الأربعاء، 20 فبراير 2019

كلمة الأستاذ جوزف مغامس المرحّبة بي في احتفال الشعر والحبّ في مدرسة سيّدة اللويزة - زوق مصبح




قولوا لجوزف مغامس
إنّ رأسي لا ينحني إلّا احترامًا لمن يحسن قراءتي وكتابتي
ولا أشعر بالارتباك إلّا في حضرة الشعر
ولا تحلّق روحي عالية إلّا على جناحَي قصيدة
وجوزف مغامس فعل كلّ ذلك وأكثر...
أنت يا صديق الكلمة، وضعتني أمام مرآة كبيرة، في حضرة جمهور راقٍ، فرأيتُني، بفعل كلمتك، جميلة وراقية وعاشقة... شكرًا على المحبّة التي وحدها تجترح معجزة كهذه!
****

ماري القصّيفي، وبعد...
قرأتُك سيّدتي، نعم قرأتك طرداً و عكساً
عموديّاً وأفقيّاً
في هدأتي وفي جنوني
في صباحاتي وفي مساءاتي
وفيها كلها، خرجتُ من
بين سطورِك
متعباً، مكبلاً بقيود الضياع
مثقلاً بعشرات علامات الاستفهام، 
ومئات علامات التعجُّب، 
أما علامات الحذفِ فبلا عدد... 
وكلّها شغلت كياني. 
وها أنا في حضرتك أسألك 
في زمن الحب والعشق وأمام كلّ النّاس
وبشجاعة وشغف أسألك:
من أنت يا سيدة؟ 
ما سرّك؟ بل ما لغزك؟ 
ما شأنك في خواطر الرجال 
عفوا الرجال الرجال
وما لك في عوالم النّساء؟ 
تحلمين بما لا يمتلك القابلية لأن يكون
واذا كان يوماً، فمختلف مثلك 
وغريب ومُبهم... 
تُرى ما الأمر سيّدتي؟ 
الله! لو أعلم على اسم مَن مِن الآلهة حُبِلَ بكِ!! 
حتّى كنت كيانا بعضه امرأة سيّدة 
بعضُه أنثى بعضُه حوّاء
وفي هذا المزيج يتراءى لمن يغوصُ في كُنْه سرّك
طُهر نفسٍ يدنو من قداسة
وعهر فكر يدنو من خطيئة
وجرأة على مواجهة قبيلة من ذكور
و تعمّد للكذب أحيانا خوفاً على قرّاء من عدم إحتمال حقيقة
من أنت يا غريبة؟ 
حُلُما، فكراً و تعبيرا؟ 
على اسم أيّ جنيّ رصدت قلمك؟ 
فرحت تكتبين بمزاج أنثويّ راقٍ
بهوىً خريفيٍّ
عرّى الأصفر من كآبته
وجعله لوناً صارخاً في قوسك القزحيّ الذي يرتسم في سماء كلماتك الثائرة الهائجة المتصارعة بين وعي الفضيلة ولا وعي الرذيلة. 
من أنتِ يا امرأة، بصمتها تفرض مهابة و بثرثرتها تُشعل ناراً وبألم جسدها تعلِّم التحدّي... 
من أنتِ يا أيّتها المتطرفة في مواقفك، في أحكامك وفي مفاهيمك؟ حتى في خجلك وفي تواضعك، وفي كِبَرك أنت متطرّفة... 
وما هم... فمعك نحن أيضاً سئمنا الوسط والعاديّ وبتنا نميل الى التطرّف حتى في الحبّ والعشق والهيام. 
ماري القصّيفي،
منذ اللحظة، نحن متورطون فيك في جريمة الحبّ المختلف.. 
وكلما قرأناك سنكون في عداد المرتكبين... 
مرّة جديدة... ما همّ
يلذّ لنا الدخول الى سجنك المتحرّر. 
ماري القصّيفي،
قبلك كنا نقول لمن نحبّ:
نحن نحبُّكَ وربما نحُبّكَ كثيراً 
بعدك سنقول له:
نحن نحبُّكَ أكثر و سنحبُّكَ أكثر... 
ماري القصّيفي لأننا نحبّك ندعوك الى المنصة ولعلك تقبلين عربون محبّة أنت يا من قلت ذات يوم : أنا أكبر من الحبّ وأصغر من المحبّة.
الأستاذ جوزيف مغامس
١٥ شباط ٢٠١٩ - مدرسة سيدة اللويزة - زوق مصبح

الأربعاء، 13 فبراير 2019

الكلمة التي ألقيتها خلال تسلّم جائزة حنّا واكيم للرواية اللبنانيّة 2012




مع وزير الإعلام وليد الداعوق والوزيرة السابقة منى عفيش
والدكتور إلهام كلّاب البساط والسيّد إيلي واكيم

أيّها الأصدقاء
أمضيتُ ثلاثين عامًا في التعليم والتربية منتظرةً أن تكرّمَني مؤّسساتٌ عَمِلت فيها ولها، فجاءني التكريمُ من مؤسّسةٍ لم تسمعْ باسمي قبل اليوم، ولم تكن هي موجودةً في قاموسي إلى أعوامٍ ثلاثةٍ خلت، هي مؤسّسةُ حنا واكيم. فشكرًا للقيّمين على هذه المؤسّسة، بشخص رئيسِها الأستاذ إيلي واكيم، ابنِ العائلة التي أرادت للوالد (حنّا واكيم) أن يرتبطَ ذكرُه بالرواية اللبنانيّة عبرَ تكريم الروائيّين من خلال التلاميذ. والشكرُ الخاص لنائبة رئيس المؤسّسة الدكتورة إلهام كلاّب البساط، السيّدةِ المثقّفة، العاملةِ بهدوء مثمر ومهنيّةٍ لا تُبارى، في حقلِ التربية المزروعِ ألغامًا طائفيّةً وحزبيّة، وفي حقلِ الثقافة حيث العملُ كثيرٌ، والفعلةُ مشغولون بالمحاصصة والمحسوبيّات.

وكنت أنتظِرُ المكافأةَ من زملاءَ وتلاميذَ عمِلت معهم خلال كلِّ تلك الأعوام، فجاءتِ الجائزةُ من زملاءَ وتلاميذَ لا أعرفهم ولا يعرفونني، يمثّلون مؤسّساتٍ تربويّةً عريقة، ويكوّنون نواةً واعدةً لمشروع تربويّ/ ثقافيّ جامع. فشكرًا لكلٍّ منهم. لقد أثبتم لي، أيّها الأعزّاء، أنّ التعليمَ سيبقى رسالةً مهما حاول الجهلُ والربحُ الماديّ أن يتسلّلا إلى وزارتِه ومناهجِه وإداراتِ مدارسِه، وأنّ التلاميذَ ثورةٌ وثروةٌ شرطَ أن نحسِنَ توجيهَ الثورةِ وأن نجيدَ استثمارَ الثروة.
وأتوجّهُ بالشكر العميق للصديق الإعلاميّ والكاتب أنطوان سعد، الذي غامر، في إطلالةٍ أدبيّة أولى لدار سائر المشرق، في نشر روايةٍ هي الأولى لكاتبتها. وأتقدّمُ كذلك بامتناني من النقّاد والروائيّين والصحافيّين الذين واكبوا عملي الصحافيّ والأدبيّ وأعطَوه الكثيرَ من اهتمامهم ووقتهم، وأخصُّ منهم الشعراء: شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، هنري زغيب، عقل العويط، عبده وازن، يحيى جابر الذي كان أوّل من حثّني على كتابة رواية، واسكندر حبش، صباح زوين، لامع الحر، جوزف أبي ضاهر، عناية جابر، زاهي وهبي، اسمعيل فقيه، والروائيّة السيّدة إملي نصرالله، والروائيَّين السوريّين ياسين رفاعيه ومها حسن. وأحيّي في هذه المناسبة السيّد جورج فغالي صاحبَ دار مختارات التي نشرت كتبي الأربعة الأولى، وأرفعُ تحيّةَ محبّةٍ للأصدقاء المشجّعين ميراي يونس، كاتيا غصن، جورج كعدي، جنى الحسن، غازي قهوجي، إيلي الحاج، جوزف باسيل، سلمان زين الدين، وميشال مرقص.
وأتوجّهُ هنا إليكم أيّها الأعزاء التلامذة لأقولَ لكم: أحسنوا الإصغاء لمن حولَكم، فإنّ هذه الرواية ما كانت لترى النورَ لو لم تولدْ من رحمِ عائلتي التي تحبُّ الحكايات، فلوالديَّ الشكرُ على ذاكرتيهما اللتين أمدّتاني بكثيرٍ من تفاصيلَ واقعيّة وردت بين طيّات المتخيّل، ولشقيقتيّ وشقيقيّ الامتنانُ لكونهم أوّلَ من يقرأُ وينتقد، ولبنات شقيقتي ميرا ويارا ورنا محبّتي واعترافي بدورهنّ في جعلي أرصُد من خلالهنّ نِظرةَ الأجيال الشابّة إلى كتابةٍ تتّكئُ على التاريخ والحرب.
ختامًا أيّها الأصدقاء، يجب أن نعترف "إنّو كلّ الحقّ علينا، لا عَ الطليان ولا عَ فرنسا" ولا على غيرِهما، لأنّنا لم نبحثْ عن هُويّتنا ولم نتمسّك بها. ولقد صار علينا، بدلَ أن نبحثَ عن تاريخِ الحروب التي فرّقتنا، أن نكتُبَ تاريخَ الحضارةِ التي تجمعُنا وتقودُنا إلى مزيدٍ من الإبداعات والنجاحات، وقد تكونُ هذه الجائزة دافعًا شخصيًّا لي لمحاولةِ كتابةِ جُزءٍ من هذا التاريخ ولو عبر الحكاية، إلى جانب روائيّاتٍ وراوئيّين لبنانيّين، كان لي فخرُ الانضمامِ إلى حلقتِهم المضيئة في عتمةِ هذا الشرق الذي لن يعرفَ ميلادًا جديدًا ما لم يقُدْهُ الفكرُ وتحْمهِ الحريّة.

شكرًا لكم جميعًا

الأحد، 20 يناير 2019

عن رواية "ماكنة الخياطة" للأديبة مي منسّى




ماري القصيفي
صحيفة الحياة - الخميس ٧ يونيو ٢٠١٢
تتابع «مي منسّى» في رواية «ماكنة الخياطة» الصادرة عن (دار «رياض الريّس») عمليّة المصالحة مع ذاكرة تنوء بآلام عائلة عانت نوعين من الفصام: انفصام شخصيّة الابن الذي كان يعِد بأن يكون شاعراً كبيراً فإذا به ينتهي في مصحّ للأمراض النفسيّة، وانفصام الهويّة اللبنانيّة التي كانت تعد العالم بالأعجوبة الحضاريّة الجميلة فانتهى بها الأمر شظايا مجتمع وفتات بشر.
لا تخفي الروائيّة ملامح السيرة الذاتيّة عن روايتها غير أنّ الشأن الخاصّ لم يطغ على العامّ الذي بدا في خلفيّة الصورة العائليّة، فالحرب اللبنانيّة وتداعياتها وآثارها على البشر والحجر، ليست مجرّد إطار زمنيّ تجري فيه أحداث الرواية بل هي السبب في كلّ تغيير طاول حياة الناس، بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا التغيير نحو الأسوأ أو نحو الأفضل.
لذلك تقدّمَ سيرُ الرواية على خطّي الخاصّ والعامّ في شكل متساوٍ، فكانت العائلة تغرق في العتمة حين تسدل ستائر البيت كي لا يرى الجيران ما يجري مع الشابّ المريض، وكان الوطن يغرق في ظلمة الحرب التي لم يبدُ أنّها ستعرف فجراً قريباً، وما توزُّع أفراد العائلة بين المصحّ والهجرة والتهجير، إلّا صورة معبّرة عن توزّع أبناء الوطن بين الغربة في الوطن والغربة خارجه.
ماكنة الخياطة التي كانت تملكها والدة بطلة الرواية وضاعت خلال الحرب صارت الهويّة. هي الآلة التي كانت الأم تخيط عليها فساتين بناتها الثلاث اللواتي كن محرومات من حياة مرفّهة ومحاطات بالكتب، فهي بالتالي الآلة التي كانت شاهدة على الفقر والحرمان، وحين أتيح للإبنة أن تبيع بيت والديها بكلّ ما فيه كانت على الأرجح تريد أن تتخلّص من صورة الفقر وصوت الآلة الرتيب يغنّي لليل طويل من المعاناة والعزلة. ولكن حين سألتها أمّها من على فراش المرض عن الماكنة، شعرت الابنة أنّ استعادة تلك الآلة العتيقة قد تكون مصالحة مع الماضي واعتذاراً من تلك الأمّ الحاضرة في تفاصيل حياة أولادها، ولولاها لما نجوا من معاناتهم مع مأساة العائلة ومآسي الوطن. وإن كانت الماكنة ضاعت في الواقع، ففي الرواية تصير عند امرأة من الجنوب ترفض التخلّي عنها. وفي الحالين، تطوى صفحة الماكنة في الحياة، لتفتح المجال لصفحات وصفحات في رواية تعتبر «مي منسّى» أنّها تعالج نفسها بها عبر تغميس ريشة قلمها بحبر ألمها ومعاناتها بين والد عسكريّ متشدّد، يحبّ اللغة الفرنسيّة، وأمّ ممرّضة وخيّاطة تحبّ جبران خليل جبران ابن بلدتها بشرّي، فكانت النتيجة ابناً فقد توازنه العقليّ، وفتيات ثلاث تختبئ الواحدة منهنّ في حنان الأخرى، لعلهنّ يجدن مجتمعات ما يعطيهنّ حصانة وخلاصاً.
لا تضع «مي منسّى» أقنعة في عملها الروائيّ، بل في أعمالها الروائيّة: عائلتها، طلاقها، عملها الصحافيّ كناقدة فنيّة، إصابة كتفها، أمومتها، حفيدتاها، ثقافتها الشاملة المتنوّعة، وحدتها، حديقتها الصغيرة، أحلامها وأفكارها وعواطفها، خيباتها العائليّة والعاطفيّة، آثار الفقر والحرب، كلّ ذلك موزّع في حنايا الرواية بلغة شعريّة إنّما غير خياليّة، كأنّ الشعر وسيلةٌ تجمّل بها واقعاً بشعاً، أو بابٌ للهرب من نثر الحياة. لكنّ اللغة الشعريّة على شفافيتها الجارحة وجمالها الغريب لا تخدع القارئ الذي يكتشف صفحة بعد صفحة كيف تصير الكتابة عيادة نفسيّة تفرغ فيها الكاتبة/ البطلة مخزونها من الألم في انتظار أن تزورها حفيدتاها اللتان تهديهما الكتاب، فتعود معهما طفلة تلعب وتغنّي وترسم، وتؤلّف معهما ثلاثيّاً قد يعوّض عليها طفولة لم تستمتع بها مع شقيقتيها، حين كان عنف الوالد ومرض الشقيق يحرمان الفتيات الصغيرات من أن يحلمن بالحبّ والأمان والاستقرار.
هل تبلسم الكتابة جراح الماضي؟ سؤال يفرض نفسه بعد قراءة الرواية التي تمعن في نبش الذاكرة، كما تنبش فتاة موؤودة التراب بيدين نحيلتين عاريتين، تعرف أنّهما وســـيلتها الأخيرة للحصول على جـــرعة هواء محــيية. بعض الكتابة جَلْد ذاتيّ، وبعضها ثأر من حياة تركت تلك الجراح التي تنزّ أسى ومرارة، وبعضها ولادة من رحم المعاناة. وقد تكون «ماكنة الخياطة» كلّ هذه مجتمعة.

الأربعاء، 9 يناير 2019

كيف يثور شعب هذه أمثاله الشعبيّة؟ (2011)




"جدّتي كانت فعلاً على حقّ"(Ma grand-mère avait bien Raison!) عنوان كتاب صادر في فرنسا (دار فيرست – 2011) تعيد فيه المحلّلة النفسيّة "Béatrice Millêtre" قراءة بعض الأمثال الشعبيّة وأقوال الأجداد المأثورة في ضوء معطيات علم النفس، وتصل فيه إلى النتيجة التي يختصرها عنوان الكتاب، أي أنّ الأسلاف كانوا محقّين في ما توصّلوا إليه بالخبرة والتجربة، واختصروه في خواطر وحكم وأمثال تركوها للخلف الذي غالبًا ما اعتبرها موضة قديمة أو آراء عفا عليها الزمان ولم تعد تصلح للمجتمع الحديث. ومن خلال أكثر من خمسين مثلًا شعبيًّا أولتها المحلّلة النفسيّة دراسة نقديّة علميّة موضوعيّة نقع على كثير ممّا نتداوله نحن في بلداننا العربيّة، إن بتأثير التجربة الإنسانيّة الواحدة بغض النظر عن التاريخ والجغرافية، أو بتأثير الترجمة والتبادل الحضاريّ. وهناك في طبيعة الحال الأمثال ذات الخصوصيّة البيئيّة أي المرتبطة بمكانها ولكن لها ما يشبهها في أمثالنا الشعبيّة. فالمثل الفرنسيّ الذي يقول: نقطة الماء التي طفح بها الكوب، يقابله مثل عربيّ يقول: القشّة التي قصمت ظهر البعير...

ولكن إن تخطّينا مضمون الكتاب واستعنّا بهدفه ومنهجيّته في قراءة أمثالنا الشعبيّة، سنجد، خصوصًا في الظروف التي تمرّ بها البلدان العربيّة، أنّ الأجداد لم يشجّعونا على الثورة بل دعتنا أقوالهم المتناقلة جيلاً بعد جيل إلى الصبر على الظلم، والاتّكال على السماء لتخلّصنا من الحاكم الظالم، عملًا بالمثل القائل: "اللي ما فيك ليه دير الله عليه"، وفي انتظار تحقّق ذلك علينا القبول بالواقع، والخضوع لأولي الأمر ومسايرتهم انطلاقًا من مبدأ التقيّة.
فأن نكبر على أمثال تعلّمنا: "إيد اللي ما فيك تطالها بوسها وادعي عليها بالكسر" أو "العين ما بتعلى عالحاجب" أو "أبعد عن الشرّ وغنّيلو" أو "عند تغيير الدول احفظ راسك"، فذلك يعني أنّ الثورة ممنوعة حتّى في أحلامنا، وأنّنا محكومون بالذلّ منذ نعومة أظفارنا وحتّى قساوتها التي لن تنفعنا في تمزيق وجه المعتدي بل في حكّ جلدنا تطبيقا للمثل القائل: ما بيحكّ جلدك غير ضفرك".
وأن يعلّمنا أهلونا أنّ "كلب المير مير" وأنّ "اللي بياكل من خبز السلطان بيضرب بسيفو" وأنّ الحلّ المناسب هو "لا يموت الديب ولا يفنى الغنم" و"إذا بدّك تستريح قول عن كلّ شي مليح" و"جدّف مع الريح واستريح" فذلك يعني أنّنا تشرّبنا الخضوع والخنوع ولن يسهل علينا أن نتخطّى مخاوفنا من السلطة مهما كان شكلها وشأنها ومستواها، وفي هذا قال قدماؤنا: "بأس الأسد بانيابو وإبن الحكومة بتيابو"، و"حاميها حراميها"، فكانت الدعوة إلى "العضّ على الجرح" وكتم المعاناة، و"خلّيها بالقلب تجرح ولا تطلع وتفضح"، فهل يعضّ أحدنا الكلب الذي عضّه أو يبتعد عنه ويحتمي منه؟
من الواضح أنّ عهود الاستعمار والاحتلال الطويلة علّمت العربيّ أنّ الانحناء للعاصفة أفضل من مواجهتها، فكانت الدعوة "الحكيمة" إلى "المشي مع الحيط ويا ربّ توصّلني عالبيت"، أو الحذر من الفاجر لأنّه "يأكل" مال التاجر، والتنبّه إلى أنّ المجتمع "مع الواقف" أي صاحب السلطان الذي تأخذه أوهام السلطة بعيدًا عن الناس لأنّ "الكرسي بتنسّي".
إنّ شعبًا هذه أمثاله "الشعبيّة" لن تجرؤ أجياله على الخروج من المنزل إلّا للترفيه عن النفس على اعتبار أنّ "أحلى دوا شمّ الهوا" و"اللي ما بيسكر وبيسهر لشو حياتو؟" أمّا الخروج إلى الشارع في ربيع لبنانيّ وعلى أرض "أدونيس" فذلك يعني سلسلة حكم وأمثال من مثل: "خربت عمرت، نزلت طلعت، حادت عند ضهري بسيطة"، "شو بدنا بهالشغلة"؟ "بدنا السترة!"، "ما في شي رح يتغيّر: دنب الكلب بقي بالقالب أربعين سنة وبقي أعوج"، "فالج لا تعالج"، "ما متت ما شفت مين مات؟"، "ألف كلمة جبان ولا كلمة الله يرحمو"... وعلى هذا فنحن خير سلف لخير خلف! 

الاثنين، 7 يناير 2019

يا حبيبي!



يا حبيبي!!! أنا بسّ حبّك، ما بكون عم حبّك بسّ/ بكون عم قاوم إسرائيل وداعش المسلم والمسيحيّ وأعداء البيئة والوحوش البشريّة والزعما والتاريخ والجغرافية/ وبس يطلع خلقي عليك بيكون لأني شايفة فيك قدرة وشجاعة إنت مش شايفن بحالك/ ولأنّي ما بقبل كون عارفة شو بدّي من الحياة ومنّك، وإنت بعدك عم تدرسلي شخصيتي وتحطّلي لايك...

يا روحي!!! الحبّ فعل مش انفعال وبيت القصيد مش القصيدة والتراب مش الزهرة والسما مش الغيمة/ ويا حبيبي ما في شي إسمو بحبّك كتير وشوي وقبل الضهر وبعد الضهر وبس إفضا/ يا حبيبي الحبّ دوام كامل ودوام إضافيّ كمان... والحبّ ارتباط مش رباط، والتزام مش إلزام، وضحكة مش دمعة، وحركة كلّا بركة مش تأمّل وتحليل...
يا حياتي!!! العجقة بالعرس حلوة بس بالحبّ ما في إلّا اتنين سايعين الكلّ ومش سايعتن الدني/ والغزل حلو بس بيدوب بالشوب وبيجمد بالرد، ولكن الحبّ مغزال بإيد الدني ت ما تبرد قلوب الناس
يا قلبي!!! لو كلمة بحبّك بتجيب ولاد كان صار عندي أكبر طايفة بالبلد وأكبر حزب بالمنطقة، قد ما صرت سامعتها، بس أنا بنت الكلمة، الكلمة الشجاعة يللي صارت جسد، والجسد يللي هوّي طريق، والطريق يللي بتمرق حدّ القبر الفاضي وبتكمّل ع السما... وإذا بدّك تضلّ كلمة ما بقا تحكي معي ولا كلمة...
يا تقبر غيري!!! وحياتك مش ناقصني حكي، بحكي قدّ قاضي معزول... وفيي إكتب لحالي قصايد حلوة كمان... 
يا حبيبي كلّ القصّة سؤال: إنت عارف شو بدّك منّي؟؟؟

الثلاثاء، 1 يناير 2019

بصبّحك بالخير يا عين




     في أوّل يوم من السنة كانت "بربارة" جدّة أمّي تنطلق مع الفجر إلى عين المياه المتفجّرة بسخاء في وسط الضيعة. تحمل المرأة المنتصبة القامة كالألف في يدها اليسرى الجرّة الفارغة وفي اليمنى صحنًا من الفخّار فيه كمشة من أصناف الحبوب التي أنتجتها الأرض كالعدس والحمّص والفاصولياء والقمح، وحين تصل إلى العين تبادرها قائلة: "صبّحك بالخير يا عين، ينعاد عليك وتضلّك تعطينا مي". تتابع العجوز الحكيمة تحيّاتها وتمنيّاتها وشكرها وهي ترمي الحبوب من الصحن الفخّار في حضن العين هديّة لها في مناسبة السنة الجديدة.
     النساء اللواتي يحاولن كلّ سنة أن يسبقن "بربارة" يصلن متأخّرات دائمًا ويردّدن اللازمة نفسها: إم يوسف سبقتنا وعيّدت العين قبلنا.
     وكانت العين تخجل من المرأة العجوز التي تقدّر معنى العطاء، فتتدفّق مياهها طيلة السنة إكرامًا لأمّ يوسف المعترفة بجميل الأرض وخير السماء وكرم الطبيعة. ومن أجل عين "بربارة" تسقي عين المياه المقيمين وعابري السبيل، الناس والحيوانات والزرع، فتكتمل حلقة الأخذ والردّ وتتناغم الكائنات وتنسجم، ولم يكن أحد يفكّر في أنّ أمّ يوسف مجنونة أو خرفة تتكلّم مع العين وتقدّم لها التهنئة بالعيد ولو كان الطقس عاصفًا مثلجًا لا حرارة تذيب الصقيع فيه لولا تلك التي في قلوب الناس.
     في ليلة العيد، تجتمع العائلة في بيت المرأة. خلال النهار أخرجت ابنتها "هنديّة" الحصر ونفضت عنها الغبار وما تساقط من رماد الموقد، و"مرحت" أرض الدار الترابية بالتراب الممزوج بالماء (دلغان). تعرف خالة أمّي كيف تداوي التراب بالتراب، مع أنّها لم تسمع بأبي نوّاس. ابنة أمّ يوسف الثانية "حنينة" نتفت ريش الدجاجة وحضّرتها للعشاء، جدّتي "هند" والدة أمّي ترتّب المكان، فالليلة سيأتي أفراد العائلة في الحيّ الفوقاني ليسهروا في بيت عميدتهم أمّ يوسف، أمّا عائلة الحيّ التحتاني فتجتمع في بيت آخر، الطريق الوحيدة التي تشقّ القرية هي الحدود بين الحيّين. في تلك الليلة يتوقّف القتال على جميع الجبهات، ويحمل جميع أهل الحيّ أطباق القشّ وعليها ما حضّروه ويجتمعون في بيت واحد، ليسلّموا على السنة الجديدة ويسلّموها أمنياتهم وأحلامهم.
     تتابع أمّي وصف مجريات السهرة وهي تعلن شوقها إلى تلك الأيّام، فأفكّر في أنّ المياه شحّت في لبنان لأنّ النساء نسين كيف يشكرن الطبيعة ويستدررن عطاءها. جفّت الصدور والغيوم والينابيع. فصار الحليب مجفّفًا والمطر كبريتيًّا والمياه ملوّثة. وحين تمتلئ الصدور بالسيليكون لا بدّ أن تكون الأجيال الجديدة من النايلون.

الجمعة، 28 ديسمبر 2018

مرآة جديدة للسنة الجديدة (2009)


1 - قالت المرأة العتيقة للمرآة العتيقة: سأكسرك عند منتصف الليل الفاصل بين عامين لينكسر الشرّ الذي اختبأ فيك طيلة العام، وليكن للمرأة الجديدة مرآة جديدة في السنة الجديدة، ترى إلى وجهها فيها وتكتشف أنّ الوجه لم يعد هو نفسه لأنّ المرأة التي فيها لم تعد هي نفسها. إطار جديد ومرآة جديدة ووجه جديد للسنة الجديدة: تفتّت صورة المرأة التي كانت في المرآة القديمة تنتحب وهي تقف على أطلال عمرها تنكش الرمل وتذرف الدمع وتنتظر فلا ينبت إلاّ الشوك الجارح، توزّعت شظايا أفكارها قطعًا صغيرة مشوّهة، وتناثرت خفايا نفسها القلقة. وحين رأت إلى وجهها في المرآة الجديدة اكتشفت امرأة أخرى لا تريد إلّا أن تكون مع نفسها.
*****
2 - في ليلة رأس السنة وضعت المرأة كلّ رجل تعرفه في مكانه المناسب، واحتفلت وحدها بالعيد.
*****
3 - من يخبر الرجال أنني وجدت من تاقت إليه نفسي واشتاق إليه جسدي، فليتوّقفوا عن ادّعاءات الرجولة. فالرجل الذي أحبّه فضح سذاجة أفعالهم؟ ومن يخبر النساء أنّني وجدت من حلمت به أيّامي وانتظرته خلايا عقلي، فليمتنعن عن ادّعاءات الأنوثة، فالرجل الذي يحبّني يعرف كيف هي المرأة التي يريدها.
*****
4 - لا تدعُ أحدًا إلى حياتك إن لم يكن له مكان ووقت.
*****
5 - الأغنياء هم الذين يتسبّبون بزحمة سير خانقة خلال الأعياد، فالفقراء لا يملكون سيّارات ولا ثمن الوقود ولا ثمن الهدايا. عندما يصير الأغنياء هم الحلّ يحلّ على الأرض السلام.
*****
6 - يعود الإنسان الحديث إلى الكهوف والمغاور: يجلس في غرفته وحيدًا كما فعل الإنسان البدائيّ، يرسم على شاشة الكمبيوتر كلمات كما رسم الرجل المتوحّش على جدران المغارة صورًا، يخترع آلهة يعبدها كما فعل الإنسان الأوّل. ويحلم باليوم الذي يخرج فيه من قوقعته ويتواصل مع الآخر بلا خوف.
*****

7 - كلّ الذين يشعرون بالحزن خلال الأعياد هم الذين راهنوا على الناس ليفرحوهم، ولم يتعلّموا، على رغم التجارب والخيبات، أنّ الناس يسرقون الفرح ولا يهبونه. ويوم نتعلّم هذا الدرس نفرح في العيد الفرح الحقيقيّ الذي لا يسلبنا إيّاه أحد.
*****
8 - حين نفتح الهدايا ينتهي العيد.
*****
9 - قالت المرأة الجديدة لمرآتها الجديدة: تغيّري قدر ما شئت ولكن تذكّري أنّك لن تكوني على هذه الصورة بعد موتك بثلاثة أيّام!
*****
10 - يؤمن ذاك الرجل بالمحبّة والمتعة لأنّ كلتيهما لا تؤمن بالحصريّة.
*****
11 - ثمّة هدايا كلاسيكيّة لا تحتاج إلى تفكير وعناء كالأقلام والملابس، وثمّة هدايا هي بمثابة استثمار ماليّ مستقبلي كالمجوهرات واللوحات، وثمّة هدايا لا تدوم كالأزهار والحلويات. الكتب والتسجيلات الموسيقيّة وحدها تتطلّب دراية بالآخر ووقتًا للاختيار ولا تفقد قيمتها مع أنّها ليست ضربًا تجاريًّا مربحًا. ولذلك فالمقبلون عليها قلائل.
*****
12 - أهدت المرأة زوجها نبتة جميلة لأنّ الزاوية في المنزل خالية، وأهدى الرجل زوجته لوحة جميلة لأنّ الجدار فارغ، أمّا الحبّ الذي كان فلم يجد مكانا مع أنّ الفراغات كثيرة والأماكن الخالية باردة.
*****
13 - في البداية كانت هداياه ثمينة وجديدة، ثمّ صارت رمزيّة أو مستعملة، ثمّ صار يختار واحدة من الهدايا الكثيرة التي تقدّم إليه. وكانت النهاية. نهاية شيء جميل.
*****

14 - يحلو للناس ليلة العيد أن يرفعوا أصواتهم هازجين وأن يطلقوا المفرقعات الناريّة وأن يملأوا الدنيا صخبًا وغناء وعربدة، وأغلب الظنّ يفعلون ذلك كي لا يسمعوا أنين المرضى وصراخ المتألّمين وتنهّدات المتروكين، ولولا ذلك لما استطاع أحد أن يتابع حياته.
*****
15 - كنت مريضة فما زرتموني خوفًا من التقاط فيروس الإنفلونزا، ألم يقل الكتاب: كونوا حكماء كالحيّات؟؟
*****
16 - حذار! عكازك نفسه يمكنه أن يكون العصا التي تكسر جرّة أحلامك!
*****
17 - العواطف المهترئة والقبلات الدبقة والمواقف المجّانية أخطر من الاحتباس الحراريّ.
*****
18 - لن تكون السنة الجديدة جديدة ما لم يكن كلّ منّا إنسانًا جديدًا.
*****
* صحيفة "النهار" الثلاثاء 29 كانون الأوّل 2009

الأربعاء، 26 ديسمبر 2018

ضدّ النقّ المسيحيّ

مغارة الميلاد في إيليج - لبنان


عيد الميلاد عيد الفرح أكيد، هيك بشّروا الملايكة ولكن أي نوع فرح وأي نوع احتفالات، بعرف الحكي يللي بدّي قولو ما رح يفيد ولا رح يوصّل لمطرح ولكن تعوّدت إكتب ت فكّر بصوت عالي وفيكن ما تقروا ولا ينسمّ بدنكن:
1- إذا منشوف ع صفحات الفيسبوك عدد السيكار وكاسات النبيد وقناني الويسكي ومنحسب كم متر أرض بتشتري/ كنّا عرفنا ليش في خوف ع الوجود المسيحيّ
2- إذا منحسب ثمن زينة الميلاد بالبيوت ومنجمع سعر الطابات والتماثيل ومنشتري فين كم متر أرض/ كان المسيحيّ توسّع وما عاد خاف ع وجودو
3- إذا منحسب ثمن الأكل والحلويات والهدايا والتياب/ كان طلع معنا رقم خيالي بيشتري كتير من الأراضي وما بيعود المسيحي بيقدر يقول إنو في خوف ع وجودو بلبنان والشرق
4- إذا منحسب ثمن التماثيل الضخمة المرفوعة فوق التلال والجبال بهدف جذب "المؤمنين" وتنشيط السياحة الدينيّة/ كنا عرفنا إنو التوسّع بالعرض ضمانة أكبر من الارتفاع طلوع... لاحقين نطلع صوب السما
5- إذا منحسب كلفة الاحتفالات بالمناطق المسيحيّة والرسيتال والديكور والقرى الميلاديّة/ منعرف إنو بينشرى فيا كتير أراضي معروضة للبيع
6- إذا منحسب شو بيصرفوا المسافرين يللي جايين يعيّدوا مع أهلن وأكيد مع كتير نقّ وتكشير ومقارنة مع بلاد برّا، منعرف إنّو كان أريحلنا لو اشتروا أراضي يعملوها ع قياس طموحن وأحلامن...
الحكي عن التمسّك بالأرض مش شعار ولا موضة بيخلص وقتا... لاحقين ع المهرجانات والتماثيل والكنائس الفخمة... لاحقين نعمل زينة ونشرب نبيد وسيكار... خلّونا بالأوّل نضل بالأرض وبعدين منحتفل... هالحكي مش ضدّ الفرح يللي مرتبط بالميلاد، ومش ضدّ ينبسطوا الناس... ولكن ما ينقّوا ويبكوا ع وجودن بلبنان ويحطّوا الحقّ ع الكنيسة والزعما...
صور الزينة والتياب والحفلات الفاخرة صارت فاجرة بهيك وضع...خصوصا مع النق ع الوضع الاقتصادي والسياسي والفساد بالدولة... فرجاء حدّدوا الأولويّات وكونوا صادقين مع نفسكن، لأنّو التضحية كرمال الوطن ما بتكون بالروح والدم، فيا تكون بقيمة سهرة وثمن معطف فرو وحقّ قنينة عطر...
الشعوب يللي بدّها تبقى بأرضها بدها تتنازل عن شي عابر وآني ت تربح شي ثابت ودايم... والأرض هيي الثبات والضمانة وتجارب شعوب الأرض بتعلّمنا هالشي
في أحزاب وطوايف بلبنان قرّرت إنّو بدها تضل بلبنان وعم تعمل كل شي كرمال هالبقاء، اشترت أراضي وسلاح وزاد عددها وعم تعلّم ولادها فنون القتال إلى جانب العِلم وتحصيل الشهادات، وفي فئة مسيحيّة عم تركّز ع الـSavoir Vivre وتعلّم ولادها كيف بيعملوا حفلة شاي من الطراز الراقي!
القصّة قصة اختيار... ويللي بيختار ما لازم ينقّ...


الثلاثاء، 25 ديسمبر 2018

المقيم فيّ (النصّ العاشر من كتابي رسائل العبور - 2005)


Emile Vernon
1919 - 1872

خرج الرجل من تحت جلدي في ما يشبه الولادة المتعسّرة: في ألم وأمل!
ولكن حين امتلك هذا الكائن خصوصيّته، علمت أنّ الحبّ وحده لن يكفي للتعامل معه. بل تحتاج العلاقة إلى كثير من الحكمة والحريّة والمسافة، والقسوة أحيانًا. وعرفت، من دون أن أعرف كيف، أنّ ذاك الذي أسميته العابر احترامًا لكينونته وقدره هو المقيم المقيم. وهو الذي أدركت وجوده قبل أن يوجد. وهو الذي يجب أن أستعدّ دائمًا لمزاجيّة تحوّلاته.
ولعلّ أكثر ما يزعجني في مثل هذه التحوّلات عجزه عن الكلام حين تكون هذه اللغة هي الوحيدة المتاحة. ليس الكلام في المعنى الحرفيّ للكلمة، فنحن قد نثرثر لساعات، متناولَين تفاصيل اليوم، ومتبادلَين أحداث النهار وبدايات الليل، كلّ في مكان عمله، مع الطارئين على الحياة أو الثابتين فيها. ولكن ما أقصده هو الكلام النابع من الداخل والمعبّر عن مشاعر أو أفكار أو حاجات حميمة. كأنّما المر يحتاج إلى مزيد من الثقة بالآخر الذي هو أنا، أنا التي تشعر مرّات كثيرة أنّها الدخيلة الغريبة البعيدة المؤقّتة الهامشيّة العابرة. وهذا ما أتأكّد منه كلّما أصابه الندم بعد كلمة عميقة تفلت منه، أو عندما يطلق تعليقًا يزيل الحجب عن مكامن القلق فيه، أو عندما ينقل خبرًا كان من الأفضل ألّا يشير إليه، مع أنّ هذا الخبر يكون في أكثر الأحيان بسيطًا، عاديًّا، طبيعيًّا، متوقّعًا ومعروفًا. يصيبني عندئذ حزن غريب عمره آلاف السنين وأشعر بأنّي صغيرة وعاجزة ووحيدة، فتنكسر الأشياء والأصوات، ويغرق العالم في صمت ما قبل الصلب.
ومع ذلك فلا أعتقد أنّ هناك من هو أكثر وحدة من صديقي، هذا الذي يحبّ أن يصوّر نفسه وكأنّه أكثر الرجال شعبيّة، وقدرة على التواصل، وموهبة في التعاطي بالشأن العامّ، وذو براعة اجتماعيّة تخوّله الانسجام مع أصعب أنواع الناس.
وهذا كلّه صحيح، فلا أعتقد أنّ ساعات النهار والليل تكفي لينهي واجباته العائليّة، أو ليلبّي الدعوات الاجتماعيّة، أو ليشارك في المتاح أمامه من نشاطات فكريّة وثقافيّة. ولكنّ ذلك كلّه لم يقنعني بأنّه ليس إنسانًا وحيدًا وحزينًا. ألا يمكن أن يكون الأمر كلّه مجرّد رغبة منّي في أن أراه هكذا، كي أجد حاجة ماسّة إلى وجودي في حياة ممتلئة أساسًا بناس كثر، حتّى أنّي أتساءل إن كان غيابي أو حضوري سيشكّلان فرقًا.
منذ زمن بعيد وأنا اشعر بأنّ ثمّة رجلًا يقيم تحت جلدي ولا يشبه رجلًا آخر. وعندما التقيت صديقي وجهًا لوجه وأحببته كما هو، اكتشفت أنّه يشبه الرجل الذي أحبّ أن أكونه.

الاثنين، 24 ديسمبر 2018

راجعون راجعون راجعون (2010)

فاريّا
فقرا


جبيل

المسيحيّون المشرقيّون راجعون/ راجعون، وإن رحلوا أفراداً وجماعات/ راجعون، وإن تشتّتوا في شتّى أصقاع الأرض/ راجعون، وإن شرّدتهم خلافاتهم وانقساماتهم أو مزقتهم رصاصات الغدر وقنابل الحقد/ راجعون، وإن حوصروا في المدارس والبيوت أو بيعوا في أسواق المكاسب الدوليّة/ راجعون، وإن أخرس الظلاميّون أجراس كنائسهم وأحرقوا أيقوناتهم ومزّقوا أناجيلهم/ راجعون، مهما طال الزمن وبعدت المسافات وطُمست أمامهم معالم الطريق وسُدّت في وجوههم البحار وأُغلقت السماء/ راجعون، إلى فلسطين ولبنان والعراق وسوريا ومصر والأردن، ليملأوا الأرض غنًى وتنوّعاً بعدما حلّ عليها رماد الجهل.
مسيحيّو الشرق راجعون/ لأنّ المشرق العربيّ من دونهم سيغرق في رتابة اللون الواحد، وسينزف حتّى الموت من جرّاء صراعات مذهبيّة لن تصل إلى ذروتها إلاّ في غيابهم/ فمتى زال الوجود المسيحيّ تقاتلت المذاهب الإسلاميّة حتّى آخر مسلم/ فبعد المسيحيّين سيأتي حتمًا (سبق أن راح مسلمون كثر ضحايا أفكارهم التقدميّة) دور المسلمين الحقيقيّين، والمسلمين المنفتحين، والمسلمين المتعلّمين، والمسلمين المثقّفين، والمسلمين الواعين، والمسلمين المتحرّرين، والمسلمين المحبّين/ وبعدهم سيكون دور المسلمين الأقلّ تعصّباً والأقلّ تطرّفاً والأقلّ أصوليّة والأقلّ إجرامًا والأقلّ شراسة والأقلّ حقداً والأقلّ جهلاً/. وبعد المسيحيّين وكلّ هؤلاء المسلمين، سيكون دور الأطفال المسلمين إن ضحكوا، والنساء المسلمات أن تكلّمن، والعصافير إن زقزقت، والأزهار إن تفتّحت، والشمس إن أشرقت، والأمطار إن سقطت، والكواكب إن أنارت السماء/. بعد المسيحيّين وكلّ هؤلاء المسلمين ستنتحر الحجارة برمي نفسها من أعالي الجبال خجلاً، وستغرق الرمال في البحار قرفًا، وستخشى وريقات الأغصان من الإتيان بحركة ولو تسلّلت الريح خلسة لتسألها عن حالها، وسيذوب الثلج حزنًا، ولن تجرؤ أعشاب الأرض على أن تطلّ برأسها فوق التراب، وستجهض الأشجار ثمارها قبل أن تطالها يد الإجرام، وستغور مياه الأنهار كي لا تبرّد غليل الحقد.
بعد المسيحيّين/ ستضيق السجون بأصحاب الأحلام، وحملة الأقلام، وطارحي الأسئلة وجامعي الكتب/ وستكون الموسيقى الوحيدة المسموح بها هي عويل الثكالى ونواح الأرامل وبكاء الرضّع، وسيشكّل الناس القابعون أمام بيوتهم المخلّعة الأبواب في انتظار الخلاص لوحاتٍ لم تخطر على بال فنّان، بعيونهم المطفأة وأيديهم المبتورة وأفواههم التي خلت من الألسنة والأسنان. بعد المسيحيّين سيأتي دور المرضى والعجزة والمعوّقين والمثليي الجنسيّة والزوجات اللواتي يمارسن الجنس مع أزواجهن، وستصدر فتاوى وفتاوى مضادة، وسيسجّل المشرق العربيّ أرقامًا قياسيّة في أطول لحية وأسمك برقع وأقوى تفجير وأكبر عدد من القتلى وأسرع انهيار وأسوأ مصير وأضخم محرقة لكتب وشرائط أفلام وموسيقى وأشرس معارك بين أبناء طائفة واحدة/. فبعد المسيحيّين لن يكون هناك شعر ورواية ومسرح وسينما ورسم ونحت ورقص وموسيقى. لن يكون هناك إلاّ أفلام إعلانيّة تدعو إلى القتل وأفلام توثيقيّة يودّع فيها الانتحاريّون إخوة السلاح.
المسيحيّون راجعون لا في حروب صليبيّة أساءت إليهم أكثر ممّا أساءت إلى سواهم، ولا بدعم خارجيّ من دول تستغلّهم لتحقيق مطامعها، بل لأنّ رسالتهم هي أن يكونوا ملح هذه الأرض، ولأنّ الناجين من المسلمين الحقيقيّين والمنفتحين والمتعلّمين المتنوّرين والمثقّفين والواعين والمتحرّرين سيرحلون خلفهم إلى حيث يجدون مكانًا لفكرهم، ولأنّهم يعرفون أنّ المسيحيّين العرب ليسوا طارئين وليسوا غرباء وليسوا ضيوفًا وليسوا عابرين وليسوا محتّلين وليسوا كافرين، ولأنّهم معاً سيعودون نحو الشرق ليحرّروه من المغتصبين والأصوليّين والطغاة. المسيحيّون الحقيقيّون والمسلمون الحقيقيّون راجعون، لا ليتحاوروا في الدين، لأنّهم تعلّموا أنّ الحوار في الفكر هو الأهمّ، ولا ليقيموا مهرجانات العودة، لأنّهم تعلّموا أنّ الزرع يسبق الاحتفال بمواسم القطاف والحصاد، ولا ليؤسّسوا دويلات طائفيّة، فهم تعلّموا أنّ العيش الكريم هو الهدف وليس التعايش الخبيث، ولا ليقرّروا نسيان الماضي بل ليتذكّروه ويتعلّموا منه ويعلّموا أبناءهم أهمّ دروسه، وهو أنّ الفقر والجهل عرّابا الأصوليّة والعمالة.
المسيحيّون راجعون راجعون راجعون لأنّ حركة التاريخ لا تهدأ ولا تعرف الثبات، ولأنّ المجتمعات قادرة على مداواة جراحها لا الاكتفاء بلعقها، وعلى تجديد مياه الحياة فيها لا الغرق في أسن أقذارها، وعلى نفض الغبار عن مشاريع إنمائها لا الوقوف على أطلال مجدها الغابر. نعم، المسيحيّون المشرقيّون راجعون إلى إيمانهم وأصالتهم وتراثهم ودورهم وحريّتهم ومعتقدهم الواحد وإلى الأرض التي تنتظرهم وإن كان المخاض عسيراً.
المسيحيّون راجعون وكنت أتمنّى أن أكتب: المسيحيّون هنا حيث حضارتهم وفكرهم ولغتهم، إلاّ أنّ الوقت حان لنسمّي الأشياء بأسمائها.
*****
جريدة النهار - الثلاثاء - 9 تشرين الثاني 2010

الأحد، 23 ديسمبر 2018

الطفل يسوع والرجل المسيح





وقف المسيح الرجل على باب المغارة وخاطب الطفل يسوع من دون أن ينبس بكلمة:

هنيئًا لك يا أيّها الصغير الذي هو أنا

الذي هو أنت
الذي هو هو
هنيئًا لك
أحضروا إليك الليلة الهدايا والطعام
أمّا أنا فيحملون إليّ كلّ يوم الوجع والجوع
ويلقون على كتفي كلّ ليلة آلامهم لأحملها عنهم
وفي كلّ لحظة يضعون بين يديّ مرضاهم لأشفيهم
استمتعْ بما أنت فيه يا وحيد أمّك
فالرعيان أطيب قلبًا من جنود الاحتلال
والعلماء أبعد نظرًا من الحكّام
والخراف أكثر وداعة من خيول العسكر
والمغارة الصغيرة أكثر أمنًا من القصر الفخم
وترانيم الملائكة أعذب من صراخ الجماهير
والقشّ غير الشوك
كلْ ونمْ يا ابن أبيك
واترك لي عندما تكبر أقمطتك لأستر بها عريي على الصليب
افتح عينيك يا طفل السماء واستمتع بالوداعة في عيون زائريك
فغدًا لن ترى إلاّ نظرات السخريّة والشماتة والحقد
احمل سريرك وامش يا من تحمله الملائكة
فغدًا ستحمل صليب العار
اشربْ حليب أمّك يا خبز الحياة 
فغدًا سيسقونك الخلّ لعلّك تنسى خمرة الفصح
ماذا ستفعل بذهب المجوسيّ

يا من لا تعني كنوز الأرض لطفولته شيئًا
ويا من سيباع بالفضّة؟
ألن يكون التاج من شوك؟
ما حاجتك إلى اللبان يا مصدر العطر العذب
فالرائحة ستفوح من الدم النازف؟
وماذا يخيفك في المرّ 
يا من لا يحتاج إلى حنوط الموتى لأنّه هو الحياة؟

يد أمّك تداعب رأسك الصغير تنسيني آثار الإكليل في رأسي
ويد يوسف تمسك بيدك تبلسم في يدي جرح المسمار
وتسابُقُ أولاد الرعاة لحملك يذكّرني بسمعان القيروانيّ الذي ساقوه إلى حمل الصليب معي
بعدما تنكّر لي سمعان الصخرة
هل تعرف من أنت يا كلمة صار جسدًا كما أعرف من أنا؟
هل تستطيع أن تصنع الأعاجيب مثلي أم أنت في حدّ ذاتك أعجوبة السماء على الأرض؟
بعد أكثر من ألفي سنة يا صغيري الذي هو أنا، ستبقى صغيرًا

لا بل ستكون أصغر من كلّ الذين حولك
وأصغر من الطابات الملّونة المعلّقة فوق رأسك
وأصغر من الخروف والنجمة والملاك
فتكاد أمّك تصرخ بالناس:
شذّبوا أغصان شجرة الميلاد كي لا تخفي باب المغارة!

أنت الآن، وستبقى، بحجم حبّة القمح التي زرعتَها 
عجوز فقيرة في صحن فخّار عتيق ليلة عيد،
ومثلها جميل وكلّك حياة وخصب وعطاء
ومع ذلك فأنا أحسدك
لأنّ الناس يتسابقون لتحضير مكان ولادتك
أمّا أنا فيتسابقون لإعداد صليبي
كلّ ذلك لأنّك أنت لا تتكلّم
ولأنّني بالحقّ نطقت

دعني أنم إلى جانبك يا طفلاً صار أنا
ولم يكن يعي أنّه يعرف
فمشوارنا بدءًا من الليلة سيكون طويلاً
لكنّك لن تكون وحيدًا يا صديقي
فأنا معك إلى منتهى الدهور
لتنمو بالقامة والحكمة التي تلي الألم
أراك منذ الآن تلعب مع أترابك
وتلهو مع أولاد الجيران
وتعود إلى البيت لتطرح على أمّك الأسئلة الصعبة
فتنظر المرأة إلى يوسف طالبة منه المساعدة
فيلتفت إليك النجّار الطيّب ويقول: 
عدْ إلى اللعب الآن، وستجد الأجوبة من تلقاء نفسك

وبالفعل سيحصل ذلك ليلة ذهابك إلى الهيكل

وأنت في الثانية عشرة من عمرك
تلك الليلة بكيت ولم يكن معك سواي
سالت دموعك كما في بستان الزيتون
ومن خلال حجاب الدمع رأيتني للمرّة الأولى ولم تُفاجأ
ولم تهرب ولم تغمض عينيك
تركت دموعك تنسكب بصمت
وأنت تكتشف دمعة بعد دمعة من أنت ومن أنا
تنظر إلى المغارة وترى ولادتك
وتنظر إلى المغارة وترى قيامتك
وتتمنّى لو كان في إمكانك 
ألاّ ترى مسيرة الجلجلة التي امتدّت بينهما...

في تلك الليلة التي لا أحد يعلم بشأنها إلاّ الآب
عرفت ماذا ينتظرك فخفت
وطلبت منّي أن أُبعد هذه الكأس
فأجبتك: ولكنّي لأجل هذا أتيت
سألتني إن كانت الجراح تؤلم
قلت لك: المعاناة تؤلم أكثر
سألتني إن كان النزف سيتواصل
قلت لك: إلى أن تصير الأرض سماء
سألتني: هل الموت مخيف؟ 
قلت لك: ليس لمن يحبّ
سألتني: لماذا أنا؟ 
قلت لك: لأنّك الكلمة
***
صحيفة النهار - الثلاثاء 21 كانون الأوّل 2010

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.