الأحد، 7 يناير 2018

الفصل الخامس من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"


على عكس وردة الصغيرة القامة التي تشبه والدها، كانت نجلا طويلة القامة وضخمة البنية، سريعة الحركة، نشيطة، تحبّ الواجبات الاجتماعيّة وخصوصًا المآتم، فلا يمكن أن يدفن أحد في المنطقة إلاّ وتكون حاضرة تشرف على الترتيبات، تساعد في غسل الجثّة إن كانت لامرأة أو طفل، تعدّ القهوة والطعام، تندب وتنفش شعرها الرماديّ وهي تصرخ وتلطم كأنّها من أهل الفقيد أو الفقيدة. وكان ذلك من صلب المؤاساة التي لا يستهجنها أحد أو يرى فيها مبالغة، وهي ستّ العارفين ولن تسمح لأحد بأن يسجّل عليها تقصيرًا أو تأخيرًا في "المؤاجرة" والقيام بالواجب لأنّها تعرف جيّدًا تقاليد الدفن عند مختلف الطوائف والمذاهب، وتنتبه كي لا تخرق بروتوكول أيّة عائلة أو قرية أو ملّة، ولا ترضى إلاّ بأن تكون أوّل من احترم الأصول ومشى عليها. ولا يزال أهل السهل يتناقلون إلى اليوم خبريّة نجلا يوم مأتم أبو عبدو. كانت لا تزال في قميص نومها الذي يتحوّل تلقائيًّا رداء للعمل مع ساعات الصباح الأولى إذ يكفي أن تضع فوقه مئزرها الواسع العريض بجيبيه الواسعين كي تنتقل إلى مرحلة من العمل لا تنتهي. اليوم يوم العجن والخبز، والمرأة تتنقّل بين أرجاء المنزل المكوّن من غرفة كبيرة ومطبخ وحمّام، وتخرج بين وقت وآخر إلى الساحة الممتدّة أمام البيت تحت قنطرة تحميه من المطر شتاء ومن الحرّ صيفًا وتعطيه امتدادًا لا بأس به. رأت، وهي في الخارج تحضّر الحطب تحت الموقد وعلى يديها آثار الطحين والعجين، جاراتها يخرجن من المنازل المجاورة وهن غارقات في الثياب السود. طرحت عليهنّ السؤال السخيف:
"خير انشاالله".
قالت ذلك وهي تعي أنّ الخير لا يتلاءم مع منظر جاراتها. نظرت النسوة إليها مستغربات لأنّها لم ترتد ملابسها بعد لترافقهنّ كعادتها إلى الدفن.
"من مات؟" سألت بلهجة هي أقرب إلى الفضول منها إلى القلق.
"أبو عبدو أعطاك عمرو، العمر لك ولزوجك وأولادك".
صرخت نجلا وهي تطرد فكرة أن تتّهم بالتقصير:
"ألم يقرعوا جرس الكنيسة؟"
"بلى" أجابت الجارات كأنّهنّ عضوات في جوقة واحدة.
"لم أسمع ع ضجّة الولاد"، أجابت نجلا، وهي تنفض الطحين عن شعرها ووجهها وتغسل يديها من حنفيّة أمام البيت، وتسرع إلى الداخل وهي تقول:
"انطروني".
وفي لحظة عادت وهي تزرّر معطفها الباهت فوق قميص النوم، ثمّ تعقد المنديل على رأسها بعدما كانت وضعته مؤقّتًا على كتفيها، وانطلقت مسرعة في حين كانت الجارات ينظرن إليها وهن يضحكن من منظرها واستعجالها. ثمّ لحقن بها وهنّ يحاولن الوصول إلى منزل المرحوم واجمات حزينات كما تقضي المناسبة. وحاذرن طوال الوقت النظر إلى كبّوت نجلا الذي كانت تمسك به مضمومًا طوال الوقت خشية أن يفضح ما تحته. وصار كبّوت نجلا مضرب المثل حين يريدون الإشارة إلى من يهتمّ بالواجبات ويقدّمها على تحضير الخبز لأولاده.
صحيح أنّها من عائلة فقيرة وتزوّجت برجل فقير، غير أنّ ذلك لا يعني ألاّ يحتاج إليها الجميع، أغنياء وفقراء، لتسهّل الأمور وتدير دفّة الدفن بحسب متطلّبات كلّ عائلة، ولن تسمح بأن يقعدها تقصير عن المشاركة في ذلك، فهل يمكن أن يدفن أبو عبدو في غيابها؟ أمّا الأعراس فليست من اختصاصها ولا يعنيها إلاّ أن تعدّ لأهل العروس أو العريس الكبّة التي كانت تدقّها في جرن الحجر وهي ترقّص المدقّة الخشب في يدها ببراعة وبحسب إيقاع خاصّ بها يجعل لعاب أهل المنطقة يسيل شهوة ورغبة. مبالغة؟ قد يبدو في الأمر بعض المبالغة، ولكن من شاهدها وهي تعدّ الكبّة في جوّ احتفاليّ نظيف يعرف أنّ الناس هناك متى عرفوا بأمر عرس توقّعوا أن تكون كبّة نجلا عروس الموائد العامرة، ويكفي أن يسمعوا دقّة جرنها مرّة كي تلتصق موسيقاها بحلمات ألسنتهم تداعبها وتثيرها وتفتح شهيّتها. ولعلّ صورتها وهي تدقّ الكبّة ستبقى ناقصة باهتة إن لم يأت الناس على ذكر كأس العرق الذي ينضح بالعرق البارد وهو يروي ظمأ تلك المرأة التي كانت تشربه كما يشربه رجال السهل، بعشق واحترام لم يكّنه رجل منهم لامرأته. أليس هو حليب السباع؟ أليس هو فخر صناعتهم وشيخ مآدبهم وشراب وحيهم؟ ولن يحرموها منه كي لا تأتي كبّتها ناقصة النكهة، ذليلة النفس، لا تتلمّظ الشفاه لمرآها.
كانت نجلا في عالم وزوجها يوسف في عالم، فهي ما أن صارت أمّ حبيب حتى اقتصر دور يوسف على النوم معها ومساعدتها على إنجاب المزيد من الأطفال. وبدا هو قانعًا بما رسمته له امرأته وفرضته عليه. فمنذ أن وقعت عيناها على وجه حبيب لمّا ناولتها إيّاه الداية أديبة حتّى وقعت في غرامه وقرّرت أن تنذر نفسها له لأنّه هو الذي نظر إلى قهرها وحرمانها وأتى بعد ثلاث بنات ليصير تاج رأسها. وحين استطاعت أن تنهض من سريرها، حملت الصبيّ وأخذته في أوّل مشوار له، وقبل أن تزور كنيسة السيّدة، إلى استديو المصوّر الأرمنيّ وطلبت منه أن يأخذ صورة لطفلها العاري جالسًا في حضنها على خلاف ما تقضي به عادات ما بعد الولادة في تلك المرحلة. فلقد كان من المبكر أن يخرج الطفل من أقمطته ومن الخطر على عموده الفقريّ أن يجلس في حضن أمّه وهو بعد طريًّا لم يستقرّ على لون. ولكن من يستطيع أن يذكّر نجلا بذلك وهي ستّ العارفين بكلّ شيء. وكان لها ما أرادت. ولا تزال صورة حبيب بجسمه الممتلئ وعضوه البارز محفوظة في ألبوم صور عتيق نقلته معها حين تركت البيت وأقامت عند وردة، ثمّ ورثته جولييت من ضمن إرث والدتها بعد شقيقتها. ولن تكون هذه الصورة وحدها سببًا للخلاف الذي نشب بين الأخوة والأخوات بعد وفاة أمّهم وكانت ملامحه بدأت تظهر قبل ذلك أي حين كانت تستسلم للموت راضية بالانصياع لرغباته بعدما عاندته في البداية خوفًا من روز التي تنتظرها هناك، كما همست كنّتها اللئيمة لميا زوجة حبيب في أذن سلفتها زوجة نجيب. لقد كانت هناك أمور أخرى أكثر أهميّة من صورة طفل عار في حضن أمّه، فلا أمّه بعد البحث هي مريم العذراء ولا هو المسيح المخلّص ولو كان هو من أعطى إم حبيب الكنية التي بها خلُصت من عار إنجابها البنات.
نجلا أيضًا لم تنتظر طويلاً بعد موت وردة. ماتت في السنة التي تلت، وكان عمرها خمسة وسبعين عامًا. حسرتها على ابنتها أتعبت قلبها الذي ورثت مرضه عن أهلها وأورثته أولادها. ولكنّها في السنة التي عاشتها بعد وردة لم تكن هي نجلا التي عرفها الجميع. موت الأولاد يختلف عن موت الزوج. بعد يوسف الذي لبست عليه الثياب السود طوال عمرها، لم تضعف عزيمة تلك المرأة، وبقيت على صلابة مواقفها وإصرارها على أنّها محقّة في كلّ ما فعلته وستفعله. بل ازدادت عنادًا وتشبّثًا بآرائها، كأنّها خشيت إن ضعفت أن تفقد دورها كأم وأب في الوقت نفسه. حبيب وحده نقطة ضعفها، ووردة تُشعرها بالمهابة حين تكونان في مكان واحد. عدا ذلك هي نجلا القديرة وستّ الستّات وإخت الرجال. عملت واجبها حين لبست الأسود وتابعت حياتها. انتحار وردة كسر ظهرها وجرح قلبها، والعشرون يومًا التي أمضتها في ذهاب وإياب، إلى المستشفى ومنها، امتصّت طاقتها وتركتها خاوية، فلم يعد يعنيها أن تكابر على نفسها أو تداري ضعفها.
"تنتحرين يا وردة؟ كيف أندبك وماذا أقول في دفنك؟ أبكيتُ الحجارة في مآتم الآخرين، وفي دفن ابنتي أسكت خجلاً من نظرات الناس. هربك مع الفرنساوي شيء وانتحارك شيء آخر. الناس يومها سكتوا، الآن ستعود الحكايات كلّها من جديد. ماذا فعلت بي يا وردة؟ أم أنا من فعل بك كلّ ذلك؟ هرّبتك وخربت حياتك وقتلتك بالديمول؟ يلعن فرنسا وكلّ شي طلع منها".
ثمّ تنفش شعرها الأبيض وتلطم خدّيها قبل أن تهرع جولييت لتجلس إلى جانبها وتحاول أن تخفّف عنها وهي تتمنّى لو كان في استطاعتها أن تعطيها مزيدًا من الأدوية المهدّئة للأعصاب لعلّها تغفو قليلاً. جولييت نفسها تعبة وتريد أن ترتاح. قالت لزاد وهي تصف حالها في تلك المرحلة:
"لم أكن أقوى على النهوض من الفراش، البقاء إلى جانب وردة طوال الوقت مع العمل بين الجرحى والقتلى أتلف صحّتي. وحين ماتت ظننت أنني سأستريح قليلاً، فأتى وضع أمّي ليجعلني على آخر نفس. أعطوني البيت في مقابل الاهتمام بها، وتهرّبوا كلّهم من المسؤوليّة عنها. كانوا يزورونها كالغرباء، حتّى حبيب كان يأتي بعدما أتصل به وألحّ عليه كي يزورها لأنّني لا أصدّق حججه المرتبطة بالوضع الأمنيّ. مسكينة ياسمينة كم أهملتها في تلك المرحلة!"
تسألها زاد:
"لماذا اتّهمت أمّك نفسها بقتل روز بالديمول؟"
تسكت جولييت للحظات ثمّ تجيب بعزم وهي تتناول سيكارة من حقيبة يدها:
"كانت تهذي ولا تعرف ماذا تقول".


(نجلا)
"روز لم تنتحر. أنا قتلتها. هكذا سيقولون إن تكلّمت. وأنا لا أستطيع أن أتكلّم. سيقولون لي:
(ألا يكفيها ما فعلته بها وهي صبيّة؟ ألا يكفي أنّك خربت حياتها وحياتنا حتّى أنهيت عليها وحرقت أحشاءها بالديمول؟)
وهل سيصدّقون إن قلت لهم إنّي لم أقتلها كما إنّني لم أكن أريد أن أخرب حياة أحد. كنت أريد أن أعيش، أن نعيش كلّنا، أثرياء، فوق التلال، وكان حبيب فرصتنا، وكانت وردة فرصة حبيب. وكانت ستكون سعيدة مع الكولونيل. ما أدراني أنّه متزوّج، كيف كان لي أن أعلم أنّ لديه زوجة وأولادًا وأنّ زملاءه لن يفضحوا أمره على الرغم من طاولات الأكل التي مددتها لهم؟ كنّا نثق بفرنسا والفرنسيّين، هم مسيحيّون مثلنا فكيف يغدرون بنا؟ لو كان عازبًا وصادقًا وأخذها معه إلى فرنسا لشكروني كلّهم لأنّ شقيقتهم صارت فرنسيّة وستأخذ العائلة لعندها. وكيف كان لي أن أعلم أنّ وردة ستقوم في الليل وتشرب من القنينة وهي تظنّ أنّها ممتلئة ماء؟ الحقّ على ناجي. وضع الديمول في قنينة للمياه وتركها على الشرفة إلى جانب الوردات. قلت في نفسي:
(سأنقل قنينة الديمول إلى رفّ في الحمّام حيث لا تطالها ياسمينة بنت جولييت).
ما الذي جعل وردة تشرب من قنينة موضوعة في الحمّام وهي التي كانت تأنف من تناول أيّ شيء ما لم تثق بنظافة من أعدّه؟ ألم تفتح مطعمًا لكي يكون لها مكان تدعو إليه أصدقاءها وهي مطمئنّة إلى نظافة لا توجد في أرقى المطاعم والفنادق؟ ما الذي جعلها تشرب في الحمّام وتحترق وتحرق قلبي عليها وأنا أراها تتعذّب في سرير المستشفى ولا أستطيع أن أفعل شيئًا أو أقول شيئًا؟ منذ ثلاثين عامًا وهمّ وردة يأكل معي في الصحن. كلّ المصائب التي حلّت علينا في كفّة ونظرات وردة إليّ في كفّة وخصوصًا كلّما أردت أن أناقشها في أمر. فهي تشعرني بأنّها والدتي ووليّة أمري وصاحبة الفضل عليّ. معها حقّ. أليست هي من أدار شؤون العائلة منذ صارت تملك المال. حتّى حبيب ما عادوا يطلقون سراحه من الحبس إلاّ عندما تتدخّل وردة وتكلّم أحد معارفها. أمام وردة فقط أرتبك وأفقد سطوتي، الآخرون لا يجرؤون على رفع أنظارهم في وجهي.
أعرف أنها تكرهني. وتضع عليّ اللوم في ما حصل لها. ولكن ذلك لا يعني أنّي سأضع الديمول لابنتي. ثمّ أنّها هي نفسها عندما رأت الكولونيل رمت نفسها عليه وأكلته بنظراتها. هي ابنتي وأنا أعرفها وأعرف كيف أغرمت به، ولم تصدّق أذنيها حين عرض عليها النزول إلى بيروت للزواج. لو عارضتها لما كانت سمعت كلامي. النتيجة واحدة. أنا على الأقلّ حملت ذنب ما فعلته بنفسها وسكتت. وما زلت ساكتة. فهل أتحمّل كذلك مسؤوليّة موتها؟
يوم اشترت وردة الشقّة في الضاحية الشماليّة لم أتخيّل أنّها ستقبل أن أقيم معها حين أنزل إلى بيروت. اعتدت أن أقيم عند نجيب قرب المرفأ. ولكنّ رطوبة البحر أتلفت مفاصلي. وحين تشاور الأولاد وجدوا أنّ الحلّ الأفضل هو أن أقيم عند وردة في الشتاء وأصعد إلى بيت السهل مع بداية الربيع. ناسبني الأمر ولكنّي توقّعت من وردة أن تعارض. غير أنّها قبلت وفرضت عليّ إيقاع حياتها وعلاقتها برجل متزوّج وحكي الناس كأنّها تنتقم منّي بهذه الطريقة. ولم يمض بعض الوقت حتّى هربت جولييت المسكينة مع طفلتها فاستقبلتهما وردة. ولولا جولييت والبنت لما احتملت وردة وجودي ولا أنا طقت الحياة معها. كانت نظراتها تسكتني كلّما تكلّمت وكان في صمتها اتّهامات أكيدة. لكنّ الطفلة احتاجت إلى من يعتني بها في غياب أمّها في المستشفى وروز في المطعم. لولا ياسمينة لكنت عدت إلى المنزل، ولما نقلت الديمول إلى قنينة المياه، ولما ماتت وردة. كلّ الحقّ على جولييت وبنتها. الله يلعن هالمجنون زوجها".



السبت، 6 يناير 2018

لوحة ونص

الفصل الرابع من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"



4
لم يكن ناجي يخطّط للوقوع في الغرام، فالرجل يحترم زوجته ويحبّ أولاده، ومع أنّه عرف نساء كثيرات إلاّ أنّه لم يقع في الحبّ كما قرأ عنه في الروايات، وبعدما تزوّج بقي حريصًا على ألاّ يخرب بيته بعلاقة لن تحمل له أو لمن حوله إلاّ الأذى. كان مقتنعًا بأنّه يحبّ زوجته بالطريقة التي يعرفها ولن يحبّ سواها وإن كان هذا الحبّ هو أقرب ما يكون إلى نوع من الشراكة كتلك التي في سائر المؤسّسات: احترام وتوزيع صلاحيّات وعدم التدخّل في شؤون الآخر. لكنّه حين التقى روز في السفارة الأميركيّة اكتشف نوعًا آخر من النساء لا يشبه زوجته أو أمّه أو شقيقاته أو النساء اللواتي كان يصطحبهنّ إلى السرير ليلبّين له رغبات جامحة يخجل من طلبها من زوجته التي ستبقى في نظره أمّ الأولاد في الدرجة الأولى. وردة كانت كائنًا آخر لا علاقة له بالأرض، وبقي طوال علاقته بها يسأل نفسه من أين لهذه المرأة الصغيرة النحيلة تلك القدرة العجيبة على الحبّ بالشكل الذي تعرفه وتمارسه. ولم يستطع أن يجد الجواب مع أنّه كان أكثر الناس قربًا منها ومعرفة بأدقّ أسرارها وخفايا روحها المضطربة القلقة. في لقائهما الأوّل في ذلك المقهى البحريّ عرف ناجي أنّه وقع في غرام روز. ومع أنّه حاول لاحقًا وبعزم لا غشّ فيه أن يبتعد عنها وأن يقاوم هذا الحبّ، إلاّ أنّه في قرارة نفسه تمنّى أن يفشل، لأنّه تذوّق شعورًا لم يجرؤ يومًا على الحلم به بعدما تزوّج وصار عنده أولاد. وفي وقت كان كثير من أصدقائه يرزح تحت ثقل التعب من المشاكل الزوجيّة والهموم العائليّة كان الرجل يستعيد شبابًا أصيلاً صافيًا سعيدًا موعودًا بأجمل اللحظات، فهل يحرم نفسه من كلّ ذلك؟
لماذا لم يلتقِ بها قبل أعوام قليلة فقط؟ يطرح على نفسه السؤال ثمّ يندم حين يشعر بأنّ سؤالاً من هذا النوع يعني أنّ أطفاله ما كانوا ليوجدوا، هؤلاء الأطفال الذين يتمنّى الآن من صميم قلبه لو كانت روز أمّهم.
هو لم يكذب على روز، أخبرها منذ اللقاء الأوّل بأنّه متزوّج وعنده أولاد، وبعدما تبادلا قبلتهما الأولى بعد ذلك ببضع لقاءات، صارحها بأنّه لن يترك زوجته مهما حصل بينهما. وهي وافقت. ولكنّهم حين أخبروه بأنّها ابتلعت قنينة الديمول التي جلبها لورداتها وأنّها في المستشفى تصرخ من الألم فهم أنّها كذبت عليه منذ سنوات حين جعلته يصدّق أنّها موافقة وأنّها لا تريد أن يترك زوجته وأولاده من أجلها وأنّها ستحبّهم لأنّه يحبّهم. ولكن هل صدّقها فعلاً؟ أم أنّه تمسّك بكلماتها ووعودها، لأنّ ذلك "أخفّ مشاكل وأقلّ وجع راس"؟ الآن وهو يستمع إلى أخيها حبيب وهو يصف له حالتها ويطلب منه ألاّ يحضر إلى المستشفى اكتشف ناجي أنّه كان هو أيضًا يكذب على نفسه وعليها حين شكرها على عاطفتها ونبلها وسمّو عاطفتها، وأنّه كان يعي في عمق أعماقه أنّ هذه المرأة التي أحبّها وأحبّته لأعوام طويلة لم يكن من الممكن أن تقبل إلى ما لا نهاية بأنصاف الحلول، وأنصاف المواقيت، وأنصاف المناسبات، وأنصاف الليالي، وأنصاف العواطف. وإلاّ فلن تكون هي روز التي أغرم بها، روز الكليّة الشغف، الكليّة الرغبة، الكليّة العاطفة، التي تريد كلّ شيء أو تتعالى على كلّ شيء.
لا يزال ناجي يذكر قبلتهما الأولى: كانا في منزلها بعدما دعته لزيارتها كي لا يلتقيا دائمًا في الأماكن العامة. حين فتحت له الباب اندفع نحوها وأخذها بين ذراعيه وأطبق بشفتيه على شفتيها. كان يشعر بأنّ الشفتين اللتين اشتهى تقبيلهما منذ التقيا تنتظران بلهفة. ولم يخب أمله. روز كانت أكثر منه رغبة وشوقًا. غير أنّها ابتعدت فجأة وعيناها لا تفارقانه لحظة وابتسامة لا صفة لها تنير وجهها ثمّ قالت:
"ليس الآن. دعنا نحضّر الأجواء ونضمن أن لا أحد سيصل بغتة إلى البيت. لا أريد ما يلهيني عنك".
استطاع ناجي بصعوبة أن يمنع نفسه عن أخذ روز بين يديه من جديد فقال لها:
"دعيني أرى بيتك إذًا ولنشرب القهوة على الشرفة. عليك أن تحاولي أن تلهيني عن التفكير في ما أرغب فيه إن أردتِ أن أبقى بعيدًا".
قالت له بصوت دافئ وهي تمسك بيده وتدعوه لمرافقتها إلى المطبخ لإعداد القهوة:
"وأنا؟ من سيلهيني عنك بعد الآن؟"
ومع ذلك، شعر بأنّها خائفة ومضطربة كأنّها لم تعرف رجلاً قبله. ولولا أنّها روت له حكايتها لظنّ أنّ هذه المرأة الحبيبة لا تملك أيّة خبرة في هذا المجال بل تخاف فعلاً من أمّها وأخوتها. راقبها وهي تعدّ القهوة فوجدها حائرة ترتجف الملعقة في يدها، ولا تعرف ماذا عليها أن تفعل بها، فأخذها منها، وأعدّ لكليهما القهوة وهو سعيد بما يجري ففكرة أن تكون روز خائفة ممّا هي مقدمة عليه يعني أنّها تأخذ علاقتهما على محمل الجدّ ما أثار عاطفته وجعله يتمنّى لو يأخذها الآن.
كلّ من عرف ناجي في مرحلة علاقته بروز رأى أمامه رجلاً عاشقًا كأولئك العاشقين الذين كُتبت عنهم القصص والروايات. وكلّ الذين كانوا يعرفونه قبل مرحلته "الورديّة" كما كان يحبّ أن يطلق على عهد عشقه روز كانوا يقولون هذا ليس الرجل الصلب الذي كنّا نعرفه. لقد ليّنت تلك المرأة الصغيرة طباعه ورقّقت مشاعره وعلّمته كيف يكون حنونًا ومجنونًا في الوقت نفسه، فصار أقرب إلى الشخص الذي كان يعرف أنّه يختبئ فيه تحت ألف قناع من تلك الأقنعة التي تضعها الحياة على وجوه الرجال ليصيروا كما أريد لهم أن يكونوا لا كما يرغبون في أن يكونوا. وناجي كان واحدًا من لابسي الأقنعة الذين أقنعوا أنفسهم بأنّهم اختاروا ذلك عن رضى واقتناع ولم يفرضه عليهم أحد.
لو قدّر لزوجة ناجي أن ترى زوجها مع روز لأنكرته. صحيح أنّها كانت تعرف بعلاقته بها كما كان المجتمعان البيروتيّ والبقاعيّ يعرفان، غير أنّ خيالها كان أعجز من أن يتصوّر الرجل الذي تخشى سطوته وتحترم هيبته ولا تناقشه لأنّها تثق به ثقة عمياء يتحوّل مراهقًا عابثًا يعيش بين أحضان وردة أجمل لحظات العشق وأكثرها شاعريّة ومجونًا في وقت واحد. ناجي نفسه لم يكن ليصدّق ذلك لو كان ثمّة وسيلة تسمح للرجل برؤية شخصيّته الثانية التي ما كانت تكتفي بخلع الملابس بل كانت ترمي الأقنعة واحدًا تلو الآخر كي يظهر الرجل الذي عشقته وردة وعشق روز من دون أن يخشى لومة لائم أو عتب عاتب. وحين كانت تسأله: أتحبّ وردة أم روز؟ كان يطمئنها ويقول لها:
"أحبّ روز لأنّها تحمل لي وردة في قلبها".
حين كان حبيب يصف آلام وردة أمام الرجل الذي يحبّها بدا كأنّه يحاول أن يختار الكلمات الأقلّ إيلامًا، غير أنّه لسبب لا يعرفه كانت الكلمات تأتي جارحة حارقة تمزّق قلب ناجي وتجعله يرغب في وضع يديه القويتين على عنق حبيب لعلّه يختنق ويخرس. كان صوت فيه يقول له إنّ حبيب يريد لهذا الرجل الذي نام مع أخته وداعب جسمها وعصر شفتيها أن يتعذّب ويتألّم، كأنّ الأخ الحبيب ينتقم الآن لشرف العائلة بعدما عجز عن فعل ذلك بنفسه حين صار أسير علاقاتها الاجتماعيّة التي سمحت له بممارسة التهريب وهو مطمئنّ إلى أن روز ستساعده كما ساعدته وردة في بداية حياتها.
وحين كان ناجي يستعيد تفاصيل هذه الجلسة مع شقيق المرأة التي كانت تحترق من الداخل في سريرها في المستشفى، كان يبكي من دون أن تخرج من عينيه دمعة، كان يحترق وهو يشعر بوردة تستنجد به وتطلب منه أن يكون قربها. ولكنّ جولييت تتحسّر لأنّ روز ماتت وحيدة في غرفة العناية الفائقة، مع أنّ شقيقاتها كنّ يزرنها طوال الوقت وأمّها كانت تدخل في مواعيد الزيارات وهي متماسكة تقاوم كلّ مرّة مشاعرها الراغبة في الصراخ والعويل، غير أنّ وردة كانت تبحث عن أبيها وتسأله أن يأخذها معه، وترجو ناجي أن يتركها ترحل مع والدها. فكانت الممرضة تتدخّل وتضخّ المخدّر في أنبوب المصل فتسكت روز ولا يعلم أحد أين ذهبت وردة.
عرف ناجي كلّ ذلك من شقيقة وردة الصغرى، جولييت، تلك التي هربت من بيت زوجها وهي تحمل طفلتها ولجأت إلى أختها الكبرى، وحين ماتت وردة، ورثت الشقّة الأنيقة بعدما تنازل لها أخواها وأخواتها عنها شرط أن تعتني بنجلا وتخدمها في آخرتها. يومذاك لم تبك وهي تحكي لناجي كيف رحلت وردة، غير أنّ ناجي بكى ولم يبكِ، صار مثل الستّ روز لا يسمح لأحد برؤيته دامع العينين. وحين سألته جولييت عن السبب الذي جعل روز تشرب الديمول، غرق ناجي في الصمت ونظر عبر واجهة المطعم الزجاجيّة، وابتسم وهو يستعيد ذكرى لقائه بوردة في ذلك المقهى البحريّ وتمنّى لو كان يستطيع أن يفعل شيئًا ليحضنها مرّة واحدة بعد. ولن تعرف جولييت الجواب منه لأنّها لن تراه بعد ذلك، وستأخذ ظروف الحياة والحرب كلاًّ منهما في اتجاه. وبعد سنوات من ذلك اللقاء، كانت في دوام خدمتها في المستشفى الذي انتقلت إليه لأنّه أقرب إلى بيتها حين استدعيت إلى غرفة الطوارئ للمساعدة في معالجة جرحى وقعوا ضحايا إحدى جولات القصف. وبعدما هدأ الوضع ووزّع المصابون على الغرف، جلست خلف المكتب لتملأ المستندات الإداريّة المطلوبة، ثمّ تجري أحاديثها المعتادة والعزيزة على قلبها مع المرضى وأهاليهم. ففهمت من شقيقة أحد المصابين بعد سلسلة أسئلة وأجوبة أنّ بيتهما قرب المطعم الذي تشارك فيه ناجي وروز، فسألتها عن وضع المطعم وصاحبه. فقالت الفتاة:
"صاحبه مات بعد أشهر من وفاة شريكته، والزوجة باعت المطعم وسافرت مع أولادها عند أخوتها في كندا".
لم تكن جولييت تعلم بأنّ ناجي مات. كيف لم تعلم بذلك؟ سألت زاد نفسها. ولكنّ الأمر حصل في العام 1979 والدنيا حرب، والناس يموتون. ولكن أن يموت رجل من الحبّ لا من الحرب فهذا ما لا يتلاءم مع حكايات الحرب اللبنانيّة ولا ينسجم مع قسوتها وإجرامها والكراهيّة التي انفجرت فجأة ولم تكن إلاّ قلّة من الذين يحسنون قراءة مجريات الأمور تعرف أنّها موجودة على هذا القدر من العنف في قلوب الناس. مات ناجي بعد أشهر فقط من موت وردة؟ هل يحصل ذلك فعلاً خارج الكتب والأفلام؟ وكيف مات؟ ومن كان معه؟ هل مرض؟ هل مات فجأة؟ أسئلة أخرى لم تستطع جولييت أيضًا أن تجيب عنها. فهي لم تعر الأمر الأهميّة التي أبدتها زاد وهي تخبرها ببساطة أنّ وردة تناولت الديمول في شباط من تلك السنة، وكان ذلك على عيد العشّاق وماتت بعد عشرين يومًا وناجي مات في كانون الأوّل من العام نفسه. هي مع بداية العام وهو مع نهايته. أيمكن ألا يعني ذلك شيئًا لجولييت فلا تحاول معرفة المزيد من التفاصيل؟
قالت لزاد:
"يوم علمت لم يخطر لي أن أسأل. حزنت عليه، ولكن كان عندي من الهموم والمشاكل ما يجعلني مشغولة بنفسي. البنت في المدرسة الداخليّة، وأنا أمضي أكثر الوقت في المستشفى، وعندما يهدأ القصف وتصبح الطرقات سالكة وآمنة، أذهب إلى البيت لأنظّفه من دخان الحرائق وغبار الحرب التي لم تكن بعيدة عنه. وفي أيام العطل أزور ياسمينة في مدرستها في جرود البترون. فلم يكن في بالي أن أعرف كيف مات ناجي. وفي كلّ مرّة تسألينني أنتبه وأقول ربّما كان يجب أن أسأل".
غريبة جولييت. تريد من زاد أن تكتب حكايتها وهي لا تعرف شيئًا أكيدًا، ولم تهتمّ بالتفاصيل كي تسأل عنها. ألا تعرف أنّ التفاصيل هي ما يجعل الحكاية البسيطة رواية تستحقّ النشر؟ لا عن الكولونيل تملك معلومات ولا موت ناجي حرّك مخيّلتها لتنتبه إلى أيّة قصّة حبّ كانت شاهدة. ومع ذلك تريد من صديقتها أن تكتب حكاية تتغيّر التفاصيل فيها بحسب مزاجها. وفضلاً عن هذا كلّه هي مقتنعة بأنّها تملك ذاكرة رهيبة كذاكرة الفيل.
ولكن هذا كلّه لا يمنع من أنّ وردة كانت تستحقّ أن تعيش وتموت بشكل مختلف. وهذا ما كان يثير حنق زاد على صديقتها الممرّضة إذ تعجز عن التأكّد منها من المعلومات التي تتعلّق بمراحل دقيقة من سيرة العائلة، فتقرّر أنّه من العبث الإصرار على كتابة رواية ينقصها الكثير من المعطيات السرديّة والموادّ المناسبة للوصف ما دامت الحكاية لا تثبت في مكان أو على حال. ولم تزدها لقاءاتها جولييت إلاّ حيرة وتشتّتًا، خصوصًا أنّ هذه اللقاءات صارت متباعدة ومختلفة عما كانت عليه زمن الحرب. فضلاً عن أنّ المرأة صارت مشغولة البال بحاضرها ومستقبل ابنتها الوحيدة وأحفادها ما يجعلها تقرأ الماضي من خلال ما تخشى منه اليوم على نفسها وعائلتها الصغيرة. وهذا ما لم تفعله حين كانت تنطلق في السرد وهي تزور أوجيني هاربة من طعام المستشفى الذي لا طعم له.
ولكنّ وردة لا تترك زاد ترتاح من همّها، وتطالبها بكتابة قصّة حبّها.
"ما بالي مشوشّة؟"
تسأل زاد نفسها.
"من يطلب منّي أن أكتب؟ جولييت أم وردة؟ أم كلتاهما تريد منّي ذلك، جولييت تريد أن أحكي عن بؤس مصيرها ووردة تريد أن أكتب عن ناجي الذي لم يتأخّر وانضمّ إليها عاشقًا مشتاقًا بعدما حرمته منها عشرين يومًا بلياليها ونهاراتها. وحين أخبروه أنّها ماتت قال لهم:
"عرفت بذلك حين شعرت بسكينة غريبة تحيط بي كأنّ وردة قريبة منّي كما كانت خلال عشرين عامًا".
ولم يقل إنّه ذاهب إليها بعد بعض الوقت. فناجي لا يحكي عمّا يفكّر فيه أو يرغب في فعله. بل يفاجئ الجميع بتصرّف لا يمكن أن يصدر إلاّ عنه.
هكذا كان معها في ليلتهما الأولى.
قال لها وهو يمسك وجهها الصغير بيديه الكبيرتين:
"انسي كلّ شيء آخر ما عدانا!"
لم تجب، بل بكت. شرب دموعها التي تخبّئها على الجميع، فارتمت على صدره وهي تنشج نشيجًا جعل قلبه يرغب في أن يمتلك ذراعين يأخذانها ويبعدانها عن كلّ ما حولها.
همس في أذنها:
"هذا هو المكان الوحيد الذي أسمح لك بالبكاء فيه. فوق صدري أفرغي حزنك وألمك وانتظارك، وابقي أمام الآخرين كما كنت دائمًا، المرأة التي لا يضعفها شيء. أريد أن يجعلك حبّنا أكثر قدرة على مواجهة العالم والناس، لا أن يضعفك، لأنّك لن تبقي وحدك بعد الآن."
عطر شعرها ملأ أحاسيسه رغبة في أخذها بكلّ الطرق التي تداعب مخيّلة رجل وجد المرأة التي يكتمل بها. ولكنّه تركها لتهدأ، لتفرغ ما أمضت عمرها وهي تخبّئه حتّى عن نفسها فلا تراه في المرآة. داعبها، قبّلها، شاكسها، أضحكها، وحين لاح طيف ابتسامة خلف ضباب الدمع، وصفت العينان بعدما اغتسلتا من غبار الماضي، وظهرت المرأة التي كان يعرف منذ اللقاء الأوّل أنّها مختبئة فيها، أخذها إليه.
أخذها كما يمتصّ التراب ماء السحاب.
وأخذته كما يأخذ البحر لون السماء.
قبلها كان بلا حياة، قبله كانت بلا لون.
عادت معه الصبيّة التي صيّروها امرأة قبل موعد أنوثتها.

(ناديا)
"قال لها كلامًا لم أتوقّع أن أسمعه خارج الأفلام المصريّة التي أحفظ حواراتها. خجلت من كلامه وقلت في نفسي: كيف تستطيع امرأة أن تسمع هذا الكلام وهو يصدر من رجل ليس زوجها؟ كلام وقح فيه شتّى أنواع الرغبات، وفيه أمنيات وأحلام ما كنت أعرف عنها شيئًا. عرفت حين سمعته أنّني خسرت زوجي. ليست الجرأة هي التي فاجأتني في لغته الجديدة عليّ، بل لهجته التي كانت تفيض عشقًا وحنانًا وفرحًا ومراضاة. كان يشبه ابني سامي حين يحمل إليه أبوه لعبة جديدة تتحدّى ذكاءه وتثيره بغرابتها وتعقيد صنعها. غير أنّ سامي كان يضجر من لعبته ما أن يتوصّل إلى معرفة أسرارها وخفاياها. ولكن ما سمعته من ناجي لا يوحي أنّه سيضجر ويرغب في لعبة أخرى، فأن يستعجل زوجي الاتصال من هاتف البيت ليتحدّث مع امرأة بهذه الطريقة ولا ينتظر كي يصل إلى مكتبه، يعني أنّه وجد تلك التي ملأت قلبه، قلبه الذي لم أستطع لا قبل الزواج ولا بعده أن أقيم فيه حبيبة، بل بقيت أمًّا حنونًا لأولاده وزوجة تجيد تدبير أمور منزله. ولكن لماذا أعتب عليه وألومه الآن وأنا كنت أعرف منذ لقائنا الأوّل حين زارنا مع والديه وعمّه الخوري أنّ العريس لا يحبّني وأنّه عائد من السفر ليتزوّج ويؤسّس عائلة، فقد كبر في العمر في رأي عمّه، وصرف أمواله في السفر في رأي والدته، وصار من الضروريّ أن يرتبط بابنة عائلة تحسن تدبير أموره وهو يتنقّل بين لبنان والسعوديّة. ومع ذلك، كان عليّ أن أحارب لأنقذ زواجي من فضيحة ستحطّم حياة الأولاد. فكم من مرّة سمعنا عن علاقات من هذا النوع كانت فيها المرأة شريرة تبتزّ الرجل وتهدّد أولاده؟ ماذا لو كانت تسخر منه وتسرق أمواله التي هي من حقّ أولاده؟ لذلك كان عليّ أن أعرف من هي.
لم يكن الأمر صعبًا. فناجي لم يكن من النوع الحذر. ربّما لأنّه لم يكن يتوقّع أنّني عرفت بأمر حبيبته أو لأنّه لم يفكّر لحظة في أنّني قد أقدم على خطوة من نوع مفاجأتها والطلب منها أن تبتعد عن زوجي. كنت منذ وقت أشعر بأنّ ناجي تغيّر. لا لأنّه صار باردًا معي. هو كان هكذا دائمًا والأمر ليس جديدًا، وليس هذا ما تغيّر فيه، ولكنّه أصبح شاردًا وسعيدًا وكثير التغيّب عن المنزل، وغالبًا بعد أن ينام الأولاد. كلّ الناس لاحظوا أنّه صار إنسانًا أكثر حياة. حتّى الأولاد على صغرهم أحبّوا التغيير الذي طرأ على شخصيّة والدهم الذي صار يلعب معهم أكثر. ربّما كان يشعر بالذنب. ناجي لا يحسن التمثيل والخداع لذلك لم يستطع أن يخفي ما طرأ على حياته ما أن شعر بما يشعر به وظهر في كلّ ما يقوله ويفعله.
تبعته مرّة حين خرج من المنزل مساء، فقادني مباشرة إلى بيتها. في صباح اليوم التالي، قصدت المبنى غير أنّني جبنت في آخر لحظة ولم أستطع مواجهتها، فكتبت على ورقة وجدتها في حقيبة يدي سطرًا واحدًا:
(من أنت؟ وكيف تسمحين لزوجي بأن يتكلّم معك بهذه الطريقة؟).
هل كنت أعلم بأنّها ستطلعه على الورقة وسيعرف خطّي؟ أكيد. فأنا أريده أن يعرف أنّني أعرف ولكن ليس منّي مباشرة.
طوال النهار كنت أتوقّع أن يفتح الباب في أيّة لحظة ويدخل غاضبًا غير أنّني هذه المرّة لن أخاف منه وسأواجهه لأنّني على حقّ وهو المخطئ. سأصرخ في وجهه وأقول:
(أين قصّرت معك في واجباتي كي تخونني؟ كنت زوجتك المطيعة وأنجبت لك ثلاثة أولاد، وأدرت شؤون بيتك الذي تريده نظيفًا وأنيقًا ومرتّبًا. وكنت تريد منّي فوق ذلك، وبعد الانتهاء من عملي أن أقرأ الكتب التي تتركها لي قرب السرير، أو مقالات الصحف التي تتركها عمدًا في الحمّام والمطبخ وتسألني عند عودتك إن كنت قرأتها وما رأيي فيها. هل تعرف ماذا يعني أن تهتمّ بثلاثة أطفال وأن تذهب إلى العمل في صندوق الضمان حيث لا يتوقّف الناس عن الثرثرة وتقديم الطلبات والشكوى والتدافع؟ تريدني أن أعود مبتسمة هادئة؟ من أين آتي بابتسامة واحدة وكلّ ابتساماتي أهدرتها لحاملي معاملات لا يعجبهم العجب؟ هل يزعجك ألاّ أحبّ الموسيقى التي تحبّها؟ ولكنّ الضجيج يملأ رأسي فكيف أجد مكانًا للموسيقى؟)
لن أسكت وسأواجهه كي يعتذر منّي. 
ولم تتأخّر المواجهة. ففي اليوم نفسه عاد إلى البيت ولحق بي إلى المطبخ حيث يعرف أنّني سأكون موجودة لأحضّر العشاء للأولاد وله في حال قرّر أن يتناول الطعام معنا. جلس إلى طاولة المطبخ وقال لي:
(أريدك أن تتركي ما في يدك وتجلسي قبالتي).
غسلت يديّ وجفّفتهما وجلست حيث طلب منّي أن أجلس. وبدأ يتكلّم. تكلّم كثيرًا ولوقت طويل حتّى أنّني تمنّيت لو كانت لي الجرأة لأصرخ به كي يصمت. ولكنّي ما اعتدت أن أرفع صوتي في وجهه، ولن أفعل الآن. نسيت كلّ ما أردت قوله وصمتت. خلاصة ما قاله أنّه يحبّ تلك السيّدة (هكذا سمّاها)، يحبّها من كلّ قلبه، وأنّه لم يفكّر حتّى الآن ماذا سيفعل، وأنّه يحذّرني من معاودة الاتّصال بها أيًّا تكن الأسباب والظروف، وإلاّ فسأخرب بيتي بيدي. هكذا، بكلّ بساطة صرت أنا المسؤولة عن خراب بيتنا وهو لا ذنب له في ما حصل وأنّه لم يختر أن يقع في الحبّ وأنّه يحترمني ولن يؤذيني أو يؤذي أولاده.
أمضيت عشرين عامًا بعد ذلك وأنا أعيش مع رجل يحترمني ولا يريد أن يؤذيني أو يؤذي الأولاد. كنت أعرف أنّه سيترك البيت نهائيّا متى كبروا. سامي كان في الخامسة حين اكتشفتُ علاقة والده بتلك المرأة وندى ونادين كانتا في الرابعة. كنت أراهن على أنّه لن يتركهم ما داموا صغارًا، وكنت أقول لنفسي:
(حتى يكبروا يكون قد ضجر، لن تدوم هذه العلاقة طويلاً).
من أين لي أن أعلم أنّه سيحبّها كلّ هذا الوقت وأنّه سيموت بعدها بقليل؟"  

الجمعة، 5 يناير 2018

لوحة ونصّ



الفصل الثالث من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"

 
كتبي عند الأصدقاء في البقاع

حين لاحظت نجلا النظرات المتبادلة بين الكولونيل الفرنسي ووردة أيقنت أنّها وجدت الطريق المناسب لإخراج حبيب من السجن بل فكّرت في أنّ حبيب سيواصل عمله في التهريب تحت أنظار الفرنسيّين والدرك ولن يجرؤ أحد على توقيفه أو تفتيشه. فحبيب ابنها البكر، وعليه تراهن كي تخرج من بؤرة الفقر قرب النهر الملوّث لتقيم على أعلى تلّة في سهل البقاع. وعلى وردة أن تفهم ذلك وتساعد على تحقيقه. أليس حبيب التلميذ المفضّل عند سامي الخوري أشهر المهرّبين في لبنان وأكثرهم حذقًا وبراعة مع أنّه أصغرهم سنًّاً؟ وماذا يضير وردة إن سايرت الكولونيل كي توقعه في شباكها وتجعله يغضّ الطرف عن أعمال أخيها الذي هو رجل العائلة وإن كان لا يزال في أوّل صباه ولكنْ أمامه مستقبل ومال وجاه؟
نظرات الكولونيل إلى وردة جعلتها تفتخر بنفسها، وأضيف إلى هذا الفخر كبرياء ساذج سببه أنّها تلميذة الراهبات وتجيد تكلّم الفرنسيّة وعليها بطبيعة الحال أن تكون المترجمة بين الكولونيل الأشقر ذي الوجنتين الحمراوين وأفراد عائلتها الغارقين في سمرة داكنة لوّنتهم بها شمس السهل الحارقة وثبّتها هواؤه الجافّ. ولكن حين أومأت نجلا لزوجها وأولادها كي يخرجوا من الغرفة التي تكاد تكوّن البيت كلّه ليخلو الجوّ لوردة والكولونيل، وبقيت هي تتظاهر بالانشغال بتحضير القهوة في زاوية يضيئها مصباح خفيف، وحين فهم الكولونيل ماذا يعني اسم وردة في لغته الفرنسيّة وسأل الفتاة إن كانت تسمح له بأن يناديها باسمها الفرنسيّ، وحين وافقت وردة مبتهجة كأنّها صارت للتوّ سيّدة فرنسيّة أنيقة، وحين تحوّلت وردة ابنة البقاع "روز" حبيبة الكولونيل، حين حصل كلّ ذلك في بضع لحظات، واللحظات دائمًا قصيرة ومصيريّة، كان مستقبل عائلة كبيرة مكوّنة من والدين وصبيين وستّ بنات يشقّ طريقه من سهل البقاع إلى رحاب الدنيا عبر طرق ودروب لم تخطر لعاقل. ولكن من قال إنّ العقلاء يعرفون كلّ شيء؟ ومن كان يمكنه أن يعلم أنّ زيارة تحقيق روتينيّة يقوم بها ضابط فرنسيّ لعائلة الشابّ اللبنانيّ الموقوف ستوقظ رغبات كانت نائمة؟ ومن قال إنّ هزّة رأس خفيفة من وردة التي صارت روز لن تهزّ عالم أسرتها بأسره وبمباركة من الأمّ التي كانت توكل إليها أن تهزّ السرير لأخوتها واحدًا تلو الآخر، كونها بكر العائلة والمسؤولة عن كلّ فرد منها في غياب الوالدين في السهول والكروم، وفي حضورهما كذلك؟ 
وعندما كانت نجلا وهي تقاوم الموت تلعن فرنسا وكلّ شي طلع منها، كانت بناتها، ما عدا روز، يسترجعن ذلك النهار البارد من عام 1940 حين أجبرتهنّ والدتهنّ على الوقوف خارج الدار، تلسع أبدانهنّ الصغيرة رطوبة النهر الصاخب، وفي قلوبهنّ حقد على وردة التي تجلس كالأميرة في دفء الغرفة. جولييت لم تكن ولدت بعد، وكاميليا كانت في حوالى الخامسة من عمرها ولا تذكر شيئًا، لكنّهما كانتا تحفظان أحداث هذا اليوم لكثرة ما استعادت ملفينا وسعاد ولبنى تفاصيله أمامهما. أمّا روز التي كانت بردت ذكراها منذ سنة فحضرت الآن بقوّة في الغرفة حيث كان الجميع يتذكّرها من دون أن يأتي أحد على ذكرها.
بعد اللقاء الأوّل بين وردة الصغيرة والكولونيل الكبير خرج حبيب من السجن، وخرجت روز من البيت. هربت مع الكولونيل وزغردت أمّها أمام الدار ليسمع الجيران أنّها صارت حماة الفرنسيّ الذي صار يسهر كلّ ليلة في منزلها، رغم أنف الوطنيّين والحاسدين. أمّا في بيروت، حيث أمضت روز ليلتها الأولى بين ذراعي حبيبها وهي سعيدة لأنّها تخلّصت من حياتها البائسة، فكان ثمّة شعور بالحريّة يداعب مخيّلة كثيرين، ويعدهم بعالم جميل لا فقر فيه ولا جوع ولا انتداب، في حين خاف كثيرون من مستقبل قد لا يشبه حاضرًا يأنسون إليه ويلائم ما كانوا به يحلمون.
***
كيف حلّت هذه اللذة مكان الخوف في جسد روز؟ وكيف استطاعت من الدرس الأوّل أن تكتشف ماذا تحبّ أن تفعل وكيف تحبّ أن تشعر؟ حين صارت في الغرفة مع الكولونيل الذي وعدها بالزواج ما أن تصل الموافقة من القيادة ارتخت أعصابها المشدودة وشعرت بالأمان، كأنّ العالم كلّه يبارك هذا اللقاء ولم يعد ما ستفعله عيبًا أو حرامًا. أغمضت عينيها وهو يقبّلها في عنقها خلف أذنها واستسلمت وإن كان قلبها يخفق بسرعة. كان الكولونيل هادئًا ومتمهّلاً في ما يفعله، ومع ذلك كانت خائفة. خائفة لأنّها تجهل ماذا سيحدث، وماذا يجب أن تفعل. حاولت أن تتذكّر ما علّمتها إيّاه أمّها عن الليلة الأولى فشعرت بالخجل وأبعدت الصورة ومحت الكلمات. فلا شيء ممّا قيل لها يشبه ما يجري. فقط تلك المياه التي تسيل منها ذكّرتها بما كان يحدث معها حين كانت تقرأ روايات تحرّك جسدها وتذيبه بين طيّات الكتاب. وكانت عندذاك تتلفّت حولها لترى إن كان أحد شعر بما يجري معها ومنها.
الآن يحدث الأمر نفسه، فكّرت وردة. ولكنّه أجمل وأقوى ولن تخشى أن يعرف أحد لأنّها لم تعد تهتمّ إلاّ بما يحدث معها، لقد بدأ جسدها يستسلم لإرادته الخاصة ولم يعد يمتثل لأمرها حين أرادت أن تصرخ به: تمهّل، ماذا تفعل بي؟
تحرّر جسدها منها، نال استقلاله عنها وقرّر أن يحلّق في السماء التي فتحت له ذراعيها. وذراعا الكولونيل كانتا تلتصقان بجسمها الصغير كجناحين قويّين، تحملانها إلى السرير، وصوته يهمس لها بكلمات اعتادت أن تقرأها بصوتها لا أن تسمعها بصوت رجل. كان الأمر كلّه جديدًا وجميلاً ودافئًا ورطبًا. مخيف، لكنّه جديد وجميل ودافئ ورطب. فاحت رائحة الجسمين المنصهرين، فداخت وردة. خلع عنها الكولونيل ملابسها البسيطة، قبّل ظهرها وفخذيها وقدميها الصغيرتين، مدّ يده بهدوء إلى ثدييها الطفلين، عصر شفتيها، وهي لا تمانع ولا تشارك. تترك جسدها يتصرّف كما يحلو له، لم تمنعه ولم تشجّعه. تركته يسيل بين اليدين القويتين والشفتين الرطبتين واغتسلت بالكلمات التي صارت كلمة واحدة هي اسمها يردّده الرجل لعلّه يستحضر كلّ لذّتها وشغفها وأحلامها ورغباتها في هذه اللحظة. وكأنّ الاسم السحريّ الذي نقلها من السهل إلى بيروت وصار اسمها نقلها هذه المرّة من الانصياع إلى الطلب، من التنفيذ إلى المشاركة، من الاستسلام إلى الرغبة، وحين كان الكولونيل يردّد اسمها مرّة بعد مرّة ويخبرها وهو متقطّع الأنفاس بما يشعر به، كانت الوردة تفتح وريقاتها اليانعة للحياة ثمّ تلتفّ بجذعها الطريّ على الرجل الذي يرسمها امرأة جديدة باسم جديد وتطلب منه أن يؤلمها أكثر، أن يشعلها أكثر، أن يمتصّ كلّ ما فيها من رحيق كي تصير له وحده، كي تصير امرأته الجديدة. وحين أخذها الكولونيل صرخت روز من الألم، ثمّ ابتسمت وعيناها الجميلتان المفتوحتان تستعيدان المشهد. ابنة الخامسة عشرة صارت امرأة مقتنعة بأنّ الحياة وإن لم تسمح لها بأن تكون طفلة ومراهقة صالحتها أخيرًا.
مضت أسابيع على وجود روز مع الكولونيل الذي راح يؤجّل موعد الزفاف مرّة بعد أخرى، ونجلا التي لحقت بابنتها لتطمئنّ إلى سير الأمور ولتعود بالأخبار إلى الجيران الحاسدين وأهل زوجها الشامتين، بدأت تشعر بالعجز أمام رجل لا تفهم لغته ولا تثق بالكلمات المترجمة على لسان ابنتها التي صارت تحبّ أن تمارس الحبّ كما لم تقرأ عنه في أيّة رواية فرنسيّة من تلك التي كانت تحصل عليها خلسة عن أخويها ونكاية بالراهبات، هل كانت تعلم أنّ تلك الروايات تحمل اسمها؟ لكن لم يطل الوقت حتى اكتشفت روز أنّ الرجل متزوّج وأنّه سيعود قريبًا إلى بلاده، وأنّها لن تعود إلى بلدتها إلاّ بعد أعوام على رحيلها عنها، ولن يكون لحكايتها نهاية سعيدة كتلك التي داعبت مخيّلتها وهي تقرأ روايات زهريّة من لون اسمها.
عادت نجلا إلى بيتها وحيدة، لكنّها كانت تحمل الكثير من الأخبار عن العرس الخياليّ الذي أقامه الكولونيل لابنتها، وحين راحت تعتذر من الجميع لأنّها لم تدعهم إلى العرس كانت حجّتها الوحيدة أنّ العريس اضطرّ إلى اتخاذ تدابير أمنيّة مشدّدة حرصًا على سلامة الضبّاط الكبار ورجال الدولة الذين كانوا مدعوّين إلى الإكليل. ولم تنس أن تؤكّد لجيرانها وأهل زوجها أنّ العروسين سيقيمان حفلة استقبال كبيرة خاصًّة بأهل العروس حين يعودان من شهر العسل في فرنسا حيث سافرا لينالا بركة والدَي العريس. طبعًا لم يصدّق أحد كلمة من ذلك، فلم يعودوا إلى هذه السيرة كأنّ وردة لم توجد، على الأقلّ أمام نجلا وزوجها وأولادهما. أمّا بعيدًا عنهم، فكانت حكاية وردة تتحوّل حكايات يتسلّى بها الكبار ويشمتون، وتداعب أحلام الصبايا اللواتي يتمنّين لو كانت لهنّ جرأة تلك الفتاة ليخضن مغامرة من هذا النوع مهما كانت نتيجتها. وفي سرّهنّ حسدن وردة على أمّها التي سمحت لها بالهرب.
في الوقت الذي كان فيه الكولونيل على متن سفينة تعيده إلى زوجته وأطفاله، كانت روز تقف جامدة على المرفأ الذي اكتشفت بعد وقت طويل وخلال إحدى رحلاتها السياحيّة أنّ هندسته تشبه مرفأ في غرب فرنسا أعادها حين وقفت أمامه إلى الماضي ما عكّر عليها صفو تلك الرحلة.
عيناها عاجزتان عن البكاء. هكذا بقيت طوال حياتها. ومعدودون أولئك الذين رأوها بعد ذلك دامعة أو متأثّرة، حتّى صارت مضرب المثل حين يريد أحد أن يصف حالة القسوة التي يصاب بها إنسان ما: "متل الستّ روز ما في شي بيهزّها". حتّى في مأتم والدها رفضت روز البكاء أمام الناس وقالت لنفسها: "سيقولون إنّك تبكين على حالك وتندبين حظّك. لا تتركي لهم هذه الفرصة".
لكنّ اليد التي هزّت روز يومذاك على المرفأ لم تكن غريبة تمامًا، كانت يدَ ضابط فرنسيّ آخر امتدّت نحوها وجذبتها إلى حيث أخذ الرجل جسمها في مقابل المأوى والطعام والحماية قبل أن يسلمها إلى يد أخرى. ومن يد إلى يد، كانت روز التي تركت بيتها ولها من العمر خمسة عشر عامًا تكتسب خبرةً في التعامل مع جسدها، وذكاءً في علاقاتها مع الرجال الذين أخذت تنظر إليهم على أنّهم رجل واحد مهما اختلفت أعمارهم ومهنهم، وبراعةً في فنون الحبّ والطعام والشراب والأزياء والموسيقى، حتّى صار حضورها لافتًا في أوساط الضبّاط الفرنسيين واللبنانيّين، وصار سهلاً عليها أن تجد عملاً يعطيها الاستقلال الذي وضعته هدفًا نصب عينيها. ولن تعود إلى بلدتها قبل أن يتحقّق ذلك. ستعود يومًا. وستكون في سيّارة كبيرة، وعلى رأسها قبعة يزنّرها شريط عريض أصفر يلمع تحت شمس السهل، وتتطاير أطرافه مع الهواء. وسيركض الأطفال لاستقبال السيّارة، وتهرع النساء لمعانقتها وهن يتحسّسن بشرتها الناعمة ويحسدنها على ملابسها الأنيقة، ويقف الرجال على الرصيف، تحت صف القناطر المحاذي للطريق العام، وفي يد كلّ منهم سيكارة، يتطاير دخانها مع الهواء،وأفكارهم شاردة وعيونهم زائغة.
غير أنّ تفاصيل بسيطة وقفت دائمًا حاجزًا يمنع روز من الاسترسال في حلمها، فمخيّلتها بقيت عاجزة عن تغيير بيت أهلها الفقير الضيّق البارد، وبقي والدها عاجزًا عن الوقوف في وجه أمّها، وأمّها عاجزة عن مقاومة ضعفها تجاه حبيب، وحبيب عاجزًا عن البقاء خارج السجن إلاّ لمدة تسمح له بالنوم مع زوجته وتركها حبلى تنتظر يوم خروجه من السجن وخروج طفل آخر من بطنها.
ويبقى الآخرون، كلّ الآخرين، الجوقة التي تغيم ملامح من فيها ولا يبقى من أفرادها إلاّ خيالات لا عمل لها سوى ملء الفراغ.
تقلّبت روز في عدد من الوظائف: سكرتيرة، بائعة في متجر للألبسة النسائيّة، مرافقة لسيّدة ثريّة، مترجمة في شركة تجاريّة، ومع كلّ عمل علاقة جديدة تحاول أن تروي فيها ظمأ جسدها إلى الحبّ وتشبع رغبتها في الانتقام وتحقّق حلمها في أن يكون لها بيت لا يشاركها فيه أحد. واكتشفت أنّها تحبّ الجنس وأنّها تحبّ جسدها وأنّها تحبّ الرجال. ولم تمنع نفسها عن شيء أو عن أحد. وحين كانت والدتها تزورها لتأخذ منها ما تستطيع الحصول عليه من مال، كانت روز تنتبه مرّة بعد مرّة إلى أنّها ورثت عن أمّها شبق جسدها ورغباته التي لا تعرف الشبع، وحين زارتها نجلا وهي حامل في شهرها الرابع، ابتسمت روز بلؤم وقالت لها: المفروض أن أكون أنا العروس والحبلى. هذه المقارنة بأمّها كانت تقلق روحها من جهة، وتثير سخريتها من جهة أخرى. فهي لم تكن تريد أن تشبه أمّها، ولكنّها في الوقت نفسه تشمت بنجلا التي صارت أسيرة أخبار ابنتها عن المغامرات والجنس والمال والمجتمع الجديد الذي تركه الفرنسيّون خلفهم يوم رحلوا. وهكذا راحت صورة الأمّ تبهت في نظر أولادها لتسطع صورة الستّ روز التي كانت ترسل لكلّ واحد منهم حاجته من الملابس والمال ثمّ صارت تدفع مصاريف المدارس عن الفتيات الصغيرات، بنات أخويها وأخواتها اللواتي كانت تحلم لهنّ بحياة لا تشبه حياتها أو حياة أمّها وشقيقاتها، ولم تكن لتحدس أنّ أحدًا من أولاد أخوتها لن يتابع الدراسة ولن يدخل إلى الجامعة.
قبع جميع من في البلدة ينتظر زيارة الستّ روز، بعدما تحدّث العائدون من بيروت عمّا آلت إليه أوضاعها وعن المنزل الجديد الذي تقيم فيه في ضاحية بيروت الشماليّة، المحاطة بأشجار الرمّان والتين والزيتون، والتي كان يلجأ إليها الراغبون في الابتعاد عن صخب المدينة.
 ولم تكن المرأة غافلة عن الحكايات التي راحت تنسج حولها حين يجتمع الناس حول المواقد، أو يسهرون تحت الدوالي، أو يعملون في الكروم. وكانت ترتسم على زاوية فمها ابتسامة ماكرة وهي تكتشف كيف تحوّلت ومن دون أيّ تخطيط منها موضوعًا لأحاديث الرجال ومثيرة لغيرة النساء ومثالاً تحاول فتيات كثيرات تقليده. ولم ترغب ولو للحظة واحدة في تصحيح معلومة أو تصويب خطأ في تاريخ أو اسم. كانت تريد أن تصير الحكاية، والحكايات لا تقرّر مصائرها ومسيرتها. فليحكِ الناس ما يريدون. هذا شعارها الذي بقي خاتمة كلّ حوار تريد روز أن تضع له نقطة نهائيّة. فيفهم محدّثها أنّ عليه ألاّ يعود إلى هذا الحديث مرّة أخرى.
مرّ الكثير من الأحداث والرجال في حياة روز قبل أن تلتقي الرجل الذي جعلها تلتزم به دون سواه. لم يكن أجمل من غيره، ولم يكن أغنى من سواه، وكان متزوّجًا. ولكن متى كانت هذه الأمور تقف عائقًا أمام رغبة الستّ روز (عهدذاك كان الناس ينادونها دوموازيل روز، ومع الوقت صارت الستّ) في الحصول على رجل، فكيف إذا كانت هذه المرّة عرفت الحبّ كما لم تتخيّل أنّها ستعرفه؟ كانت في تلك المرحلة موظّفة لا بأس بمركزها في السفارة الأميركيّة في بيروت كونها تجيد اللغتين الفرنسيّة والعربيّة. وكان هو يأتي من وقت لآخر لتصريف بعض الأعمال. ومن اللقاء الأوّل في أحد المقاهي المشرفة على البحر، عرفت وردة أنّ هذا الرجل سيكون آخر رجل في حياتها. وحين كانت تصارح نفسها بحقيقة مشاعرها كانت تقول:
"وهل كان الآخرون رجالاً؟"
كان ذكيًّا وطريفًا وكريمًا ولا يحبّ الثرثرة والكلام الفارغ. وكان يعرف ماذا يريد. وحين مارسا الحبّ للمرّة الأولى في شقّتها الأنيقة، بكت وردة وتمنّت لو يعود الزمان إلى الوراء.
عرفت أنّه لن يترك زوجته وأولاده من أجلها، وعرفت أنّها لن تطلب منه ذلك. وكانت ستكتفي بما بينهما ما دام يأتي كلّ يوم لرؤيتها، وما دام كلّ الناس يعرفون أنّه في شبه انفصال عن زوجته وأنّه لا ينام معها، وأنّ الأولاد سيكبرون وقريبًا يتحرّرون من والدهم ويحرّرونه منهم. ولم تكن تعلم أنّها ستكتشف معنى الحبّ بعدما كانت حسمت أمرها في الابتعاد عن الرجال والانصراف إلى تجميع ثروة تمنحها الاستقلال التام، وأنّها ستنتصر طيلة عشرين عامًا على الحروب والخوف ثمّ التهديد بالخطف أو الموت في انفجار كونها في سفارة مركزها في الغربيّة وهي مجبرة على التنقّل يوميًّا بين شطرَي العاصمة وإن أمضت مرغمة بضع ليال عند شقيقتها ملفينا، كما ستنتصر على أقاويل الناس واستغلال أخويها وزوجتيهما وأخواتها وأزواجهنّ لها، غير أنّها لن تحتمل أن يغدر بها من تحبّه. ليس مرّة ثانية، ليس بعد كلّ ما مرّت فيه، ليس بعد أن أمضت نصف عمرها مع رجل لم تطلب منه إلاّ أن يحبّها.
روز ذكيّة، تعلّمت من علاقاتها السابقة أنّها تحتاج إلى أكثر من الحبّ كي تبقي ناجي إلى جانبها. كان عليها أن ترتبط به بطريقة ما، فكان مشروع المطعم الأجنبيّ الراقي وسيلة تضمن بها بقاءه معها فيعملان معًا ويبقيان معًا مهما كلّفها الأمر. وبالفعل وضعت روز ما جمعته خلال عملها في هذا الاستثمار ولم تطلب منه إلاّ أن يقدّم وقته وأفكاره. كانت تعلم أنّه قادر على ذلك، وأنّها لن تقبل أن يقدّم مالاً في مقابل حصّتها لأنّه يحتاج إلى كلّ قرش لإسكات زوجته عن علاقتهما، وتأمين مستقبل أولاده وأقساطهم في المدارس الراقية والجامعات الخاصّة. فليأخذوا كلّ مالها وليتركوه لها. وهكذا ارتفعت اللافتة فوق المطعم تحمل اسميهما معًا وتفرض علاقتهما على مجتمع لم يكن بعد مستعدًا لقبول علاقة علنيّة من هذا النوع. ولكنّ المجتمع يعتاد بسرعة على المتغيّرات متى عجز عن مقاومتها أو ليريح نفسه من عناء تصحيحها، فحقّق المشروع نجاحًا لافتًا. فلكلّ من الشريكين علاقاته الاجتماعيّة، حتّى أنّ أخاها حبيب اعتمده المطعم الوحيد لعقد الصفقات ولقاء التجّار الذين لا يريد أن يدعوهم إلى أيّ مكان غريب، وروز وشريكها لن يشيا به.
المطعم صغير وحميم، رغبت روز في أن يكون ذا طابع فرنسيّ نكاية بمطبخ أمّها التي كانت تتباهى بأنواع المأكولات اللبنانيّة التي تحسن تحضيرها، ونكاية بماضيها الذي ظنّ أنّه أحنى رأسها. لن يذهب ما تعلّمته روز على يد الفرنسييّن هدرًا، وستحارب ذكراهم بسلاحهم، بأطباقهم ونبيذهم وموسيقاهم ومفروشات تحمل بصماتهم. عالمها الأميركيّ الذي أحاط بها في السفارة الأميركيّة لم يلائم طبعها النيّق المتطلّب، كانت تقول في نفسها سأستفيد من علاقاتي مع الأميركيين وممّا تعلّمته من الفرنسيّين لآخذ أموال اللبنانيّين. لقد غيّر الفرنسيّون شخصيّتها، وبقدر ما كانت ترفض الحديث عن علاقتها بهم، كانت ملابسها وعطورها تشي بأنّها لم تستطع أن تكره ما علّموها إيّاه. وناجي لم يزعجه ذلك. هو له ماض وحاضر يفرضهما عليها، فهل يضيق صدره بماضيها بعدما وهبته حاضرها ومستقبلها؟
ليلة ابتلعت وردة قنينة الديمول لم تكن تعرف أنّها لن تموت مباشرة، وحين كانت تستيقظ من غيبوبتها وتصرخ من الآلام التي تحرق أحشاءها كانت تشعر بالذكريات تعود كلّها دفعة واحدة فتكتشف كم هي عاجزة عن فعل أيّ شيء. حتّى عن الموت. على الأقلّ في الموعد الذي حدّدته لنفسها.
مرّت أعوام على روز بين وداع الكولونيل واللقاء بناجي. عادت خلالها مرّات كثيرة إلى بيت أهلها قرب النهر، وكانت الزيارة الأولى يوم ولدت شقيقتها التي اختارت لها هي اسمها الأجنبيّ جولييت. ولكنّها لم تعد كما كانت تحلم وتتخيّل، فلا سيّارة كبيرة ولا قبّعة، ولا مشاهد لافتة في استقبال حاشد. ثم صارت تأتي في الأعياد والأعراس والمناسبات العائليّة كما تفعل كلّ فتاة تريد زيارة أهلها. فقصّتها بعد البحث والتدقيق لن تكون فريدة من نوعها، وليس فيها ما يعيب. على كلّ حال حتّى ولو كان الأمر كذلك فلن يرجمها بحجر من كان بيته من زجاج. وبيوت اللبنانيّين بعد كلّ احتلال أو استعمار أو انتداب تصبح من زجاج شفّاف رقيق سريع الانكسار، فمن يجرؤ على اتّهام من ومن يخوّن من؟ عادت وردة كأنّ شيئًا لم يكن. كأنّ من طبيعة الحياة أن تهرب فتاة مراهقة مع رجل غريب، وتقيم معه من دون زواج، وتبقى معه حتّى بعدما عرفت أنّه متزوّج ولن يطلّق امرأته من أجلها، ثمّ أن يتركها لسواه، وأن تعمل في العاصمة وأن تقيم في منزلها الخاصّ ثمّ تعود إلى بيتها كأنّ كلّ ما فعلته زيارة صلاة لأحد الأديرة. ولكنّ الأمور تصبح عاديّة ومشروعة متى أراد الناس ذلك. والناس عهدذاك قرّروا أن "ما حدا أحسن من حدا، وما حدا فوق راسو خيمة، والله يستر على جميع الناس". وهكذا انطفأت حكاية وردة والكولونيل الفرنسي لأنّ كثيرين كانت لهم مصلحة في ذلك، ولا أحد يريد نبش الدفاتر العتيقة. ومن الأكيد أنّ وردات كثيرات سوى هذه الوردة عبث بهنّ هواء غريب وأسقط أوراقهنّ الطريّة.
ولكنْ ثمّة نقص في حكاية جولييت. من هو هذا الكولونيل الفرنسيّ؟ ما اسمه؟ هل عرف أحد عنه شيئًا بعد رحيله؟ هل هو من أعلم روز بأنّه متزوّج أم هي اكتشفت ذلك؟ وكيف بقيت معه نحو سنة قبل رحيله؟ هل أحبّته فعلاً؟ ألم ترغب في اللحاق به إلى فرنسا أو السؤال عنه بعد ذلك؟ تحار الممرّضة أمام أسئلة زاد وترغب في التهرّب منها مختلقة كلّ مرّة عذرًا مختلفًا، قبل أن تسألها مستغربة:
"كيف يخطر على بالك مثل هذه الأسئلة؟"
وتتابع:
"أنا لم أكن ولدت حين حصل ذلك، والآخرون انشغلوا مع الوقت بأنفسهم ولم يعد الأمر يعنيهم وصرنا كلّنا نريد أن نطوي الصفحة وننسى ونترك لوردة الفرصة كي تنسى وتتابع حياتها فكيف تريدين منّا أن نهتمّ بما جرى لذلك الرجل؟ ثمّ إن شقيقتي لا تسمح لأحد بالتدخّل في شؤونها. أقمت عندها أعوامًا ولم أجرؤ على أن أثير معها هذه الحكاية. ربّما وردة سعت خلف الفرنسيّ. من يعلم ماذا تفعل وردة في سفراتها وحياتها؟"
صحيح، تقول زاد لنفسها. معها حقّ جولييت في أمرين: الأوّل أنّ الذين وقعوا ضحايا يفضّلون النسيان علمًا بأنّ من مصلحتهم أن يتذكّروا ويفهموا ويتعلّموا. ولكنّ التنظير سهل، "ومن يأكل العصي ليس كمن يعدّها". ومن يكتب سيرة أحد لا يعنيه إن كان حفره في عمق الشخصيّات يؤلم أصحابها لأنّ هاجسه التوصّل إلى ما خلف الكلمات المرويّة. والأمر الثاني هو أنّ لروز حياة خاصّة لا يعرف الجميع مختلف جوانبها. فمن الممكن أن تكون التقت الكولونيل في باريس أو في بيروت أو في أيّ مكان آخر. وربّما نسيته. وجولييت لا تملك الأجوبة عن تساؤلات زاد التي صارت تنافس والدتها في الحديث مع الممرّضة الضيفة، وفي حين كانت أوجيني تفضّل أن تحكي مع صديقتها الممرّضة وتشكو لها متاعبها الصحيّة، كانت زاد تريد أن تسمع تفاصيل الحكاية الغريبة. والمرأة ذكيّة تعرف كيف تساير الأمّ الأكبر منها سنًّا فتحمل إليها عيّنات مجّانيّة من الأدوية وتقيس ضغط دمها، وتغري الابنة الأصغر منها بسيل من الحكايات لا يبدو أنّه سينقطع قريبًا.

(الكولونيل)
"أحببت روز على عكس ما يظنّ كثيرون. صديقي فرنسوا وحده يعرف كم أحببتها وكم كان من الصعب عليّ أن أتركها خلفي على المرفأ، وهو الوحيد الذي أستطيع الكلام معه عنها مع أنّه لا يعرفها. ولكن ماذا كان في إمكاني أن أفعل؟ كانت صغيرة وجميلة وذكيّة وبدت في ذلك المنزل كأنّها في غير موقعها. تليق بها حياة الأميرات فكيف أتركها خادمة في بيت فقير تهتمّ بالأصغر منها من أخوتها وأخواتها وهي تحتاج إلى من يرعاها ويهتمّ بها ويدلّلها؟ أنا فعلت ذلك وروز لا تستطيع أن تنكر هذا الأمر مهما كرهتني وحقدت عليّ. علّمتها كلّ شيء، اشتريت لها كلّ ما كانت تتمنّى الحصول عليه، أخذتها إلى كلّ مكان سمعت عنه وحلمت بزيارته. بعدما علمت أنّني متزوّج وعندي أطفال ولا أستطيع الزواج بها  لم تتركني لتعود إلى بيتها، بقيت معي، وتركتني أحبّها كما كنت أفعل. كلّ ما طلبته منّي هو أن أنقل عملي إلى بيروت وألاّ أعود إلى السهل أبدًا. قد يكون شعورها تغيّر نحوي، غير أنّها لم تمنع نفسها عنّي، ولم ترفض هداياي. كنت آخذها برغبة مزدوجة، كأنّي أقوم بذلك نيابة عنّي وعنها، وكانت تتألّم أحيانًا غير أنّني لم أستطع إلاّ أن أحبّها بتلك الطريقة. ربّما كنت في داخلي أنتقم منها لما هي عليه، لأنّني أحببتها، لأنّها ليست زوجتي، لأنّها هربت معي وجعلتني أعتاد ممارسة الحبّ معها. خضت معارك كثيرة لكن أصعب ما واجهني في حياتي هو تركي روز على المرفأ وحيدة بلا يد تسند خوفها وتبدّد حيرتها.
حين عدت إلى البيت، اكتشفت زوجتي أنّني لم أعد أنا نفسي، هجرتني بعد وقت وهي تقول لي إنّ الرجل الذي تزوّجته مات في تلك البلاد البعيدة، وأنا رجل آخر لا تعرفه ولا تحبّه. هي لا تفهم أنّ كلّ الجنود يعودون إلى بلادهم أشخاصًا آخرين، فأن تكون أنت المحتلّ أرض غيرك لا يعني أنّك الأقوى أو أنّك لن تكون ضحيّة بطريقة أو أخرى. عشت بعد سنوات مع سيّدة جزائريّة ظننت أنّني سأجد معها الدفء الشرقيّ الذي وجدته في لبنان، غير أنّها كانت قد تشرّبت بأبشع ما عند الفرنسيّات فهجرتها. عدت إلى لبنان الجميل بعد أعوام كثيرة على رحيلي عنه، كان ذلك في بداية السبعينات الذهبيّة للبنان وكنت سائحًا يريد أن يعيد اكتشاف البلاد التي أتى إليها شابًا وعسكريًّا يفرض سلطته على الناس. رحت إلى بلدتها، مررت أمام بيت روز ورأيت أخاها نجيب وقد غزا الشيب رأسه، ولم أكلّمه، أكلت في المطعم الذي يشرف على النهر، سألت أحد الموظّفين عن أهل روز، فقال لي إنّه من الجنسيّة السوريّة ولا يعرف الكثير عن أهل المنطقة، مررت مرّة ثانية أمام بيتها، فرأيت صبيّة تخرج منه وتتوجّه إلى السوق، لحقت بها على مهل كأنّني أتنزّه، حاولت أكثر من مرّة أن أكلّمها لأسألها عن أهل البيت الذي خرجت منه، ولكنّي لم أجرؤ على ذلك خشية أن تنقل الحديث إلى أهلها وأسيء مرّة ثانية إلى روز التي قد تكون تزوّجت وعندها عائلة وأولاد لا تريدهم أن يعرفوا شيئًا عن ماضيها. ولكن يجب أن أعرف شيئًا ما، فقد تكون مطلّقة مثلي أو أرملة وقد نستعيد ما كان بيننا. سألت صاحب الدكّان الذي اشترت منه الصبيّة الأغراض. بدا الرجل فخورًا وهو يكلّمني أمام متجره، ولم يدعني إلى الدخول حتّى تأكّد من أنّ جميع المارّين في الزقاق وأصحاب الدكاكين من جيرانه قد رأوه برفقة سائح فرنسيّ. ومع أنّ الكلمات الفرنسيّة التي يعرفها قليلة استطعت أن أفهم منه بعض الأمور خصوصًا أنّني لم أخبره أنّني كنت في الجيش هنا في بلاده قبل أن تنال استقلالها،بل قلت له إنّي صديق حبيب الذي تعرّفت إليه في فرنسا وأرغب في زيارته. صديق حبيب؟ كم تبدو العبارة سخيفة حين أتذكّر كيف أقنع حبيب عائلته بأنّني آخذ منه المال للتغطية على نشاطه في التهريب! طبعًا أخذت بعض المال لرشوة الضباط في المنطقة بعدما انتقلت إلى بيروت. من أين آتي بالمال لذلك ومصاريف صارت كثيرة: عائلة في فرنسا وروز في لبنان التي لا أريد حرمانها من شيء؟   
صداقة حبيب لم تطمئن الرجل الذي كان في البداية مرحّبًا ثمّ تردّد في الإجابة عن أسئلتي فحبيب في السجن في الأردن وروز التي عندها مطعم في منطقة جونيه وحدها تستطيع أن تفيدني عن إمكان الاتصال به، فالآخرون لن يجرؤوا على الحديث معي لأنّني أجنبيّ وقد أكون محقّقًا في قضايا تتعلّق بالخواجه حبيب الذي له فضل على الجميع هنا، ولن يقول لي أحد شيئًا عنه، وإن كنت صديقه فعلاً فالستّ روز ستكون على علم بأمري، ثمّ أضاف وهو يتظاهر بالانشغال بأمر ما ليعلمني بأنّ الحديث انتهى:
(على كلّ حال الستّ روز لا تحبّ الفرنسيّين وقد تكون زيارتك لها بلا فائدة).
وعلى غير عادة اللبنانيّين في الضيافة - والدة روز كانت تعدّ لي ولرفاقي مائدة عارمة مع أنّهم كانوا فقراء-، لم يقدّم إلي صاحب الدكان شرابًا أو حلوى.
إن سألني أحد ماذا تغيّر في لبنان بعد أكثر من ثلاثين عامًا على رحيلنا عنه فلن أستطيع أن أفيده بالكثير من المعلومات مع أنّني طبعًا لاحظت أنّ أماكن كثيرة لا تزال كما كانت في حين تغيّرت أماكن أخرى بشكل واضح ولولا سائق التاكسي الذي أوصاه بي أحد موظّفي الفندق لما كنت عرفت أين أنا. إذًا لم يكن من السهل أن أعطي تقريرًا مفيدًا عن التغيّرات فأنا لم أكن أفتّش عن آثار أو أماكن للهو والسهر، ولم أكن مؤرّخًا أو صحافيًّا يقارن بين لبنان ما قبل الاستقلال ولبنان بعده، كنت وحيدًا، وأريد أن أجد روز التي أمضيت معها عامًا كاملاً، وأن أحاول إقناعها، إن كانت حرّة، بأن تذهب معي إلى فرنسا كما كانت تتمنّى.
أمام المطعم الذي وصلت إليه بعد جهد، وجدت امرأة أنيقة تترجّل من سيّارتها وترتمي بين ذراعي رجل طويل القامة يستقبلها ويقبّلها ويدخل معها إلى المكان الذي ترتفع فوق مدخله الأنيق لوحة كبيرة عليها اسمان باللغة الفرنسيّة: اسمها كما أطلقته عليها واسم آخر توقّعت أن يكون للرجل الذي استقبلها. لم أدخل، لم أسع للكلام معها. بدت سعيدة وعاشقة وحرّة وواثقة من نفسها. لم أعرف كيف أشعر. ثلاثون عامًا ولم تتغيّر عليّ كأنّها لا تزال في ذلك العمر. انتبهت في تلك اللحظة فقط إلى أنّني صرت عجوزًا، ولا أدري كيف فكّرت في أنّها قد تعود معي. ولكنّ الرحلة إلى لبنان لم تذهب هدرًا فلقد تأكّدت من أنّني ما زلت أحبّها، وأنّها لا تكرهني. فاسمها الفرنسيّ الذي أعطيتها إيّاه وحافظت عليه يؤكّد ذلك".



الفصل الثاني من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"


تعرّفت زاد إلى هذه المرأة حين خضعت بشكل طارئ لجراحة استئصال الزائدة الدوديّة، وكانت هي الممرّضة المساعدة في غرفة العمليّات. سألتها بضعة أسئلة قبل أن يفعل البنج العموميّ مفعوله. طبعًا لم تتذكّرها في اليوم التالي حين دخلت غرفتها لتطمئنّ إلى حالها. ذكّرتها بمن تكون وأخبرتها أنّها كانت تشرب القهوة مع والديها في كافيتريا المستشفى، وأتت لتلقي عليها التحيّة. شكرتها المريضة بكلمات قليلة لا توحي بأنّ امرأة في وضعها،  أي خارجة من غرفة العمليّات في اليوم نفسه وممدّدة في السرير غير قادرة على الحراك وتشعر بالغثيان المقيت، ترحّب بأن تباشر حديثًا طويلاً وهي ما زالت تحت تأثير التعب من نوبات الألم التي سبقت الخضوع للجراحة، ومن آثارها. غير أنّ الممرّضة التي تحبّ الكلام والمزاح لم تنتبه إلى أنّ المريضة تريد أن ترتاح وتغفو، وبدا واضحًا أنّ عملها في التمريض خلال الحرب جعلها لا تقيم اعتبارًا كبيرًا لجراحة بسيطة كاستئصال الزائدة، وهي التي تشارك كلّ يوم في جراحات صعبة ودقيقة يتخلّل أكثرها بتر أعضاء ونزيف دماء وصراخ الأطباء على الممرّضات. أوجيني والدة زاد التي رافقت الممرّضة إلى الغرفة لاحظت انقباض وجه ابنتها وتبرّمها بحديث المرأة فاصطحبتها إلى الخارج بطريقة لبقة، قبل أن تقول زاد ما يُحرجها وضيفتها. فأوجيني تعرف ابنتها جيّدًا، وتعرف أنّها لن تتردّد في إبعاد من يزعجها مهما كلّف الأمر.
يسهل على أوجيني أن تقيم صداقات حيث تضعها الظروف، وأنطوان زوجها بارع كذلك في العلاقات العامّة، ولا يقفل باب الحديث في وجه أحد مهما كان تعبًا أو متضايقًا. وفي حين كان الوالدان يهويان جمع الأصدقاء والمعارف والجيران كما يهوى سواهما جمع الطوابع أو الفراشات كانت هي على عكسهما، لا طاقة لها على الناس، وتحتاج إلى وقت طويل قبل أن تثق بأيٍّ كان أو أن تمدّ حديثًا طويلاً مع أحد. لذلك لم تستغرب الفتاة المريضة الأمر حين عادت والدتها بعد وقت لتخبرها ببعض التفاصيل عن حياة الممرّضة. وفهمت أنّها تمضي أكثر وقتها في المستشفى وتنام فيها لأنّ بيتها في منطقة مواجهة لخطوط التماس، ولا تستطيع الوصول إليه بسبب القنّاصة على السطوح المقابلة. قالت زاد وهي ترغب في الاستسلام للنوم:
"لذلك تحبّ الثرثرة والحكي مع الغرباء، ولكن أنا ما ذنبي؟"
انزعجت أوجيني من تعليق ابنتها الذي وجدت فيه قسوة غير مبرّرة على المرأة المسكينة. ولكنّ الفتاة المتألّمة لم يعنها في هذا الوقت ما تشعر به والدتها ولم ترغب في معرفة تفاصيل أخرى، فهي تريد أن تعود إلى النوم وليست مستعدّة للمشاركة في نقاش عقيم، فأغمضت عينيها ما جعل الوالدة تصمت على مضض.
خرجت زاد من المستشفى من دون زائدتها الدوديّة، وخرجت أوجيني وقد ازداد عدد أصدقائها بالممرّضة وببعضٍ من ذوي المرضى الذين كانوا يتجمّعون في الكافيتريا ليشربوا القهوة ويتابعوا الأخبار عبر جهاز الترانزيستور الذي كانت تحمله إحدى الأمّهات. وهي امرأة مرهقة وخائفة طوال الوقت، لا تذهب إلى بيتها وتبقى مع ابنتها الصغيرة التي أصيبت إصابات بالغة بشظايا قنبلة، ولا تفارق الراديو لأنّها تريد أن تطمئنّ في كلّ دقيقة إلى أنّ المنطقة حيث بيتها وأولادها الآخرون لا تتعرّض للقصف أو القنص.
مضى وقت طويل قبل أن تنضمّ زاد إلى جلسات والدتها وجولييت التي صارت تأتي من المستشفى لتتناول الطعام عندهم حين يسمح لها عملها ومزاج المقاتلين بذلك. كانت تريد أن تتذوّق طعامًا غير طعام المستشفيات الـ"بلا طعمة"، كما برّرت زياراتها المتكرّرة قبل أن تضيف:
"من حسن حظّي أنّ بيتكم قرب المستشفى".
ومع ذلك كانت تسمح لنفسها بالاعتراض على طريقة أوجيني في إعداد الطعام، ثمّ صارت تتدخّل في أمور الطبخ لتعلّم والدة زاد ما تعلّمته من أمّها التي تملك في رأيها ورأي أهل البقاع كلّهم أطيب نفَس على الأكل.
في تلك المرحلة من الحديث أخذ اسم نجلا يتردّد في بيت زاد من خلال حكايات تشبه مسلسلاً يوميًّا يتابع المشاهدون حلقاته بشغف. وحين كان أحد أفراد عائلتها يتغيّب لسبب أو لآخر، يتكفّل الآخرون بنقل ما جرى وهم يسألونه:
"ما بدّك تعرف شو خبّرتنا جولييت اليوم عن عيلتها؟"
أو حين يعود أحدهم إلى البيت ويراها جالسة إلى مائدة الطعام يبادرها مشاكسًا بأسلوب صارت تعرفه ولا تنزعج منه:
"شو في عندكن شي جديد؟ مين مات ومين بعدو طيّب؟ مين سافر ومين طلّق؟"
لمّا سمعت زاد هذا النوع من الأسئلة للمرّة الأولى خطر لها أن تكتب حكاية جولييت لتتسلّى. كان الزمن زمن حرب وموت، والدروس معلّقة، فصارت القراءة والكتابة وسيلتين وحيدتين تنقذان زاد التي تهوى المطالعة من جنونٍ يغرق فيه الجميع. فللنجاة من الحرب لا يكفي أن تختبئ في مكان آمن وتحمي جسمك من الخطر، لكن عليك أن تتلهّى بما يبعدك عن هول ما يحيط بك: لعب الورق أو الطاولة وحياكة الصوف والتطريز والتفنّن في صنع المأكولات التي لا تحتاج إلى نار أو تبريد وغير ذلك من نشاطات ما كان الناس يحسبون أنّهم سيجبرون أنفسهم على تعلّمها وممارساتها. ولكنّ الحرب لا تسأل أحدًا عن رأيه أو هواياته، بل تفرض على الجميع إيقاعها ونظامها ومواعيدها. زاد أضافت الكتابة إلى نشاطات أيّام القصف الطويلة، وقبل زمن المولّدات الكهربائيّة وفي غياب الكهرباء، وفي ضوء شمعة عاجزة عن تبديد العتمة حولها وفي داخلها بدأت تلك الفتاة تسجيل يوميّات الحرب. ويومًا بعد يوم أخذت حكايات الممرّضة تحتلّ جزءًا كبيرًا من كتاباتها كونها الحدث الغريب على رتابة أيّامهم المحكومة بالرعب والانتظار وأصوات المذيعين والمذيعات التي تُعلم الناس بأمكنة سقوط القذائف واتفاقات وقف إطلاق النار التي تسقط لحظة إعلانها. ليس هذا فقط. كان في حكاياتها مزيج من قصص الحبّ والمغامرات والإجرام والتهريب ووصف لحياة خيّل إلى زاد مرارًا أنّها تجري خارج حدود الوطن والأرض، وكان فيها شيء آخر: التحدّي لكلّ ما كانت عائلتها تمثّله من تكتّم وأسرار وقرارات تقضي بمنع الكلام مع الغرباء في الشؤون العائليّة المحرجة، فوالداها وعلى الرغم من علاقاتهما الاجتماعيّة الممتازة حريصان على التكتّم على المشاكل التي تجري داخل بيتهما، ويستطيعان تبادل الأحاديث مع الناس لساعات من دون أن يفضحا سرًّا عائليًّا واحدًا أو يعبّرا عن موقف سلبيّ واحد. أمّا المرأة الغريبة فكشفت أمام الجميع أسرار عائلتها وحكت عمّا يفترض أن يكون من المحرّمات والممنوعات، وسمحت لزاد بالذات بأن تحلم بفضح الأمور العائليّة يومًا ما فالأمر ليس سيّئًا كما علّمها والداها، والكلام عن المشاكل يريح ولو مع غرباء عابرين، بل خصوصًا مع الغرباء العابرين.
وما زالت زاد حتّى اليوم، وبعدما صارت جولييت في عالم غير عالمها، تسأل نفسها: هل ساعدت الحرب على هذا البوح؟ الحرب نفسها التي جعلت الممرّضة بعيدة عن أهلها، وقريبة من غرباء التقتهم حيث تعمل، هذه الحرب العبثيّة هل هي التي سمحت لها بالكلام قبل أن يحلّ السلام المزيّف ويسكت الجميع وهم يدّعون أنّهم يريدون أن ينسوا؟
فلمن يريد أن يكتب روايات إذًا، ليس له إلاّ الحرب، هي الوقت المناسب لجمع أكبر عدد من الحكايات التي تصلح للكتابة عنها. الحرب خزّان قصص، يتداخل فيها الماضي والحاضر ويغيب المستقبل. تستعاد الأزمنة الجميلة، دائمًا جميلة، ويقارن بها الحاضر المخيف، دائمًا مخيف، وعليها توضع الملامة وبسببها يتساهل الناس في التمسّك بالقيم. فالحرب تعلّم الناس أنّ الحياة قصيرة ومن الغباء هدرها في محاولة الفهم. لذلك انصرف أكثر الناس إلى التصرّف كأنّهم سيموتون بعد لحظات. وزاد فعلت مثلهم، فأخذت تكتب معتبرة أنّ كلّ نصّ هو بمثابة نصّ أخير سيحلّ بعده الفراغ والصمت.
حين أتت جولييت على ذكر نجلا ووردة بطريقة تثير الفضول وتلفت الانتباه بسبب الحدّة في نبرة الصوت، كانت زاد تشرب القهوة، قبل أن تنصرف إلى غرفتها للدرس، مع والدتها والممرّضة التي كانت منفعلة وغاضبة على غير عادتها. وفجأة ورد ذكر الكولونيل للمرّة الأولى أمامها، في حين بدت والدتها عارفة بقصّته. فتأكّدت زاد من أنّها وجدت أخيرًا موضوعًا مثيرًا في أخبار تلك المرأة يلهي تفكيرها بمتابعته حين يسقط أحد اتفاقات إطلاق النار. ولكنّها لم تقتنع فعلاً بأنّ صديقة العائلة محقّة في قولها إنّ حكايتها تستحقّ أن تكون فيلمًا أو مسلسلاً تلفزيونيًّا إلاّ حين التقت نجلا الطويلة القامة ووردة النحيلة الصغيرة، وبدا لها أنّ على أمينة رزق أن تؤدّي دور نجلا، في حين لا يليق دور وردة إلاّ بفاتن حمامة. ولن يعبّر عن شخصيّة جولييت بصدق إلاّ زهرة العلا التي اعتادت في الأفلام المصريّة أداء الأدوار الثانويّة للبنت المغلوبة على أمرها والتي تستمدّ حضورها من كونها شقيقة البطلة أو صديقتها. أمّا الكولونيل فسيكون طبعًا عمر الشريف ابن تلك المنطقة الذي صار ممثّلاً مصريًّا ثمّ عالميًّا ويجيد اللغة الفرنسيّة.
يومذاك أهملت زاد دروسها وانصرفت لمطالعة رواية جديدة تقرأ سطورها بشغف في وجه الممرّضة وحركات يديها وسيكارتها التي لا تفارق يدها، عدا عن الكلمات التي تخرج تلقائيّة كأنّها قيلت قبل ذلك مئات المرّات. ومئات المرّات ستقرّر بعد ذلك أن تكتب تلك القصّة بشكل يجعلها حاضرة للنشر ما أن تنتهي الحرب. وهي تنتظر فقط أن تنتهي جولييت من الحكي لتبدأ هي بالكتابة الجديّة النهائيّة انطلاقًا ممّا دوّنته في دفاترها التي صارت تحرص على تهريبها إلى أماكن في البيت تحسبها أكثر أمانًا من سواها. ولن تعرف إلاّ متأخّرة أنّ تلك المرأة ستجد دائمًا ما تحكيه وأنّها هي من عليه أن يضع نقطة النهاية.


(أوجيني)
"الجميع يناديني أوجيني ولكن هذا ليس اسمي، عندي كثير من الأسماء حتّى أنّني لم أعد أعرف من أنا. في البداية كان اسمي بربارة على اسم جدّتي التي أحببتها أكثر من كلّ الناس، ولكن عندما أتى الفرنسيّون وقرّروا القيام بإحصاء عدد السكّان صار اسمي روزالي. تروي لي جدّتي الحكاية قائلة:
(ما زلت أذكر ذلك اليوم بأدقّ تفاصيله، وصل ثلاثة فرنسيّين ومعهم مترجم من القرية المجاورة، جلسوا كلّهم تحت العريشة، وكان الطقس جميلاً، سألوا عن أسماء الجميع وكتبوا ولا أحد منّا سألهم ماذا تكتبون. وحين وزّعوا علينا بعد ذلك هويّاتنا تغيّرت أسماء كثيرة وأنت صار اسمك روزالين وأنا أضحك على حالي كلّما لفظته، الله يلعن الفرنساويي، كانوا سود وبيض، أخدولك إسمك، وما طلعلنا منن إلاّ ماكينة خياطة عتيقة ماركة سنجر كانوا يخيّطون عليها بدلات الجنود، دفعنا حقّها وأخدناها وبعدها عنّا عم نخيّط عليها تيابنا: شراويل جدّك وصلطاتي وفساتينك).
زاد تقول إن كلمة "صلطة" غير موجودة في اللغة وتسألني من أين أتيت بها. أقول لها إنّ جدّتي كانت ترتدي فوق ثيابها نوعًا من المآزر رأيت ما يشبهه في الأفلام الأجنبيّة القديمة وترتديه الممرّضات فوق ملابسهنّ. تقول لي زاد إنّ الكلمة قد تكون أجنبيّة وتعني سلطة لأنّ المئزر يوضع في المطبخ لتحضير الطعام. والناس عندنا التقطوا الكلمة وحوّروها وفخّموا حرفه الأوّل فصارت صلطة. لا أعرف إن كانت ابنتي على حقّ، ولكنّني حين أخبرتها أنّ هذا المئزر الذي نسمّيه اليوم مريول كان اسمه في القرى المجاورة "مانتيان"، كان جوابها إنّ هذا الاسم كذلك مأخوذ من الفرنسيّة ويقصد به صيانة شيء ما والمحافظة عليه (maintien). جدّتي بربارة كانت تتكلّم الفرنسيّة وهي لا تعلم. زاد تؤكّد لي أنّ كلمات كثيرة في قريتنا نقلناها عن الفرنسيين ونحن لا نعلم وتسخر من جدّتها التي حين تغضب على أحدهم تقول له: يلعن اللي (سستمك ومنيرك) وتقول لها:
ستّي عم تسبّي بالفرنساوي؟
وحين ننظر إليها مستفهمين تقول إنّ هاتين الكلمتين فرنسيّتان وتعنيان: (ton systeme et tes manieres)
بعد خمس سنوات، غرقت أختي التي كانت أكبر منّي في البركة التي رصف والدي حجارتها قرب البيت ليجمع مياه الشتاء، هي لم يغيّر الفرنسيّون اسمها ولا أحد يعرف السبب. في الإحصاء الثاني، حين تغيّرت الهويّات من صفراء إلى خضراء، أعطاني أهلي اسم شقيقتي المتوفّاة لأنّه أسهل للفظ على ألسنتهم وهكذا صار اسمي مريم. حملت هذا الاسم حتّى رحت خطيفة مع أنطوان. والدته وجدت أنّه من الشؤم أن تحمل كنّتاها الوحيدتان الاسم نفسه، لأنّ سلفتي اسمها مريم كذلك، فصارت تناديني أوجيني على اسم جارة فرنسيّة أقامت لفترة طويلة في الحيّ حين كان زوجها الضابط في الجيش يؤدّي خدمته في الثكنة القريبة. وحين انتقلت الفرنسيّة مع زوجها تركت لي اسمها الذي صار اسمي الذي لا أحبّه".


لوحات ونصوص



مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.