حين تسدل ستائر البيت كي لا يرى الجيران ما يجري مع الشابّ المريض، وكان الوطن يغرق في ظلمة الحرب التي لم يبدُ أنّها ستعرف فجراً قريباً، وما توزُّع أفراد العائلة بين المصحّ والهجرة والتهجير، إلّا صورة معبّرة عن توزّع أبناء الوطن بين الغربة في الوطن والغربة خارجه.
ماكنة الخياطة التي كانت تملكها والدة بطلة الرواية وضاعت خلال الحرب صارت الهويّة. هي الآلة التي كانت الأم تخيط عليها فساتين بناتها الثلاث اللواتي كن محرومات من حياة مرفّهة ومحاطات بالكتب، فهي بالتالي الآلة التي كانت شاهدة على الفقر والحرمان، وحين أتيح للإبنة أن تبيع بيت والديها بكلّ ما فيه كانت على الأرجح تريد أن تتخلّص من صورة الفقر وصوت الآلة الرتيب يغنّي لليل طويل من المعاناة والعزلة. ولكن حين سألتها أمّها من على فراش المرض عن الماكنة، شعرت الابنة أنّ استعادة تلك الآلة العتيقة قد تكون مصالحة مع الماضي واعتذاراً من تلك الأمّ الحاضرة في تفاصيل حياة أولادها، ولولاها لما نجوا من معاناتهم مع مأساة العائلة ومآسي الوطن. وإن كانت الماكنة ضاعت في الواقع، ففي الرواية تصير عند امرأة من الجنوب ترفض التخلّي عنها. وفي الحالين، تطوى صفحة الماكنة في الحياة، لتفتح المجال لصفحات وصفحات في رواية تعتبر «مي منسّى» أنّها تعالج نفسها بها عبر تغميس ريشة قلمها بحبر ألمها ومعاناتها بين والد عسكريّ متشدّد، يحبّ اللغة الفرنسيّة، وأمّ ممرّضة وخيّاطة تحبّ جبران خليل جبران ابن بلدتها بشرّي، فكانت النتيجة ابناً فقد توازنه العقليّ، وفتيات ثلاث تختبئ الواحدة منهنّ في حنان الأخرى، لعلهنّ يجدن مجتمعات ما يعطيهنّ حصانة وخلاصاً.
لا تضع «مي منسّى» أقنعة في عملها الروائيّ، بل في أعمالها الروائيّة: عائلتها، طلاقها، عملها الصحافيّ كناقدة فنيّة، إصابة كتفها، أمومتها، حفيدتاها، ثقافتها الشاملة المتنوّعة، وحدتها، حديقتها الصغيرة، أحلامها وأفكارها وعواطفها، خيباتها العائليّة والعاطفيّة، آثار الفقر والحرب، كلّ ذلك موزّع في حنايا الرواية بلغة شعريّة إنّما غير خياليّة، كأنّ الشعر وسيلةٌ تجمّل بها واقعاً بشعاً، أو بابٌ للهرب من نثر الحياة. لكنّ اللغة الشعريّة على شفافيتها الجارحة وجمالها الغريب لا تخدع القارئ الذي يكتشف صفحة بعد صفحة كيف تصير الكتابة عيادة نفسيّة تفرغ فيها الكاتبة/ البطلة مخزونها من الألم في انتظار أن تزورها حفيدتاها اللتان تهديهما الكتاب، فتعود معهما طفلة تلعب وتغنّي وترسم، وتؤلّف معهما ثلاثيّاً قد يعوّض عليها طفولة لم تستمتع بها مع شقيقتيها، حين كان عنف الوالد ومرض الشقيق يحرمان الفتيات الصغيرات من أن يحلمن بالحبّ والأمان والاستقرار.
هل تبلسم الكتابة جراح الماضي؟ سؤال يفرض نفسه بعد قراءة الرواية التي تمعن في نبش الذاكرة، كما تنبش فتاة موؤودة التراب بيدين نحيلتين عاريتين، تعرف أنّهما وســـيلتها الأخيرة للحصول على جـــرعة هواء محــيية. بعض الكتابة جَلْد ذاتيّ، وبعضها ثأر من حياة تركت تلك الجراح التي تنزّ أسى ومرارة، وبعضها ولادة من رحم المعاناة. وقد تكون «ماكنة الخياطة» كلّ هذه مجتمعة.

الأربعاء، 9 يناير 2019

كيف يثور شعب هذه أمثاله الشعبيّة؟ (2011)




"جدّتي كانت فعلاً على حقّ"(Ma grand-mère avait bien Raison!) عنوان كتاب صادر في فرنسا (دار فيرست – 2011) تعيد فيه المحلّلة النفسيّة "Béatrice Millêtre" قراءة بعض الأمثال الشعبيّة وأقوال الأجداد المأثورة في ضوء معطيات علم النفس، وتصل فيه إلى النتيجة التي يختصرها عنوان الكتاب، أي أنّ الأسلاف كانوا محقّين في ما توصّلوا إليه بالخبرة والتجربة، واختصروه في خواطر وحكم وأمثال تركوها للخلف الذي غالبًا ما اعتبرها موضة قديمة أو آراء عفا عليها الزمان ولم تعد تصلح للمجتمع الحديث. ومن خلال أكثر من خمسين مثلًا شعبيًّا أولتها المحلّلة النفسيّة دراسة نقديّة علميّة موضوعيّة نقع على كثير ممّا نتداوله نحن في بلداننا العربيّة، إن بتأثير التجربة الإنسانيّة الواحدة بغض النظر عن التاريخ والجغرافية، أو بتأثير الترجمة والتبادل الحضاريّ. وهناك في طبيعة الحال الأمثال ذات الخصوصيّة البيئيّة أي المرتبطة بمكانها ولكن لها ما يشبهها في أمثالنا الشعبيّة. فالمثل الفرنسيّ الذي يقول: نقطة الماء التي طفح بها الكوب، يقابله مثل عربيّ يقول: القشّة التي قصمت ظهر البعير...

ولكن إن تخطّينا مضمون الكتاب واستعنّا بهدفه ومنهجيّته في قراءة أمثالنا الشعبيّة، سنجد، خصوصًا في الظروف التي تمرّ بها البلدان العربيّة، أنّ الأجداد لم يشجّعونا على الثورة بل دعتنا أقوالهم المتناقلة جيلاً بعد جيل إلى الصبر على الظلم، والاتّكال على السماء لتخلّصنا من الحاكم الظالم، عملًا بالمثل القائل: "اللي ما فيك ليه دير الله عليه"، وفي انتظار تحقّق ذلك علينا القبول بالواقع، والخضوع لأولي الأمر ومسايرتهم انطلاقًا من مبدأ التقيّة.
فأن نكبر على أمثال تعلّمنا: "إيد اللي ما فيك تطالها بوسها وادعي عليها بالكسر" أو "العين ما بتعلى عالحاجب" أو "أبعد عن الشرّ وغنّيلو" أو "عند تغيير الدول احفظ راسك"، فذلك يعني أنّ الثورة ممنوعة حتّى في أحلامنا، وأنّنا محكومون بالذلّ منذ نعومة أظفارنا وحتّى قساوتها التي لن تنفعنا في تمزيق وجه المعتدي بل في حكّ جلدنا تطبيقا للمثل القائل: ما بيحكّ جلدك غير ضفرك".
وأن يعلّمنا أهلونا أنّ "كلب المير مير" وأنّ "اللي بياكل من خبز السلطان بيضرب بسيفو" وأنّ الحلّ المناسب هو "لا يموت الديب ولا يفنى الغنم" و"إذا بدّك تستريح قول عن كلّ شي مليح" و"جدّف مع الريح واستريح" فذلك يعني أنّنا تشرّبنا الخضوع والخنوع ولن يسهل علينا أن نتخطّى مخاوفنا من السلطة مهما كان شكلها وشأنها ومستواها، وفي هذا قال قدماؤنا: "بأس الأسد بانيابو وإبن الحكومة بتيابو"، و"حاميها حراميها"، فكانت الدعوة إلى "العضّ على الجرح" وكتم المعاناة، و"خلّيها بالقلب تجرح ولا تطلع وتفضح"، فهل يعضّ أحدنا الكلب الذي عضّه أو يبتعد عنه ويحتمي منه؟
من الواضح أنّ عهود الاستعمار والاحتلال الطويلة علّمت العربيّ أنّ الانحناء للعاصفة أفضل من مواجهتها، فكانت الدعوة "الحكيمة" إلى "المشي مع الحيط ويا ربّ توصّلني عالبيت"، أو الحذر من الفاجر لأنّه "يأكل" مال التاجر، والتنبّه إلى أنّ المجتمع "مع الواقف" أي صاحب السلطان الذي تأخذه أوهام السلطة بعيدًا عن الناس لأنّ "الكرسي بتنسّي".
إنّ شعبًا هذه أمثاله "الشعبيّة" لن تجرؤ أجياله على الخروج من المنزل إلّا للترفيه عن النفس على اعتبار أنّ "أحلى دوا شمّ الهوا" و"اللي ما بيسكر وبيسهر لشو حياتو؟" أمّا الخروج إلى الشارع في ربيع لبنانيّ وعلى أرض "أدونيس" فذلك يعني سلسلة حكم وأمثال من مثل: "خربت عمرت، نزلت طلعت، حادت عند ضهري بسيطة"، "شو بدنا بهالشغلة"؟ "بدنا السترة!"، "ما في شي رح يتغيّر: دنب الكلب بقي بالقالب أربعين سنة وبقي أعوج"، "فالج لا تعالج"، "ما متت ما شفت مين مات؟"، "ألف كلمة جبان ولا كلمة الله يرحمو"... وعلى هذا فنحن خير سلف لخير خلف! 

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.