الاثنين، 30 أبريل 2018

أحلم بالمساواة بالزّمن - ميّ م. الرّيحاني - جريدة "النّهار" الجمعة 1 تمّوز 1994



أحلم بالمساواة بالزّمن 

"مهما تشاءم المرء أو تفاءل في شأن ما يكتب، فإنّ الكلمة تأتي انبثاقًا من الأعماق. كانبثاق الماء من الصّخر، لا بدّ أن يشق له مجراه".
(جبرا ابراهيم جبرا ـ معايشة النّمرة)
"هناك أيضًا عبقريّة قراءة. لا تنس".
(أنسي الحاج ـ خواتم).
لم أكن أعلم إنّ إثبات الوجود في الوسط الثّقافيّ يحتاج إلى صورة شمسيّة، وبطاقة هويّة، وشهادة من مختار المحلّة مع توقيع شاهدين، وسجلّ عدلي، وشهادة طبّيّة، ووثيقة معموديّة، ربّما، كرمى لعين الطّائفة.
كنت أعتقد أنّه يكفي أن أفكّر لأكون موجودة.
كنت أعتقد أنّه يكفي أن أقرأ وأكتب ـ في محيط عربيّ تسيطر عليه الأميّة ـ لأكون موجودة.
ولكن، يبدو إنّ الأمر "رسميّ" أكثر من ذلك، ولا أستطيع أن أجبر الآخرين على الإعتراف بوجودي إلاّ إذا قدّمت الوثائق المطلوبة.
كنت، قبل اليوم، أؤمن إنّ "التّربة" الثّقافيّة ترحّب بأي زهرة تنبت فيها، لأنّ ذلك دليل على خصب تلك التّربة وحيويّتها. عزّز إيماني هذا كلام قرأته لعصام محفوظ تحت عنوان "الشّهيد إبن البلد": إنّني أحيّي كلّ من ينتفض أيضًا بالحياة في زمن الموت"(1).
ولكنّي كنت مخطئة ولم يكفّ نبض الحياة فيّ ليؤكّد للنّاس إنّني موجودة، فرسموا علامة استفهام كبيرة أمام إسمي.
كنت أثق قبل اليوم، إنّ ما تعلّمته وقرأته وحفظته خلال سنوات سيكون لي خير زاد في رحلة الثّقافة الممتعة. وستكون ذاكرتي أفضل دليل لي في تعرّجات هذا العالم المجهول ومتاهاته. وزاد من ثقتي هذه كلام لعصام محفوظ أيضًا، تحت عنوان: "ذاكرتك بيضاء، أتريدين إفراغ الحياة": "لا شيء يغيب عن الذّاكرة، فكيف تصدّقين إنّك تستطيعين تفريغها. أتريدين تفريغ الحياة؟"(2).
ولكن ما تحمله ذاكرتي لم يكف أيضًا لإثبات حقيقة وجودي... وازداد شعوري بالغربة.
كنت أعتقد، قبل اليوم، إنّ الأسئلة الّتي أطرحها حول الوطن والحياة والحبّ، والشّعر والموت، ومحاولة الإجابة عنها تكفي لتقول إنّي أفكّر، وتاليًا أنا موجودة. وجاء كلام عصام محفوظ ليؤكّد، مرّة أخرى، اعتقادي:
"- لكن أي دور أستطيعه لك؟
-         أي دور يساهم في إنقاذ وطني؟
-         أن تحمل بندقيّتك وتذهب إلى الجنوب لتحارب العدو الّذي استغلّ الجميع ضدّ الجميع.
-         لا أستطيع حمل السّلاح، قلت. إنّي مثقّف. أريد دورًا يتناسب مع إمكاناتي.
-         لكنّك تقوم بهذا الدّور.
-         كيف؟
-         مجرّد السؤال عمّا جرى ويجري في هذا الوطن"(3).
ولكن الوسط الثّقافي لم يقبل أسئلتي ومحاولات الأجوبة، ولم يرض باحتجاجي بكلمة عصام محفوظ. ورفض الإعتراف بي.
وعندما قرأت لعصام محفوظ تحت عنوان: "يهمّنا أن لا ندفن تحت أنقاض الأمبراطوريّة" هذه العبارة: "لذلك لم أكن أبالغ عندما قلت بأنّنا، ربّما، على عتبة ألف سنة جديدة من الانحطاط"(4)، أردت أن أقول له: لا تيأس، نحن هنا. نقرأ ونفهم ونثق بأنّ فينا كلّ حقّ وخير وجمال، ونقول معك ما قلته لنصري صايغ: "الإنسان عبر فنّانيه الملتزمين قضيّته، كان يعرف دومًا كيف يلتفّ على المستحيل، وغالبًا كان يعرف كيف ينجح"(5).
ولكن الشّكوك الّتي حامت حول هويّتي منعتني عن الكلام... فسكتت.
وحين دعا اتّحاد الكتّاب اللّبنانيّين إلى ندوة تحت عنوان: "المقاومة الوطنيّة اللّبنانيّة وثقافتنا العربيّة المعاصرة"، سأل عصام محفوظ: "هل يمكن إيجاد تشكيلات ثقافيّة جديدة متنقّلة تقيم ندوات مفتوحة في مختلف السّاحات الشّعبيّة، في كلّ المناطق مع أوسع شرحات قابلة للحوار"(6). وأردت يومذاك أن أجيبه مطمئنة: "نعم، هذه التّشكيلات الجديدة موجودة وحاضرة، وتنتظر السّماح لها بالعمل لأنّها تؤمن معك أنّ "الأمل معقود على الثّقافة بالذّات كنقطة لقاء جامعة" وهي، أي الثّقافة أكثر عوامل التّوحيد قوّة"(7).
ولكنّي، ما إن رفعت صوتي، حوصرت بالأسئلة عن هويّتي وانتمائي، ففوجئت وخجلت كمن ارتكب إثمًا... وسكتت.
أستاذ زاهي (وهبي)
إنّ أيّ شكّ، ولو عابرًا،  في وجود طاقات فكريّة وإبداعيّة عند شعبنا هو شكّ في قدرة هذه الأمّة على تخطّي حالة الجمود الّتي تكبّلها، وإلاّ فما نفع الكتابة، ولماذا الشّعر والمسرح والفنّ والفكر إذا كان من تتوجّهون إليه جثّة هامدة لا حياة فيها؟
إذا قالت إسرائيل عنّا إنّنا شعب لا يقرأ، فلا يعني هذا أن نصدّق، ونتعامل بعضنا مع بعضنا بموجب هذه المقولة.
وإذا قالوا عنّا أنّنا شعب متخلّف فقير، فلا يعني هذا أن نتاجر بتخلّفنا وفقرنا ونمدّ يدنا للتّسوّل.
وإذا شككوا في هويّتنا فلا يعني هذا أنّنا غير موجودين، بل يعني أنّ الآخرين لا يعرفون قدراتنا وما فينا من قوى فاعلة. وما علينا سوى أن نثبت لهم خطأ شكوكهم.
أمّا قضيّة التّأنيث والتّذكير الّتي أشارت إليها ليلى سليمان(8) فخطيرة وجارحة. هل يمكن أن يكون الحقّ معها؟ هل هم يستغربون وجودي لأنّه وجود أنثويّ فقط؟ ولو كان التّوقيع لرجل، ولو مجهولاً، أما كان أثار "الشّكّ والرّيبة"؟ وليلى سليمان نفسها، على ما قيل لي، غير معروفة في الأوساط الثّقافيّة. فهل هذا يعني أنّها "مزيّفة"؟ وهل هذا يعني إنّني وليلى شخصيّتان وهميّتان اخترعهما زاهي وهبي لإثارة "الحياة الرّاكدة" كما يظنّ البعض؟".
قد يكفيك يا أستاذ زاهي أنّك تعرف، وتعرف أنّني صرت أعرف، إنّ الحياة في الأوساط الثّقافيّة "ليست مكسبًا بل مشقّة" و"ليست "وجاهة" بل دعوة إلى العمل". ونعرف كلانا، إنّ الّذين يشككون الآن ووجهوا في بدء حياتهم "الثّقافيّة" بشكوك وأسئلة وتحدّيات.
وإلى هؤلاء المشكّكين أقول: أسماؤكم هي الّتي رافقتني مذ تعلّمت أن أحمل كتابًا أو صحيفة للمطالعة، وفكركم هو الّذي أرشدني مذ حملت القلم وكتبت، وثقافتكم هي الّتي فتحت لي باب الثّقافة اللّبنانيّة والعربيّة والعالميّة. وأنا لا أهدف، عندما الآحظ وأكتب، إلى الإساءة إلى صاحب الإسم، بقدر ما أعتقده إساءة إلى الثّقافة نفسها.
وكم هو مؤلم أن أعرف إنّ الكتابة إلى زاهي وهبي تعني ـ تلقائيًّا ودون معرفة مسبقة ـ إنّ فلانًا أو فلانًا من الشّعراء والنّقّاد سيسجّلني في خانة أعدائة.
ولكن يكفيني أنّني أحلم بزمن المساواة، أم هي أحلام مبالغ فيها أن يتمنّى الواحد من جيلنا أن يقول عن نفسه ما قاله الأستاذ عصام محفوظ في مقدّمة كتابه "الموت الأوّل": "والآن، بعد مرور خمس عشرة سنة، أتطلّع ورائي وحولي بحبّ لأجد كم استطاع صوتنا أن يصل بعيدًا".
ميّ م. الرّيحاني
جريدة "النّهار" الجمعة 1 تمّوز 1994
1-              "النّهار" – الأحد 31/ 3/ 1985.
2-              "النّهار" – الأحد 23/ 9/ 1984.
3-              "النّهار" – الأحد 20/ 1/ 1985.
4-              "النّهار" – السّبت 18/ 12/ 1993.
5-              "النّهار" – السّبت 26/ 2/ 1994.
6-              "النّهار" – الإثنين 18/ 10/ 1985.
7-              "النّهار" – الأحد 12/ 5/ 1985.
8-              "النّهار" – الجمعة 17/ 6/ 1994.  
      




الأحد، 22 أبريل 2018

"حبيب مشلب" آخر عمالقة الطفولة

الراحلون سليم وإميلي وحبيب
ومعهم جورج أطال الله في عمره


هل كنت أنتظر رحيل هذا الرجل كي أحكي عن ستة رجال عمالقة كأعمدة بعلبك أحاطوا بطفولتي: خالي "سليم" وخالي "ميلاد مشلب" و"فؤاد ميلان" زوج "حنينة" خالة والدتي و"عبده كرم" زوج عمّتي "روزالي" وابنا عمّ والدتي "نجيب" و"حيبب مشلب"؟
والدي ممشوق القامة، لكنّه والدي، أعمامي ليسوا قصارًا، لكنْ في هؤلاء الستّة طول ممزوج عند بعضهم بضخامة جعلتني أنا الطفلة بكر والديها والمصابة بشلل الأطفال - أي المحاطة باهتمام خاصّ -، أشعر حين يحضر أحدهم بأنّني لن أبقى على الأرض، بل سأطير بعد قليل فوق ساعدين مفتولين ولن أقع، ولن تعيقني رِجل أو تؤخّرني دعسة ناقصة.
لم يكن يعنيني عهدذاك ماذا يفعلون في الحياة، أو كيف هي حياتهم مع زوجاتهم وأولادهم، أو كيف هي طباعهم وتصرّفاتهم مع سواي. فهم بالنسبة إليّ رجال كبار: ضخمة أجسادهم لا تنحني إلّا لي، صلبة قلوبهم لا تلين إلّا لتحنو على ضعفي، عنيدة أفكارهم لا تتراجع عن مواقفها إلّا أمام أوجاعي.
في تلك المرحلة التي امتدت من الطفولة إلى الصبا، لم أعِ ما كان يحدث، ولو سئلت يومها عمّا أراه في هؤلاء وغيرهم من أهلي وأقربائي والجيران والأصدقاء فما كنت لأعرف بماذا أجيب، إذ كنت مشغولة إلى آخر نبض في عروقي بهاجس المشي والخوف من إعاقة تحرم خطواتي معانقةَ الدروب والطرقات. ثمّ أتت مرحلة العمل والبحث عن الحبّ، فابتعدت عن غير قصد عمّن أحاطوا بسرير الوجع، كمن يهرب من ذكريات تجرح ولا فائدة من مواجهتها لأنّي لن أعرف كيف أداويها، أو كم يعترف بعجزه عن مشاهدة انطفائهم الذي لا يشبه ما كانوا عليه.
وفي تلك المرحلة أيضًا، كان أترابي يلعبون ويتّسخون بالتراب، في حين كان أهلهم عُوّادي وزائريّ، يتحدّثون في شؤون الكبار وشجون الحياة، ما علّمني الهرب عبر شبابيك الخيال إلى عوالم أخرى فلا أسمع الأحاديث ولا أنخرط في الحوار.
وكبرتُ، وتقدّم هؤلاء الستّة في العمر وتراجعوا في العافية، وحين مرضوا واحدًا بعد آخر، خفت من مواجهة ضعفهم فهربت إلى طفولتي لأستعيدهم عمالقة يحملونني ويطيرون بي فوق سواعد ما عادت تساعدهم على قضاء أبسط حاجتهم.
"نجيب" احدودب ظهره وانحنى كعلامة استفهام تبحث في الأرض عن نقطتها.
"عبده" ضربه المرض في رأسه فتألّم ومات.
"سليم" و"ميلاد" و"فؤاد" و"حبيب" ذابوا، على اختلاف أعمارهم، في حضن أسرّتهم لأشهر وسنوات، فاضمحلّت فيهم العضلات، ونحلت الأجساد، وذابت القوّة، وبهتت العافية، فعادوا أطفالًا مستسلمين لا حياة إلّا في عيونهم المتلهّفة لوجه أليف وابتساماتهم الصادقة لكلّ من حولهم.
الآن وقد رحل "حبيب" آخر عمالقة الطفولة من الأقرباء، وعلى الرغم من معاناة كلّ منهم، أنظر إلى الحبّ الذي وزّعوه، كلّ بحسب معرفته وقدرته، وقد نلت منه طفلة حصّة وفيرة، وإلى الحبّ الذي أحيطوا به من زوجاتهم وأولادهم وكنّاتهم وأصهرتهم وأحفادهم، فتعود إليّ طمأنينة البدايات، ويخفّ الألم، وتبرأ جراح الروح، وتندمل ندوب الجسد، وأعود لأرتفع عاليًا على سواعد استعادت بالموت قدرتها على الرفرفة كأجنحة ملائكة.

 



الاثنين، 16 أبريل 2018

إلهة المدن البحريّة (النصّ الثالث من كتابي رسائل العبور - 2005)

Monet


      أنا إلهة المدن البحريّة، أتنقّل منذ ملايين السنين بين المرافئ الحزينة، ولا منزل لي غير الضباب.
     فساتيني أشرعة بيضاء تسكن فيها الريح، وزينة شعري أصداف يقدّمها لي أولاد مسكونون بهدير الأعماق، وأيقونتي مرساة أهدانيها أوّل بحّار رسا عند مرفأي.
    قدماي الحافيتان تغتسلان بمياه متناثرة عن أجساد البحّارة فوق أرصفة المرافئ، وذراعاي العاريتان تمتدّان وسادة لكلّ الغرباء.
    أزواجي رجال من ملح تنثرهم الرياح فوق البحار السبعة، وأحشائي لم تخل يومًا من أطفال لا أسماء لهم ولا آباء.
    أنا ربّة المنازل المنصوبة عند مرافئ الانتظار، أقف عند شواطئ الرحيل، والهواء يمدّ خصلات شعري الأسود شباكًا نحو أفق فارغ إلاّ من الاحتمال. أقف طويلاً والأفق يمتدّ بعيدًا، فنؤلّف معًا صليبًا تُعلّق فوقه آمال اللقاء المطعونة.
     أمشي على رمال لا تحفظ آثاري، وأقفز فوق صخور لا تشعر بمروري.
    وتحت مطر يحمل رائحة الغائبين، وشمس جامدة كزمن الحزن، وليل منخور مشوّه، أنتظر سفنًا تعود من غياب دام أعوامًا ولم تتعب من السفر، سفنًا ذات أشرعة كفراشات تعشق المغامرة، ورجال رائحتهم بحر عميق وعرقهم ملح عتيق.
    أغتسل بالرمل الذي فتّته العشق،
    بالزبد الذي ولّده الجنون،
    بالرياح الهوجاء،
    بالضوء المجروح،
    بدموع الرجال،
    بالمياه المتناثرة عن أجساد بحّارة عراة لا يملكون إلاّ الرغبة في السفر والحبّ والكلام.
   أنتظر رجالاً لن يبقوا طويلاً، ولن أكون لهم طويلاً، يزرعون حكاياتهم على جسدي، وينثرون أحلامهم على صدري، ويتركون أولادهم في حضني ويرحلون مزوّدين حكاية بلا كلمات. وحين ترتفع يدي ملوّحة لهم تلاحقها نظراتهم كما تلاحق عيون الأطفال الطائرات الورقيّة الملوّنة، ولا ينتبهون إلى السفينة التي ولّدها رحم الأفق من رحم المغامرة، وعليها رجال يبحثون عن امرأة تنتظر حكايات جديدة وأحلامًا مجنونة وأولادًا لا يعرفون عن آبائهم إلاّ أنّهم رجال من ملح ذاب في البحر.
    أنا سيّدة الشواطئ.
    لي أجنحة النوارس، والخطوات البلا اقدام، وهدير اللجّة.
    عمري ملايين السنين ولم أمت لأنّني أعشق الرحيل.
    ولم أتعب لأنّني أنتظر الحكاية.
    ولم أضجر لأنّني ابنة الحلم.
    أنا ابنة المدن الغافية على فراش الهدير، والمبلّلة برذاذ الموج، والمغتسلة برغوة الرغبة.
   لا أجيد الكلام لكنّني أحفظ حكايات غريبة رواها رجال غرباء بلغات غريبة. ولا أحفظ الأسماء لكنّني أذكر وجوه أصحابها في حنين وبكاء. ولا أنظر في العيون لكنّني أعرف ما الذي يختبئ خلفها. ولا أنتظر واحدًا أحدًا لكنّني أفرح عند وصول العابرين. أتبع نداء لا يسمعه سواي، وألحق بأصداء تتردّد خلف ستائر المدى.
    لا أملك شيئًا وكلّ الأشياء ملك لي. حين أغمض عينيّ أحصل على ما أريد. وعندما أفتح يدي وأبسط أصابعي في وجه الريح، يتطاير العالم بكلّ ما فيه كحبيبات رمل في هواء المغيب. ولا يبقى شيء. ولا آسف على شيء. ولا أشعر بالحزن على شيء يرحل بل بالحنين لكلّ ما سوف يأتي.
أنا الغريبة الصامتة المنتظرة العابرة.
    أرقص على إيقاع الريح التي لم تهبّ بعد، وأصغي إلى أصوات رجال لم يصلوا بعد، وأتنشّق روائح العشق من أجساد لم تمارس الحبّ بعد، وأبكي على خيبات لم أسمع حكاياتها بعد.
   أعيش القَبْل والبعد، وأقيم في الدهشة حين أشهد تكوّن الأشياء، وأشكر السماء التي جعلتني أمينة على هبوب الريح، وتساقط المطر، وبكاء الرجال، ورغبة الجسد، ورحيل المراكب، وخروج الأطفال من رحم المياه ليلعبوا إلى جانب مياه أنجبت آباءهم.
    لا أغفو إلى جانب رجل، بل أرحل حين يغرق في بحر النوم بعدما تعب من البحر والحبّ والكلام.
    ولا أعطي ثديي لطفل، بل أرحل حين يطلق صرخته الأولى القويّة الشبيهة بغضب الموج. وأمضي إلى مرفأ جديد. رحمي ينزف دمًا بلون المرجان، وصدري يقطر حليبًا يتحوّل لآلئ.
   لا أنظر إلى الوراء ولا أصير عمود ملح بل أتبع خطوات رجال من ملح خرجوا من البحر وإليه يعودون.
   أنا المرأة التي أغمضت عينيها ورأت...
   لابسة الشراع الأبيض.
   الواقفة عند الشواطئ كالمنارات العتيقة.
   السائرة نحو البحر الرماديّ، نحو الأفق النحيل.
   ومن الهواء الرطب تعود لتحضن جسمي الداكن رائحة أوّل بحّار نزل عند مرفأ انتظاري ثمّ رحل...

الجمعة، 6 أبريل 2018

أنظر حولي ويطير العصفور - 11 حزيران 1994



أنظر حولي ويطير العصفور
إنّه التّناقض ولا يهدأ
أستاذ زاهي (وهبي)
لو تعلم كم أتمنّى أن أكون مخطئة حين أعطي رأيًا أو أحكم على موقف، وكم أودّ لو في إمكاني أن أمنع نفسي عن سماع ما يقال في المسرح أو في المقهى، وكم أتمنّى لو أتقاضى عمّا أسمعه وأقرأه.
في مرّات كثيرة،  أقول لنفسي، لماذا "أحمل هذا السّلّم بالعرض، ولماذا "أحاسب" النّاس على كلّ كلمة يقولونها أو يكتبونها؟
ولكنّي أعود وأقول: يجب أن يعرف هؤلاء أنّنا ، نحن القرّاء، موجودون، ولنا ما نقوله أو لتحقّق فينا ما قاله نبيل خوري في "النّهار" (1):
"كاتب لا يؤثّر، وقارئ لا يتأثّر".
قرأت ما قاله لك أمين الباشا عن النّقد: "لم يوجد في لبنان حتّى الآن كتابة نقديّة".
وسألت.
هل أفضح سرًّا إذا قلت إنّ الّذين كانوا في مسرح بيروت ليلة الثّلثاء لم يحبّوا مسرحيّة سهام ناصر. كان التّصفيق خجولاً، وملأت القاعة همسات الاستغراب والتّساؤل ماذا يجري على المسرح، وساد جوّ من النّكات والأحاديث بين الحضور لتمرير الوقت، مع إنّ ليلة الثّلاثاء كانت للدّعوات، وكان بين الموجودين كثير من "الخاصّة": أدباء ونقّاد وأهل مسرح وثقافة... سمعتهم يعترضون ورأيتهم، بعد ذلك، ينتظرون سهام ناصر لتهنئتها، ثم يكتبون مهلّلين.
 هل يحقّ لي أن أذكر أسماء هؤلاء أو للمجالس حرمتها؟
ثم سألت.
ما بال النّقّاد يدورون في حلقة مفرغة؟ أنا أفهم النّقد تحليلاً، غوصًا في الأعماق، تشريحًا للإداء، للموسيقى، للدّيكور، للملابس، للّعبة المسرحيّة. ولكن الّذين كتبوا عن هذه المسرحيّة لم يتحدّثوا إلاّ عن موضوعها، إيّ عن شخصيّة ميديا، وهذا يعني أوّلاً أنّهم يكتشفون مع سهام ناصر نصّ جان أنوي، ويعني ذلك ثانيًا أنّهم عاجزون عن المقارنة بين النّصّ الأصلي والنّصّ المسرحيّ، فيلجأون إلى الحديث مع المخرجة علّها تزيد الغموض وتسدّ ثغرة عدم المعرفة.
لماذا يجد النّاقد نفسه مضطرًّا إلى محادثة صاحب العمل الإبداعيّ قبل الكتابة عن هذا العمل؟
في رأيي، أنّه يفعل ذلك إمّا لأنّ العمل الإبداعيّ غامض ولم يوصل الرّسالة جيّدًا. وإمّا لأنّ النّاقد لا يجرؤ على التّعبير عن فهمه الخاصّ لهذا العمل خشية أن يتعارض مع السّائد. ولعلّ هذه العادة في أخذ رأي صاحب العمل الإبداعيّ هي السّبب الّذي يجعل النّقد كلّه متشابهًا. وكأنّه صدى لصوت واحد. ليت النّقّاد يعرفون قصّة أبي نوّاس مع شارح قصيدته، وهذا يتعارض مع رأي أمين الباشا القائل: "ليس هناك بديل من الشّاعر ليحكي عن الشّعر".
أنا لست ناقدة، ولهذا قد يحقّ لي أن أقول: أحببت "الجيب السّرّيّ"، وأزعجني حضور مسرحيّة "ميديا ميديا". ولكن لا يحقّ للنّاقد أن يقول: أحببت أو كرهت. عليه أن يضيء لنا جوانب من العمل الإبداعيّ لم نرها وليس فقط لم نفهمها. كما عليه ان يقول لصاحب العمل أين أخطأ وأين أصاب، أو تكرّرت الأعمال وتكرّرت المشاهد، وتكرّرت الأخطاء، ودرنا حول أفكارنا كالدّراويش الّذين أعجبت بهم سهام ناصر فقلّدتهم، كما قلّدت مشهدًا من "مذكّرات أيّوب"، وآخر من أعمال عبد الحليم كركلاّ. ولهذا لم يجد النّقّاد ما يتحدّثون عنه سوى شخصيّة المرأة، ميديا. وكان يمكننا أن نكتفي بالقراءة عن هذا الموضوع.
ما ذنب المسرح إذا كان بعض النّقّاد لا يقرأون ولا يعرفون؟
التّلميذ الكسول هو الّذي يعيد صفّه، والتّاريخ لا يعيد نفسه إلاّ عند الشّعوب الّتي لا تحسن القراءة والفهم والاستنتاج، فلا تتعلّم من أخطائها وتكرّرها بغباء.
لا أعرف هل اتّحاد الكتّاب اللّبنانيّين كسول، ولكنّه، في أيّ حال، ما زال يرتكب الأخطاء نفسها.
عام 1981، كتب جهاد فاضل في مجلّة "الحوادث"، تحت عنوان "اتّحاد الكتّاب إسم على غير مسمّى": "حان الوقت لأن نعود في لبنان إلى فكرة الحدود والإختصاصات". قد لا أوافق على الكثير من آراء جهاد فاضل في الأدب والشّعر. ولكنّي عندما أسمع الرّأي نفسه على لسان بول شاوول معلّقًا على وجود وليد غلميّة في الاتّحاد، فذلك يعني إنّ المشكلة في الاتّحاد الّذي وقع في التّناقض بين إسمه وعمله. على كلّ حال، لن يكون الدّكتور غلميّة أقلّ قدرة أدبيّة من السّيّدة ماجدة الرّومي الّتي أصبحت عضوًا في مجمع الحكمة العلميّ.
الكلام الآن للمطران جورج خضر: "... عجالتي هي عن الشّرق المسيحيّ الّذي كان بجملته أشدّ لينًا من الغرب تجاه المبتدعين. لن أتعرّض هنا لفلسفة المعرفة بين الكنيستين...
والحرّيّة تسمح بالتّعبير... دربنا إلى الحرّيّة الكبيرة والتّسامح الحقّ لا تزال شاقّة. متى تهدأ العاصفة وتهبّ رياح الرّوح  لنتعايش باختلاف وسلام في آن، لنطوي صفات الماضي المظلم ونبني الإنسان الشّريد".
"في منطقتنا هنا أخطا الأرثوذكسيّون وخطئوا عندما حالفوا السّلطة العثمانيّة لقمع الرّوم الكاثوليك النّاشئين في القرن الثّامن عشر إذ إنّ الثّمن الّذي يدفعه المؤمن الغاضب للسّلطة السّياسيّة باهظ حدًّا".
نشر هذا الكلام في جريدة "النّهار"، السّبت 21 أيّار 1994.
وفي شهر أيّار أيضًا، صدرت مجلّة "رعيّتي" عن أبرشيّة جبيل والبترون، وتحت عنوان: "كلمة الرّاعي"، كتب المطران جورج خضر، نفسه، ما يلي(2):
"الزّواج المختلط أي هذا المنعقد بين أرثوذكسيّ وغير أرثوذكسيّة مكروه. وقد سنّت الكنيسة في القرن الرّابع قوانين تحرمه بسبب الخطر العقائديّ على الطّرف الأرثوذكسيّ، ولكون وحدة العائلة تقوم على شركة الإيمان... وإذا كنّا نقبل مكرهين هذا الإرتباط، فمع احترامنا لعقيدة المرأة نصرّ على أن ينشأ أولادنا على الإيمان الأرثوذكسي".
وعرض المطران خضر تدبير الكنيسة الكاثوليكيّة لحصول الفتاة الكاثوليكيّة على الوثائق من كنيستها بعد أن تصرّح بأنّها باقية على المعتقد الكاثوليكي، يقول:
"من هنا، إنّ كهنة هذه الأبرشيّة غير مضطرّين إلى الاستحصال على وثائق صادرة من السّلطة الكاثوليكيّة. يمكنهم في ما يختصّ بالمعموديّة الإعتماد على شاهدين علمانيّين، وفي ما يختصّ بوثيقة إطلاق الحال الإعتماد على المختار أو الشّاهدين".
سبحان من يغيّر ولا يتغيّر.
خلال شهر واحد، تتغيّر اللّهجة، وتتبدّل الآراء. فالمطران خضر حين يتوجّه إلى أبناء رعيّته يشحنهم بالغضب والعداوة، ويردّ على التّعصّب بالتّعصّب. وحين يتوجّه إلى النّاس عامّة ينادي بالحرّيّة والتّسامح. وحين يتعلّق الأمر بالكاثوليك، يلجأ المطران إلى العلمانيّين، فيجعلهم شهودًا، ويثق بالدّولة وموظّفيها ويسمح بالإعتماد على المختار، مع إنّه يعلم ويقول إنّ "الثّمن الّذي يدفعه المؤمن الغاضب للسّلطة السّياسيّة باهظ جدًّا".
لماذا لا نسمح إذن بالزواج المدنيّ ونوفّر عن الطوائف هذا العبء ونعفي الرّؤساء الرّوحيّين من هذا التّناقض في مخاطبة العامّة والخاصّة؟
أستاذ زاهي
في سياق كلام واحد، تداخلت أمور الدّين والأدب والمسرح، ويصحّ لها كلّها عنوان واحد هو التّناقض. ما بالنا لا نعرف ماذا نريد، وكأنّ لا قدرة لنا على التّمييز بين الخطأ والصّواب. إنّها المتاهة الكبرى.
إنّه التّناقض سيّد المرحلة وشعارها.
عنوان كلّ كتابة وخاتمة لكلّ قول.
التّناقض عمومًا غنى وثروة.
يتعاكس الأسود مع الأبيض فيعطيانك مشهدًا جميلاً.
وفي بديع اللّغة، الطّباق والمقابلة زينة.
وفي الحياة، يتحارب الخير والشّرّ، وفي تواجههما يتركان لك الاختيار والانحياز، حرّيّة أن تكون إنسانًا.
وحين نتحاور ـ أنا وأنت ـ حول فكرة أو كلمة، وتختلف آراؤنا، يكون ذلك الاختلاف دافعًا لكتابة جديدة تحمل نكهة مختلفة.
ولكن، ماذا تقول حين يتناقض المرء مع نفسه، وحين تتعارض مواقفه وآراؤه، في رهان محسومة نتائجه، ومفادها: إطمئنّ، إنّ القارئ لا يقرأ؟
ميّ م. الرّيحاني
جريدة "النّهار" السّبت 11 حزيران 1994
1 ـ "النّهار"، السّبت 28 أيّار 1994.
2 ـ رعيّتي، تصدرها أبرشيّة جبيل والبترون، الأحد 8 أيّار 1994.

   







أسمعكم في مقاهي الحمراء واكتشف الوجه المختبئ خلف الصّفحات - 19 أيّار 1994



أسمعكم في مقاهي الحمراء واكتشف الوجه المختبئ خلف الصّفحات
        يقول لوي لافيل: "أمّا القارئ فإنّ نظره كلّه يكون مستديرًا إلى الدّخائل، ويبدو، أحيانًا، إنّ الفكر ينساب إليه انسيابًا مباشرًا لا يحتاج معه إلى وساطة الجسد".
        ويقول: "وشبيه بالمؤكّد أن نكون نحن (ويقصد المؤلّفين) الّذين ارتكبنا أوّل الأخطاء. وإذا يحاول قرّاؤنا والنّقّاد أن يفهمونا، فإنّهم يمدّون لنا من العون، يدًا علينا الاعتراف بها، والشّكر عليها. إنّهم يعوّضوننا عن جهد بذلناه ويضمّون جهدهم إلى جهدنا".
        ثمّ يقول: "من الجائر إنّ من يقضي عمره في الكتابة يكون مفتقرًا إلى الأصدقاء الحقيقيّين. إنّه لا يكفّ عن مراسلة أصدقاء مجهولين"(1).
        هي الصّدفة ساقت إليّ هذا الكلام حين كنت أفتّش عمّا أقوله للّذين يسألونك عنّي.
        أخبرهم إذن إنّك تعرفني كما يعرفونني: ألتقي بكم في دور السّينما، وفي المعارض، وفي النّدوات. أجلس بينكم خلال العروض المسرحيّة، أشرب معكم القهوة في مقاهي الحمراء. أنتبه عندما أسمع أحدكم ينادي آخر لأنّي سأكتشف الوجه المختبئ خلف الصّفحات المكتوبة، وأفاجأ أحيانًا لأنّي ما زلت أحبّ أن أراكم آتين من عالم سحريّ غامض. أنتم أصحاب الإبداع، وإن صرت أعلم الآن إنّ الهالة انطفأت فوق رؤوس الكثيرين. أمّا لماذا لا أظهر إلى العلن الثّقافي إلاّ حيت أكتب لك، فلأنّني، وبكل بساطة، حيّيتك (زاهي وهبي) مرّة فرددت التّحيّة بأحسن منها، وأقصد طبعًا رسالتي الأولى.
        ولأنّني، حتّى عندما لا نتّفق، يعجبني أسلوبك في الدّفاع عمّا تؤمن به.
        ولأنّني، ثالثًا، أقدّر فيك رغبتك في أن تتعلّم، فأنا كلّما رأيتك جالسًا مع الكبار، أكاد أثق أنّّك تأخذ منهم، وتدرس على يدهم. وإن كنت أشرت مرّة إلى جلوسك بين كبيرين في صيدا، فلأنّني خشيت على من حيّيته فردّ التّحيّة بأحسن منها، أن تخدّره فكرة الاطمئنان إلى موقعه، أو كما قال لوي لافيل في المقالة المذكورة سابقًا حين يتحدّث عن نجاح الأدباء: "ونحن، إذ نطمئنّ إلى القوّة الكامنة فينا، نستريح إليها. ونتّكئ عليها. إنّها، عندئذ، تفارقنا، لأنّنا لا نستطيع رعايتها". ويقول في مكان آخر: "إنّ تجارب النّجاح الخارجيّ... تفضي بفرح العقل إلى النّضوب".
        إلاّ إنّك أثبتّ لي خطأ حكمي عليك حين لم تمنعك مكانتك الأدبيّة عن الاعتراف بأنّ الآخرين يشكّلون "حافزًا للكتابة وذريعة لوجهة نظر"، وجعلتني بذلك أخاف أن يصيبني ما خفت عليك منه، وخاصّة بعد المسؤوليّة الّتي حمّلني إيّاها شوقي أبي شقرا.
        يقول الياس خوري: "لا خيار لنا، سوى أن ندافع عن عقولنا وأرواحنا. لا خيار لنا، سوى أن نصرخ في وادي الصّمت ونحذّر وندعو.
        المعركة لم تنته بتعديل المرسوم 104.
        المعركة هي من أجل حرّيّة الصّحافة والثّقافة والنّقابات والإعلام والمدرسة والجامعة.
        إنّها معركة الحاضر والمستقبل"(2).
        كثير هو الكلام عن الحرّيّة في لبنان، وكلّ من يكتب عن هذا الموضوع يوجّه أصبع الإتّهام إلى الدّولة، ويعتبرها سارقة الحرّيّات وكاتمة الأصوات وخانقة الأنفاس.
        قد تكون الدّولة في وارد أن تفعل ما هو أخطر من ذلك ـ لا أستطيع أن أتخيّل ما هو أخطر ـ ولكن، هل الدّولة كائن وهميّ أو مخلوق فضائيّ لا نعرف عن تركيبته شيئًا؟
        أليست الدّولة مجموعة أشخاص أوصلناهم نحن، بسكوتنا أو بموافقتنا، إلى حيث هم اليوم، أي في المراكز الفاعلة والمدبّرة لشؤوننا؟
        وراء كلّ سياسيّ، "مثقّف" يكتب له خطبة السّياسة، وفي مكتب كلّ مسؤول، أسماء إعلاميّة تقرأ له، وتكتب عنه، وتنقل إليه أخبار البلد والنّاس. وفي كلّ مؤسّسة إعلاميّة معارضة، صحافيّون يعملون سرًّا ـ إذا أمكن السّرّ ـ في مؤسّسة أخرى تدفع أكثر وبالعملة الّتي كانت صعبة.
        ويقول الياس خوري: "تذكرون أو لا تذكرون كيف فرضوا علينا عبادة مجموعة من الأصنام الصّغيرة".
        وأقول له: نذكر، نعم نذكر كيف كنّا نحن، على اختلاف أهوائنا وانتماءاتنا، عاملين على تكبير هذه الأصناف الصّغيرة وتلميعها ونفخ الحياة فيها حتّى داست كرامتنا وخطفتنا واذلّتنا.
         عن ايّ حريّة يتحدّثون، والحرّيّة الوحيدة الّتي أرى النّاس ساعين إليها هي الخلاص من عبوديّة الدّيون وقيود العجز المادّيّ.
        في أحد آخر الحوارات "المهمّة والنّادرة" معه، قال يوسف الخال عن رفاقه في مجلّة شعر: "يا أخي، السّيّاب أعطوه شيكًّا بألف ليرة، وقال لي: أعرف إنّك لن تزعل منّي، بدّي مصاري. إنت ما معك، هم معهم". أعطوه أوّل صفحة في "الآداب" وحطّوها بكادر. هذا ما حصل "بدّي مصاري لأبعث لعيلتي". ويتابع يوسف الخال: "تصوّر  شخصًا طالعًا من المدرسة في أوّل حياته مثل شوقي أبي شقرا وأنسي الحاج صار يعلم ويشتغل في الصّحافة. ومع الأيّام، كلّ لديه متطلّبات حياتيّة"(3).
        أليست الإلتزامات العائليّة قيودًا على حرّيّة الصّحافة والشّعر؟
        أليس الإرتهان لحزب أو لدولة تكبيلاً لحرّيّة الإعلام؟
        أليست مسايرة رئيس أو مسؤول إساءة إلى الحرّيّة؟
        الحرّيّة لا تتجزّأ ولا تتلوّن، وهي ليست في أن نقول الشّيء وعكسه.
        هل الحرّيّة هي الّتي تجعل مسرح بيروت مثلاً يعرض عملاً ضدّ تهديم العاصمة كمذكّرات أيّوب، ثمّ يوجّه هذا المسرح نفسه دعوات إلى ندوات حول إعادة إعمار بيروت، ويساهم في التّسويق لهذا المشروع إعلاميًّا، وعبر دعوة المدرّسين والجامعيّين؟ أذكر يومها إنّنا واجهنا صعوبة في الوصول إلى المسرح، لأنّ ورشة "تزفيت" الشّارع، حيث المسرح، كانت قائمة.
        ماذا فعل المثقّفون في معركة الحرّيّات هذه؟ في الحرب، قلنا إنّهم لا يجرؤون على معارضة عمليّة خطف الفنّانين وقتل الصّحافيّين لأنّهم سيواجهون أحزابًا غير معروفة الإنتماءات، وهم ليسوا إنتحاريّين. فكان مثقّفو الغربيّة يعارضون ما يجري في الشّرقيّة لأنّ يد الأحزاب في تلك المنطقة لن تطولهم. ومثقّفو الشّرقيّة يهاجمون الأحزاب الوطنيّة على اعتبار إنّ مفعولها لن يصل إليهم.
        والآن، ما هو عذر المثقّفين؟ وافقوا على الطّائف، ووافقوا على كلّ ما انتجه على كلّ المستويات، ووافقوا على الدّولة وهاجموا الأحزاب. وها هي الدّولة تمنع فيلمًا و"تقاضي" آخر، وهم يخنقون أصوات احتجاجهم.
        وها هي الدّولة تمنع كتابًا، وأصوات الإعتراض لم تتعدّ جدران المسرح حيث اجتمعوا، وبغض النّظر عن شماتة الكثيرين، وفرح الشّاعر بالدّعاية المجّانيّة.
         وها هي الدّولة توقف صحيفة، فتفرح الصّحف الأخرى لأنّها وجدت عنوانًا للإفتتاحيّة، وسينعكس الأمر طبعًا على نسبة الأرباح.
        والتّلفزيونات يحارب بعضها بعضًا من أجل الفضاء، فخسرت الأرض.
        ونقابة المحرّرين تحارب الصّحافيّين وتمنع انتسابهم إليها بحجج واهية أو بشروط تعجيزيّة.
        عن أيّ حرّيّة يتحدّثون؟ والمجلّة الفلانيّة تتلقّى المساعدات من إحدى الدّول، والصّحيفة الفلانيّة يغطّي العجز في ميزانيّتها رئيس دولة أخرى؟ أيّ حرّيّة يطلبونها من الدّولة والمثقّف في الصّحيفة الفلانيّة يدين بالوفاء لمن "دبّر" له عملاً، والصّحافي يدين بالإخلاص للطّائفة الّتي فرضته في مركز إعلاميّ معيّن.
        أين الحرّيّة وريمون جبارة يكتب ليملأ زاوية له في جريدة توفّر له دفع تكاليف ذكرى غياب والده في كنيسة القرية؟(4) أليس التّقليد الإجتماعيّ ملزمًا أيضًا؟ (دون أن ننسى إنّ مبالغة ريمون جبارة ووصفه الكاريكاتوري لا يعنيان عدم جدّيّة الفكرة الأساسيّة).
        ولنفرض إنّ الدّولة أعطتنا الحرّيّةـ مع إنّ الحرّيّة تؤخذ ولا تعطى كما علّمونا ـ فكيف ننجو من الّذين يمنعون فيلمًا في طرابلس، ويعترضون على آخر في التّلفزيون، ويمزّقون الإعلانات على الطّرقات لأنّها تسيء إلى الدّين؟ وما رضوخ المعترض عليهم (بفتح الرّاء) إلاّ دليل واضح على إنّ المواجهة بين الحرّيّة والخوف على الحياة محسومة النّتائج سلفًا.
        منذ عشر سنوات، كتب جورج قرم تحت عنوان: "ثقافة لما بعد الفتنة": "أمّا ثقافة الفتنة فأفقدت اللّبنانيّين الرّؤية تمامًا، فلا تزال تتكلّم عن الحرّيّة والدّيموقراطيّة بينما الطّائفيّة المجنونة الفتّاكة جعلت من العقليّة اللّبنانيّة عقليّة عنصريّة فاشستيّة لا تقدر على فصل الأعمال الإجراميّة عن الأعمال الحربيّة"(5) وتحت العنوان نفسه يقول جورج قرم: "عودة لبنان وطنًا لن تتحقّق بين عشيّة وضحاها أو في سيادة ثقافة الفتنة، وإنّما إشارة إلى استعداد اللّبناني لنسيان ثقافة الفتنة بسرعة والتّنازل عن انفصام الشّخصيّة بين عقليّة طائفيّة مريضة وتوقه إلى الوحدة والنّهضة الشّاملة"(6). ثمّ يقول "وهبط المستوى الثّقافيّ حتّى انعدم تمامًا في العشر الماضية وحلّت محلّ الثّقافة اللّبنانيّة ثقافة الفتنة الّتي ترى كلّ شيء من منظار طائفيّ تغذّيه عبارات طنّانة عن أفكار العالم الحديث (ديموقراطيّة، تعدّدية، قوميّة، تحرّر، مشاركة، حرّيّة، كرامة، ...). وتنتج تلك العبارات عكس ما تنطوي عندما تبلعها ثقافة الفتنة، فنتيجتها أخلاق مبنيّة على عدم احترام كرامة الإنسان وحرّيّته الأساسيّة"(7).
        والأسئلة الّتي تثيرها كلمات جورج قرم هي التّالية: هل نحن أمام استمرار ثقافة الفتنة بما تحمله من شعارات؟ وما هو الخطر الّذي يمثّله استمرار هذه الثّقافة مع حاملي ألويتها أنفسهم، وهم الّذين رفعوا رايات الحرب يوم كانت الحرب تحتاج إلى أصواتهم المدافعة عنها، ويرفعون اليوم رايات السّلم من مراكز مرموقة ومنابر مشرّفة، لأنّ "الثّقافة في بيروت اليوم أكثر إغراء من أيّ وقت مضى لما توفّره من مظهر اجتماعيّ أو تعوّضه من أدوار مفقودة"(8).
        المعركة من أجل الحرّيّة شرسة، لأنّها أساسًا، معركة الإنسان مع نفسه، ومن انتصر فيها هانت عليه التّحدّيات الأخرى (مقالتك إلى فؤاد رفقة (9)).
        يبقى أن يحدّد المثقّفون المطالبون بالحرّيّة خياراتهم وساحة معاركهم، فمن الصّعب في اعتقادي، أن ينتصروا (ولنكن واقعيّين بعض الشّيء) في معركة الحرّيّة، ومعركة الرّاتب الشّهريّ المريح جدًّا، ومعركة الشّهرة والانتشار مرّة واحدة.
        "لبنان كيان ثقافيّ"، تقول.
        صحيح. والحرّيّة هي حدوده، والمعركة من أجل هذه الحدود تحتاج إلى خطط وتنظيم وحسن استعداد. فهل لنا أن نعرف كيف يستعدّ لها المثقّفون، إلّا إذا كانت هذه الخطط سرّيّة من أجل الانقضاض على العدو وسحقه؟
ميّ م. الرّيحاني
جريدة "النّهار" الخميس 19 أيّار 1994
1 ـ لوي لافيل، من كتاب"وعي الذّات" ترجمة أحمد حاطوم "النّهار" 29 نيسان 1994.  
2 ـ "ملحق النّهار" السّبت 16 نيسان 1994.
3 ـ "النّهار" الأربعاء 9 آذار 1994.
4 ـ "الملحق" السّبت 16 نيسان 1994.
5 ـ "النّهار" الخميس 30 آب 1984.
6 ـ "النّهار" الإثنين 27 آب 1984.
7 ـ "النّهار" الخميس 30 آب 1984.
8 ـ "النّهار" 12 تشرين الأوّل 1993.
9 ـ "النّهار" 6 نيسان 1994.
       


الأربعاء، 4 أبريل 2018

الفجور - 2017




رنيه ماغريت - 1952

عندما نصل إلى مرحلة يأكل فيها الفاجر مال التاجر، على ما يقول المثل الشائع، فهذا يعني أنّ حسابات المنطق تعطّلت أمام تفلّت الانفعالات الدنيا من عقالها وانطلاقها في شكل مدمّر مخيف. والفاجر في اللغة، هو المفارِق والمنشقّ عن طريق الصلاح، وإذا كان الفجر سمّي كذلك لانشقاق الظلمة عن الضياء، وإذا كان انفجار الأنهر سميّ كذلك لأنّ المياه فارقت أحد جانبي النهر، فذلك لا يعني أن نحتفل بكلّ انشقاق وانفجار.

التاجر عادة يحسب الأمور جيّدًا، ولا يقبل بالخسارة ولا يخضع للابتزاز ولا يرضى بالتنازل عن حقّه مهما كلّفه الأمر، ولكنّه أمام "الفاجر"، بالدلالات التي صارت تحملها هذه الكلمة، يتنازل ويسكت، ويشتري - ولو بخسارةٍ - صمتَ من يتوعّد ويصرخ وينفجر غاضبًا أو حاقدًا أو منفعلاً أو مدّعيًا كلّ ذلك في قحة وسوء خلق غير مكترث بالحقّ والأخلاق. ومن الأكيد أنّنا في هذا الزمن الرديء صرنا أمام خيارين لا ثالث لهما: الانحياز إلى جانب التاجر ولو سرَقَنا أو الخوف من الفاجر لئلّا يطالنا رذاذ شتائمه وعهره. وفي الحالين نحن في موقع لا نحسد عليه.
يظنّ كثرٌ أنّ الكلام في صوت عال وفي نبرة قاسية يخيف الآخرين ويعطّل فيهم القدرة على التحليل والتفكير، كأنّ الصوت المرتفع، ولو فارغًا من المعنى والمضمون، هو الذي يفرض نفسه وسطوته ويدفع الآخرين إلى الانكفاء والتراجع. لذلك نجد في المؤسّسات والشركات، وكذلك في العائلات، رغبة في تحايد هؤلاء "الفاجرين"، فيتمّ إرضاؤهم وشراء سكوتهم بما أمكن، لا بل قد يصل الأمر إلى ما هو أبشع من ذلك إذ يجري الخضوع لهم والتذلّل أمامهم خشية التعرّض لكلامهم الجارح وصراخهم الأصمّ وانفعالاتهم الهوجاء. ولا أعرف عند ذلك كيف يمكن لأيّ مؤسّسة أو شركة أو عائلة أن تسيّر أمورها بشكل سويّ وفاعل. فالمشكلة مع الفاجر أنّه لا يناقِش ولا يُناقَش ولا يصغي ولا يترك مجالاً لحوار، هو في الأساس لا يريد أن يصمت لأنّه عند ذلك سيخسر معركته التي يعرف مسبقًا أنّه لن يربحها إن ترك المجال لغيره في التعبير وإبداء الرأي، لذلك يعمد إلى ربط الأفكار ببعضها فتتلاحق المفردات وتتداخل الأساليب الكلاميّة وكلّ ذلك في لهجة عنيفة صاخبة تقتحم عالم الآخر وتخضّه من دون أدنى احترام أو تهذيب. يعرف الفاجر أنّ الكلمة الأخيرة يجب أن تكون له، وأنّ عليه ألاّ يدخل في معركة إلاّ مع تاجر يخاف على سمعته لا مع فاجر مثله لا يعنيه العيب.
إنّ مراقبة بسيطة لمجتمعاتنا تبيّن في وضوح كيف يستشري الفجور في كلّ المجالات: في السياسة والدين والفنّ، حتّى أنّ مستوى الصراخ الوقح يسجّل أعلى نقاطه في الأعمال الفنيّة التي تعبّر عن طبيعة حياتنا اليوميّة. ففي الأغنية صراخ، وفي التمثيل صراخ، وفي المقابلات والبرامج الحواريّة صراخ، وفي برامج الأطفال صراخ، وكلّ ذلك منقول عمّا يجري في الشارع والبيت والعمل والمدرسة، ويعبّر عن حالة الخواء التي نحن فيها والتي نحاول تمويهها بشكل من أشكال العنف الكلاميّ الخالي من أيّ مضمون.
والغريب في هذا الموضوع كيف يتشابه الفجّار لغة ولهجة ونظرات وتصرّفات، كأنّ ثمّة عدوى لها المؤشّرات نفسها والعوارض نفسها، تنطلق بين الناس فيتعلّم الواحد من الآخر أنّ هذا الأسلوب ناجح ومثمر ولا يخيّب ظنّ من يستخدمه. ولذلك فنحن لا نستطيع أن نقول للناس من هؤلاء أنّ علينا أن نتحدّث في هدوء، فالهدوء فاضح لهم، لأنّه يعرّيهم من ادّعاءات الفهم والمعرفة وامتلاك زمام الأمور، ويكشف خواءهم من أدنى مقوّمات الوعي والفكر والثقافة. ومع ذلك فلقد سمحنا لهؤلاء الفجّار بأكل مال التجّار والزبائن، وحجّتنا أنّنا مهذّبون لا ننحدر إلى مستوى وضيع. وصار من اللازم أن نتعلّم أنّ التهذيب هو تشذيب لا يخلو من عنف وقسوة هما من ضرورات الإصلاح والتحسين والصقل والتخليص من كلّ شائبة، وإلّا تحوّل جبنًا وتخاذلًا.

الأحد، 1 أبريل 2018

كان يجب...



كان يجب أن أتعثّر وأعانق الأرض كي أعثر عمّا أبحث عنه! كان يجب أن "أتفركش" بأسئلتي لأجد الأجوبة!
في اليوم الأوّل من الصوم الخمسينيّ الكبير، في اثنين الرماد الواقع فيه 12 شباط من العام الميلاديّ 2018، يوم ندعى لتذكّر "أنّنا تراب وإلى التراب نعود"، وقعت... وقعت في فخّ الركض والسرعة، زلّت بي قدم (مشلولة منذ الصغر)، فهويت وانتهيت مطروحة أرضًا، مكسورة الساق،  غائبة عن وعيٍ ما انفكّ يؤرقني مذ اكتشفت أنّ قدمي لا تسير بسرعة عقلي!
وفي 14 شباط، يوم عيد العشّاق، كنت أخضع لعمليّة جراحيّة، محاطة برجال غرباء، أحتفل معهم بمناسبةٍ كنتُ على الأرجح سأمضيها وحيدة!
اليوم، مع انتهاء الصوم الكبير، والاحتفال بالقيامة، واقترابي من احتمال العودة إلى المشي، ولو بعَرَجٍ اعتدت عليه (على الرغم من العمليّات الجراحيّة)، أجدني أقوم من عثرتي وقد عادت إليّ بعض معرفة، اختفى قسم كبير منها تحت ضغط العمل، وطبقات التعب اليوميّ، وازدحام الناس على طرقات الحياة الضيّقة، وأوهام صداقات تشبه أطياف الصحراء.
مرّت آحاد الصوم، وشفي أعمى العينين ومخلّع الأطراف وأبرص الجسم ومنزوفة الدم، وعاد الابن الضال، وما بين فرح العرس في قانا، ومهرجان الشعانين في أورشليم، وما بين الألم والصلب والموت والقيامة، كانت الأفكار التي ظننتها تبلورت، والمشاعر التي اطمأننت إلى أنّها هدأت، تعود بزخم البدايات وحكمة النهايات لتطلب منّي حسم أمورها.
كان يجب أن أقع على الأرض لأعرف كم أنّ ذلك أسهل من الوقوع في الحبّ والخيبة، وأنّ كسر الساق أخفّ وطأة من كسر الخاطر!
كان يجب أن أقع على الأرض لأعرف كم أنّ الأرض حنون، لا تتردّد في حمل وقوعك وتحمّله!
كان يجب أن أقع على الأرض لأعرف أنّ الإعاقة الحقيقيّة هي حاجتك إلى الآخرين!
كان يجب أن أقع على الأرض لأعرف من هم الأصدقاء الذين قد أتّصل بهم لأطلب منهم اصطحابي في نزهة تبدّد عن القلب عتمته!
كان يجب أن أقع على الأرض لأنظر إلى السماء، وأراقب مرور الوقت، وأرصد تفاصيل المكان!
لتعود إليّ ذكريات الطفولة المجروحة، وألّا مهرب من رائحة المستشفيات!
لألاحظ أنّ وقوعي تحت المطر لا يمكن أن يشبه تزحلق فيكتوريا بكهام على التزّلج، لا في ظروفه المحيطة، ولا في أسبابه أو نتائجه!
لأكتشف أنّ كثيرين من العُوّاد يزورون المريض ليجدوا من يصغي (مجبرًا) إلى تاريخ أوجاعهم وذكريات أمراضهم، لا ليصغوا إليه!
لأنتبه إلى أنّ الناس يقومون بواجبات زيارة المريض لا رغبة في التخفيف عنه ولكن حرصًا على صورة الواجب الاجتماعيّ!
لأستمع إلى بعضهم يخبرني أنّ زيارته لي هي زيارة لأهلي، لأنّ أهلي (أي ليس أنا) لا يُكافأون على لياقتهم وواجباتهم!
ليقال لي أنّ العمل لن ينتظرني كثيرًا، وأنّني لست أمًّا أنجبت طفلًا ولها حقّ عطلة الأمومة، أو مُرْسَلة موفدة في زيارات وسفرات هي من ضروريّات الوظيفة، وأنّ أحدًا لم يطلب منّي ساعات إضافيّة مجّانيّة كي أعتبرها تعويضًا عن التغيّب!
لأختبر كيف أنّ نشر صورتي مبتسمة على مواقع التواصل يكفي، فلا يعرف آلاف الأصدقاء من عالم الافتراض أنّني تحت تأثير المسكّنات!
لترافق مرحلة استشفائي أصوات الأنين، وأوجاع المنازعين!
لأستعيد معرفتي بضحالة الشهرة المخادِعة، وهباء المراكز الآنيّة، وهشاشة الإنسان المملوء قيئًا وقيحًا وخراء وبَوْلًا ومخاطًا وضراطًا وبلغمًا، والممتلئ كذلك حبًّا وصلاة وشعرًا وضحكًا وبكاءً وموسيقى ورقصًا ورسمًا... 
نعم، كان يجب أن أقع لتقع بوقوعي أقنعة كثيرة، أوّلها ما وضعته الأيّامُ على بصري وبصيرتي، فمنعتْ عنّي الرؤية بدل أن تمنع الآخرين عن رؤيتي: فلم أر أنّ الأنانيّين متشابهون (رجالًا ونساء ومن مختلف فئات الدم والأبراج)، وأنّ الناس لا يتغيّرون (مهما ادّعوا وحاولوا)، وأنّ الإنسان حين يقع يقع وحده ولو كثر مسعفوه وعُوّاده!
نعم! كان يجب أن أقع، فثمّة دائمًا مكانٌ لجرح جديد، غير ذاك الذي خاطه الطبيب ورآه الناس! 

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.