الأحد، 24 يوليو 2016

من يوميّات الفيسبوك (24 تمّوز 2016)


صلاة لإله الغضب - ماري القصّيفي
تتساقطون
رمادَ سيكارة في يد عجوز
سنونواتٍ طالتها رصاصات الطيش
شعراتٍ من رأس طفل يصلبه العلاج الكيميائيّ
ثمراتٍ مهترئة استعصت على القاطف
وريقات ذابلة نفضتها الريح عن الأشجار
قطرات عرق عن جبين كنّاس آسيويّ غريب
تتساقط أجسادكم
عضوًا بعد آخر
وأنتم عاجزون عن لملمة أشلاء بعثرها الخوف،
فتذروكم نسائم مشبعة بالنتن فوق ركام المدينة المنخورة!
لا يسقط الحكّام فقط
لا تهتزّ العروش فقط
فالله نفسه يسقط مع كلّ دمعة!
نعم، نعم،
تتساقطون كلّكم:
الأمّهات والآباء
الشقيقات والأشقّاء
العائلات والقبائل
الزملاء والأصدقاء
الجيران والأقرباء
العشّاق والمعجبون
كلّكم تسقطون
وتتساقطون
فلقد تعبت منكم الحياة
وخجلت منكم الإنسانيّة
وتركتم المحبّة إلى غير رجعة!
لو كان للكلمات أن تختار
لاختارت أن تنبذكم من قاموسها!
لو كان للهواء أن يختار
لاختار ألّا يتلوّث بكم!
لو كان للشمس أن تختار
لاختارت أن تنطفئ
قبل أن تلامس جلودكم الدبقة
وعواطفكم الدبقة
وأفكاركم الدبقة!
كم أنتم قبيحون وأنانيّون وأغبياء
كم أنتم مغرورون وفارغون وجبناء
كم أنتم أشباه رجال وشبيهات نساء
أتريدون أن تمحوا الأوطان يا حكّامًا محكومين بالجشع والعهر؟
أتريدون أن تسقطوا أنظمةً يا شعوبًا لا تعرف كيف ترفع الفاعل؟
أتحلمون بنشر الإيمان يا قطعانًا آلهتها تمرٌ وكلأ وفخذا امرأة وجيب رجل؟
أتبشّرون بربيع يا كهول الفكر وعجائز الشعر؟
كيف يكون كلّ ذلك والأمّ ترضع طفلها خوفها وعبوديّتها؟
كيف يتحقّق كلّ ذلك والأب حيوان منويّ روّضه الفقر والجهل؟
كيف يمكن كلّ ذلك وقايين العاجز عن قتل الله يقتل أخاه هابيل؟
كيف نتوقّع تحقيق كلّ ذلك والطفلة تغري العجوز والكاهن يتحرّش بالطفلة؟
كيف نحلم بأيّ شيء من ذلك والابنة تضرب أباها، والشقيق يغتصب شقيقته، والأم تقتل أطفالها؟
كيف نرجو أيّ شيء من ذلك والحبّ عبور، والصداقة وهْم، والأخوّة مصلحة، والزمالة غدر، والجيرة اعتداء؟
يا إله الغضب في الهيكل الرخام اجعلني رحيمة في لعنتي:
فلتسقط الابتسامات عن وجوه عارضات الأزياء الغبيّات
ولتسقط اللوحات النادرة عن جدران المتاحف الآمنة
ولتسقط الجدران على رؤوس الأموال المجمّدة
ولتسقط الأقنعة عن وجوه العشّاق الحائرين
ولتسقط الأبراج المزروعة في الرمل الحاقد
ولتسقط النيازك والنجوم والكواكب والأقمار
ولتندم السماء على ما فعلته حين لم تدفن آدم وحوّاء تحت شجرة التفّاح
ولينفجر قلب الأرض الذي ناء بريائكم
ولتجفّ الأنهار التي لوّثتموها بأقذاركم
ولترمَ هذه الكرة الزرقاء الدائرة حول نفسها كالمجنونة
إلى جوف الجحيم
فيركلها الشيطان إلى نار حقده
تحت أنظار إلهٍ ندم
لأنّه استراح في اليوم السابع
ولم يمحُ مسودّة الخلق التي خربشها في لحظة شعر! (2015)
***
قبل رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" ل ماري القصيفي، ليس كما بعدها أبداً.. 
كما كتابة تاريخ لا يجرؤ أحد على ذكره أو يفضّل تناسيه.. أو تجاهله.. لاحتمال فظاعته أو لمجرد الخيار بالاستمرار بشكل ما في العيش.. 
رواية أجابت على كثير من تساؤلاتي حول حرب الجبل، دخلت في أرواح ناس شهدوا أهوالها من كل الأطراف بعفوية وليس من باب "ستة ستة مكرّر"... فجاءت أكثر صدقاً من ألف كتاب تاريخ وتأريخ حاول قراءة الماضي بعين الحاضر.. 
في حرب الجبل، لا أحد منتصر، لكن هناك نفوس معذّبة كان لزاماً أن تُكتب قصصها ورواياتها مدخلاً ربما للسلام الداخلي ولايقاف هذا التوتر الدائم المتمظهر بالأسئلة الكثيرة التي لا تجد أجوبة واضحة لها.. 
اعتقدت أنني مع إنهاء آخر كلمة في آخر صفحة من الرواية سأجد سكينتي، ولكن القصيفي وهي تقبض بأسلوبها الهادف على نفسي كقارئة لم ترد أن تحقق لي مبتغاي، تنهي روايتها هي لتشرّع الباب على ألف جرح وألف قصة معاشة وألف سؤال.. 
فهل انتهت الحرب في النفوس؟ وهل التجاهل يعني المسامحة والغفران؟ وهل...؟ وهل ما نشهده اليوم منفصل عن الأمس، على مدى العالم العربي كلّه؟
تقبض القصيفي أيضاً على التاريخ، قبل الحرب وفي الحرب وبعدها وصولاً إلى اليوم.. 
كيف تمكّنت من تحقيق ذلك في رواية واحدة! لا أعرف.. 
ما أعرفه أنها أبدعت وأعادت بي كقارئة إلى عشق صفحات الروايات ومغامرات تقليب الصفحات والقراءة بنهمٍ افتقدته لفترة طويلة جداً.. (2015)
‫#‏أمية_درغام
***
قالت لي الفراشة 
التي كانت تفضّل الموت احتراقًا على البوح بالأسرار:
هو لا يخاف من صديقه الله 
ولا من الدولة والجواسيس والمخبرين والحواجز 
ولا من المرض والفقر والموت
هو يخاف من الحبّ
من حبّك أنتِ
(2014)
***
في غيابك 
أشاكس صبيان الحيّ...
أوقظ الناس من قيلولة الصيف... 
أسخر من صغيرات الجارة البخيلة...
أكتب على زجاج السيّارات: أرجوك اغسلني...
أمدّ لساني لكاهن البلدة...
أكسر وردات أمّي...
أرسم على الحيطان بأقلام التلوين...
في غيابك
أتذكّر أنّني، يوم لم أجدك لألعب معك "بيت بيوت"، صرت عجوزًا!
(2014)
***
أصابعك
أصابعك التي قد تنزعُ الشوكٓ عن الوردة... ولا تتألّم
تصرخ وجعٓها متى لامسها شوقُك إليّ! (2014)
***
قميصك الأزرق
حين يكون سماءً أصير غيمةً
غيمةً تتحرّش بالريح 
وحين يكون بحرًا أصير لؤلؤةً
لؤلؤةً تداعب حلم صيّاد (2014)
***
كلّ رسالة كتبتها إليك كانت الرسالة الأخيرة.
وفي كلّ واحدة منها وداع ووعد بعدم الاتّصال وعدم الكتابة وعدم الردّ على الهاتف وعدم انتظار الرسائل عبر الهاتف أو البريد الإلكترونيّ. ولكن كلّ هذه الوعود بعدم فعل شيء كانت توقعني في العدم الحقيقيّ، في الفراغ، في الموت كأن لا هواء خارج هذا الانتظار، كأن لا حياة.
وكنت أعرف، وكنت تعرف أنّني لن ألتزم بوعودي ولن أنفّذ تهديداتي، لا لأنّني عاشقة تبحث عن حبيب، ولا لأنّني مشتاقة أحتاج إلى إشباع حاجتي من الآخر، ولا لأنّك إنسان لا يستغنى عنه من حيث الكرم والجمال والحنان، بل لأنّني أحبّ أن أخبرك ما خطر على بالي.
هكذا بكلّ بساطة أتصل بك عندما تخطر على بالي فكرة ما: مشروع نزهة أو مشروع كتابة أو مشروع ثورة، ولكن المهمّ أنّك وحدك من أرغب في إشراكه في الأمر.غالبًا ما كنت لا تجيب لانشغالك في عمل ما أو لوجودك مع أحد الأشخاص، ولكنّك كنت تعرف أنّ "جنونًا" ما في طريقه إليك، وأنّ إلحاحي في الاتّصال يعني أنّ الفكرة رائعة كما أصف أفكاري دائمًا ولا تحتمل التأجيل كي لا يبهت لمعانها ورونقها ويمرّ أوان نشرها.وغالبًا ما كنت تسخر أو تضحك أو تغضب لأنّني لجوجة لا أطيق الانتظار ولا أقبل النقاش، ولكنّني لم أكن أصغي إلى ما تقوله أو تفعله. كنت أسترسل في عرض فكرتي كطفلة تتباهى في ثوب العيد أمام رفيقاتها، وأشبعها شرحًا وتفنيدًا وتحليلاً كأنّك تلميذ لن يفهم الدرس من المرّة الأولى.وعندما كانت الأمور تحتدم وترفض مشاركتي في فكرة جميلة من أفكاري كنت أقرّر أنّك لا تستحقّ نعمة ذكائي وبالتالي لن أتصل بعد اليوم ولن أكتب إليك وستكون هذه المرّة الأخيرة التي نتكلّم فيها. وكنت دائمًا أنجح في عدم احترام قراراتي.
******
يا صديقي العابر، في معاركي اليوميّة، الدونكيشوتيّة ربّما، يبدو أن لا مكان لك ولا دور.أنت تريد ثورة لا يتّسخ فيها قفّازاك الحريريّان الأبيضان لا من الحبر ولا من الدم.وأنا؟... يغلي الدم في عروقي ويفور الحبر في قلمي. وعندما أكلّمك عن كلّ ذلك يصيبني الإحباط لأنني أشعر بطعم الهزيمة وأنا ما زلت أطلق فكرتي الأولى.
بربّك قل لي من أين لك كلّ هذه القدرة على إحباط العزائم، وتقويض الانتصارات، وتشويه الحقائق، وتنفيس الاحتقان، وعرقلة الثورات؟ ومن أين لك هذه الصلابة في الصمود أمام محاولات التغيير والتجديد والتحديث؟
مشكلتي معك أنّني أعرف أنّ فيك القوّة التي لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ ولكنّك تطمرها تحت أطنان من الابتسامات المهذّبة، واللياقات الاجتماعيّة، وأحاديث المجاملة، والمواقف الرماديّة الباهتة. ومع أنّي أعرف كلّ ذلك ما زلت أقبع على سفح بركانك الخامد وأنتظر فورة مفاجئة يحرّكها غليان ما.





السبت، 23 يوليو 2016

من يوميّات الفيسبوك (23 تمّوز 2016)


لمّا ع حالي فتت
بلكي ع حالي 
بصير إتشرنق
صار البكي 
بالدمع يتشردق...
شو رجّعك
بعد طول غياب
تغزل للغصون تياب
وتجمع وراق الشجر 
وتعملهن كتابْ؟
وشو وجّعكْ
شوك الوردْ
ت تعلّمو
كيف يتعمشق
على حبال الهوا!
وشو تعبتْ
ت بين عيدان القصب
تنصب الوزال مرجوحه
ومع كلّ تنهيدة عشق
قلوب الدني
بكلّ الدني
بتصير تتعنزق  (2015)
***
إلى ميرا الأميرة

تشمخ الأرزةُ فوق الأشواكْ
تعانق السماءْ
تعرف جذورُها خفايا الماءْ
تلاعبُ أغصانُها أسرارَ الهواءْ
وحين ترتدي الجبالُ عباءةَ المساءْ
ويفلتُ شعاعٌ من تاجِ الشمس
ليبقى وشاحَ بهاءْ
تطمئنّ الأرض 
ويكبرُ الأطفال
في حكايات السهر
وفي أحلام الأبطال
وعشق الشعراء (2015)
***
أحبّكَ 
إلى آخر "نعم" تقولُها عروس (2014)
***
باردٌ هذا الصباح
كقلبِ أمّ دفنتِ البارحةَ بعضَ قلبها (2014)
***
قبل الديانات الموحّدة، كان الناس يقدّمون ذبيحة بشريّة واحدة، لخلاص الجماعة، ونيل رضا الآلهة...
بعد الديانات الموحّدة، صار يمكن شخصًا واحدًا أن يضحّي بالجماعة، ليرضي نفسه، بذريعة أنّه يرضي الله...
الفنّ وحده 
الفنّ الجميل الأنيق النبيل الشجاع
وحده لا يريد ذبائح أو ضحايا... (2014)
***
إلى الأصدقاء في سوريا ... 
كونوا بخير، 
ابقوا بخير، 
تنتظرنا وإيّاكم قصائد وأغنيات وسهرات (2012)
***
كشعور الأعمى حين تصف له منظرًا لا صوت له ولا شكل ملموسًا.
كشعور المقعد حين تحدّثه عن متعة تسلّق الجبال.
كشعور الأصمّ حين تطرب أمامه وتتفاعل قسمات وجهك وأعضاء جسمك مع الموسيقى.
هكذا أشعر حين يخطّط صديقي العابر لمشاريع ومواعيد نعرف أنّنا لن تقوم بها معًا.
يسبح قلبي عند ذلك في بحيرة كبيرة من الحزن العميق والأليف أعجز عن الخروج منها، لا، بل أعرف أنّي لن أغرق فيها ولن أغادر مياهها الرماديّة.
ويرافقني ذلك الحزن لفترة طويلة ولا ينتهي، بل يتجدّد مع مشاريع أخرى ومواعيد جديدة أسمعها ولا أستطيع إلّا الحلم بتحقّقها يومًا.
أشعر بعجز مخيف. يداي مقيّدتان كيدَي كاتب يجلس الرقيب الشرس على فتر من قلمه. وأوراقي البيضاء لا أكتب عليها إلّا ما سبق وكتبته.
يحدّثني صديقي عن أماكن زارها، عن بلدان وفنادق ومتاحف، ويدعوني إلى موافاته إليها ليرى إن كانت ستثير فيّ انطباعات تشبه التي عنده. يحدّثني عن أشخاص التقى بهم، عن وجوههم وأسمائهم وشخصيّاتهم، ويسألني إن كنت أقبل بالتعرّف إليهم ليعرف رأيي فيهم. يحدّثني عن نزهات ومشاوير ووسائل لهو، ويطلب منّي أن أكون شريكته فيها، لأنّه يحبّ أن يراقبني وأنا أراقب ما يجري حولي.
غير أنّ مسافات بعيدة تفصلني عنه. بحار وجبال ووديان، وساعات من السفر، وأكوام من الغيوم، وتلال من النجوم، تقف بيننا. فأعتذر عن تلبية الدعوة وأبقى اسيرة التراب الذي أعرفه.
منذ زمن وأنا أعرف أنّ صديقي غيمة عابرة وأنا شجرة مقيمة.
منذ زمن لا أعرف بداياته وأنا أنظر إليه وأنتظر رحيل المواعيد وذبول الوعود.
منذ زمن وأنا أنتظر كالمحكومين بالإعدام أن تتحوّل الدعوة إلى فنجان قهوة صباحيّ حفلة وداع حزينة.
لماذا يخبرني صديقي الذي عبر إلى مجد طموحه عن أمور وأشياء لن أكون شريكة فيها؟ لماذا يدعوني وهو يعرف أنّي عاجزة عن تلبية الدعوة؟ هل هو واجب العلاقة يدعوه إلى ذلك؟ أم هي الرغبة تضجّ في داخله، فتجعله يحلم مثلي بلقاءات لا نعرف متى ستتمّ؟
حين غادر هذا الرجل علاقتنا وابتعد، ترك لي حزنًا كالذي يصيب الإنسان عندما يخيب أمله، أو عندما يرسب في امتحان نهائيّ حاسم، أو عندما يتمزّق ثوب له ذكريات وتاريخ، أو عندما يفقد ألبوم صور الطفولة.
لم يكن حزنًا مفاجئًا بل تسلّل على مهل كضباب خريفيّ. ولم يكن حزنًا عاصفًا بل كان رقيقًا كبرقع عروس، ولم يكن حزنًا بغيضًا بل بدا كأنّه صديق حميم انتبهت فجأة إلى وجوده منذ زمن لا أعرف بدايته.
وصار الحزن صديقي فعلًا.
ليس الحزن المتشائم، ولا الحزن المدمّر، بل هو أقرب ما يكون إلى حالة عميقة من الشوق والحنين إلى أزمنة مضت، إلى براءة ولّت، إلى طفولة انقضت، إلى أمكنة موجودة فقط في الذاكرة أو في صور عتيقة بالأبيض والأسود.
ولذلك فلم يكن من الممكن أن يكتشف الآخرون حزني الصديق لولا حديثي عنه. كأنّي أخبّئ علاقتي به، كأنّي لا أريد أن يكتشف أحد هذا النوع من الحزن النادر، فلا يظهر على وجهي ولا يفضحه صوتي ولا تهلن عنه تصرّفاتي.
ولذلك أيضًا، أكتب عنه. كأنّ الكلام الذي تنطق به الشفتان لن يكون معبّرًا وكافيًّا ولا تليق به إلّا الكتابة، إلّا الحفر في هيكل الروح، لا الدموع ولا استعادة الذكريات ولا التحسّر على ما كان يمكن أن يكون، بل كتابة نابعة من عمق الأعماق تتحدّث عن رجل لم يمحُ ما قبله من الرجال، ولن يمحو ما بعده منهم، عن رجل يعرفهم ويعرف عنهم لأنّه يعرفني جيّدًا.
أمشي في دروب الحياة اليوم، وفي رأسي أمور لم نقم بها. أقرأ الكتب بعينيّ وعينيه، قائلة في نفسي: هذا يشبهه، وهذه فكرة سبق أن قالها، وهذا كلام لا يعجبه، وهذه جملة لا شكّ في أنّها ستعلق في ذاكرته.
أسمّيه العابر، وكلّ الآخرين عابرون إلّاه.
أمشي وحيدة في شوارع المدينة التي يحبّها، فيطلع عليّ من بين جدرانها الحديثة تاريخها القديم، وأقول في نفسي هذه مدينة لا تحسن الاحتفاظ بأبنائها.
أنظر إلى الناس في الشوارع وأتساءل: هل بينكم من يشبهه؟ غير أنّي أعلم في قرارة نفسي أنّ صديقي الذي ترك المسافات تمتدّ بيننا، لا يشبه إلّا الرجل الذي أكتب عنه.
قد يظنّ البعض أنّ اشتياقي إليه هو اشتياق الجسد للجسد، المرأة إلى الرجل. لا شكّ أنّ فيه ذلك. غير أنّ فيه أيضًا الشوق إلى التفاصيل الصغيرة، تلك التي تصنع العلاقات الكبيرة. الشوق إلى مشهد يديه الجميلتين على مقود السيّارة، الشوق إلى أصابعه تلاعب شعري الأسود الطويل، إلى نظراتنا الخبيثة حين نلتقط في اللحظة ذاتها مشهدًا أو عبارة سيكونان بعد قليل موضوعًا لتعليقاتنا، إلى الهدايا التي أحبّ أن أفاجئه بها بلا موعد أو مناسبة، إلى الصمت حين نستمع إلى الموسيقى، إلى الغناء حين تحرّكنا الكلمات، إلى رغبتي في العبث بأغراض مكتبه وخزانته، إلى مداعبة شعيرات صدره من فتحة القميص، إلى أن أسمع من جديد حكايات عن طفولته ومراهقته.
الشوق إلى كلّ تفصيل من تلك اللوحة الرائعة التي كان اسمها "نحن الاثنان". 
(من كتابي رسائل العبور) (2012)






الجمعة، 22 يوليو 2016

من يوميّات الفيسبوك (22 تمّوز 2016)


صلاة يوم الأحد:
يا ربّ أعده سالمًا كلّ ليلة
ولو إلى غير حضني (2012)
 ***
اللوحة للفنّان الإيرانيّ سالمان خدايي

حبّك ذو الألوان غير المتناهية

الأحمر:
حين تحبّني ملكة كنعانيّة، وتختطفني عن شاطئ البحر الأبيض. حين يرتدي جسمانا لون العشق الواحد، حين أغمض عينيّ فأشعر بك في شراييني، حين تختنق العينان بالدمع يخفيه الواحد منّا عن الآخر، حين يتمدّد دمي البكر على فراش اللقاء، حين أنبت زهرة بريّة تحمل في أحشائها أدونيس الجديد.
البرتقاليّ:
أغرق في حضنك شمسًا لا تعرف الغروب، ويفوح منّي عطر زهر الليمون فيعيدك إلى الأرض التي اشتاقت إليك، تعصرني شرابًا يعيد الشباب إلى قلبك، ويمدّك بنسغ لا يعرف الجفاف.
الأصفر:
أحبّك في اصفرار أوراق الأشجار لأنّ فيه سكينة النهاية المطمئنّة إلى بداية جديدة.
الأخضر:
في يديك اخضرار العطاء، ازرعني على جسمك واتركني أتمدّد في تربة أرضك الخصبة، اجعلني شجرتك المتلهّفة لحكايات تروي عطش جذورها وتداعب أغصانها.
الأزرق:
الأزرق يحملني إليك، في البحر أو في السماء، أراك آتيًا على غير موعد، وزرقة الأفق تبتسم لي مهنّئة.
الكحليّ:
خطوط عينيّ العربيّتين أرسمها بحبر الكلمات التي تحكي عن الحبّ الذي لا صفة له.
البنفسجيّ:
لون حبّ يختبئ ويفوح، يلتصق بالتراب، وأريجه يلاحق الفراشات متحرّشًا بها. يجاور المتكبّرين ولا يجاريهم بل يشفق عليهم.
***
هل ظننت أنّ ألوان الطيف تكفي؟ هل قوس قزح السباعيّ الخطوط قادر وحده على اختصار الشمس والمطر؟ مخطئ أنت يا صديقي العجوز!
ففي عتمة رحمي أشعر بك، وعلى شفتيّ النبيذيّتين طعم قبلتك السكرى المسكِرة، وشفتاك جناحا نحلة تحاران على أيّ برعم زهريّ ترتاحان في رحلة الجنى، ولون البُّن في عينيك قهوتي الصباحيّة أرتشفها على مهل، فيفور العسل ويلوّن العمر الباهت.
بأيّ لون أصف بشرتك حين تتوهّج عشقًا؟ ما هو لون رغبتك حين يعجز جسمك عن احتمال شوقها وشبقها؟ أنت قماشتي البيضاء التي أريد أن أمرّغ جسمي عليها لأرسم بألوان عشقي جنون اللحظة وكثافة اللقاء وعجز الكلمات (2012).
 ***
ماما ليش هجّرونا من بيتنا؟
لأ يا حبيبتي مش هيك عملوا، داعش واليهود اتفقوا يفضّوا المنطقة كلّها، فلسطين ولبنان وسوريا والعراق ت يتقاتلوا ع رواق (2014)
 ***
كنّا عم نطالب بالقدس
صرنا عم نطالب بغزّة والموصل وطرابلس وحمص
يا الله شو طلعت غالية القدس!!! (2014)
***
لا أعرف إن كنت أحبّك
أو إن كنت أحبّ أن أحبّك
أو إن كنت أحبّ أن تحبّني
لكنّي واثقة من أنّني أحبّ أن أمضي ما تبقى من عمري وأنا أحاول أن أعرف الجواب... (2014)
 ***

نازحة من الموصل:
حبّات مسبحتها دواء البشريّة (2014)
***
في حديقة منزلنا، 
على عشب بلّله العشق
أنا مليونا امرأة عراقيّة ستختن
هل لك أن تمنحهنّ الشهقة الأخيرة؟ (2014)
*** 
1 - فقر ونقّ وخوف كبيرْ
والعمر بيمرق مرقهْ 
كلّ مين عندو هموم كتير 
اللقمه منسرقها سرقهْ
القصّة ما بدّها تفكير 
وحدكْ رح تبكي وتشقى 
لازم تعرف ع بكّير 
إنّو بإيام التعتير 
الواحد وحدو رح يبقى
2- مدري وين هنّي صاروا
ما عاد حدا يدقّ البابْ
ولا جارْ يسأل عن جارو.
البيت الضجرانه حجارو
وبردانه بقلبو نارو
مشتاق لصوت الأحباب
عنّن شو صعبه الفرقه.
الهيئة بأيّام التعتير
الواحد وحدو رح يبقى
 -3 بليالي الشتي والبرد
الوقت بيمرق ع السكّيت
والقاعد وحدو بالبيت
خايف ينسى كلماتو
عم يحكي وحدو ويا ريت
في مين يسمع حكياتو.
قلبو قدّيش بيلقى
وعارف إنّو بالتعتير
الواحد وحدو رح يبقى
-4من مدّة بِعدوا وفلّوا
وصِرنا نشتاق يطلّوا
نحكي ونتخانقْ ونضلّْ
جيرانْ وأهلْ وما نفلّ
حتّى النجمة النعسانة
تحت لحاف الليل تغلّْ
يمكن وحدا المِشتلْقا
إنّو بإيّام التعتير
الواحد وحدو رح يبقى (2015)

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.