الاثنين، 12 مارس 2018

أحلم بزمن المساواة ولتركد الحياة ما شاءت - زاهي وهبي - 8 آذار 1994



أحلم بزمن المساواة ولتركد الحياة ما شاءت
        تعود ميّ م. الرّيحاني.
        تعود غاضبة ومنفعلة، لا بأس فالأهمّ انّها تعود من غياب عسى أسبابه كانت خيرًا.
        تعود غاضبة ويبلغ بها الغضب مداه ما لم أعهده فيها سابقًا ولا في رسائلها الخلافيّة المساجلة في شؤون وشجون نتناولها، هنا، في هذه الصّفحة.
          ولمن فاته الأمر، سبق لميّ م. الرّيحاني إن كتبت إليّ مرارًا العامّ الفائت تناقش في كثير من وجهات النّظر، وكنت أوافقها حين أجدني على خطأ وأخالفها حين لا أقتنع. ولم يكن السّجال لي إلاّ أخذًا وردًّا في سبيل إضاءة ما التبس عليّ أو عليها أو لمن يهمّه الأمر.
        مع غبطتي بعودتها من انقطاع، لا أخفي دهشتي من مقدار غضبها وانفعالها، فافقدها الأمر بعض ما في قلمها من ذكاء الرّؤية والتماع الإدراك السّابق في كثير من الأحيان للمعرفة والاكتساب.
        ولئن كانت ميّ م. الرّيحاني على حافّة الإنفجار كما تشير في مقدّمة رسالتها، فهذا لا يردعني عن محاولة تصويب النّقاش في ما بيننا وإعادته إلى سابق عهده وإلى جادّة الصّواب أملاً ببعض الإفادة لنا كلينا ولمن يتابع أو يهتمّ بهذا السّجال.
        أظنّ (وبعض الظّنّ إثم) انّ الرّيحاني فهمت جملتي تلك (عن جمهور الخاصّة والعامّة) على نحو اجتماعيّ محض أو على نحو طبقيّ ما جعلها تشعر بالإهانة إذ أوّلت جملتي على غير معناها. وعلى غير قصدي. ولا أقصد إرضاءها فهذا آخر ما كان يمكن أن يخطر لي أو يتبادر إلى ذهني لحظة الكتابة، أي كتابة، فكيف بالكتابة عن عمل إبداعيّ إنسانيّ كما "فاميليا".
        ولست معنيًّا بكل الإستطرادات الّتي نجمت عن هذا التّأويل الخاطئ والمريع لجملتي تلك، لكنّي أذكّرها فقط بأنّ الزّاوية الأسبوعيّة ليست مكسبًا بل مشقّة، وأنّ الدّعوة لمشاهدة عرض ليست "وجاهة" بل دعوة إلى العمل، وانّ النّاقد ليس قاضيًا أو حكمًا بل صاحب رأي (إعلاميّ أحيانًا كثيرة) يهدف إلى إعانة الأعمال الجادّة على النّهوض والإستمراريّة. ولست أشعر بالحرج من أحد إذا كان هذا المسرح أو ذاك يدعوني إلى عرض افتتاحي أو أكثر.
        هذا في الهامش،
        أمّا في المتن فأجدني شديد الأسف إذ أعيد التّأكيد على جملتي بأنّ هناك خاصّة وعامّة في الإبداع، ولتعذرني سيّدتي فلست آخذ الأمر على نحو اجتماعيّ أو طبقيّ، بل على نحو إبداعيّ محض، ولا أظنّ النّاس سواسية في هذا المجال أو كأسنان المشط، بل هم على مراتب ودرجات، أو لما كان داع لنقول: هذا عبقريّ، وهذا مبدع، وهذا غثّ وهذا سمين، ولكانت الحياة الإبداعيّة مثابة صفحة ماء راكد.
        طبعًا هذا لا يعني إنّني لا أحلم بزمن يتساوى فيه النّاس إبداعًا ولتركد الحياة حينئذ ما شاءت.
        وطبعًا لا أعني الانتماء إلى خاصّة وعامّة إبداعيّة تحدّده بطاقة دعوة إلى عرض افتتاحيّ أو سواه، فالمسائل نسبيّة، وسنجد دائمًا تداخلاً بين الخاصّ والعامّ.
        ومع ذلك أقول إنّ العروض الافتتاحيّة في مسرح جدّيّ وطليعيّ كمسرح بيروت، هي أقرب إلى صفة الخاصّة في العلاقة بالمسرح، من كون المدعويّن هم مسرحيّين ونقّادًا وكتّابًا وأدباء أقدر على التّفاعل مع العمل من الآخرين الّذين لا يضيرهم البتّة ألاّ يكونوا مسرحيّين ونقّادًا لأنّ من غير المعقول أن نطالب كلّ النّاس بأن يكونوا على المستوى نفسه من الاطلاع والمعرفة. وحبّذا لو كان الأمر مستطاعًا.
        أكيد، إنّ المسألة نسبيّة وليست اطلاقيّة، فلا جمهور الافتتاح هو جمهور خاصّة في المطلق ولا جمهور غير الافتتاح هو جمهور عامّة في المطلق، وليست إهانة ألاّ يكون أحدنا من خاصّة المسرح أو من خاصّة الرّسم أو من خاصّة السّباحة أو من خاصّة النّجارة أو من خاصّة كرة القدم، فلكلّ شأن في الحياة خاصّته وعامّته. وليس غريبًا أن تكون خاصّة هذا الشّأن هي نفسها عامّة شأن سواه، وليس الأمر شتيمة أو انتقاصًا لحقّ أحد.
        ولا أجد في هذا الرّاي، رأيي، تناقضًا مع قولي العامّ الماضي "أنا ضدّ أن تبقى طبقة المثقّفين عاجزة، بل ضدّ أن تبقى طبقة". فثمّة فارق كبير بين الإشارة إلى خاصّة إبداعيّة ما، وبين أن يتحوّل المثقّفون إلى طبقة كما هو حالهم اليوم، وهل عليّ أن أتجاهل أنّهم اليوم "طبقة"، وهل هي مسؤوليّة المثقّفين وحدهم في كونهم صاروا طبقة؟ أو المسألة أبعد وأعقد من ذلك ولها علاقة بهذا الإنحدار المريع نحو الإستهلاك والسّرعة في زمن يفقد روحه؟ أطمئنك سيّدتي إنّني على عهدك بي ضدّ بقاء المثقّفين طبقة، وضدّ كلّ منحى طبقيّ، وهذا لا يعني الموافقة أن كلّ النّاس هم على المسافة نفسها من كلّ شؤون الحياة، ومثلك أحمل في داخلي أحلامًا كبيرة بأن يصير الكلّ في الكلّ وتزول كلّ تناقضات الحياة.
        أمّا اللّغة، ولغة المسرح تحديدًا فلها حديث آخر يطول.
زاهي وهبي
جريدة "النّهار" الثّلثاء 8 آذار 1994

خاصّة وعامّة... أرفض أن أكون - 8 آذار 1994



خاصّة وعامّة... أرفض أن أكون
استاذ زاهي وهبي
"... هذا ما حدث لجمهور الخاصّة ليلة الافتتاح، وهذا ما حدث لجمهور العامّة في بقيّة العروض...". وكان الحديث عن قدرة العمل الإبداعيّ على تجاوز حواجز اللّغة واللّهجة.
أمران يستحقّان التّوقّف عندهما:
        الأمر الأوّل: (أتلاحظ انّي أكتب بموضوعيّة وترتيب، وكأنّي أحاول أن أضبط أعصابي، فلا أنفجر غاضبة منك، عاتبة عليك، والعتب على قدر المحبّة، وفي الوقت نفسه، متعجّبة من ردّة فعلي هذه...). وأعود إلى الأمر الأوّل لأسألك بكلّ محبّة: كيف تقسّم النّاس إلى عامّة وخاصّة، عفوًا، إلى خاصّة وعامّة، فالدّنيا مقامات؟
        من هو ذاك الذي وزّع مشاهدي المسرح على نوعين؟ وما هو المقياس؟
        وهل مسرح كمسرح بيروت، وعرض مسرحيّة "فاميليا" تقصدهما العامّة؟
        وإذا كانت هذه "العامّة" قصدت هذه المسرحيّة بالذّات، وفهمتها ـ باعترافك ـ ألا يؤهّلها ذلك لتكون من "الخاصّة"؟
        وإذا كنت أنا لم أكتب ديوان شعر، ولا أملك زاوية أسبوعيّة في صحيفة يوميّة، ولا يهرع النّاس إلى لقائي في حفلات الافتتاح. أهذا يعني إنّي لست من "الخاصّة"؟
        وإذا كانت إدارة مسرح بيروت لم تتشرّف بمعرفتي إلاّ كوجه يقول: مساء الخير يا أستاذ محمّد، كيف الحال؟ وإذا لم يخطر ببال هذه الإدارة أن توجّه إليّ دعوة إلى حضور حفلة افتتاح ما، أهذا يعني إنّي لست من "الخاصّة"؟ وفي المقابل، عليّ أن أنتظر عين ناقد تراقبني في الأمسية "العامّة"، كي يقول عنّي هذا النّاقد نفسه إنّي فهمت اللّغة، وفهمت اللّهجة.
        فشكرًا، وألف شكر على هذه الشّهادة.
        أستاذ زاهي،
        بعض الكلام يداعب القلب. فتنبت للحروف أنامل تعصر قلبك بحنان، تداعبه، تجعلك "تصادق قمرًا"، وتحوّل "يدك إلى بئر عميقة".
        وبعض الكلام يصفعك ويهزّك، فتشرئبّ من الأحرف براثن تجرح قلبك. ويهرب الدّم إلى عينيك، وتستيقظ على حقيقة وضعك: "أنت من العامّة".
        الحقّ عليّ، كنت طموحة فاعتقدت إنّي سأشتري مركزًا اجتماعيًّا مرموقًا حين اشتريت بطاقة المسرح! ولكن الأمر يحتاج إلى أكثر على ما يبدو.
        ألا يكفي أنّنا نتحسّر على كثير من العروض الإبداعيّة التي لم يتح لنا رؤيتها لأسباب مادّية؟ ألا يكفي أنّنا نقرأ عن المهرجانات الموسيقيّة والمسرحيّة والعروض السّينمائيّة من دون أن تكون لنا القدرة على مواكبتها كلّها؟
        ألا يكفي أنّنا نشعر بغرابة ملابسنا العاديّة أمام التّرف وآخر صرعات الأزياء الأوروبيّة عند نساء "الطّبقة الخاصّة" ورجالها؟
        ألا يكفي كلّ ذلك، حتّى تصرّ على إعلاننا ـ على الملأ وعلى صفحات الصّحف ـ من عامّة النّاس؟
        ألست أنت القائل: "تمامًا أنا ضد أن تبقى "طبقة المثقّفين" عاجزة، بل ضدّ أن تبقى "طبقة"؟ أم في العامّ الماضي لم تكن "تأهّلت" لمرتبة "الخاصّة من النّاس"، ولم تكن جلست بعد بين كبيرين تحاورهما في الثّقافة وشؤونها، ولم تكن صيدا سمعت صوتك؟
        الامر الثّاني هو تلك اللّغة الّتي تحدّثت عنها والّتي ما عادت مشكلة، على حسب رأيك، بل دعوت إلى "تحرّر المسرح من هاجس اللّغة، بل إلى تحرّر المسرح من اللّغة ذاتها".
        هنا، لن أهاجمك، بل سأخبرك ما لا تسمعه إلاّ إذا جلست في العروض "العامّة". وفي الصّفوف الخلفيّة (لا سمح الله)، سأخبرك ما حصل معي في العرض الّذي كان من المقرّر أن يكون الأخير لمسرحيّة "فاميليا". تلك اللّيلة كادت ان تكون كابوسًا حقيقيًّا لولا روعة العمل الفنّيّ. أحاط بنا جمهور صاخب من تلاميذ الجامعات، الّذين أرسلهم أساتذة المسرح عندهم (سامحهم الله) إلى حضور العمل، وتسبّبوا بضجيج محرج، قبل العرض وخلاله وبعده (ليت السّيّدة بولس وروجيه عسّاف وجلال خوري يطّلعون على هذا الكلام).
        هؤلاء الطّلاّب ـ والمفترض أنّهم معنيّون ـ لا يفهمون اللّغة العربيّة في أبسط مفرداتها. إحداهنّ سألت زميلتها ما معنى "بندقيّة"، وما معنى "حردبّة". والتّرجمة كانت طبعًا باللّغة الفرنسيّة. ثمّ انصرف الطّلاّب ـ حين اكتشفوا انّ العرض باللّهجة التّونسيّة ـ إلى أحاديث خاصّة وحميمة ونكات بذيئة. وتصفيق في غير أوانه، وعندما صفّقنا لإداء رائع تساءلوا: "شو فهموا حتّى عم بيزقفوا؟" وهذا يعني إنّ اللّغة هي الوسيلة والهدف (إسأل زياد الرّحباني عن أغنية عالسّنسول). ولو صمت هؤلاء الطّلاّب وتمتّعوا بالعرض لقلنا: لم تقف اللّغة حاجزًا، إلاّ أنّهم لم يسمعوا ولم يروا ولا تركوا أحدًا يسمع ويرى. والمصيبة انّ هؤلاء سيصيرون غدًا مسرحيّين طليعيّين، وسيكتب عنهم النّقّاد لأنّهم من الخاصّة، وسيدعون إلى حفلات الافتتاح، ولن يضطرّوا إلى "الزّعبرة". كما حدث ليلة الأربعاء، حين دخل العشرات منهم بالبطاقات نفسها وتسبّبوا بإرباك المسؤولين عن المسرح، وبتأخير بدء العرض.
        أمّا عند النّهاية، فخرج هؤلاء المشاغبون وأحاطوا بالمخرج يهنّئونه، ويمارسون التّمثيل على الطّبيعة، ونجحت المحاولة والتمّ شمل "الطّبقة الخاصّة"، فانسحبنا نحن خارجين لأنّ لا مكان لنا.
        أنا لا أعاني عقدة نقص تجاه أحد ولا أنتظر بطاقة دعوة من أحد، ولا أبحث عن شهرة أو لفت انتباه ولذلك يمكنك ألا تنشر رسالتي. ولا يهمّني أن أكون مع الخاصّة في أمسيّة واحدة، فأنا أعرف هؤلاء. وأعرف كيف يقرأون بعضهم لبعضهم، وكيف يكتبون بعضهم عن بعضهم، وكيف يشاهدون بعضهم عروض بعضهم، وكيف يحكمون على الأعمال بعضهم على البعض.
        ولكنّي أرفض أن يضعني أحدهم، مهما تكن شهرته، في خانة ما، مهما تكن مرتبتها.
        أرفض أن أكون من العالم الثّالث، لأنّ التّسمية نسبيّة، ولأنّ التّسميّة تحمل أبعادًا محقّرة، ولأنّي سُمّيت كذلك بادّعاء من يريد إقناعي بذلك.
        وأرفض أن أكون من "العامّة"، لا لأنّ العامّة "حرف ساقط"، بل لأنّ هناك من وضع نفسه في مرتبة تنظر إلى نفسها على أنّها خاصّة، ووضعني في مرتبة دنيا يراها هو "عامّة".
        ولأنّي أرفض، كان لا بدّ من إعلامك... وشكرًا.
                                                                                 ميّ م. الرّيحاني
(الاسم المستعار لماري القصّيفي)
جريدة "النّهار" الثّلثاء 8 آذار 1994
* ميّ م. الرّيحاني تعود غاضبة ومنفعلة تساجل زاهي وهبي في بعض ما يكتبه، وتردّ هنا على جملة في مقالته عن المسرحيّة التّونسيّة "فاميليا".
              

الأربعاء، 7 مارس 2018

مثقّفون ليت عددهم يكثر ولا يكونون طبقة في ثبات - زاهي وهبي 12 تشرين الأوّل 1993



مثقّفون ليت عددهم يكثر ولا يكونون طبقة في ثبات
كان المقاتلون السّابقون ينظرون بدهشة كبيرة إلى جدران المبنى الذي كان مركزًا لهم لأشهر خلت ومرد دهشتهم أنّهم لم يروه يومًا على مثل هذه النّظافة وهذا التّرتيب. وكانت نسمة باردة تسري في عروقهم وهم يراقبون أنماطًا من النّاس لم يعتادوا رؤيتها في مركزهم المرتدي حلّة باهرة ذاك المساء الخريفيّ بعد شحوب استمرّ سنيّ الحرب المسمّاة لبنانيّة، وأكثر ما يلفت انتباههم ويجعل أنظارهم في زوغان عظيم أولئك النّسوة الوافدات بأحلى زينتهنّ كأنّهنّ يأتين إلى "عرس الموسم". وكانت رؤوسهم تدور. كان دوار جماعيّ يصيبهم معًا من تلك الرّائحة تعمّ المكان منبعثة من النّسوة إيّاهنّ. رائحة غريبة لم يألفها أنف هي خلاصة اختلاط العطور الوافرة تلك العشيّة واختلاط المشاعر أيضًا.
لم يكن المقاتلون السّابقون، على يقين تامّ من طبيعة المشاعر التي تغمرهم. أهي البهجة انتقلت إليهم بالعدوى من قائدهم الضّاحك خلف نظّارتيه والممتلئ ثقة وحبورًا واطمئنانًا إلى المستقبل، أم هو القلق يساورهم من هذا التّحوّل المفاجئ الذي حلّ بهم. وكانت علامات القلق تتبدّى من أيديهم الممتدّة بين فينة وأخرى  تتحسّس ربطات العنق فيما تبدو على سحناتهم إشارات ضيق غير واضحة المعالم. أهو ضيق من زحمة المكان أم من ربطات العنق الطّارئة على الأعناق، لكنّهم كانوا أكثر وداعة واطمئنانًا إذ تلوح منهم لفتة إلى قائدهم يصافح زائريه الرّافلين في آخر مبتكرات دور الأزياء، أو يحادث "وزير الثّقافة" بصوت عالٍ عن ضرورة هزّ الثّقافة وإيلائها الإهتمام اللاّزم.
بعضهم، أي بعض المقاتلين، كان في حيرة من أمره شديدة، فثمة بين الوافدين وجوه تربى على كراهيتها والعداء لها بكونها "عدو الشّعب" و"قوى رجعيّة"، وهي الآن أشدّ حظوة لدى القائد من الآخرين. بل انّ إنّ القائد يحرص على مسايرتها والإهتمام بها إلى درجة تثير الحنق. كان هذا البعض يسارع إلى تأنيب نفسه ويلوم أفكاره الخاصّة ويرتعد في سريرته لأنّه تجرّأ على السّخط، حتّى ولو ظلّ هذا السّخط مقتصرًا على دخيلته ويعود ليقول في سرّه إنّ القائد أدرى بالمصلحة الوطنيّة وما تقتضيه من آراء وتصرّفات. وكان القائد سعيدًا بين ضيوفه ومدعوّيه مثل عانس فرحة بأصدقائها القدامى أيّام الثّانويّة العامّةإذ جاؤوا إليها في حفل عشاء.
هكذا نجد اليوم الكثيرين من "عوانس" الحرب اللّبنانيّة وميليشياتها يبحثون عن عريس مفقود ولا يجدونه إلاّ في الثّقافة التي تكاد تصير "فشّة خلق" لكلّ باحث عن دور ضيّعه على مفترقات السّباسة اللّبنانيّة ومتاهاتها الكثيرة، ومرتعًا لكلّ الّذين فشلوا في نيل سلطات ومكاسب ميليشياويّة أو إيديولوجيّة أو سياسيّة فجاؤوا إلى الثّقافة يعوّضون الخسارة ويستردّون بعض ما ضاع. وأعود إلى تكرار ما قلته من فترة إنّ الثّقافة في بيروت اليوم، وأعني النّشاط الثّقافيّ، أكثر إغراء من أي وقت مضى لما توفّره من مظهر اجتماعيّ أو تعوّضه من أدوار مفقودة. وهكذا أفهم ما أسمّيه دائمًا "الحصبة الثّقافيّة" التي تضرب المدينة بين حين وآخر، دون أن تنفذ إلى العمق، إلى الجوهر حيث تختمر التّجارب وتنضج ويطلع منها الجديد، بل تظلّ على السّطح جزءًا من المظهر الإجتماعيّ "المدينيّ" إشبه بحفلات الأعراس والمآدب التي لا تكون دائمًا شهيّة بالضّرورة.
ومن مظاهر الإقبال على الثّقافة اليوم عبر رفع لافتة لها أو بإسمها إن صار كلّ من لديه "صالون وسفرة" مفتوحان بعضًا على بعض يجعلهما صالة عرض أو "كاليري دار" أو صالونًا أدبيًّا. راميًا كلّ الشّروط المفترضة في صالة العرض وكلّ الحرمات التي للوحة، أو كلّ الإعتبارات الضّروريّة في حلقات النّقاش المنزليّة التي هي اليوم أكثر من "الهمّ على القلب" توزّع الصّفات والألقاب على كلّ ساعٍ إلى مجد الثّقافة الإجتماعيّ.
وكنت أتحدّث عن المقاتلين السّابقين في حفل افتتاح، وكنت أتحدّث تمامًا عن هذه الصّورة. وذاك المبنى كان مركزًا لهم أشدّ إلفة ومدعاة للطّمأنينة مما هو عليه اليوم منتدى ثقافيّ يحمل على منكبيه، وفق البيان الصّادر عنه، ما تنوء به وزارة الثّقافة مهما بلغت من الفعليّة والجدّيّة في تنكب أحمال التّنشيط الثّقافيّ، والمركز ذاك مثال عشرات المراكز التي تحوّلت (أو تستّرت) من حزبيّة إلى ثقافيّة وفي حالات أخرى إلى "دفاع مدنيّ" (لعلّه) يتحيّن الفرص للعودة إلى سيرته الأولى، أي "دفاع عسكريّ" من تلك الدّفاعات التي أرقت حياتنا ردحًا. واللاّفت في هذه الحالات إنّ القيادة الحزبيّة العائدة من سبات بحجّة فعل الحياة الثّقافيّة في المدينة والحريصة فجأة على الإبداع والمبدعين، هي نفسها التي حاربت طويلاً الخصوصيّة الثّقافيّة لبيروت، وساهمت في تهشيمها وتهميشها في حقبة سابقة وهي التي كبحت جماح المبدعين وضاقت بهم ووضعت لهم سقفًا حرّم عليهم تجاوزه. لكن ما بالي لا أقول عفا اللّه عمّا مضى، وحسنًا تفعل هذه القوى بانتقالها من السّياسة اللّبنانيّة الرّثّة ومن خطابها العنفيّ الإلغائي إلى الثّقافة ومداها الرّحب ومناخها التّطهّريّ. لا أفعل، ولا أقول لها عافاك لأمرين:
أوّلهما إنّها تأخذ الثّقافة واجهة، وتعويضًا عن دور سابق كما قلت من قليل. ويصير منبرها مثابة إطلالة اجتماعيّة لقادتها وجلّهم على خصومة فعليّة ومستحكمة مع الثّقافة والمعرفة المنفتحة خارج حدود الأيديولوجيّة و"جمارك" العقائد التي كانت إلى الأمس القريب تفرض "رسومها" على النّصّ الإبداعيّ. ولو قلنا إنّها مجموعة حرّة أن تفعل وتقول ما يحلو لها شأنها شأننا نحن خارجها في أن نقول العكس انطلاقًا من الحريّة نفسها، فذاك حقّ.  لكنّه لا يلغي واقع إنّ صدقيّتها على المحكّ في ما تقوله وتسعى إليه مجدّدًا مع تبدّل الشّكل وحسب. وكيف لمثلي أن يصدّق هؤلاء القادة وهم يعاملون ناسهم على هذه الصّورة غير السّويّة. إشارة منّي إلى أولئك المقاتلين السّابقين الّذين اهتزّت الأرض تحت أقدامهم وكاد توازنهم يختلّ بفعل التّبدّل الطّارئ على وظيفة الجماعة المنتمين إليها دون سابق إنذار أو تهيئة، وهم الّذين ضيّعوا العمر وجناه يجدون أنفسهم مجرّد سائقين أو مرافقين أو حرّاس. لكن هذه المرّة بثياب مدنيّة، على أبواب المراكز التي بدّلت أسماءها، أو موظّفي استقبال في حفلات البهرجة والكوكتيل، الثّقافية دائمًا بحسب بطاقات الدّعوة. وكيف ينتج ثقافة للمدينة من لا يفعل ذلك لناسه الأقربين؟ ويظلّ إلى جهلهم أكثر اطمئنانًا وركونًا. والأمر الثّاني انتقال أخلاقيّات الحرب وموروثاتها وأشكال التّخاطب فيها مع انتقال هذه الفئات من السّياسة إلى الثّقافة. واضح هنا إنّي سيّئ الظّنّ دائمًا بهؤلاء الّذين أشير إليهم. لأنّي على قناعة راسخة بأنّ الإنتقال الحاصل، والمرشّح للإزدياد، لم يتمّ نتيجة مراجعة نقديّة أسفرت اقتناعًا لدى قوى الحرب المسمّاة لبنانيّة، بضرورة إعادة ترميم الوجدان العامّ بواسطة الثّقافة في معناها الواسع، وإعادة الإعتبار للكتابة والقراءة والمعرفة والعلم والتّعليم ( وهذا تبثّ شكواه ملحّة: ميّ م. الرّيحاني ) وكلّ البنى التّحتيّة المنتجة للثّقافة في وجه من وجوهها.
وأنا أنتقد هذا الإقبال الإجتماعيّ على الثّقافة هل أعني انّني ضدّ الثّقافة الشّعبيّة أو ثقافة للرّاي العامّ، إذا صحّ التّعبير. أبدًا. وأستعير قولة أمين ألبرت الرّيحاني: "لا يمكن أن يبقى المثقّفون طبقة من الطّبقات الإجتماعيّة. فإمّا  يكون الشّعب برمّته مثقّفًا وإمّا أن يكون ثمّة عاملون في الشّأن الثّقافيّ أو تبقى "طبقة المثقّفين" عاجزة ـ كما هي الآن ـ عن القيام بمسؤوليّاتها.
تمامًا أنا ضدّ أن تبقى "طبقة المثقّفين" عاجزة، بل ضدّ أن تبقى طبقة، وأجدني في غير الدّاعين إلى نخبويّة الثّقافة، وتفرحني إشارة أمين ألبرت الرّيحاني إلى مسؤوليّات على المثقّفين. فالمسألة هنا بالضبط: أثمّة مسؤوليّات على المثقّفين أم لا؟ بلا تردّد ولا مواربة أنحاز إلى الشّقّ الأوّل من السّؤال، ولئن كنت أعارض الإقبال على الثّقافة بالصّورة تلك فلأنّه بذلك يعزّز ويكرّس المثقّفين طبقة اجتماعيّة ويعطّل، تاليًا، إمكان مشاركة المثقّفين في ترميم الوجدان العامّ. وإنّ ما ينبغي إعادة إعماره أوّلاً هو الرّأي العامّ  إذ حين لا "رأي عامّ" لا تقوم قائمة ولا يرتفع بنيان. ولست أبدًا مع قولة سعيد تقيّ الدّين: "الرّأي العامّ. هذا البغل". لعلّ بعض مآسينا في الشّرق، أوفي مجتمعات العالم الثّالث انّنا ننظر دائمًا إلى "الرّأي العامّ" أنّه بغل. ونساهم في جعله كذلك.
لعلّ سعادتي في ما تكتبه ميّ م. الرّيحاني لا تكمن فقط في كون مقالاتي حرّكت فيها ردًّا ومساجلة. وأنا سعيد بهذا في أيّ حال بل أكثر في كونها تأتي من خارج المألوف في الوسط الثّقافيّ وتكتب بداية العارف به وبأحواله، والأمر يثير استغراب عصام محفوظ ودهشته بل شكّه أيضًا. ولعلّه معذور في استغرابه ودهشته فالمثقّفون كادوا أن يصيروا "طبقة إجتماعيّة" بكلّ ما تحمله كلمة طبقة من مواصفات وسمات، طبقة ضئيلة ومحدودة يكاد مقهى "الومبي" يتّسع لكل المنتمين إليها، وتكاد، هي، تضيق بكلّ من هم خارجه.
على عكس ما تظنّ ميّ م. الرّيحاني أثار توقيعها أكثر من انطباع عند "متتبّعي الصّفحات الثّقافيّة" وتعدّاهم إلى غير المتتبّعين. وأهمّيّة ما تكتبه نابعة من جدّيّته وإلمامه أوّلاً، ومن كون الكاتبة من خارج المتداول ثانيًا، ومن مقالتها التي تهجس بهمّ عامّ، بمشكلات تأنف "طبقة المثقّفين" منها وتضعها في خانة "التّفاصيل"
(ها أنا ألوم نفسي وإن كنت لم أرم لما تكلّمت سابقًا عن التّفاصيل إلى ما ذهبت الريحاني إليه)، ومن التصاقها، ربّما، بالهموم التي تلحّ عليها.
في اعتقادي انّ الشّعار المناسب لهذه "الفترة الحرجة" كما يسمّيها رياض نجيب الرّيّس ـ هو "إعادة الإعتبار". إعادة الإعتبار لكلّ شيء، للثّقافة نفسها، للكتابة والنّقد تحديدًا، ولكلّ ما له علاقة بالهواجس العامّة، وأن تصير الكتابة مساجلة فعليّة في هذه الهواجس. وأيضًا لردم الهوّة النّاجمة عن الحروب، بين زمنين بيروتيّين، زمن بيروت ما قبل الحرب، وبيروت ما بعدها، وأجدني هنا ألوم بول شاوول لترفّعه عن كتابة الكثير من الأفكار الجديرة بالنّقاش التي يردّدها ولا يكتبها لأنّه سبق وفعل ذات فترة، لأنّ "إعادة الإعتبار" ضروريّة وواجبة إزاء ما نقرأه أحيانًا من قلب للوقائع وطمس لما جرى. أظنّنا في جاحة إلى إعادة ترداد الكثير من المسلّمات وأن نقرأ من أقلام عاشت الأوج البيروتيّ بعيدًا عن النّواح والنّوستالجيّا، أن نقرأ من زاوية نقديّة غير متعصّبة وغير عصبويّة.
هل أنبش أحيانًا بعض ما يدور في المقهى؟ نعم. إنّي أفعل لأنّ ثمّة هوّة أيضًا ينبغي أن تردم بين كلام المقهى والكتابة وانفصامًا لا يجوز أن يستمرّ، وحسنًا نفعل إذ نكتب ما يورّط النّاس في القراءة ويقلّص وجود "طبقة المثقّفين" عسانا نصل يومًا إلى عامّة مثقّفة لا ترى الثّقافة مظهرًا اجتماعيًّا أو حفلة كوكتيل وحسب.
زاهي وهبي
جريدة "النّهار" الثّلثاء 12 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993



فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل

حضرة الأستاذ زاهي وهبي
في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأمور التي أعانيها في بدء كلّ موسم دراسيّ، لعلكّ تعالجها في مقالاتك الخاصّة. ولم أكن أنتظر أن أجد رسالتي منشورة في الصّفحة الثّقافيّة. أسعدني الأمر طبعًا، وكنت أعتقد إنّ نشر الرّسائل في "النّهار" أمر شبه مستحيل.
المهم، ليست القضيّة أن نردّ بعضنا على بعض، بل المشكلة في محاولة إيجاد حلّ لما أراه المشكلة الكبرى في كيفيّة التّوجّه إلى طلاّب الصّفوف الثّانويّة الذين أعتبرهم مفتاح الحلّ. فأنت أدرى بالمناهج التّربويّة الجامدة، والمدارس تضع العصيّ في دواليب أي نشاط ثقافيّ (لماذا ترتبط الثّقافة باليسار؟) وطلاّبنا لا يقرأون باللّغة العربيّة.
أنا مدرّسة، وأصرّ على وجود أزمة نصّ نثريّ معاصر من حيث النّوعيّة أو الكميّة. وكلّ كتاب أقرأه، أعرف مباشرة، أنّ المدرسة لن تسمح لي بذكره.
فالأديبة المعاصرة الوحيدة التي يسمح لي المسؤول أن أذكرها هي إميلي نصرالله (هنا أتحايل...) ألا يشعرك ذلك بالنّقمة؟ وإن حصل ووجد نشاط ثقافي في مدرسة ما فهو في اتّجاه اللّغة الأجنبيّة. لست ضدّ هذا طبعًا بشرط أن يتوافق مع "تجذير" لشبابنا في لغتهم وحضارتهم.
ولهذا، أطلب منك أوّلاً نشر رسالتي الثّانية هذه (دون أن تخشى استمراري في إزعاجك)، ثمّ لفت انتباه المسؤولين عن "نهار الشّباب" أو الملحق إلى إمكانيّة القيام بتحقيق شامل حول وضع اللّغة العربيّة في المدارس وحول المشاكل التي يعانيها الطّلاّب في المطالعة باللّغة العربيّة. وشكرًا لما بدأت به كلامك عن رسالتي، وشكرًا لما انهيت به كلامك لأنّه أتاح لي توضيحًا، وعودة بالذّاكرة إلى ماضٍ جميل. وإلى اللّقاء في مقالة قريبة لك.
م.م.أ.
كان ذلك عام 1985، "والنّاس يموتون والبلد يحترق ويتهدّم" بحسب تعبير الدّكتور ميشال جحا (1) عندما رآني أحد الأصدقاء اقتطع من صفحات "النّهار" النّصوص التي تنعى مطعم فيصل، فسألني مستغربًا عن علاقتي بهذا المطعم. وأنا التي كبرت في الحرب، ويفصلني عن المطعم ومنطقته معابر وسواتر يصعب عبورها دون مواجهة الخطر أو، على أقلّ تقدير، الذّلّ والإهانة. ولم أعرف كيف أبرّر تصرّفي. كلّ ما كنت أعرفه إنّ هذا المطعم الذي لا أعرف له طريقًا سوف يغلق، وحين تندبه كلّ هذه الأقلام فهذا يعني إنّ ذاكرة ما في طريقها إلى الزّوال. وشعرت إنّ احتفاظي ـ عبر القصاصات ـ بذاكرة الذين عرفوا مطعم فيصل هو احتفاظ بمرحلة لم يسنح لي عمري أن أعايشها.
وما إن سمحت الظّروف الأمنيّة حتّى سألت عن مطعم فيصل، ومررت أمامه استعرض عبر بابه المقفل تاريخ الذين مرّوا إلى طاولاته ورحلوا.
وما حصل معي لهذا المكان، تكرّر يوم فرح غسّان تويني بعودة فلافل صهيون، فمررت من أمام المكان وكلّي فخر باكتشاف جزء من ذاكرة بيروت. وتكرّر الأمر كذلك عندما قرأت عن الدولتشي فيتا وعن الحاج زهير السّعداوي الذي كنت أناديه عمّو زهير حين جمعتنا صدفة نزوحه عن بيروت أيّام الإجتياح الإسرائيليّ إلى عاليه، حيث أقام في منزل يخصّ بعض أقاربه. ولم تكن ثقافتي سمحت لي بالإطلاع على أرشيف مقاهي بيروت لأعرف أيّ عمر قضاه عمّو زهير بين نهارات بيروت ولياليها، أو كنت سرقت منه ما أمكنني من ذاكرة تلك المرحلة، والسّرقة حلال في هذا المجال. وعمّو زهير لن يبخل عليّ بالأخبار وهو الذي كان بتواضعه وظرفه لا يتردّد في الإستماع إلى آراء فتاة كانت، ولا تزال، تحبو على طريق الثّقافة.
        صحيح أنّنا نعيش اليوم في أواخر التّسعينات، ولكن ذاكرتنا الثّقافيّة مرتبطة بغير هذه المرحلة. وما يقال عن المقاهي في بيروت يصحّ أن يقال عن كلّ ما عرفته هذه المدينة في عزّ نشاطها الثّقافيّ والسّياسيّ ـ والمقاهي هي التّسجيد المكاني لها ـ ما يجعلني أحسد هؤلاء الّذين عاشوا بيروت ـ ولا أقول عاشوا فيها ـ في تلك المرحلة، وتركوا لي متعة لملمتها من قصاصات الصّحف وحواشي الكتب.
        تلك الذّاكرة عن بيروت لا تحمل همّ لبنان فقط، بصراعاته السّياسيّة والحزبيّة والعقائديّة، وتيّاراته الثّقافيّة والفكريّة، ونزواته المجنونة، وصرعاته الباهرة، ومهرجاناته الصّاخبة، هذه الذّاكرة تحمل كذلك فلسطين وأسماء مدنها، وأنواع برتقالها، وألقاب قادة ثورتها والشّعر، وفيروز و"راجعون".   
        وتحمل هذه الذّاكرة الصّراع العربيّ ـ العربيّ، والعربيّ ـ اللاّعربيّ، وتحمل همّ العالم وثوراته حين تتحوّل هذه كلّها إلى همّ لبنانيّ خاصّ.
        نحن نعيش، إذن في التّسعينات ولكنّنا نحمل ذاكرة لا تمتّ إلى الحاضر بصلة روحيّة. نحن في العصر وخارجه، نزور الأماكن التي تحمل بصمات الرّواد، نسأل عنهم، ونطالبهم بالنّتائج، بكشف حساب، نعاتبهم ونحمّلهم مسؤولية الإنفصام الذي نعيشه، ونبحث عندهم عن رمز الثّورة نخاف أن نجاهر برغبتنا في إعلانها.
        لا نجرؤ على المعارضة، ولا نجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها. الأسماء الكبيرة كبيرة إلى حدّ نمتنع معه عن التّعرّض لها، والأسماء الصّغير صغيرة إلى حدّ تغييبها. فلا حركة سياسيّة صحيحة الرؤيا، ولا حركة أدبيّة ناشطة والنّقد لا يريد أن يفضح من يتحمّل المسؤوليّة وهؤلاء مطمئنّون إلى وضعهم.
        يزور نزار قبّاني بيروت من غياب، ويتهافت النّاس إلى "حضور حفلته الأولى" في الجامعة الأميركيّة، وتضرب إمرأة مسنّة حارسًا بحقيبة يدها لأنّه منعها من الدّخول لعدم الأمكنة للوقوف، ولا يجد أنسي الحاج مكانًا ليجلس، ويلقي نزار قبّاني قصائده. فكم صحافيًّا تجرّأ وقال له: كان عندك قصائد سياسيّة أفضل، وكان عندك قصائد غزليّة أفضل. أمّا الذي قلته في حفلتك الأولى بعد غياب فلا علاقة له بالشّعر؟
        ويقدّم منصور الرّحباني عملاً مسرحيًّا، ولا يسمع من يقول له: لا يحقّ لك التّنازل عن المستوى الذي كنت فيه، لأنّك ما عدت ملك نفسك بل صرت ملكًا لتراثنا الفنّيّ أكان ذلك المستوى نتيجة جهد شخصيّ أم جهد مشترك. ولا يحق لك ـ وأنت الموسيقيّ الذي يحمل مسؤوليّة تاريخيّة في كلّ رأي يبديه ـ لا يحقّ لك أن تسخر من الأوبرا ـ علنًا ـ وتقول إنّ زمنها ولّى لوجود الميكروفونات ولم يبق هناك من داعٍ للصّراخ. وهل الأوبرا صراخ يا أستاذ منصور؟
        ويمشي "المثقّفون" مع اتّفاق غزّة ـ أريحا، بحجّة أنّه اتّفاق سيفتح ثغرة في الجدار الإسرائيليّ، وصار يمكننا أن نتسلّل عبرها للقضاء على إسرائيل، وهي التي تحضّر برنامج صواريخ "أرو" بمساعدة أميركيّة وبتكاليف تبلغ 1,3 بليون دولار، فما الذي ستفعله تلك الثّغرة المزعومة في رأي المثقّفين الذين يغيّرون رأيهم للصّلح مع إسرائيل سريعًا. فلترم إذن أغاني الثّورة كلّها...
        ولنمنع أنفسنا عن الحديث في المقاهي البيروتيّة عن التّحرّر والتّحرير والعودة. ولتبع دواوين الشّعراء المطرودين والملاحقين، في المزاد العلنيّ.
        ولنمت في خجلنا ونفاقنا وادّعاءاتنا.
        ولكن دعونا نسأل قبل ذلك:
        أيّ مستقبل سنترك للّذين بعدنا؟
        ماذا سيقول الشّعراء والمسرحيّون والمثقّفون في أعمالهم "الإبداعيّة" المقبلة؟
        لأيّ ذاكرة سيؤسسون؟
        وهل يأتي ـ بعد ذلك ـ ولو بأعداد ضئيلة من يتمنّى لو عاش في التّسعينات؟
        تزداد غربتنا يومًا بعد يوم، نعمل ومراهقين بلا ثقافة ولا تاريخ. نحاول أن نعرف ماذا يريدون ولأيّ مستقبل يعملون، لعلّنا نجد الوسيلة كي نوصل إليهم بعض القيم، ولكنّنا ـ في حرب الطّواحين الهوائيّة هذه ـ نقع غالبًا في برودة غربتنا، نقرأ كتابًا فتزداد المسافة بعدًا عن الّذين حولنا.
نتمثّل بأديب فنتّهم بالسّذاجة.
نذكر بيت شعر في معرض ما فينظر إلينا وكأنّنا نتكلّم لغة غريبة.
نوفّر بعض المال لحضور أكثر من عرض لمسرحيّة قليلة المشاهدين فنبدو كالمجانين.
هذا ما فعلته بنا تلك الذّاكرة، هذا ما فعلته بنا قصاصات الورق من الجرائد والمجلاّت، غرّبتنا عن عصر أفلت زمام قيادته منّا، وصار يركض على غير هدى، وكم نخاف بعد ذلك أن تخوننا الذّاكرة.
نشعر بالغربة والرّجعيّة، ولا نملك إلاّ أن ننقلهما إلى غيرنا، فطفلة منزلنا لم تتمّ الثّالثة من عمرها بعد، تحبّ فيروز، وتردّد مع أميمة: عصفور طلّ من الشّبّاك... وتجلس معنا صباحًا مصرّة على حصّتها من الصّحف تقلّبها وتقلّدنا، هذه الطّفلة "المثقّفة" وجدت من يعلّمها من الجيران أن تجيب من يسألها عن إسمها: إسمي ماريّا مرسيدس. فإلامَ ستظلّ هذه الطّفلة تقلّدنا قبل ان يعلّمها آخرون ان تقول لنا: كم أنتم رجعيّون!
في ردّي السّابق (2) على مقالة الأستاذ زاهي وهبي (3) لعبت دور محام الشّيطان. هذا الرّدّ كان فعلاً " فشّة خلق" بيني وبين نفسي أوّلاً إذ، في الحقيقة، لم أتوقّع أن يصل إلى أولي الأمر، ولا أن يحظى بما حظي به من نشر وقراءة متمعّنة أحرجتني وأفرحتني، وخاصّة إنّ الإسم الموقّع لا يحمل صفة أو لقبًا يثيران انطباعًا ما عند متتبّعي الصّفحات الثّقافيّة.
حاولت أن ألبس في هذا الرّدّ لباس الّذين يعيشون في هذا العصر ولا يشعرون بالغربة، ولا يجعلون هموم الثّقافة تأكل معهم، وتنام معهم، أردت ولو لوقت قصير أن أحارب "الشّيخوخة" التي تسرّبت إلى عمري فجعلتني أقرأ الصّحيفة، صباح الأحد، في المقهى، وأصغر واحد من روّاده له من العمر ضعف عمري. والسّبب هو إنّ هذا المكان يتلاءم مع الذّاكرة التي أحملها والتي ورثتها.
أنا أيضًا إبنة "جيل غير هذا الجيل، وإن كنت أقاربه عمرًا"، أنا أيضًا أشعر بالغربة والخوف وانتظر جواب شوقي أبي شقرا لعلّه يطمئنني.
أنا أيضًا أحنّ إلى جيل السّتينات وأسأله "أين الخطأ؟" حتّى وصلنا إلى ما نحن عليه.
ولكنّي، أنا، لم أقع في الخطأ الذي وقع فيه زاهي وهبي، لم أقل عندنا أزمة ثقافيّة، وأنهيت الحديث.
نعم، عندنا أزمة، ولكنّها أزمة "المثقّفين" الّذين يتحاورون بعضهم مع البعض داخل الصّفحات الثّقافيّة المحسوبة على "الخاصّة" لغة ومضمونًا.
عندنا أزمة مثقّفين يقولون في أحاديثهم الخاصّة عكس ما يعلنونه عبر وسائل الإعلام، لأنّ الثّقافة صارت كسياسة البلد: محسوبيّات ومراعاة مشاعر وأذواق إلى حدّ النّفاق.
نعم، نحن في مأزق، لأنّنا نعتبر إنّ أزمة النّصّ النّثريّ تفصيل، وإن مشكلة الجيل الجديد مع المطالعة تفصيل، وأن لا يعرف المسؤولون عن المدارس والجامعات ما ينشره أدباؤنا وشعراؤنا تفصيل، وكلّ هذه التّفاصيل لا تستحقّ التّوقّف عندها. معه حقّ زاهي وهبي، فما دامت إسرائيل تقتطع مساحات من أرضنا دون أن يتوقّف أحد عند هذا الفعل ـ صرنا شعبًا لا يفعل ولا ينفعل ـ وما دمنا نعتبر إنّ هذا الأمر من التّفاصيل في حمّى السّلام... فعلامَ العتب؟
نعم، عندنا أزمة، لأنّ النّاقد ما عاد تحرّيًّا أو محقّقًا وصار يكتفي بالقول: "المسألة في مكان آخر، في الثّقافة عامّة، وفي المأزق الذي على الكوكب" ولم يبقَ من واجباته أن يبحث عن المسؤول. شرلوك هولمز يحقّق في جريمة تركت عددًا محدودًا جدًّا من الضّحايا. ولكن المسؤول عن جرائم ترتكب في حقّ ثقافة شعب وذاكرته، ألن يجد من يجرؤ على تسميته بإسمه؟
ألم يحقّق طه حسين في تأريخ مرحلة أدبيّة كاملة؟ ألم يشر إلى المسؤولين عمّا اعتبره تحريفًا أو تزويرًا دون أن يخاف عاقبة تسمية الأشياء بأسمائها، وكلّنا يعلم ما كان عليه الأمر من كسر لطوق الجمود الأدبيّ؟ ألم يكن "تحرّيًّا ثقافيًّا" في كتابه "في الأدب الجاهليّ"؟ هذا مثل واحد.
نعم، عندنا أزمة ثقافيّة اليوم، وكان مَن قبلنا يقول: عندنا أزمة، وسيبقى الأمر كذلك ما دام الواحد منّا لا يجرؤ على إبداء رأيه في مناقشة عامّة حول عمل ما، وذلك لأنّنا من خارج إطار الدّائرة الثّقافيّة التي يعرف أفرادها بعضهم بعضًا كما في حزب سرّيّ (كما حصل في مناقشة أفلام محمّد ملص عندما طرح أحدهم ـ وهو غير معروف ـ رأيًا معارضًا وقوبل باستهجان أفراد الحلقة الثّقافيّة التي اعتبرته دخيلاً، ولو كتب لاستغربت السّيّدة لورغريّب جرأته).
في مقالة لأمين ألبرت الرّيحانيّ (4) (بدون تعصّب عائليّ) ورد: لا يمكن أن يبقى المثقّفون طبقة من الطّبقات الإجتماعيّة. فإمّا أن يكون الشّعب برمّته مثقّفًا أو أن يكون ثمّة عاملون في الشّأن الثّقافيّ أو تبقى "طبقة المثقّفين" عاجزة ـ كما هي الآن ـ عن القيام بمسؤوليّتها".
وحتّى ذلك الوقت، حتّى يصير الشّعب مثقّفًا، ما رأي الأستاذ وهبي لو نعير اهتمامًا ـ ولو ببعض العناء ـ لمل سمّاه "تفاصيل" فالتّفاصيل" هي التي تجعل حياتنا اليوميّة "زاهية" ومميّزة وحميمة.
ميّ م. الرّيحانيّ
جريدة "النّهار" الثلثاء 5 تشرين الأوّل 1993
1 ـ "النّهار" الخميس 7 تشرين الثّاني 1985
2 ـ "النّهار" الثّلثاء 21 أيلول 1993
3 ـ "النّهار" الثّلثاء 14 أيلول 1993
4 ـ "النّهار" 31 آب 1984
* الرّسالة الثّابتة إلى زاهي وهبي مساجلة في شجون الثّفافة.  


راقبتك البارحة نائمًا - 19 تشرين الأوّل 1993

Gianni Bellini


راقبتك البارحة نائمًا
لم أعد "احترف الحزن والإنتظار
...
صرتهما
***
لماذا 
أرى
ذراعيك الممدّدتين لاحتضاني
عارضتيّ
صليب؟
***
كن شاطئي الدّافئ،
يتمدّد عليك بحر رغباتي
ولا تكن أثرًا على رمالي
لئلاّ تمحوك أمواج جنوني
***
خلعتَ البارحة نظّارتيك
فتحسّنت الرؤية في عينيّ
وانتبهت للحزن المرسوم
دائرتين حول عينيك
***
كقوس قزح تختصر الألوان
ومثله، تنسجم، وتتناسق.
ومثله، يصعب الإحتفاظ بك
إلاّ في لحظة إلتقاء المتناقضات.
***
ما أروعك معلّقًا من رأسك بعلامة استفهام
على مشجب الوجود.
***
  
في جراحك زرعت حقل ورد
وعندما مددت يدي
لأقطف وردة أزيّن بها شعري
جرحني شوكها... فكرهتك
***
راقبتك البارحة نائمًا
كنت تبتسم كالأطفال
ارتحت
إلى إنّي ما زلت
عروس أحلامك.
***
كلّ حبّ يحتاج إلى مكان
يأوي إليه
وعندما وجدنا البيت
هرب الحبّ...
خاف أن يصير ساعة حائط.
ميّ م. الرّيحاني
جريدة "النّهار" الثّلثاء 19 تشرين الأوّل 1993

أوّلاً نحن وذاكرتنا وأنتِ سيّدتي اسمعيني - زاهي وهبي 28 أيلول 1993




أوّلاً نحن وذاكرتنا وأنتِ سيّدتي اسمعيني
...
في تعقيبها على مقالتي الأسبوع الماضي، تلامس ميّ م. الريحاني أكثر من جرح، أكثر من علامة استفهام حيال ما يمضي إليه العيش الرّاهن. ولعلّها كانت مثلاً في قراءة متأنيّة هادئة، ومضادّة أحيانًا، بلا تكلّف أو انفعال.وحسنًا فعلت حين توسّعت في نقاط كنت أثرتها أو سلّطت ضوءًا عليها من غير الزّاوية التي طرحتها قبل أسبوعين. ولا أخفي أحدًا أنّني لم أزعم صوابًا أو يقينًا في ما ذهبت إليه،بل هي وجهة نظر(ي) في ما يجري وما زلت على إيماني بها، وليس هدف كل نقاش لي إقناع الآخر أوالإقتناع به، وإنّما الإستئناس به، لأنّ كلّ أحاديّة موحشة وقاتمة مهما ظنّت الصّواب، لهذا كنت مستأنسًا بما كتبته إليّ معقّبة أو معلّقة، موافقة أو معارضة، أو غامزة عليّ وعلى آخرين في الثّقافة وفي الصّحافة.
لست أزعم صوابًا، أقول، لا أمس ولا اليوم ولا غدًا، بل إنّني أخشى أحيانًا كثيرة إسقاطات ذاتيّة على واقع عام. ذلك إنّني إبن جيل غير هذا الجيل، وإن كنت أقاربه عمرًا، إبن زمن وثقافة مختلفين. ومرّات كثيرة أتساءل ألا أزال مقصّرًا إزاء إيقاع العيش الرّاهن ونبضه المتسارع شأن كثيرين من صحبي وأترابي في العمر والثّقافة. ومرّة قلت لشوقي إبي شقرا أنّ بي خوفًا من أن أغدو رجعيًّا بلا قصد إزاء السّائد والمستجدّ في الحياة اليوميّة، ثقافة واجتماعًا وسياسة. لأنّ الحياة هكذا دائمًا في سرعة وإلى أمام، ولكل زمن سماته وأهواؤه وليس في وسعنا إيقاف العجلة. لكن يظلّ يؤرقني إنّ تبدّل وقائع العيش شيء وانحدارها وإسفافها شيء آخر مختلف تمامًا. وليس في الإمكان قبول كلّ شيء بحجّة الزّمن والتّطوّر وإيقاع العصر، لأنّ ثمّة ما يشبه الإجماع، في العالم اليوم، على خواء الكوكب من سيادة التّكنولوجيا على كلّ ما عداها. والسّؤال اليوم أهي التّكنولوجيا في خدمة الثّقافة والإبداع أم العكس؟ التّكنولوجيا في سبيل الإنسان أم العكس؟ وفي التّعقيب أو الرّد راحت ميّ م. الرّيحاني كثيرًا في التّفاصيل، في الشّواهد والأمثلة التي كنت أسوقها في تدعيم وجهة نظري، وفاتها أنّ المقالة تحمل الرّقم ـ 2 ـ أي أنّها استكمال لمقالة سابقة من سلسلة هواجس تسكنني طارحًا إيّاها في البحث والنّقاش، وما تلك الأمثلة إلاّ غيض ممّا يغمرنا جميعًا بفعل الفجوات الهائلة التي أصابت عيشنا وذاكرتنا وجعلتنا في ما يشبه القطيعة المرضيّة مع كلّ ما هو مضيء في ما مضى، والغيبوبة عمّا يجري حولنا من رسم لمصائرنا وحيواتنا البائسة. وما كنت أسوق تلك الأمثلة من مواقع الإدانة المباشرة لأفراد، ولا سعيًا لاكتشاف من يتحمّل المسؤوليّة، إذ ليس النّاقد تحرّيًّا ثقافيًّا ولا هو شرلوك هولمز أو أرسين لوبين، وإنّما كنت أشير إلى واقع مدان، إلى بؤس هائل أصاب العيش والثّقافة، وإلى وهن عظيم حلّ في جسم المجتمع اللّبنانيّ السّائر إلى مزيد من التّفاهة والإبتذال، ولعلّ ما نراه ونسمعه مباشرة وعلى الهواء هو تجلّيات الحالة لا أسبابها.
مرّة أخرى، سيّدتي، أقول إنّني في غير هذا "الزّمن المكسيكي"، و"المكسيكيّة" عندي صارت صفة لكلّ ما أراه فارغًا من روح وجوهر. ولا تقنعني المبرّرات التي نحاولها لهذه "الحصبة" التي أصابت عشيّاتنا. لأنّ ما نظنّه رومانسيّة في تلك المسلسلات التي لا تنتهي ما هو إلاّ تبديد للوقت الثّمين ومضيعة للعقل في الإطالة المتعمّدة والمملّة لأحداث رتيبة، ينبغي لها فنّيًّا ألا تتجاوز الثّواني، لكنّها إعلانيًّا واستهلاكيًّا تطول حلقات كاملة. وتجد من ينظر إليها من بعض التّواقيع العائدة من غياب. أظنّ المسألة في مكان آخر، في الثّقافة عامّة، وفي المأزق الذي على الكوكب. أمّا التّفاصيل فهل تستحقّ كلّ هذا العناء.
زاهي وهبي
جريدة "النّهار" الثلثاء 28 أيلول 1993


الأربعاء، 7 فبراير 2018

الدكتور عمر نشابه يعرض رؤيتي للحرب اللبنانيّة ورؤيته لرواية "للجبل عندنا خمسة فصول"


من تلامذة مدرسة روما المارونيّة إلى أمينة المكتبة الحيّية - 2010




قرّرت أمينة المكتبة في القسم الثانويّ من إحدى المدارس المارونيّة أنّ روايات الياس خوري ومحمّد شكري وحنان الشيخ ونجوى بركات ورشيد الضعيف وقصص زكريّا تامر ممنوعة لأنّها تشجّع على قلّة الأخلاق وهي إباحيّة ووقحة، وأعلنت بعزم وإصرار وفي شكل لا يقبل الجدل: أخلاقي لا تسمح لي بوضعها في المكتبة وضميري لا يرضى.

الموظّفة المهذّبة لم تقرأ طبعاً رواية واحدة كاملة من هذه الروايات، وكلّ ما في الأمر أنّها حين كانت تهمّ بوضع ختم المدرسة على بعض صفحات أحد الكتب فوجئت بعبارة خدشت حياءها (لا أعرف إن كانت ستفهم معنى هذه العبارة) ولكنها تابعت القراءة حتى أتت على المشهد كاملاً ثمّ اخذت تفتّش تفتيشًا محموماً في الكتب الأخرى لعلّها تقع على مشاهد أكثر حرارة. وبعدما وُفّقت في الحصول على إثارة تلو إثارة، بشكل لم تعرفه قبل هذه اللحظات المصيريّة، قرّرت أنّه لا يجوز أن توضع هذه الكتب بين أيدي التلامذة. وباءت بالفشل جميع محاولات إقناعها بأنّ هذه الروايات من كلاسيكيّات الأدب العربيّ، وأنّها ليست ممنوعة، وأنّها تعالج مشكلات اجتماعيّة ونفسيّة معروفة وموجودة في مجتمعاتنا، ومن المفيد التحاور في شأنها بموضوعيّة وحريّة ومسؤوليّة. فالآنسة ذات الحياء والخَفر والمؤتمنة على العفّة والطهارة بقيت على موقفها لا ترضى بالمسّ بالأخلاق، ولا تسمح بأن يتمّ تحت نظرها الحيّي تبادل كتب فيها كلمات بذيئة بحسب وصفها الدقيق، ولن تناقش في هذا الموضوع مهما يكن الثمن. أمّا الشعر فنجا من عمليّة التطهير لأنّ الآنسة لا تفهم من رموزه ومعانيه شيئاً.
بمثل هؤلاء الموظّفين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، تصان الآداب العامّة كما يفهمها أهل الحَجْر والحَجَر، ويقتل الأدب والشعر وتنحر الثقافة وتشوّه الحريّة، ويتخرّج في المدارس ألوف التلامذة من المنسوخين نسخاً على آلات صدئة قديمة لا حبر فيها ولا ورق. وإلى مثل هؤلاء المحسوبين على مديرين وأصحاب شأن نَكِل أمر التربية والتعليم والتوجيه والإرشاد، لينكّلوا بنفوس الشبّان والصبايا ويمعنوا فيها تخريباً وتهشيماً. والطامة الكبرى حين يتمّ الدفاع عن أمثال هذه الموظّفة البائسة بالقول إنّها مجرّد موظّفة تحتاج إلى راتبها.

ومتى كانت أيّها السادة العلاقة بالكتب والمطالعة مجرّد وظيفة نعتاش منها؟
فهل سمعت الآنسة "المكتبجيّة" بدكاكين الورّاقين حيث أفنت أعداد كبيرة من الناسخين أعماراً لا تحصى في الكتابة والنسخ والتحبير؟
هل قرأت عن مترجمي بيت الحكمة في بغداد الذين أمضوا أيّامهم ولياليهم في نقل تراث البشريّة الفكريّ من لغة إلى لغة؟ هل سمعت بمدرسة روما المارونيّة التي خرّجت العلماء الذين اهتمّوا بمكتبات الفاتيكان وفرنسا وزوّدوها المخطوطات النادرة من مختلف أقطار العالم المعروف آنذاك أو بالبطريرك إسطفان الدويهي مؤرّخ الطائفة المارونيّة والعلاّمة ابرهيم الحاقلاني الذي عمل في حقل الحوار بين الحضارات متنقّلاً وباحثًا بين فرنسا وإيطاليا؟
وهل تعرف يوسف السمعاني الحصروني حافظ مكتبة روما، أو جبرائيل الصهيونيّ الذي درّس في الجامعات؟
لقد وضعت سيّدة الرقابة المصون علامة على الصفحة 84 من مجموعة "دمشق الحرائق" لزكريّا تامر لتضمّها إلى ملّف الرفض الذي دعمت فيه قضيّة دفاعها عن الآداب والشرف، وفي هذه الصفحة من أقصوصة "الرغيف اليابس"، مشهد عبّاس الذي سرق رغيف خبز يابس من صبيّ صغير، وحين التجأ إلى غرفته ليأكله، قرعت ليلى ابنة عمّه الباب تريد أن تقاسمه الرغيف. وحين طلب منها جسدها ثمناً للرغيف كاملاً، وافقت الفتاة الجائعة من دون تردّد. وهنا أبدع زكريّا تامر في تصوير الجوع المزدوج الذي يمزّق الفقيرين، ونظراتهما التي تتنقّل من الجسد المنتظر تحقيق رغبته إلى الرغيف المنتظر من ينقضّ عليه، ليصل إلى قمّة الإبهار حين يصف قائلاً: "والتصقت به أكثر فأكثر. وتضاعف خجله، وفقد اللحم إغراءه، ولم يستطع عبّاس الانتظار، فتخلّص من ليلى بحركة مفاجئة صارمة، وهبّ واقفاً، واختطف الرغيف من فوق الطاولة، واتّجه نحو الباب. واستطاعت ليلى التمسّك بقدم عبّاس، فركلها ركلة قاسية أصابت بطنها، فارتمت على ظهرها تعول متوجّعة وهي عارية".
ومن الواضح أنّ الآنسة "المكتبجيّة" التهت بجوعها إلى الجنس عن متابعة القراءة عن جوع الفقراء إلى الخبز ثمّ نصّبت نفسها قيّمة على الأخلاق خلفاً لمن كانوا قيّمين على الحضارة.
ويبقى السؤال المخيف: هل يجوز لنا أن نرى في هذه الحادثة التدهور الذي طاول الحضارة المارونيّة التي انطلقت مع تلامذة مدرسة روما المارونيّة وانتهت بين يدي تلك الموظّفة؟
 ***
* صحيفة "النهار" 26 كانون الثاني 2010

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.