الأربعاء، 13 يوليو 2016

حين صيّرني إيلي صليبي كبيرة!

حين يجد إيلي صليبي الوقت ليقرأ ما كتبته
حين يجد الرغبة في أن يكتب لي عمّا كتبته
حين يقرّر أن يقول كلمته على منبر الفيسبوك وأمام الناس
حين يحصل كلّ ذلك وأكثر بعد... 
أتذكّر كيف كنت أرنو إليه صغيرة وهو على شاشة التلفزيون
فأعود لأقرأ كلماتي بعينيه وأحاسيسه... وأصير كبيرة!


Elie Saliby
رومانسية اللاهوت تبقيه حيا ً ، صرت ِ في النص شاعرة يسوع .. وحبيبة المسيح . نادي على رؤساء كهنة هذه الأيام ليقرأوا الإنجيل كما تقرأين ، ويبحثوا عن الجلجلة كما تبحثين ، وليبتلعوا عظاتهم المجترًة ويستعيروا نصك ليتلوه في قدادبسهم المملة . ماري القصيفي الآن عرفت لماذا يستبعدون المرأة من كهنوتهم .. رومانسية لاهوتك إضافة مستجدة على يوحنا الذهبي الفم .. والأب المثلث الرحمات ميشال حايك . أشتهي نصك كما يُشتهى دم ذلك الصدّيق الذي يستعذب العذاب لتكتبي عنه .

وقف المسيح الرجل على باب المغارة وخاطب الطفل يسوع من دون أن ينبس بكلمة:

هنيئًا لك يا أيّها الصغير الذي هو أنا

الذي هو أنت
الذي هو هو
هنيئًا لك
أحضروا إليك الليلة الهدايا والطعام
أمّا أنا فيحملون إليّ كلّ يوم الوجع والجوع
ويلقون على كتفي كلّ ليلة آلامهم لأحملها عنهم
وفي كلّ لحظة يضعون بين يديّ مرضاهم لأشفيهم
استمتعْ بما أنت فيه يا وحيد أمّك
فالرعيان أطيب قلبًا من جنود الاحتلال
والعلماء أبعد نظرًا من الحكّام
والخراف أكثر وداعة من خيول العسكر
والمغارة الصغيرة أكثر أمنًا من القصر الفخم
وترانيم الملائكة أعذب من صراخ الجماهير
والقشّ غير الشوك
كلْ ونمْ يا ابن أبيك 
واترك لي عندما تكبر أقمطتك لأستر بها عريي على الصليب
افتح عينيك يا طفل السماء واستمتع بالوداعة في عيون زائريك
فغدًا لن ترى إلاّ نظرات السخريّة والشماتة والحقد
احمل سريرك وامش يا من تحمله الملائكة 
فغدًا ستحمل صليب العار
اشربْ حليب أمّك يا خبز الحياة 
فغدًا سيسقونك الخلّ لعلّك تنسى خمرة الفصح
ماذا ستفعل بذهب المجوسيّ 

يا من لا تعني كنوز الأرض لطفولته شيئًا 
ويا من سيباع بالفضّة؟
ألن يكون التاج من شوك؟
ما حاجتك إلى اللبان يا مصدر العطر العذب
فالرائحة ستفوح من الدم النازف؟
وماذا يخيفك في المرّ 
يا من لا يحتاج إلى حنوط الموتى لأنّه هو الحياة؟

يد أمّك تداعب رأسك الصغير تنسيني آثار الإكليل في رأسي
ويد يوسف تمسك بيدك تبلسم في يدي جرح المسمار
وتسابُقُ أولاد الرعاة لحملك يذكّرني بسمعان القيروانيّ الذي ساقوه إلى حمل الصليب معي 
بعدما تنكّر لي سمعان الصخرة
هل تعرف من أنت يا كلمة صار جسدًا كما أعرف من أنا؟
هل تستطيع أن تصنع الأعاجيب مثلي أم أنت في حدّ ذاتك أعجوبة السماء على الأرض؟
بعد أكثر من ألفي سنة يا صغيري الذي هو أنا، ستبقى صغيرًا

لا بل ستكون أصغر من كلّ الذين حولك
وأصغر من الطابات الملّونة المعلّقة فوق رأسك
وأصغر من الخروف والنجمة والملاك
فتكاد أمّك تصرخ بالناس: 
شذّبوا أغصان شجرة الميلاد كي لا تخفي باب المغارة! 

أنت الآن، وستبقى، بحجم حبّة القمح التي زرعتَها 
عجوز فقيرة في صحن فخّار عتيق ليلة عيد، 
ومثلها جميل وكلّك حياة وخصب وعطاء
ومع ذلك فأنا أحسدك 
لأنّ الناس يتسابقون لتحضير مكان ولادتك 
أمّا أنا فيتسابقون لإعداد صليبي
كلّ ذلك لأنّك أنت لا تتكلّم
ولأنّني بالحقّ نطقت

دعني أنم إلى جانبك يا طفلاً صار أنا 
ولم يكن يعي أنّه يعرف
فمشوارنا بدءًا من الليلة سيكون طويلاً
لكنّك لن تكون وحيدًا يا صديقي
فأنا معك إلى منتهى الدهور
لتنمو بالقامة والحكمة التي تلي الألم
أراك منذ الآن تلعب مع أترابك 
وتلهو مع أولاد الجيران 
وتعود إلى البيت لتطرح على أمّك الأسئلة الصعبة 
فتنظر المرأة إلى يوسف طالبة منه المساعدة 
فيلتفت إليك النجّار الطيّب ويقول: 
عدْ إلى اللعب الآن، وستجد الأجوبة من تلقاء نفسك

وبالفعل سيحصل ذلك ليلة ذهابك إلى الهيكل 

وأنت في الثانية عشرة من عمرك
تلك الليلة بكيت ولم يكن معك سواي
سالت دموعك كما في بستان الزيتون
ومن خلال حجاب الدمع رأيتني للمرّة الأولى ولم تُفاجأ
ولم تهرب ولم تغمض عينيك
تركت دموعك تنسكب بصمت
وأنت تكتشف دمعة بعد دمعة من أنت ومن أنا
تنظر إلى المغارة وترى ولادتك
وتنظر إلى المغارة وترى قيامتك
وتتمنّى لو كان في إمكانك 
ألاّ ترى مسيرة الجلجلة التي امتدّت بينهما...

في تلك الليلة التي لا أحد يعلم بشأنها إلاّ الآب
عرفت ماذا ينتظرك فخفت 
وطلبت منّي أن أُبعد هذه الكأس
فأجبتك: ولكنّي لأجل هذا أتيت
سألتني إن كانت الجراح تؤلم
قلت لك: المعاناة تؤلم أكثر
سألتني إن كان النزف سيتواصل
قلت لك: إلى أن تصير الأرض سماء
سألتني: هل الموت مخيف؟ 
قلت لك: ليس لمن يحبّ
سألتني: لماذا أنا؟ 
قلت لك: لأنّك الكلمة

الأحد، 10 يوليو 2016

كلمة ماري القصّيفي في ندوة حول كتاب "عودة النبيّ" للكاتب الإعلاميّ إيلي صليبي

تصوير رنا الهبر


تصوير رنا الهبر


ندوة حول كتاب عودة النبيّ (6 آذار 2013) مهرجان الكتاب في انطلياس
كلمة ماري القصّيفي

ويلٌ لأمّةٍ سئمتْ من انتظارِ النبيّ
ويلٌ لأمّةٍ صدّقت أنّ السماءَ ظالمة وأنّها لن ترسلَ نبيًّا بعد آخرَ كي لا يبقى إنسانٌ بلا خلاص
ويلٌ لأمّةٍ لم تصدّقْ أنّ كلَّ فردٍ من أبنائها هيكلُ نبيّ، واحتمالُ جبران، ومشروعُ إله

معالي الوزير إدمون رزق الأديب الشاعر الخطيب المحاميّ العاشق
أستاذ إيلي صليبي الإعلاميّ الأديب المنتحر المجنون العاشق
أيّها الأصدقاء
     الحقَّ الحقّ أقول لكم: الويلُ لنا لأنّنا لسنا أنقياء! فلو كنّا كذلك لما عادَ النبيُّ إلينا واعظًا، مرشدًا، غاضبًا، حزينًا، ينظر ويسمع، ولا يريد أن يصدّقَ أنّ عليه أن يعودَ ألفَ مرّةٍ ومرّة قبل أن تصبحَ الأرضُ سماء، ولما كان على إيلي صليبي أن يجلِسَ إلى الطاولة المستديرة، تحوطُه نظراتٌ متفحّصةٌ للفرسان الثلاثة:
الفارس الأوّل والدُه ميشال الذي قال لوحيده إيلي "اذكرني بطرَف قلمك ليكونَ لحياتي معنًى ولمشواري سبب"، والفارس الثاني جبران خليل جبران الذي مات وفي قلبه حسرةٌ لأنّه لم يعدِ النبيَّ إلى أورفليس ولم يمته، أمّا الثالث فميخائيل نعيمة ناقل حسرةِ جبران إلى كاتبنا. ثلاثة فرسان يراقبونه بحنّوٍ وترقّبٍ وهو يدحرج عن القبرِ الصخرةَ ليبنيَ عليها أورفليسَ الجديدة، وينشرَ الكفنَ شراعَ عودة، ويرفعَ الكأسَ المقدّسةَ في صحّة العهد الجديد المتجدّد/ المتجدّدِ مع ضحكةِ كلِّ طفل، وزغردةِ كلّ عُرس، وشفاءِ كلّ مريض، وشروقِ كلّ شمس وإطلالة كلّ نجم.
     كان على النبيّ أن يعودَ إذًا بعدما امتلأتِ الأرضُ جَورًا وظلمًا، فكيف عاد؟ وماذا أضاف إلى أقواله السابقة؟ وما المصيرُ الذي ينتظره؟ ثلاثةُ أسئلة لن أطيلَ في عرض رؤيتي لأجوبتها، وإن كنت آمل أن أثيرَ بها فضولَ من لم يقرأِ الكتاب بعد، فيرغبُ في معرفة أجوبة النبيّ في رحلة العودة التي حدّد إيلي صليبي موعدَها ومسارَها وهدفَها، ما يجعلُ القارئَ يحارُ في تحديد هُويّة هذا النبيّ: أهو جبران خليل جبران العائدُ ليقولَ الكلمة التي لم يقلْها، أم هو إيلي صليبي ابنُ الكلمة التي لو لم يقلْها لكانتِ الوزناتُ التي وُهِبَها مطمورةً الآن في التراب، مستحقًّا بذلك غضبَ سيّده؟
     ولكن كيف عاد النبيّ؟ يروي الأستاذ صليبي في مقدّمة كتابه أنّ ناسكَ الشخروب، ميخائيل نعيمة قال له: "نعم إنّها المرارةُ التي ودّع جبرانُ بها الحياة ولم يتّسعْ له العمرُ ليعيدَ مصطفاهُ إلى أورفليس ويشيّعَه إلى حيث يدفُنُه مكلّلًا بمجد الخلود". ويضيفُ صليبي: ولطالما تساءلتُ لماذا لم يقاربْ يراعُ نعيمة موتَ نبيّ جبران؟ ألأنّه جنَحَ إلى نبيّه هو فاختار مرداد؟ ويخلصُ الكاتب إلى أنّ انحيازَه لجبران دفعَه إلى الوقوع في فخّ الجنون أو الانتحار: جنونِ التحليق على علوّ قامة جبران، وانتحارِ الهبوط من شاهقِ مجدِه إلى حضيضِ الكلمة غيرِ المعمّدةِ على يد نبيّه المصطفى."

     هكذا إذًا ولدتْ فكرةُ إعادة النبيّ ومرافقتِه إلى مثواه ُالأخير! وهي بلا شكّ فكرةٌ تلاعب الخطر، فغالبًا ما رأينا في الرواية والسينما والمسرح أنّ تتمّاتِ الأعمال الأدبيّة والفنيّة/ أو الأجزاءِ الثانية منها/ تجدُ صعوبةً في الوصول إلى النجاح الذي حقّقته الأجزاءُ الأولى، بل أكاد أقولُ إنّ بعضَها مُني بفشل كبير. فما الذي دفع إيلي صليبي إلى مواجهةِ احتمالَي الجنون والانتحار كما يصف الأمر؟ ولماذا لم يخترعْ شخصيّةً أخرى، كما فعل نعيمة مع مرداد، ليضعَ على لسانها أفكارَه وتعاليمَه ووصاياه؟

    قبل أن أحاولَ الإجابةَ عن هذا السؤال، أسارعُ إلى القول إنّ النبيّ العائدَ في عربة إيلي صليبي الناريّة ليس نبيَّ جبران نفسَه، بل هو أكبرُ عمرًا وأقلُّ تفاؤلًا في احتمال حدوث تغيير عامّ شامل، لذلك هو يبشّرُ بخلاص فرديّ، فضلًا عن أنّه متمكّن من اللغة العربيّة لا يحتاج مترجمًا ينقُل أفكارَه. ولكن كلُّ ذلك ليس لأنّه عاد إلى أورفليس بعد ألف عام، ولا لأنّ المسافةَ الزمنيةَ الفاصلةَ بين الكتابين طويلة، بل لأنّ كاتبَ النبيّ أصغرُ عمرًا من كاتب عودة النبيّ، ولأنّ بيئةَ الكتابةِ للكتاب الأوّل كانت أكثرَ هدوءًا وأمانًا من الناحيتين الاجتماعيّة والسياسيّة من بيئة الكتابة الثانية حيث يسودُ الحزن والخوف، ولأنّ النبيّ في مجيئه الأوّل كان يبحث، في غربته، عن صورة وطنه الضائع، بينما هو في عودته الثانية يغرّبه الوطنُ فيستسلم للموت. ولا يمكن تجاهلُ ذلك ونحن نحاولُ مقاربةَ "عودة النبي"، مقاربةً منطقيّة يفرضُها النقدُ الموضوعيّ لا مقارنة مجحفة تريد أدبًا مستنسَخًا.

     أيّها الأصدقاء
     إنّ الحياة المعاصرة تواجه أزماتٍ مختلفةً وجديدة وخطيرة، تضافُ إليها مسائلُ وجوديّة وروحيّة لا ترتبط بعصر أو بيئة. لذلك تطرّقَ نبيُّ صليبي إلى المشكلات القديمة والجديدة التي يؤكّدُ وجودُها وانتشارُها على أنّ أهلَ أورفليس، مدينةِ كلِّ مكان وكلّ زمان، تناسَوا مع رحيل المصطفى، كلَّ ما علّمهم إيّاه. لذلك عمد النبيُّ العائد إلى توضيحِ بعضِ أقواله السابقة أو تعديلِها أو الإضافة عليها، وغالبًا بأسلوب التأنيب والتوبيخ، قبل أن ينطلقَ في إجابات حازمةٍ جازمة على أسئلةٍ دقيقة لم يتوقّفِ الإنسانُ عن طرحِها مذ تكوّنَ عقلُه بالشكلِ الذي نعرفه.
      تابعوا معي، يا أصدقاءَ الكلمة، هذه العناوين التي تشكّل أبرز عظات الكتاب، والتي في رأيي تصلح لأن تكون منهجًا تربويًّا شاملًا يعطى لتلامذتنا الذين لا كتاب تاريخٍ بين أيديهم، ولا كتاب حضارة، ولا كتاب تربية مدنية، ولا كتاب جماليّات، ولا كتاب حسن تصرّف أو حسن حياة:
     علاقة الآباء بالأبناء، مصير العالم، المرض، الموت، الإذعان، الثورة، الحبّ، قطع الأشجار، الموقدة، العلم والإيمان، العدم قبل الوجود، تقدّم الطبّ، قطف الأزهار، القدر، الحياة خارج الأرض، الاقتصاد والمصارف، التجارة، العدالة الاجتماعيّة،
الفلسفة والفلاسفة، الرهبان والكهنة، النسك، الأيقونة، رجال الأعمال، الكسل، المثليّة الجنسيّة، تحرّش الكهنة بالأطفال، الشيخوخة، تعدّد الزوجات، مصير المرأة في الملكوت، جمال الله، تقلّب الفصول، التنجيم، دفن الموتى، حياة السنبلة، مصير العاهرات، المحاماة، القضاء، العدل، الضمير المهنيّ، تناول اللحوم، الروح والنفس، بداية الكون، غزو الفضاء، دور الأمم المتّحدة، البيئة ومصير شجر الأرز، الشهداء... وغيرُها، موضوعاتٌ قديمة جديدة، وقديمة وجديدة، أكثرُها تطرّق إليه النبيّ في حياته الأولى، ويعود إلى معالجتها في حياته السابعة قبل أن يرحل نهائيًّا، كما جاء في الكتاب.
ولكن هل رحل حقًّا وإلى الأبد؟ ألا يخيفكم ذلك؟ لماذا أعاده إيلي صليبي وأماته ولم يقمه ليجدّدَ وعدَ الخلاص؟ وما مصيرُ البشريّة الآن بعدما عرّج النبيّ على القدس ليموتَ فيها قبل أن يسريَ به الملاك نحو وادي القدّيسين حيث طلب أن يدفن؟ وهل هي فرصتنا الأخيرة قبل يوم الدينونة، حين سيقول لنا الربّ: لقد أرسلت لكم نبيًّا بعد آخر ولم ترتدعوا عن غيّكم وشروركم؟
     الأسئلة التي يثيرها الكتاب أكثرُ من الأسئلة التي طُرحت على النبيّ المصطفى، ولا أظنّ إيلي صليبي يملِك الأجوبة الأكيدة عنها، بل يخيّل إليّ أنّ كلّ يوم يمرّ عليه يحمل إليه أجوبة مختلفة، في انتظار المعرفة الكليّة التي لن يحتملَها عقله أو أيّ عقل، على هذه الأرض مهما تمرّس في الحكمة، ولن تطيقَها روحُه مهما سمت معارفه/  وليكن ذلك يا أستاذ إيلي، بعد عمر مديد وعافية في العقل والجسد.
     فإذا كنّا مثلًا نفهم السببَ الذي دعا النبيّ إلى اختيار وادي القديسين مدفنًا له بتأثير من جبران من جهة ومن خصوصيّة الوادي من جهة ثانية، فلماذا اختار أن يموت في القدس؟ هل لأنه رأى أنّ المسيحيّين أخطأوا يوم تخلَّوا عن قضيّتها وكان يجب أن تكون أرضَهم المقدّسة ومَحجّتَهم الأولى وقِبلةَ عيونِهم وقلوبهم؟
     وإذا كنّا على اطّلاع على أسباب ثورة جبران بسبب مجموع ما كَتب هو وما كُتبَ عنه، فمن أين لنا أن نعرفَ كيف أتى إيلي صليبي بكلّ هذه الخيبة وبكلِّ هذا الحزن، وهو الإعلاميّ الذي كان يُعلِمنا بمهنيّة وحِرفة بما يجري ولا يدعنا نعلم شيئًا عمّا يجري معه؟
وإذا كانت روحانيّة جبران هي الطاغيةَ على فكره، فكيف نجح إيلي صليبي في تسريب هموم الحياة الماديّة اليوميّة بين الفلسفة واللاهوت والصوفيّة، كأنّه يعيد إلى الحياة بُعدَها الماديّ المعيوش بعدما بدا إنسانُ جبران كائنًا هَيوليًّا لا جسد له؟
     ولعلّ السؤالَ الأهمّ الذي كنت أحاول منذ البداية التهرّبَ منه هو عن السبب الذي دعا إيلي صليبي إلى مواجهة احتمالَي الجنون والانتحار، فأعاد نبيَّ جبران وكان في إمكانه أن يوجِد شخصيّة جديدة. والجوابُ الذي أجرؤ على طرحه / كاحتمال ليس إلّا/ هو أنّ إيلي صليبي أراد أن يدفنَ النبيّ لا أن يعيدَه فحسب، أن ينهيَ هذا الانتظارَ العبثيّ، أن يقولَ لنا إنّ الأمر انتهى هنا، وإنّ النبيّ تعب من حيواته السبع التي وصل فيها هو إلى كماله واكتماله، بينما البشريّةُ لا تزال ترزح تحث ثقل خطاياها، لذلك تكثرُ في الكتاب كلماتُ الحسرة والحزن والأسى والبكاء والفناء والموت، الموت الذي يحار كاتبنا في التعامل معه، فمرّة يمجّده كما في حديثه مع أمّ الشهيد حين قال لها: لا تخافي الموتَ بل الحياة. ولا تتوقّعيه وأنت حيّة ولا تنفُري منه إن أكرمَك بحضوره، فهو ليس ضيفًا بل مضيفًا وكلّما أفنى جسدًا أحيا روحًا"، ومرّةً ثانية يؤنّبه صارخًا به: ويحك يا موتُ ما أوقحَك حين تحشرُ القبورَ في واحد، وتعاملُ زبائنَك كواحد. وما أقساك حين تأتي كلصّ وتسِرقُ الابنَ من حضن أمّه، والأمَّ من وسْط أطفالها، وتتحالفُ مع القاتل لتدفِنَ الاثنين في النهاية. أفلا تحزنُك دموعُ الأرامل، وتهزُّ ضميرَك ضحايا الحروب والكوارث؟

       أيّها الأصدقاء،
     إنّ الكتابَ الذي يدعونا إلى طرح الأسئلة لأكثرُ غنًى وأبقى أثرًا من الكتاب الذي يقدّم إلينا الأجوبة الجاهزة. وأعترف أنّ بعضَ أجوبة النبيّ في هذا الكتاب لم تقنعني، ربّما لأنّني عجزتُ عن رؤية جبران وهو يصرخ بها، غير أنّ هذا ما يصيبُني، أقصد ألّا أقتنعَ بسهولة، مع كلّ كتاب يستحقّ القراءة، وبشكل خاصّ مع الكتب المقدّسة! ومع ذلك فاسمح لي أستاذ إيلي أن أصارحَك بأنّني وإن كنت أؤمن إيمانَك بأن لا مقدّسَ إلّا الإنسان، لكنّي أؤمن كذلك أنْ من أجله سيموت كلَّ يوم نبيّ ليولدَ آخرُ إلى أن تصيرَ الأرضُ سماء. والويل لنا إن لم نؤمن بذلك!


إيلي صليبي... حامل الهوى التعب يستريح!



أحيّيك بشعرِك، أكتب عنك بوحي معرفتك، أحزن عليك وأنا أعرف أنّك الآن تسخر من حزني، يا أيّها الطفل الحكيم، يا أيّها العاشق منذ الأزل، يا أيّها المفكّر اللاهوتيّ، الشاعر الروائيّ، الإعلاميّ العالم، مذ التقينا في تلك الندوة عن كتابك "عودة النبيّ" وأنا أرتكب كلّ يوم خطيئة التباهي! 
وكيف لا وأنت قد اخترتني لأقول كلمة عن كتابك، ثمّ اخترتني لأكون شاهدة على رغبتك في أن تعود طفلاً مراهقًا يقاوم إرهاق العمر وتعب الأيّام؟
يا صديقي، 
تحيّة إكبار للابن البار الذي كنته وبقيته ولو غاب الوالدان!
وتحيّة احترام للزوج الذي يعرف معنى الشراكة!
وتحيّة تقدير للأب الذي ينسى نفسه والدنيا حين يتعلّق الأمر بأولاده!
وتحيّة محبّة للجدّ الذي يعود طفلًا ينتظر حفيدته ليلعب معها!
وتحيّة إعجاب بالإعلاميّ الذي لم تبهره الأضواء!
وتحيّة امتنان للقارئ الذي يشرّف الكلمات بمحبّته لها!
وتحيّة إجلال لكاتب ترتمي الكلمات طوعًا بين أنامله، وهي تعرف أنّها بين أيدٍ أمينة تحترم قدّسيتها!

ولا أجد اليوم سوى هذه الكلمات، كلماتك، لأقول لك عبرها كم أنت فكر عظيم، وقلب كبير!

***
(هذه المختارات من على صفحة إيلي صليبي على الفيسبوك)
يا وردة ذبلت من شمٍّ وضمّ...
لا سامح الله مَن جهل 
أنَّ "مِن الحبِّ ما قتل".
 ***
أيَّتها الممتلئة غضبا...
حطِّمي حصون الصَّمت.
العني واشتمي.
السَّبُّ في محلِّه صلاة.
لكِ يحقُّ التفجير،
لأنَّ ضحاياكِ في عداد طلَّاب الاستشهاد برصاص الكلام.
*** 
صدق الأخطل الصغير حين قال: حاملُ الهوى تعِبُ ...
تعبتُ وأتعبتُ.
حملتُ الهوى وقد ظننتُ به خفيفًا كالهواء، فإذا هو جبالٌ من الوَلَه والشوق.
وحمَّلتك، من دون قصد منّي، ما حسبتُه بوزن ريشة الكناريّ، فإذا هو أطنانٌ من الأرَق والقلق.
ضعي ذنوبَ الحبِّ على كتفيَّ، واصلبيني كفَّارة عن خطايا العشق المُحرَّم علينا، واطْويني صفحة في كتاب بلا غلاف وعنوان ونهاية.
 ***
مرِّري أناملكِ على أجساد الحبق،
واغرسيها في مشاعات أحواضه،
وتوسَّلي له الشِّفاء من غطيط عبقه،
وارشقيه بندى عطرك المفجوع به،
تريه استفاق وانتفض ونهض،
وأعاد الاعتبار لسلطة الجمال على الحواس الخمس. 
*** 
إرفعي أنفكِ حتى السّحاب،
تجاهليني،
مرّي بي بلا اكتراث،
ارمقيني بنظرةِ إشفاق،
أمْعِني ما شئتِ في كبريائكِ،
وتمنَّعي عن التنازل ولو بردِّ التحيّة.
أنا صنعتُكِ المَلكة،
ورصَّعْتُ تاجَكِ بأحجاري الكريمة،
وجعلتُ بُرْدَكِ يجرُّ وراءَه الجنائنَ المعلّقة،
وأنا بنيْتُ قصرَكِ فوقَ الغمام،
وأدخلتُكِ الأسطورةَ،
وطوَّبْتكِ الرَّسولة.
ولستُ بنادمٍ إلاَّ على بيتٍ من الشِّعر، أسكنتُك فيهِ، وهَدَمْتِهِ فوقَ رأسِ القصيدة.
 ***
يا هذا الصباح 
عدْ بكَ إلى فائت الليل،
ليستكمل الحبيبان بعثرة الظلام بحثًا عن قبلة مفقودة.
أيرضيك أن يتركا وراءهما أداة ثبوتيَّة على انتهاك المحرَّم؟
*** 
هل انشقَّتِ الأرضُ وابتلعت المطارح؟
لم يبقَ مترٌ مربَّعٌ واحدٌ لخلوة عاشقيْن خارج الغرف المشبوهة.
حتى العراء صار هاربًا من وجه الاضطهاد.
المطلوب مَحميَّةٌ واحدة للحبّ.
وحماية مستهلك العواطف.
 ***
سألتني ما الجمال؟
ــ كيف لي أن أجيب عن سؤال مطروح منذ "الإغريق" ولم يجد بعد تعريفًا شافيًا يصلح جوابًا شبه نهائيّ عن سؤال موغلٍ في تاريخ الفكر، وحيَّر الفلاسفة والشعراء والقواميس؟
ألحّت عليَّ: حاول بدورك علّك تقترب من وصفه.
ــ على أن تعذريني مسبقًا إن بانَ تقصيري:
===
ما الجمال؟
أهو ما ترى العين فيبهرها، ويبقى الصورة الوحيدة فيها، مغمضة ً كانت أم مفتوحة؟ فيصير جمالا مقيمًا في الجمال؟ 
أهو ما لا يرى بالعين، بل بحدْس الحسّ، والتخاطر بين الأسير وآسره؟ فيصير جمالاً يتخطّى الشكل والمضمون إلى إعادة خلق الكون ليتواءم مع الخيال؟
ما الجمال؟
الأصل كما هو، بل النسخة التي نطبعها في الذاكرة؟ ليصير الجمال كمالاً مضافًا إلى الأصل، مع الاعتراف بتعديل يناسب الهوى الشخصي؟
الإبداع هو في حركة الريشة، وفي تحريك أوتار الآلة والحنجرة، وراس القلم على الورق؟ فيصير الجمال لوحة تشبه المُطلق، وموسيقى تشبه الصوت الداخلي في العقل والقلب، وكلمة تختصر الأسفار والكتب والدواوين... كما تختصر الزهرة الربيع كلّه في حضورها، وتلغي الربيع كلّه في غيابها.
قالت: كفى.
لكنني أضفتُ: الجمال هو أنتِ!
*** 
سألتني: ما الأنوثة؟
وها أنا أحاول تعريفها، بصعوبة من يتسلق جبلاً وفي يده سيجارة يدخنها.
الأنوثة ليست الزهرة...
وليست نقطة الندى ...
هي لحظة تماس الندى بالزهرة.
الأنوثة ليست رشفة ً من كأس... 
وليست الشفة والنبيذ...
هي توقيع الشفة على كأس نبيذ.
الأنوثة ليست جمال امرأة ...
وليست حركة امرأة...
هي امرأة تتحرك في عقلك.
الأنوثة ليست العذوبة...
وليست فوحة عطر...
هي تقطير العذوبة عطراً تتفحَّص ضوعته امرأةٌ تشمُّ مِعصمَها.
الأنوثة ليست في وضع ساق فوق ساق...
هي في التفاف الساق على الساق.
وليست عري الصدر حتى النهديْن...
هي في جعلكَ تتخيّل ما لا ترى بعينيْك. 
الأنوثة ليست أصابع امرأة تداعب وترا...
هي في حَضْنِ الألة وكأنها الحبيب. 
والأنوثة أن تغادري المكان...
ويلحق المكان بك.
 ***
ما به قلمي يتلعثم؟
بربِّكِ لا تحرجيه أمام القارئ،
كما يحرج المعلِّم تلميذه حين يقف وراءه مراقبًا ما يكتب. 
هل يُلام القلم إذا ارتجفت الأصابع؟
*** 
مدوِّيًا صارَ صمتُكِ.
عاصفًا صارَ سكونُك.
مُلتهبًا صارَ صقيعُكِ.
كلمةٌ ضاغطةٌ تفجِّرُ حزامَكِ النَّاسفَ بكِليْنا.
لا تفسِّري ابتعاديَ جبنًا.
ما خِشيتي منكِ بل عليكِ.
 ***
ضبطَتني أقرأ صفحة بيضاء، في كتاب أسود الغلاف،
فتناولتْ قلمًا وكتبتْ: هذه الصفحة كانت بيضاء، فصحَّحتُ لغة كاتبها، وصار في إمكانك استظهار بياضها. 
والأنكى أنَّها استعملت الحبر الآبيض.
 ***
أُولدُ كلَّ يوم من امرأة،
وأَموتُ كلَّ يوم في امرأة.
وهيَ هيَ لا تولدُ ولا تموتُ لأنَّها الحياة.
 ***
اللّمسةُ همسةُ الأصابعِ في مسامعِ الحسِّ،
والهمسةُ لمسةُ الحسِّ بأصابعِ الرّوح.
 ***
داهم الصباح سريركِ،
وتسلّلت عساكر الشمس إليكِ،
ورفع النهار علمه على صوت فيروز في ثكنة غرفتكِ،
وأنتِ ما زلت ممدّدة في البارحة،
ألف طلقة مدفع لا تحرّك جفنيْكِ،
كأنّكِ تحالفتِ مع النّوم لأنّه وريث طقوس الحبّ العابر للسّاعات، وملاذ المتعبين من فروض السّهر.
لو كانت الأيّام كلّها ليلًا لصارت الوسائد تيجان الأسرَّة.
 ***
بعدما ضلَّ إصبعُكِ الطريقَ إلى وجعي،
صارَ وجعي يضعُ جرحَه على إصبعِك.
*** 
تعاليْ نبني كوخنا كما تبني العصافير أعشاشها.
لا تستأذن مالك الشَّجر،
ولا تراجع الدوائر العَقاريَّة.
لا يهمُّها موقع يطلُّ على البحر،
ولا نوافذ تخترقها الشمس.
لا تستبق اللُّبنة الأولى بالخرائط الهندسيَّة،
ولا تبالي بالبنى التحتيَّة.
تعاليْ نبني كوخنا على هوى العصافير،
بعيدًا من مرامي الأعين وثرثراث الألسن.
كفانا العيش في مدن النَّثر،
وتكفينا خلوات العشق في بيت شِعر.
*** 
كوني أنتِ الخمرةَ، 
أكنْ أنا الكأس. 
انصبّي فيَّ ثُمالةً،
أصِرْ أنا السُّكر.
لا كانتِ الكرمةُ بعدنا...
ولا كانَ العصير.
*** 
يوم صرتكِ وصرتني...
صارت القصيدة امرأة،
وصار يحقُّ للشاعر ما لا يحقُّ لسواه.
 ***
من خوارق الحبّ:
أغمض عينيَّ وأظلّ أراكِ.
 ***
عندما تكونين وليمتي... أنسى أداب المائدة.
 ***
أبحثُ عن جملة مفيدة أصف بها لغة جسدك،
لم أجد فعلًا وفاعلًا ومفعولًا به.
أكتفي بما يرضي ضميري الأدبي:
أنتِ حالة شغب.
 ***

طائفيٌّ أنا، لكن على طريقتي.
أنتمي إلى دين الشاعر "ابن عربي" القائل:
أدينُ بدينِ الحبِّ أنّى توجّهت ركائبُهُ
فالحبُّ ديني وإيماني.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.