الأحد، 16 سبتمبر 2018

حقيبة الهزائم (من كتابي أحببتك فصرت الرسولة)



 حقيبة الهزائم
أغادر علاقتنا كما يغادر الجنديّ بيته ويمضي إلى مصيره الغامض
أترك خلفي سنابل قمح تشقّ العتمة وتعانق الضوء
وسريرًا لا يزال يحمل دفء رغبتي في البقاء
لكنّي أعرف أنّ موعد الرحيل اقترب
ولا حصّة لي في الحصاد
وأنّ الطريق تنتظرني لتقودني إلى حيث أنت 
حكاية تنتظر أن تصير قصيدة.
أغادر قبل أن يغدر بي الوقت
وقبل أن أغدو عاجزة عن ترك المكان الأليف
أرحل كما ترحل طيور تقودها غريزة البقاء
ولا تعرف إن كانت أجنحتها لن تخونها
أمضي كما كان مقدّرًا لي أن أفعل
أترك خلفي ضحكاتِ أطفال
وأغنياتِ أعياد
وأعراسًا لن أشهد على زغاريد فرحها
أبتعد كي يخلو المكان من قلق لم يتركني مذ عرفت أنّ قدري هو العبور في حياة الناس
كما تعبر النيازك التي تولّد الأمنيات وتنطفئ
أحمل جسدي التعب وأمشي بلا أثر أو خيال
أتدثّر بصمتي الحبيب فلا يراني القمر
وأغيب في عتمة تعيد تكويني لأولد من جديد
***
في حقيبة الهزائم وضعت خيبتي الجديدة
هناك إلى جانب الحبّ الأخير
والحظّ العاثر
والأمل الواهم
وبعض الانتصارات المخادعة
جعلت لخيبتي الجديدة مكانًا آمنًا
فلا أفقدها في رحلة الأيّام الآتية
ولا أضيّعها حين أبحث عنها لأشكرها على رفقتها الدافئة
ووفائها الدائم
وعلى مساهمتها الكبيرة في جعلي أكثر حكمة وأكثر سكينة
***
أغادر علاقتنا
والمغنيّةُ العجوز تستدعي بصوتها الشجيّ أرواح العشّاق الذين ماتوا من الحبّ
وأغصانُ الأشجار تتعانق كي لا تشعر بالوحدة في ليل الرحيل
تبكي السماء بالنيابة عنّي
ولكنّ بضعَ حبّاتٍ من المطر ارتأت أن تبلّل عينيّ
كي تخفّف عنهما لهبًا يحرق جفونهما
فيرتدّ لهب الحريق إلى الداخل
ولا دهشة
أنأى في المسافة
العينان إلى الأمام والقلب يغور ولا يلتفت
ينمو الشيب على مفارق الدروب
تتجعّد بشرة الأرض
ترتجف زهرة الحقل
والجنديّ يعرف أنّ في انتظاره مهمّة جديدة في أرض غريبة
***
أهمس في أذن الجنديّ الذي يشبهني أنِ استرح
واعتزل القتال في عالم يحتفي بالجبناء
ويهلّل للمجرمين
ولا يبالي بالأبطال
ارمِ قضيّتك في الوحل وامض نظيفًا خفيفًا حرًّا
يحثّ الجنديّ الذي يشبهني خطاه
ويسرع لعلّ ضربات حذائه على الدرب تغلب صوتي
يفكّر أنّ الأبطال الحقيقيّين هم الموتى
فليكن موت
ولتكن قيامة
لعلّ الخلاص يأتي
***
أغادر علاقتنا كما يغادر ثوبي الأبيض علاّقة الثياب في الخزانة
تهتزّ قليلًا قبل أن تستقرَّ عارية بلا ثوب
كما تغادر مفاتيح البيوت القديمة علّاقاتٍ خائنة
بعدما تخلّعت الأبواب
كما تغادر آلاف الحيتان المحيطات الصاخبة
لتموت في سكينة الشطآن
أغادر قبل أن تغدر بي الخيبة
أحمل حقيبة الهزائم
وأمضي كجنديّ لا يعرف إن كان سيعود
حقيبتي الوسادة
حقيبتي المقعد
حقيبتي الملجأ
حقيبتي المتراس
حقيبتي النعش
تحملني وتمضي بي خارج إطار العلاقة
لأصير صورة عارية على سور المدينةِ الملعونة
مضطهدةِ الرسل والأنبياء والشعراء
وهناك
على الحائط المنخور بالملح
في مواجهة الزبد الأبيض
يحوّلني الانتظار أيقونة عجائبيّة
 تقصدها نساء الشرق العاشقات
لترى كلّ واحدة منهنّ وجهها

الخميس، 13 سبتمبر 2018

كلمات ليست لرجل


     حين أفكّر في كلّ تلك الكلمات التي كتبتها، للحبّ، للوطن، للألم، للحزن، للخيبة، للموت، للوحدة، للطفلة التي كنتها، للناس الذين عبروا... هذه الكلمات التي حفرت جلدي بأظافري لأخرجها، التي مزّقت قلبي لأنجبها، التي حطّمت باب عقلي لأجبرها على الخروج... هذه الكلمات ليست لرجل بل لإله لا يعرف أنّه إله ويظنّ أنّه رجل.
     لم يكن الأمر جنونًا أو مرضًا أو خيالًا. لم تكن معرفتي به صدفة أو حلمًا أو كابوسًا. كان لا بدّ أن نلتقي لأقول له من هو، وأمضي... قدري معه أن أمضي، وأن يبقى ليواجه ألوهته وحيدًا إلّا من الشعر والحزن... وأن يولد من جديد... كان لا بدّ أن أجرحه ليعرف قدرة عينيه على البكاء، كان عليّ أن أتحدّاه ليعرف قوّته، كان من واجبي أن أواجهه ليكرهني ويحبّ نفسه... كان يجب أن يتصالح الرجل فيه مع الإله.
     غريب كيف أنّ الرجال يخافون أن يكونوا آلهة، ويريدون أن يبقوا رجالًا، أطفالًا، مراهقين، ذكورًا. لكن ليس آلهة! يخافون أن يروا جمالهم، وقدرتهم على الحريّة، وعلى الحبّ، وعلى الاختيار. يخشون أن يصدّقوا أنّهم ولدوا ليكونوا أبطالًا يداعبون مخيّلات النساء، ويقلّدهم الشبان، ويفتخر بهم الشيوخ، وينام الصغار وهم يحلمون بغد أفضل لأنّ هؤلاء الأبطال موجودون فعلًا.
     أعترف أنّني أخفقت مرارًا. فشلت أكثر من مرّة في معرفة هويّة هذا الرجل الإله. واحد قال لي: أنتِ مجنونة! آخر صرخ بي: دعيني وشأني أنا مجرّد رجل! ثالث اعترف بأنّه يخاف ولا يريد، رابع همس بخجل بأن ليس من حقّي أن أعكّر عليه صفو حياته، خامس غضب، سادس هرب، سابع قال بالحرف الواحد: أنا غير مستحقّ...
     أعترف أنّني أخفقت. مرارًا وكثيرًا، وحزنت وبكيت وندمت وأقسمت أن أستقيل من مهمّة مستحيلة لا أمل لها ولا نتيجة منها. لكن كيف أُسكت الصوت في داخلي وهو يوقظني كلّ ليلة ليقول لي: الرجل الإله موجود، لكنّه لا يعرف من هو... ابحثي عنه واكشفي له حقيقة نفسه... فأهبّ من نومي لأعاتب من يقول لي ذلك، وأصرخ به ليتركني وشأني، وليعفني من هذا العذاب الذي يمزّق روحي... لكنّ الصوت صوت، يحكي ولا يسمع... يوصل الرسالة ويمضي لشؤونه.
     تعبت. كيف أجد من لا يريد أن يجده أحد؟ كيف أنقذ من لا يريد أن ينجو؟ كيف أمسح الغبار عن وجه من يريد أن يعفّر جبينه في التراب؟ كيف أكون مرآة من لا يريد سوى امرأة؟ كيف أكون ضمير من لا يضمر سوى الغضب؟
     تعبت... ألم يحن الوقت كي يبحث هو عنّي؟...



الأربعاء، 12 سبتمبر 2018

هويّات تتبع الأهواء (2010)


Marcia Babler

هل هناك شعب آخر سوانا يغيّر هويّته بالسهولة التي يغيّر فيها ملابسه؟ أكاد أجزم أنْ لا.
ففي زمن ما بعد العولمة، وما بعد الحداثة، وما بعد فورة الاتصالات، وما بعد الخريطة الجينيّة، وفي وقت تطرح الإنسانيّة تساؤلات دقيقة ومخيفة عن صورة الإنسان المستقبليّ وما سيكون عليه وضعه، نبدو نحن مستسلمين لواقع ليست فيه اسئلة وجوديّة فلسفيّة أو علميّة طبيّة، أو روحيّة ماورائيّة. ونكتفي بردود فعل هوجاء على أفعال تتجرّأ حفنة من الناس على القيام بها معاكسة تيّار الاستكانة والخنوع والموت السريريّ. وحين نستجمع قوانا ونتنطّح للمشاركة في الشأن العام، ونسعى إلى تحديد هويّتنا يكون أقصى ما نفعله هو السؤال عن أحدث مطعم في البلد.
الزمن الآن زمن حجاب، حتّى ولو ارتفعت نسبة المثليّة الجنسيّة بين أبناء المجتمع الواحد وبناته، في شكل كبير وغير معترف به/ وزمن تطويب القدّيسين والقدّيسات حتّى ولو كان أتباعهم يفضّلون التقيّة على التقوى، والاستسلام على السلام، والمصانعة (المسايرة) على الصناعة. والزمن زمن رمضان المرتبط بالكسل والتغيّب عن العمل والمسلسلات التي لا تترك وقتًا للصلاة والتعبّد/ والميلاد المزيّن بالمصابيح المضاءة في الشوارع، بينما الناس يلعنون الظلمة في البيوت، والمرتبط بالأحذية الجديدة التي لا تكتمل فرحة الأعياد من دونها.  
والزمن الآن زمن يعلو فيه صراخ التاجر الفاجر على تأمّل الأديب، وقرقعة الحديد في المعامل على همس القلم للورقة، وزعيق آخر صيحات الموسيقى على غناء العصافير. وحين تصير صبحيّة النسوان العاطلات عن العمل أطول وقتًا وأكثر ازدحامًا من أمسية شعريّة نعرف أنّ مقاربة الحديث عن الهويّة اللبنانيّة لن يوصل إلى نتيجة إن بقي يتمّ بالشكل الذي نقوم به، وحين تصل شتائم سائقي الباصات ونكات البرامج الفكاهيّة إلى آذان الناس باسرع ممّا تصل إليه آراء الحكماء نعرف أن لا هويّة لنا إلّا ما تفرضه علينا أهواؤنا، والهوى غلّاب، كما تقول الأغنية.
هل الوجه عنصر من عناصر تحديد الهويّة؟
لنأخذ مثلًا من الحياة اليوميّة: ما هي هويّة شابّة في السنة الجامعيّة الأولى؟ هويّتها محكومة بجملة عوامل لا تزال هذه الفتاة غير قادرة على التحكّم بها: الانتماءان الطائفيّ والمذهبيّ، فأن تكون مسيحيّة أمر مختلف تمامًا عن أن تكون مسلمة أو درزيّة، وأن تكون مارونيّة أمر آخر يغيّر من طبيعة تفكيرها فيجعلها مختلفة عن كونها أرثوذكسيّة أو كاثوليكيّة أو إنجيليّة، ثمّ هناك مكان الإقامة، فأن تكون مسيحيّة مارونيّة من الأشرفيّة يختلف عن أن تكون من دير الأحمر، وأن تكون خرّيجة مدرسة رسميّة لا يشبه في شيء أن تكون تلميذة راهبات فرنسيّات أو تلميذة مدرسة علمانيّة أو أنغلوفونيّة. ثمّ يأتي دور الجامعة والعمل والسفر والهوايات (موسيقى، رياضة، مطالعة، سينما، مطاعم ونواد ليليّة، سفر، فايسبوك...)، وكذلك هناك عامل الصديق الحبيب وإلى أيّ تيّار سياسيّ ينتمي، فكم من فتاة غيّرت ميولها الحزبيّة حين خرجت من تحت تأثير الوالد "العونيّ" مثلًا إلى التأثّر بحماسة الحبيب "القوّاتي"، أو العكس.

إنّ مجمل هذه العوامل وكثير غيرها (كالوضعين الماديّ والاجتماعيّ في الدرجة الأولى) ممّا لا يمكن لمقالة مختصرة أن تفيه حقّه يجعل هويّة هذه الشابّة أمرًا خاصًّا بها دون سواها؛ وأيّ انسجام أو تعايش (بحسب القاموس اللبنانيّ) أو تناغم أو تآلف أو تكامل بين هذه الهويّة وسواها عملٌ دقيق وصعب يحتاج إلى رغبة وإرادة يتبعهما تمرّس ومران، ولا يمكن أن يتمّ ذلك إلّا في دولة المؤسّسات المدنيّة، ومن غير ذلك يبقى مجتمعنا مجموعة هويّات هائمة تتصادم ولا تتصادق وتتجاور ولا تتحاور. والمفارقة الكبرى أنّنا مقتنعون بأنّنا ما زلنا حرصاء على العادات والتقاليد مقارنة بدول الغرب، وأنّنا نولي العلاقات العائليّة والمناسبات الدينيّة والقيم الأخلاقيّة اهتمامًا خاصًّا، متجاهلين أنّ حرصنا هذا أساء إلى الوطن، ولم يحمِ عائلاتنا من التفكّك، وطوائفنا من التقاتل، وقيمنا من الاضمحلال، فخسرنا كلّ شيء. أو نكاد.

إنّ الهويّات قيد الدرس ليست من نصيب فئة محدّدة من المواطنين. فكلّنا نحمل هويّات قيد الدرس، نكتب عليها بقلم الرصاص، والممحاة في الجيب، أنّنا لبنانيّون حتّى إشعار آخر، عربٌ حتّى تصدر نتائج فحوص الحمض النوويّ، طائفيّون حتّى نجد سببًا آخر للتناحر، علمانيّون حتّى تأتي مواعيد الاستحقاقات من ولادة وزواج وانتخابات وموت وإرث، أغنياء إلى أن يحين موعد توزيع الإعاشات والمساعدات، فقراء إلى أن نربح اللوتو، مغبونون إلى أن يزداد عددنا، محبطون إلى أن نستقلّ في محميّة، وقد يكون الثابت الوحيد بين هذه المتحوّلات أنّنا أغبياء في حقّ أنفسنا حتّى إثبات العكس.
***
صحيفة النهار – 7 أيلول 2010

الجمعة، 7 سبتمبر 2018

الرجل الممحاة

Karin Jurick

هي: أتعبني غيابُك، كبرت وتغيّرت!
هو: أداوي تعبك بلمسة، وأزيّن إصبعك بقبلة، وأذكّرك بذاتك حين أهمس في أذنك كم أحبّك!
هي: أنت أقوى منّي!
هو: منحتِ الجميع ما تملكين فضعفت، فجئت أعيد إليك قوّتك!
هي: ما الذي يمكنني أن أمنحك إيّاه وأنت تملك كلّ شيء؟
هو: أريد أن تمنحيني فرصة لأمنحك ذاتي وكلّ ما أملك!
هي: لماذا لم تقل شيئًا قبل الآن؟
هو: كنت أجمع الكلمات كما يجمع الصيّاد حبّات اللؤلؤ ليصنع لحبيبته عقدًا تزيّن به جيدها!
هي: وهل أنت صيّاد؟
هو: معك أنا طريدة ترغب في الوقوع في الأسر!
هي: من أنت؟
هو: أنا الرجل الممحاة. لن أدعك تكتبينني بعد اليوم، وتضعين نقطة النهاية. أنا رجلٌ لم تنجبه واحدةٌ من بنات أفكارك. وأعصابي ليست فواصل في جملتك، وقلبي ليس مجرّد عنوان لنصّ يداعب مخيّلتك. معي لستِ كاتبةً ولا قارئة، بل امرأةٌ ظنّت أنّ جسدها جملة اعتراضيّة، وأنّ عمرها نقطة نهائيّة، وأنّ السعادة صورة مجازيّة. أنا لستُ كلمةً فاضت عن حبر قلمك، أو حرفًا ساقطًا فوق صفحة شاشتك البيضاء، أو ضميرًا مستترًا في فعل الحبّ الذي لم تجيدي حتّى اليوم تصريفه إلّا في الزمن الماضي. أنا لستُ الرجل السوبرمان، ولا الرجل الوطواط، ولا الرجل العنكبوت... أنا الرجل الممحاة، أمحو الندوب وأترك التجاعيد، أمحو الحزن وأترك الحنين، أمحو الأرق وأترك الحلم، أمحو الغضب وأترك الثورة، أمحو العناد وأترك الرغبة... وأنتِ قضيّتي الوحيدة. 

الخميس، 6 سبتمبر 2018

خريف نصف الصيف

   


     أتى الخريف باكرًا هذه السنة! اقتحم الصيفَ بغيمه الثقيل وهوائه الرماديّ، وهمس في أذني: أنتِ لي، ولن تكوني لسواي!
     أجلس في حديقةٍ صارت الشمس تغادرها على عجل، وأراقب كيف يقصّر النهار عمرَه طوعًا، كأنّه لا يريد أن يرى أكثر مما رأى... أحزن، فيسقط حزني على ترابٍ وُعِد بربيع الحبّ وصيف العشق، لكنّ الشوك لا يشرب سوى دمع السماء حين يخرمش عينيها...
     يذوب ظلّي في الأرض، أنحني لأبحثَ عنه فأصير علامة استفهام ولا جواب لي...
     كبرت، كبرت فجأة، وغدرتْ بأحلامي طفولةٌ غادرتني حين اكتشفتُ أنّ مكانًا واحدًا لا يتّسع للحرب والحبّ... أن لا مكان لي ولا زمان ولا رفيق... وأنّني حين أنتفض على حزني ووجعي وعمري فأقصى ما يمكنني فعله هو أن أكتب... وأقسى ما يمكنني مواجهته هو أن أكون قارئتي الوحيدة...
     ربع عمر في سرير الوجع، وربع آخر في أتون الحرب، وربِع ثالث في خيبة الحبّ، وربع رابع في هشاشة الشعر... يا الله صار عمري مئة عام وما زلت أبحث عن طفل ألعب معه على الطريق التي لم أَحْبُ عليها يومًا، ولم أركل حجارتها، ولم أركض خلف أترابي فوق تربتها البكر... مئة عام وما زلت صغيرة يفاجئها الخريف كلّ سنة وهو يقول لها: أنتِ لي وحلم الصيف انتهى...
    مضى زمن اللعب، مات ناس كنت أعرفهم، رحل آخرون خلف أحلامهم، وُلد أطفال يحملون سلاحًا، انقصفت بيوت وأعمار... أحاول القفز فوق الركام فلا تساعدني رجلي... أحاول الطيران فوق دخان الحرائق فيذوب جناحي...

     فاجأني العمر... لا الشعر الأبيض دلّني عليه، ولا تجاعيد الوجه أنذرتني بمجيئه، ولا البقع الصغيرة السوداء فوق سطح اليد نبّهتني، ولا انقطاع الدم عن دورته القمريّة حذّرني، ولا موت الجدّين، فقط الخريف، الخريف الذي أتى هذه السنة في غير موعده، هو الذي جمع الخيبات كلّها، والأوجاع كلّها، والدموع كلّها، هو الذي لفّني بوشاحه السميك، وقال لي: أنتِ لي ولن تكوني لسواي...

لو كنت مديرة مدرسة (2- عن المربّين)



لو كنت مديرة مدرسة (2 - عن المربّين)
1-  لكنت فرضت على المعلّمين لائحة من كتب المطالعة (في أيّ لغة يختارونها)، وأنشأت لهم ناديًا إلزاميًّا لمناقشة الكتب.
2-  لكنت قدّمت معلّمي اللغة العربيّة على سواهم من المعلّمين وذلك للأسباب الآتية:
-       اللغة العربيّة في المدارس العلمانيّة هي اللغة الرسميّة للدولة، وفي المدارس الدينيّة هي لغة الدولة ولغة الصلاة الرسميّة إن في الكنائس أو المساجد أو الخلوات.
-       اللغة العربيّة لغة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة والشيخ عبدالله العلايلي وأنسي الحاج وميشال أبو جودة وشوقي بزيع ومحمد علي شمس الدين وإميلي نصرالله...فهم وكثيرون غيرهم صانعو مجد لبنان الأدبيّ.
-       اللغة العربيّة لغة الأخوين رحباني وفيروز ووديع الصافي وزكي ناصيف وروميو لحّود وصباح... فهم وكثيرون غيرهم صانعو مجد الأغنية اللبنانيّة.
-       اللغة العربيّة لغة ريمون جبارة وكميل سلامة ولطيفة وأنطوان ملتقى ونضال الأشقر ورضا خوري وعصام محفوظ... فهم وكثيرون غيرهم صانعو مجد المسرح اللبنانيّ.
-       اللغة العربيّة أكثر دقّة وصعوبة من غيرها ومن يتعلّمها تسهل عليه الموادّ الأخرى.
-       اللغة العربيّة مرتبطة بالهويّة، شاء من شاء وأبى من أبى!
-  ومن يعلّم هذه اللغة الجميلة، التي تهمّشها المدارس فيكرهها التلاميذ وأهلهم، يستحق الشكر والتقدير!  
3-  لكنت طعّمت الفريق التعليميّ بشعراءَ وأدباء وصحافيّين ومسرحيّين، فبمثل هؤلاء تباهت المدارس الوطنيّة زمن البدايات.
4-  لكنت مزّقت دفاتر التحضير ومخطّطات الأنشطة، وامتحنت المعلّمين بشكل مفاجئ لأكتشف قدراتهم على الابتكار والإبداع وإدارة الصفّ بشكل حيويّ خلّاق متجدّد، ومن دون تحضير (وذلك في الصفّ والملعب والرحلة والنشاط)!!!!
5-  لكنت راقبت ملابس المعلّمين وتصرّفاتهم في غرف الصفّ والملعب وصالات الاستراحة، لأعرف مقدار الجماليّة والذوق في شكلهم وأدائهم. فدروس الجمال تبدأ من هنا ولا تكتمل الدروس بلا جمال ورقيّ.
6-  لكنت نظّفت الجسم التعليميّ من المتكبّرين والمغرورين والمتشاوفين والمتفذلكين والمتفلسفين (لا الفلاسفة) والجبناء (خصوصًا الجبناء) والبخلاء والزحفطونيّين والوقحين والطمّاعين والأنانيّين والثقيلي الظلّ والنمّامين والعابسين و"يللي بيضلّوا ينقّوا إنّو عندن ولاد بدن يعيّشوهن".
7-  لكنت منعت أيّ تواصل بين المعلّمين والأهل، وحصرته بالإدارة (للإدارة والمدراء شروط تأتي في نصّ آخر).
8-  لكنت حرّمت الهدايا التي يقدّمها الأهل والتلامذة إلى المعلّمين.
9-  لكنت حظرت الدروس الخصوصيّة خارج المدرسة، وراقبت عن كثب، في حال الاضطرار إليها، سيرها ومدّتها وكلفتها.
10-         لكنت منعت بشكل لا تردّد فيه المعلّمين كما التلاميذ عن استعمال الهواتف الخلويّة في حرم المدرسة (كالتدخين تمامًا)، (للمدارء قانون خاص بهم يرد لاحقًا).
11-         لكنت راقبت بدقّة النظافة في غرفة المعلّمين وحمّاماتهم، فهي صورة عنهم وعن أسلوبهم في إيصال الرسالة التربويّة.
12- لكنت امتحنتهم في معرفة مواهب تلامذتهم ونقاط قوّتهم ومزاياهم وأوجاعهم وأمراضهم وهواياتهم...

السبت، 25 أغسطس 2018

مأتم العروبة بين الربيع الإسلامويّ والخريف المسيحيّ - 2012


لاجئات فلسطينيّات إلى لبنان عام 1948
المهجّرون المسيحيّون في الطريق إلى دير القمر (1983)
الصورة من أرشيف الطبيبة السويسريّة  DR Josiane Andre

في عصر ما بعد العولمة، وفي مرحلة ما بعد الثورات العربيّة التي صارت أوهام انتصارات إسلامويّة، وبعد نأي المشرق عن المغرب، وازدياد الهوّة بين الشرق والغرب رغمًا عن فورة الاتصالات السريعة، تبدو العروبة جثّة مرميّة على قارعة الطريق، لا أحد يجرؤ على الاعتراف بقتلها، ولا أحد مستعدّ لتحمّل تكاليف دفنها!
ربيع الحركات الإسلاميّة صحراويّ جافّ، غبارُه أكثر من أزهاره وعسله، وحرارته تخنق أنفاس الفكر وتطبق على صدر الحريّة. أمّا المسيحيّون ففي خريف لا يحسنون فيه الاستعداد لشتاء يليه: فلا زيت في خوابيهم، ولا قمح في أهرائهم، يتناثرون كأوراق الشجر الذي لا تربة تتمسّك بجذوره.
بين هذين الربيع والخريف، تبدو العروبة، التي راهن العلمانيّون على كونها درب الخلاص، مجرّد ذكرى، لن يكتب الكثير في رثائها، لانشغال أهل هذه الأرض في انتظار من يقسّم عليهم تركة العجوز المريضة، كما حصل للرجل التركيّ المريض عقب الحرب العالميّة الأولى.
فالعروبة التي ضيّعت في الأوهام طفولتها، أضاعت فلسطين في صباها، ثمّ باعت نفسها في أسواق النفط، لينتهي بها الأمر جارية كهلة في قصور الديكتاتوريّين، يتلاعبون بها ويسخرون منها حين يوحون لها بشباب وعافية ما عادت تملكهما. هذه العروبة من يذكرها اليوم؟ من يتذكّر ملامحها وصفاتها؟ من يحلم بعد في أن ينجب شعوبًا جديدة من رحمها التي اعتادت إسقاط الأجنّة؟ من يراهن على نجاتها في صراع الحضارات؟ وبأيّ سلاح ستواجه الترك والفرس والبربر والكُرد والشركس وغيرهم من الشعوب والقبائل والإتنيات التي تريد اليوم أن تستعيد هويّاتها، ولو لمجرّد ردّ الاعتبار وإثبات الوجود، ناهيك عن الرغبة في التحرّر والسيطرة بل التمدّد والتوسّع؟ هذا إن أسقطنا من حسابنا الأرمن والموارنة والأقباط الذين تتلاعب بمصائرهم، كمسيحيّين، عواصف السياسة الدوليّة، وعواطف المنتمين إليها!
هذه العروبة التي ناءت رفوف المكتبات تحت ثقل مجلّدات تشيد بها وبإنجازاتها، كيف اختفت فجأة؟ كيف انتهى أمرها بعدما شرّد الحكّام من قصورهم وقتلوا وسجنوا؟ فلو كانت من نسائهم لهرّبوها معهم! ولو كانت من محظيّاتهم لأمّنوا لها آخرة صالحة! لكنها عجوز انتهت مدّة خدمتها، فلا هي خدمت غير المسلمين، ولا الإسلاميّون اليوم في وارد أن يعيدوا إليها مجدها الغابر! وما لم يتّفق أهل الخير على دفنها، ستبقى العروبة جثّة تنهشها الوحوش الكاسرة وتتناهشها الطيور الجارحة إلى أن تنتهي في التراب، حيث لا مدفن يتبرّك به أحفاد المؤمنين بها، أو يزوره السائحون الراغبون في صورة إلى جانب ضريح من كانت مالئة الدنيا وشاغلة الناس والمشغولة على الدوام عن دورها الأساس!  

الجمعة، 24 أغسطس 2018

صراع الأحجام بين الدين والعلم - 2012





أكبر جرس في الشرق، أعلى مئذنة، أكبر كاتدرائيّة، أعلى صليب، أكبر مسجد، أطول لحية، أكبر عمامة، الله أكبر، الله كبير،...: هذا ما تتبارى به الدياناتان الكبريان في العالم. في المقابل، نجد أنّ محور العِلم هو الخليّة، الميكروب، النُطفة، الذرّة، الجرثومة، الحشرة، أصغر شريحة إلكترونيّة، أصغر خلويّ، أصغر لابتوب...
الصراع إذًا ليس بين الشرق الروحانيّ والغرب الماديّ، ولا بين شمال الأرض المتخم وجنوبها الجائع، هو في كلّ بساطة صراع بين الدين الذي يؤثّر على أتباعه بالأحجام الكبيرة والضخمة، والعلم الذي يعرف أنّ الشيطان يكمن في التفاصيل الصغيرة، وكذلك الخير. هكذا كان الأمر وهكذا سيبقى. وهل الآثار الضخمة التي تجذب أنظار الناس سوى مدافن أو قصور أو قلاع أو حصون، أقيمت كلّها لحماية الأحياء والأموات من الذين يملكون سلطتين تكاملتا منذ فجر الإنسانيّة الاجتماعيّة وهما الدين والسياسة، في حين بقي العلم منعزلًا في مختبرات صغيرة، نائية، منعزلة، صامتة. وكانت النتيجة أنّنا مهما صرخنا الله أكبر سنقضي برصاصة صغيرة أو نشفى بحبّة دواء تكاد لا ترى أو نتحصّن من الوباء بنقطة من لقاح.
وعلى رغم مسيرة الحضارة التي قطعتها البشريّة، لا يزال الدين يبحث عن تكبير مساحة وجوده، في حين يستمرّ العلم في تصغير مادة عمله، فالعجلة (الدولاب) التي نقلت الحضارة من مستوى إلى آخر، بدأت كبيرة ضخمة ثمّ توصّل الإنسان إلى الاقتناع بأن ليس حجمها هو ما يعطيها دورها بل التقنية التي تجعلها تقوم بالعمل المطلوب منها مهما كان حجمها. لذلك يسهل أن ننقل خزانة كبيرة إن كان لها عجلات صغيرة متينة. والنار التي تدفئ لم تعد موقدة كبيرة هائلة، والملابس التي تنشر الحرارة في الجسم ليست الآن السميكة الثقيلة...
يدلّ ذلك على خشية رجال الدين من عدم إبهار أتباعهم الذين لا يزالون في طور طفولة فكريّة وإيمانيّة تجعلهم يصابون بالذهول أمام العظمة والضخامة والحجم الهائل، أو على عجزهم عن إيصال فكرة الله ما لم يربطوها بمحسوس ماديّ تسهل رؤيته حتّى من بعيد (كمعبد بعلبك الذي كان فيه تماثيل وأنصاب من الذهب، تعكس أشّعة الشمس فيراها الحجّاج من بعيد)، في حين لا يمكن للعين المجرّدة أن ترى الفيروس الذي ينقل المرض، فترمى التهمة على السماء الشاسعة والرب الذي فيها، والمفروض أن يكون كبيرًا انسجامًا مع حجم المكان الذي يُعتبر عرشه ومسكنه.
وما دام العقل "يصغر" أمام إله "يكبر"، فلا خلاص للبشريّة من جحيم جهلها.

الاثنين، 20 أغسطس 2018

صار اسمها "الجثّة" - 2003



اتّخذ الحديث فجأة طابعًا آخر، وامتلأت عباراته بمفردات جديدة، لم يكن متوقّعًا أن يتضمّنها هكذا، بلا مقدّمات أو تحضير.
فجأة، صار اسمها "الجثّة". فجأة تخلّى الناس عن اسمها وصاروا يتساءلون: متى تصل الجثّة؟ أين سنضع الجثّة؟ من سيحمل الجثّة؟ متى يصل الكاهن ليصلّي على الجثّة؟
فجأة، اختفى اسمها خلف كلمة واحدة وضعت النهاية لحياة تبدو دائمًا قصيرة مهما طالت.
كانت ابنة فلان، ثمّ اصبحت زوجة فلان، ُثمّ أضحت أمّ فلان، فنسي الناس اسمها الأوّل. وعندما ماتت وقفت إحدى المعزيّات لتندبها، لكنّها لاحظت أنّها لا تتذكّر اسم المرأة الراحلة مع أنّها تعرفها منذ زمن، فانحنت نحو إحدى القريبات وسألتها، ثمّ انطلقت في رثاء طويل يشيد بصفات لا يمكن إلّا أن تكون حميدة.
يوم الدفن، بدت واضحة قدرة الموت على تغيير الأمكنة والوجوه والأسماء. فغرفة الاستقبال تحوّلت مكانًا فارغًا، مشرّع الأبواب، ذا رائحة غريبة لأنّها مزيج من برودة منبعثة من الجسد الجامد، وعرق الأجساد الدبقة حوله، وماء الزهر لمن أغمي عليهنّ، والقهوة المنبعث أريجها من الغرفة المجاورة، والسكائر المتعدّدة المصدر، وعطور النساء المتفاوتة النوعيّة.
حتّى المقاعد لم تبق في أماكنها، بل أضيفت الكراسي، ووضعت سلال النفايات للمحارم الورقيّة المستعملة و"تخربط" الديكور. نظرت النساء إلى وجه "الجثّة"، وتبادلن الملاحظات حول التغيير الطارئ على الملامح، وتشاورن إن كان الموت زادها قسوة وتشنّجًا أو أراح الوجه المتعب وأرخى تشنّجه.
في يوم واحد، تغيّرت الأمور: المرأة التي كانت ابنة وشقيقة وزوجة وأمًّا وجدّة وجارة صارت جثّة ينظر الناس إلى عقارب ساعاتهم في انتظار موعد دفنها، إذ مهما كانت الحاجة ماسّة إليها في حياتها، فالحاجة الآن إلى مواراتها في الثرى باتت أكثر إلحاحًا.
(2003)

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.