الأربعاء، 3 أبريل 2013

ماري القصيّفي "رسولة الحبّ" - بقلم ميشال مرقص


مع الأستاذ ميشال مرقص خلال ندوة حول كتاب "عودة النبيّ" للأستاذ إيلي صليبي

ماري القصيّفي "رسولة الحبّ"
تتعب من مهمّة مصيرُها الاستشهاد
ميشال مرقص


تتحدّى الأديبة ماري القصّيفي ذاتها عندما تكتب. تتحدّانا عندما نقرأُ لها. تتركُ بصمتها في مساربِ الكلم. تحفرُ فوقَ شرايين الحرفِ نسمةَ دهشة. تختفي وتظهر في لباقةٍ تجمعُ أطرافَ الصورة.
كلّما أوشكتُ أن أكتبَ في "أحبَبْتُكَ فصرتُ الرسولة" (شعر – عن دار سائر المشرق -2012)- تلوحُ آفاقٌ جديدة – كتابتُها فجرٌ قُطبي- أو قلْ:"فجرٌ كونيٌّ يتوالدُ" كما أرادتْه رسولةُ الحبِّ.
وبما أنّها "رسولة"، تخترقُ حُجُبَ تُخفي حقائق الإنتماء. لا تُعرِّفُ عن نفسها بنمطٍ تقليدي. بل بنشيدِ انتماءٍ يتفجّرُ عاطفةً ويرتوي من شرايين الإنتما الحق:"أنا يا صديقي، لبنانية، مسيحيّة، مارونيّة... لكن – لا أنتمي إلى هذا الذي تراهُ وتسمعُ عنهُ في الوطن والطائفة" أعرف الفقر والمرض والموت و"لا أخضعُ له" – أنا الحرِّيَةُ الحقُ. أُعطي بلا حساب، وأتنازل بلا حدود "لأنّ مملكتي لم تكنْ ولنْ تكونَ من هذا العالم الذي يُحاولُ أن يخنُقَ حُرّيتي". (ص 2-3).

ومن منطلق هذه الحرّية. تنمو بذور الرسولة. رسولة حبٍّ ذي أبعادٍ لا تخضع لمقاييس عاديّة، بل هيَ متباعدة في قياساتِها أفقيًّا وعموديًّا، لا بل تتخذُ حجم الكُرة المتداخل في عدم النهاية. من يحمل الرسالة يلتزم بها، هكذا في الأديان، هكذا في المبادئ، هكذا في الفلسفة، ومع ماري القصيّفي هكذا في الحبّ في العشق. أبعدُ من حالةٍ تُدخلنا إلى ظاهرة متكاملة، لها جاذبيّةُ الانعتاق من الذاتِ بهدف الولادة من الآخر. وبمثلِ ما يتهيّأُ الرسولُ دائمًا بتعمّقه في مفاهيم رسالته، ويتغذّى بأفكارها، ويجترح المعاني والأفكار المُروّجة لها، تتهيّأُ القصيّفي في رسالتها. الدعوةُ هي الحبّ. الحبُّ المحرّض للوجود. من خلاله تعي حقيقةَ وجودها وتحملُ الطيبَ. هي المؤمنةُ بالحرّية، تلتزمْ بألاّ تلتزم. تبقى متفجّرة في أن تكونَ هي، لا أحدَ سواها. لكنّها امرأةٌ، يرتوي نسغُ الحبِّ من جمالها. هي رسولةٌ لحبٍّ يلازمها "كي أتذكّرَ الفرقَ بين أن أعيش وأن أحيا". فتَفْتحُ على إشكاليّةٍ تنخرُ جسم المجتمع، وتُفكّك الأُسَر. إشكالية "العيش" وإشكالية "الحياة"، إذ بات معظمُ الناسِ يكتفي بالقول :"عايشين"، ما يعني أجسامٌ تتحرّك في اللوحة الجبرانية، أمامَ العاصفة فتخالُ حياةً فيها.
والرسولةُ لا تُخفي تعمقها في لاهوت رسالتها. صحيح هي رسولةُ حبٍّ، لكن ليس أيَّ نوعٍ من الحبّ. 
تُخفي الأديبة ماري القصيّقي هواجسها الحياتية، وراء مرايا مصقولة تُريدُ منها أنْ تتشرّبِ الجمالات المنعكسة فيها. تُريدُها أن تُزهرَ في داخلها. تتفتح في شرايينها. تتنفّس عطرها. تُدركُ جوهرها. تُعتقُ جذورها من الالتصاق إلى الإلتصاق. 
وتقودُ إلى حيثُ الدهشة = السؤال. ما يُبقي سرَّ الأنثى على غُموض، يُبحرُ قريبًا من شواطئ اللمسِ ولا يستقرُّ في مرفأ.

"أحببتُكَ فصرتُ الرسولة"، لوحاتٌ مطلّيةٌ بكلّيّةٍ عشقية. المعشوق صديق، عاشق مهووس بالحبيبة، مفكّر، فيلسوف، مشارك في أفكار الحبيبة، غائبٌ خارج حدود وطن، بعيدٌ في عمله اليومي، متوسّطٌ العمر أو عجوز... وفي هذه الحالات كلّها هو القريبُ الحنون الذي يمسحُ التعب عن جبينٍ أو يُغري بقبلة أو بابتسامةٍ من عينيه... لكنّ رسالتها هي أن تبقى الحبيبة المتولّهة...
الحالاتُ الواردة تَعكسُ مناجاة القصّيفي لحالاتٍ تُعبّرُ عنها. لا تتخذُ شكلاً تدريجيًّا، بل تواجدًا دائمَ الحضور في لوحاتها الشعرية من "الرسولة". ما يقي الأديبة من التهوّر في أوصافٍ "بورنوية" درجت في مؤلفّاتٍ أنثوية معاصرة. هي مشبعةٌ بالرغبات. طقوسيتُها مالئة خلايا الجسد. "أعرّيكَ من ثيابِكَ كي ألتصق بجلدكِ، وأخلعُ عنكَ جِلدَكَ كيْ أنصهرَ فيكَ، فحينَ يجنُّ بي التوق إليكَ، يصيرُ جسدكَ حاجزًا أرغبُ في اقتحام جماده ...- ص- 37". هو التوقُ الجامحُ، يتبلورُ في إيحاءاتٍ مثثقلة بعناقيد الرغبة. طيبُها حالاتُ شوقٍ من استعادة لوحةٍ في الخيال، أو ذكرى (أفلفشُ في أوراق ذاكرتي لعلني أستعيدك – 99)، أو تصويرٌ لحالة ضياعٍ لبعد الحبيب، أو قبلة متسلّلة من خلال فتحة قميصِ (ص– 81)، يفضحُ ذكرُ لونها، إلى مدى التعلّق به، بأسلوبٍ شاعري، أو قبلة العنق تمحو ما تركَ العمرُ من تجاعيد.... هي استرسالات ماري القصيفي في "رسالتها العشقية". وطالما أنها "اكتشفت سبب وجودها" فهي، بأسلوبٍ غير مباشر، تُشرّعُ أبواب هذا الوجود على مستلزامته كلّها، فيفيضُ النهرُ بالأشواقِ من دون تفاصيل. "أنا يا صديقي أعرفُ العشق حينَ ألتقي به ولا أهربُ منه... فجسدي ملكٌ لي - ص 3). وتتساءل حول حائرةً أمام جسد الرجل المعاند "هل أنتَ جلجامش الجديد".

الرسولة المتباهية بجَلالِ رسالتها العشقية، تتطلّع إلى أبعادٍ كونيّة في عشقها، "كطفلةٍ لا تُريد التوقف عن العبث في أغراض الكون، وهي مطمئنّة اطمئنان الجاهل لجهله إلى أن الكون كلّه يُباركُ لهوها – ص 32). وتبقى في هذا النزق العشقي المواكب للحالات المتجدّدة، إلى أن تغرقُ في صوفيّةٍ عميقة:"ما أعرفُهُ انني توحّدتُ بكَ حتى لم أعد أعرفُ كيف أميّزُ بين فرح قلبك وفرح قلبي، بين شوقكَ إليّ وشوقي إليكَ، بينكَ وبيني – ص -40".
ولدى الالتباس، والحلوليّة، أو الإشراق، لا يعودُ يهمّ من يكونُ أو لا ... ألم يرَ إبن العربي "الله تحتَ الجُبّة" – ورابعة العدوية :"إذا رأيتني رأيته وإذا رأيته رأيتنا". هي ماري القصيّفي تقولُ في ريبتها العشقية "أأنتَ هو؟":" ولأجلِ ذلكَ لم يعدْ يهمُّ أن تبقى أو ترحلَ، أن تحضرَ أو تغيبَ، فأنتَ لم تعدْ أنتَ، لأنّكَ صرتَ الحالة". وأيُّ حالةٍ تتكوّن في صيرورةِ عدم التلاقي، المغلولِ بمساحاتِ بُعدٍ لا يُجرّحُ وُدًّا ولا يذبحُ عشقًا ولا يُنبتُ قمحَ تواجدٍ. "أنتَ الآنَ تمشي في أرضٍ لا أعرفها، وأحسدُها لأنّها تعرفُكَ وتُرافقُ خطواتِكَ – ص - 107". التكامل بين كوكبين يتجاذبان القوّةَ ذاتِها، التوازن الدوراني ذاتَه، يُلقي نفسَ الرغبةِ في الافتراق..."نحنُ قوّتان تحتاجان إلى هذه الفسحة التي بيننا، نحتاجُ إلى رياحٍ تلعبُ بين أعمدة هياكلنا – ص-108".
ورغمَ أحلامِ طفلةٍ – أنثى تلهو بكياناتِ الحبّ، يبقى انسيابُها إلى حضن الحبيب وهي تفيقُ من "عزّ النوم"، لوحةً حنان يملأ العشقَ، لأن "أجملَ الصباحاتِ تلك التي فيها تفتحُ عينيكَ اللتين لهما لونَ الحبّ، وتراني أبتسمُ وأنا في غفوتي أحلمُ بكَ – ص 116". وتعيشُ حياتها في دقائقها، بعد أن تُدفقَ على لوحتها ألوانَ الحبّ، ألوان حياةٍ اكتشفتها فتضيفُ:"مرّاتٍ ترفرفُ شفتاكَ على لحن أغنيةٍ قديمة لفيروز قبلَ ان تحطّا على جبيني، ومرّاتٍ تحملان على أجنحتهما أريج القهوة التي أعددتُها لنشربها معًا، وتهمسَ لي من بعدها :قهوة دايمة ونضحك – ص 116".
وفي تجلّي الرسالة، إيحاءاتُ القصّيفي الأدبية، فالشفاه لا تُدندنُ أغنية بل "تُرفرفُ"، ليسَ من أجلِ الأغنية، بل من أجل قبلة على الجبين، حيثُ "تحطّان"... فتعيشُ لحظة العشق الصباحية معًا.
هذه الثنائية التبادلية في العشق لا تنفكُّ تتحدّثُ عنها الأديبة القصّيفي، وتراها في مجالات رسالتها العشقية كلّها...
تُتعب ماري القصّيفي في حدائقها المُعلّقة. أضاميمها في كلِّ مكان. تسمو بالحبِّ إلى مرتبة الرسالة. تشيلُ واقعَ الحبِّ إلى محطةِ الهوسِ والهذيانِ في مواقع. تأخذُ بالرجلِ إلى أسمى ما يحلو لها أن يكونَ ليستحقّها، فهو الرجلُ المتوافقُ مع خطوطٍ هندسيّة وألوان عاطفيّة سكبتها على عُريِ عشقها. "أيّها الرجلُ المولودُ من كلماتي...ها أنتَ تولدُ كلمةً من رحم انتظاري – ص 42". هذا الانتظار المضني، المسكوب بجفاف الحلق ويباس اللسان "من أين لي أن أعرفَ رجلاً مثلكَ- تتابع – أنا التي توقّفَ بها السعيُ عند محطّاتٍ لا يصلُها قطارٌ ولا يمرُّ بها مسافرٌ – كيفَ وصلتَ إلى غُرفتي – ص 42". كأنما تُقاربُ ملاكًا أو رجلاً اثيريًّا جاء في ليل العمر واختصرَ ما تُريده من رجلٍ عاشقٍ "أيُّها الرجلُ الغريبُ/ الحبيبُ/ الهادئُ/ المُطمئنُّ/المصغي/ الواثقُ/ العارفُ/ الشاعرُ/ العالمُ " هوذا أنتَ من أكوّنه في رحمِ شهوتي :"نم الليلةَ في فراشي ولنغفُ متعانقينِ آمنين. ودعنا لا نُفكّرُ في الغدِ – ص 43". 

أمّا الحالةُ الشعرية، فتقاربُها القصّيفي بعمق العاطفة. الجرسُ الموسيقي يتناغمُ في شفافيةٍ تعكسُ صِدقَ العاطفة، ويفتحُ على نوافذَ نحوَ مسافاتٍ من إبداعٍ يُدهِشُ. وهو إبداعٌ يتمايزُ في لوحتين: أولى تصلُ بالقارئ إلى دهشة، عبورٌ نحوَ حالاتٍ غيرِ متوقعة، قد تصدمُ. تقودُ ماري القصيّفي رسوليتها بتصاعدٍ عشقي، وعندما تبلغُ الذروة في المدِّ الارتدادي تكوّنُ حاجزًا، يُشبه ذلك التابو في أحلامِ اللذّة. يصعق. 
والإبداعُ الآخر في اختيار لوحاتها وسياقها الأدبي، وللمثال "كلماتُكَ القليلة نبيذٌ نادرٌ أمضى عمرهُ الطويل في أقبية قلبك – 74" – "ما نفعُ الجسدِ إنْ لمْ يكنْ ليفيضُ برغباتٍ صباحيّةٍ – ص 113".- "يُصغي الكونُ إلى لغتنا ولا يفهمُ منها شيئًا، لكنّه يقع تحتَ سحرها – ص 96" – "أكوي أفكاري التي جعلكها التقلّبُ على قلقِ الانتظار - في غيابِكِ يغيبُ كلُّ ما عداكِ – ص – 88". – "غيابُكَ الضبابيُّ يتسلَّلُ إليَّ من ثقوب الأبواب التي ظننتها صارت محصّنة ضدّ حضورِكِ – ص 86". -... هذه باقة فالانتينية من حدائق القصّيفي ...وأحيانًا تيأس – تستقيل – تُريد أن تنفضَ عنها الحبّ – أن تترك مفاتيح السماء التي تنقلنا إليها معها لنعودَ إلى الواقع.
"تعبتُ ...من الحبّ المجنون، الصاخبِ، المتطلّب،المتسائل، المُلحِّ، المُشاغبِ، العنيد،
من الحبِّ الذكي، المشاكس، الباحث، العاصي، العابث،
من الحبِّ الخالق، المختلف، المتخيّل، المتخايل،
تعبتُ من الحبّ " (ص -136...)

ومثل أيّة رسول أو رسولة، تتهدّدُ حياتُه أو تُكبّلُ حرّيتُهُ، أو يُقطعُ رأسه مثل يوحنا وبولس ... تخشى الرسولةُ من التهيّوء الدائم والخوف والخداع "تعبتُ من مهمّة رسوليّة مصيرُها الاستشهاد على حدود اللقاء ... " 
"خدعتني أيُّها الصديقُ العجوزُ،
بعدما أوهمتني بامتلاكك مفاتيح السماء،
وخرائط الأرض ولغة الكائنات" (ص – 137...)

××××
"أحببتُكَ فصرتُ الرسولة" – ليسَ عنونًا لكتاب مستعار من عنوانٍ جزئيّ. هو رسالة تتماوجُ في مراحلها من الإعدادِ حتى اليأس، عبر النشوة الصوفية الخارقة للذات والعابرة إلى الإنصهار بالآخر، في ذاتِه وكونه وعالمه... في أرجوحةٍ ملوّنة بعشقٍ يحلمُ بالسماء ... ويُفاجئ كيفَ أنّ أجنحته تتعب.
قراءة سحريّة بامتياز ...

الاثنين، 18 مارس 2013

رأي لي عن الثقافة والمقهى في صحيفة القبس الكويتيّة مع الزميلة أنديرا مطر



المقاهي والمثقفون.. من حاضنة للثورة إلى «مقاهي تصريف الأعمار»

بيروت - أنديرا مطر
الاثنين 18 آذار / مارس 2013 - العدد 14295
العابر في شوارع بيروت والمتلصص على مقاهيها تلفته ظاهرة قديمة متجددة: شعراء، روائيون، فنانون، هجروا منازلهم واحتلوا مقعداً في مقهى، فصاروا جزءا منه وتعبيراً عن هويته. علاقة المثقف بالمقهى حميمة حيناً، ملتبسة حيناً آخر. بعضهم يقصده ليختلي بنفسه، آخرون يأتون للالتقاء بالأصدقاء، ولكل منهم طقوسه المكرسة التي لا تتبدل ولا تتحول ولو تغيّر المقهى.. في نهاية المطاف هي «مقاهي تصريف الأعمار».
قبل الحرب الأهلية برزت بيروت كملاذ للمثقفين العرب الهاربين من استبداد الأنظمة، وكانت إحدى سمات عصرها الذهبي تلك العلاقة التبادلية بين المثقف والمقهى.
وشكلت مقاهي بيروت حاضنة فعلية لحركات التغيير على جميع المستويات السياسية والفكرية والأدبية والاجتماعية، وكانت رئة المدينة ومتنفسها إلى الخارج، لا سيما مقاهي الرصيف. الدينامية وحلقات النقاش لم تكن عبثية، وليس من المبالغة القول إن ثقافة المقاهي أحدثت انقلابا في مفاهيم السياسية والأدب والقضايا الاجتماعية السائدة حينذاك، ودفعت بالرئيس المصري جمال عبدالناصر لمهاجمة هذه المقاهي، كونها المنبت الشرعي للانقلابيين والمعارضين في العالم العربي.
اندثر هذا الزمان. مقاهي بيروت ما قبل الحرب هي غيرها ما بعدها أو ابانها. أقفلت معظم المقاهي التي لها علاقة بالثقافة والمعرفة، لتنبت مكانها مقاهي العولمة والأكل والشرب والتدخين. غيّب الموت أبرز روادها وصانعي مجدها، وساد نمط آخر ومزاج آخر. راح المثقف يبحث عن كرسي وطاولة في المقهى الذي يشبهه. بعضهم لم يجد له مكاناً، كتلك المجموعة من المثقفين التي كانت تجلس في «مثلث برمودا»، كما يطلق عليه الشاعر شوقي بزيع (أي مقاهي الويمبي وكافيه دو باري والمودكا).
القبس التقت مجموعة من «مثقفي المقاهي»، أباحوا بأسرار علاقتهم بالمقهى، طقوسهم، وخلاصة تجربتهم.

ضجرت من المثقفين
بإجابة مقتضبة وحاسمة يوجز الشاعر اسكندر حبش علاقته بالمقهى: «لم أعد أرتاد المقاهي بل الحانات الليلية. ضجرت من المثقفين وأعشق الآخرين الذين هم أكثر أصالة».

حياة وأكثر قليلاً
للكاتب والصحافي حسن عبدالله علاقة حميمة بالمقهى، فهو نزيل المقاهي ولا ينافسه أحد في هذا المجال. يصف العلاقة مع المقهى قائلاً: «هي حياة وأكثر قليلاً».
يضيف: «منذ ان صار لي أقدام سرت إلى المقهى.. منذ صيدا في السبعينات إلى بيروت في الثمانينات وباريس في التسعينات، حصدت المقاهي رصيفا رصيفا، كان ذلك انتماء إلى فضاء حر.
المقهى بالنسبة له أيضاً عزلة، وحين يريد أن يكتب أو يفكر أو يغضب، يعود بالذاكرة إلى باريس حيث كان يقيم في غرفة واحدة la chambre de bonne، وبسببها صار المقهى بيته ومكتبه ومكان دراسته وغرفة الاستقبال وساحة الاحتفال. «هناك كتبت أطروحتي للدبلوم ومارست الغربة والرغبة وما بينهما من حنين إلى مقاهي بيروت».
«أذكر أنني كنت أحيي الليل حتى الصباح في مقهى le depart ومعناه الانطلاق. كنت أنطلق وأراقب المشردين والعشاق، وأقرأ ضفاف نهر السين ورهبة كنيسة نوتردام دوباري الجليلة. الآن أسجل حضوري وعشقي للمقهى في بيروت، لكنه ما عاد ينطلي عليّ المناخ.. أحن إلى باريس، أريد أن أذهب لأرى ما حل بخيالي هناك. قيل لي إن المقاهي تئن. بعضها باق في انتظاري على ما أشتهي..».

علاقة ملتبسة
علاقة الشاعر الفلسطيني مازن معروف بمقاهي بيروت ملتبسة بل معقدة. بيروت لم تتح له الفرصة لتأسيس أو اكتشاف علاقة شخصية مع المقهى. يقول: «مودكا وويمبي اندثرا. وفي الجلسات القليلة التي أمضيتها في المقهيَيْن، كنت أشعر إما بالاختناق، أو بالملل. لا لم يكن مللاً جافاً، كان شيئاً معقداً، كأنت أشعر بأنني محكوم بمسار كتّاب أكبر سناً. أو كأنني داخل ماكينة لتعديل الشخصية بسرعة فائقة. في المقهى كنت أشعر بأنني داخل إطار ضيق جداً وضاج وواضح في آن، كفضيحة مقفلة على نفسها. كان بمقدور الجميع أن يراني من الخارج، وكنت أشعر بأن من واجبي الكتابة، وأن كل تلك العيون العابرة هي عيون مستفسرة ومنتظرة ما سأكتبه».
بعين الشاعر يلملم معروف تفاصيل المكان وعلاقاته بكل حيز فيه، «كان الجلوس على الكرسي البلاستيكي غير المريح، ورؤية بعض الكتاب الأكبر سناً والعظماء كعصام محفوظ مثلاً، ومن ثم سماع كل تلك الأحاديث اليسارية المتحمسة والقلقة والمتهكمة والحاذقة، يشعرني بالارتباك، وبأنني مجرد متمّم غير ضروري للمكان».
للشاعر تكتيك اعتمده لمواجهة إرباكه مع المكان ورواده «لم أكن أضع الأوراق في منتصف الطاولة، بل على طرفها، وأحياناً أطوي الورقة لتصبح بحجم مستطيل صغير أستطيع دفعه بحركة خفيفة تحت ذراعي الممددة على الطاولة. كانت ذراعي فخاً لتسوية أمر الأوراق، وذلك لأنني في الواقع لم أكن أكتب شيئاً. ولا كلمة واحدة. كنت أشْحَن لكنني لم أكن (أضيء)».

تحوّل حاسم
لا يعني المقهى شيئاً للكاتبة والمترجمة ماري القصيفي في غياب الكتابة.
في روايتها «كلّ الحقّ ع فرنسا» يحضر المقهى عنصراً أساساً، وكذلك في نصوصها الشعريّة ومقالاتها وقصصي القصيرة، حيث يبدو هذا المكان مسرحاً لكثير من مشاهد العشق والنقاش والشجار والانفصال، كأنّ العلاقة تولد فيه وفيه تنتهي.
مقاربة القصيفي للمقاهي الجديدة مختلفة، فهي من وجهة نظرها لم ترتبط بعد بأسماء وحوادث تستحقّ أن يكتب عنها، والندل فيها عابرون، من تلامذة الجامعات الذين يسعون لتحصيل مصروفهم، على عكس ما كان عليه الأمر قديماً، حين كان النادل فرداً من عائلة الكتابة.
تعترف بشعورها ببعض الغربة عن القراءة والكتابة في المقاهي الحديثة، حيث اللابتوب هو العنصر الأساس، في حين أنّ «ما بقي من قديمها يثير الحنين إلى زمن الورقة والقلم وخربشات تمهّد لكتابة داخليّة ولو أحاط بها ضجيج الخارج وحركة الناس».
علاقة القصيفي بأدباء المقاهي شهدت تحولاً حاسماً إثر ثورات الربيع العربي، التي لم يكن لمثقفي المقاهي أي دور فيها. تعبّر القصيفي عن هذا التحول بوضوح، وتقول: «لا أخفي أنّني، بعد ما سمّي بالثورات العربيّة، هاجمت في مقالاتي أدباء المقاهي ـــ ولا أستثني نفسي منهم ـــ معتبرة أنّهم كانوا يشربون القهوة خلف الزجاج أو على الرصيف، حين اجتاحت الثورة عرض الشارع، وتالياً لم يكن للكتّاب أيّ دور في انطلاقها أو التشجيع عليها أو توجيهها».

مطرح للإلهام
الحديث عن المقهى يعيد الكاتبة والصحافية ليلى عيد الى زمن بيروت الذهبي، «تحمل اللحظة هذه خيالي فتعيدني طفلة على أعتاب المراهقة، تتعلق بأذيال ثوب قريبتها الصحافية الأكبر سناً لتخبرها أي شيء عن لقاءاتها مع كتاب وشعراء مبدعين وفنانين نثروا عطر كلماتهم في فضاء بيروت وبقيت أطيافهم وسيرهم مزروعة ذاكرة وذكرى في مقاهي شارع الحمراء والروشة».
تلك ذكريات ليلى عيد عن مقاه كانت عنواناً دائماً لكثير من مبدعين عبروا. لا يعني اندثار هذه الاماكن انفراط العلاقة القائمة مع المقهى، الذي بقي ذلك المطرح الشاسع للإلهام وليس لتناول القهوة ولقاء الأصدقاء فقط.
اختيارها للمقهى حميمي خاص أينما وجد، قرب البحر أو في الجبل، فهو «ذلك المكان العابق برائحة البن وبخار الشاي وأنفاس الرواد، برجع الأصوات أو الصمت، بالسكينة أو الضجيج، وكل هذا يحملني في كثير من المرات على إغلاق الجريدة، التي بنيتي قراءتها، والانصراف الى التأمل والإصغاء إلى وشوشات الحياة وصرخاتها، بمعنى آخر أغلق الجريدة حتى أتصفح الكائنات والكون».

عناصر القصيدة الأولى
ما أن يخطر في بالك هذا الارتباط بين المثقف والمقهى حتى يقفز اسم الشاعر شوقي بزيع فوراً إلى الواجهة. هذا شاعر لكأنه ولد في مقهى، ببساطة متناهية يقول: «لم أكتب قصيدة واحدة في بيتي على الإطلاق، فالكتابة متصلة بالمقهى».
المقاهي بالنسبة له، لا سيما في المدن التي تمتلك مشاريع لها علاقة بالحياة المتصلة بالوعد الإنساني والمتجددة، هي أماكن لإنتاج المعرفة وللتفاعل الثقافي، بحيث يصبح الاختلاط داخل المقهى اختباراً حقيقياً لأفكار ورؤى جديدة كما حدث في مدن الغرب، حيث إن الثقافة الغربية نشأت في مقاهي باريس وأمستردام وبرلين.
يرى بزيع أن المدن التي تخلو من المقاهي هي مدن منغلقة على نفسها، يصفها بأنها «مدن من دون شرفات هي كالقلاع تنغلق على نفسها ولا تستقبل أي وافد جديد».
للشاعر طقوس خاصة فيما يتعلق بالكتابة، يعترف بأنها طقوس عجائبية. فهو على امتداد أكثر من عشرين سنة يكتب على الطاولة عينها ويجلس على الكرسي عينه ما دفع أصحاب المقهى إلى الإبقاء على طاولته وكرسيه حتى عندما حولوا وجهته إلى مطعم.
اختيار بزيع لمقهاه لا يخضع لمعايير المثقفين التقليدية: المقهى الذي أختاره ليس بالضرورة أن يطل على البحر، بل لأنه خال من المثقفين، مجرد الإحساس بأن المثقفين ينظرون إليّ يربكني. الناس العاديون من خارج الوسط الثقافي لا يؤثرون على كتابتي ولا يعطلون قدرتي على التركيز لأن كل شيء خارج طاولتي يتحول إلى سديم مطلق، تسدل الستائر من حولي بالكامل ولا تضاء إلا هذه البقعة «الورقة البيضاء».

بعيداً عن الفضاء العائلي
يذكر الروائي جبور الدويهي أن انتقاله من الكتابة بقلم الرصاص على دفاتر مدرسية إلى الكمبيوتر المحمول سهّل عليه من الناحية التقنية كتابة رواياته. ويؤكد أنه بحاجة إلى الخروج من منزله ليجلس في مقهى ويبدأ يومه بالكتابة، حتى وإن كان مكان المقهى في المبنى نفسه حيث يسكن. يرتاد المقهى كما يقول ليرتاح جالساً على كرسي «وبشكل عام أكون أكثر إنتاجية نسبياً كلما ابتعدت عن غرفتي وعن الفضاء العائلي بشكل عام والابتعاد عن أماكن موضوع الرواية»
ويضيف: «أفضِّل الكتابة في المقاهي، حتى وإن كانت تعج بالضجيج».
يفرض الروائي على نفسه نظاماً صارماً، ولكن السؤال هو من أين يبدأ؟ فضاء المكان بالنسبة إليه لا بد أن يكون مناسباً ومريحاً وفعالاً في آن، «بعد أن أجد المكان المناسب أحسّه وأتحكم به، وأحياناً ألتقط له بعض الصور أو حتى أقوم برسمه على أن أمحو ما رسمته أثناء الصياغة، كما يفعل الطفل في قصيدة جاك بريفير عندما يرسم قفصاً ثم يقوم بمحوه ليطلق حرية العصفور».

الأربعاء، 16 يناير 2013

أنطوان سلامة العابر بين مزدوجين





    لم تستطع أضواء العمل التلفزيونيّ أن تبهر عينيّ الإعلاميّ "أنطوان سلامة"، أو أن تلهيه عن عوالمه الداخليّة التي لا يصل إليها المرء إلّا وقد تخفّف من واجبات العلاقات الاجتماعيّة ووطأة العمل الإخباريّ ذي الإيقاع السريع والمعلومات التي أقلّ ما يقال فيها أنّها نقيض الشعر. من دون أن يعني ذلك في أيّ حال من الأحوال انفصامًا في حياة هذا الشاعر الذي عرف كيف يوازن بين عالمين متناقضين، وإن من غير أثمان لا بدّ من أن يفرضها واقع الأمر.
    لذلك يبدو أنطوان سلامة، في مجموعته "العابر بين مزدوجين" الصادرة عن "دار النهار"، عابرًا بين مزدوج الوقت والزمن ومزدوج النوم والموت. ومفارقة واضحة أن يسيطر الحقل المعجميّ للمزدوج الأوّل على الصفحات الأولى في حين تسيطر مفردات الحقل الثاني على الصفحات الأخيرة. كأنّ الشاعر لا يجد بابًا للهرب من الوقت إلّا بالنوم، النوم الذي هو تمرين على الموت، فيقول: "أجمل ما في النوم/ أنّك تجرّب الموت/ تحمل رفاتك بيديك" (ص34). والهروب ليس مجرّد كلمة نطلقها جزافًا على موقف الشاعر، فهو القائل في قصيدة بعنوان "هروب" (ص26): حان وقت الهروب/ لم يعد في الشجرة ورد/ والذين يقفون في الساحة/ لم يعرفهم البائع الجوّال"، ليؤكّد في الصفحة التالية، من القصيدة نفسها أنّ "الذين هربوا نجوا" وأنْ "وُجدت أقدامنا لنهرب".


يهرب الشاعر من الوقت، والغريب أنّ هذه المفردة، أعني بها "الوقت" ترد أكثر من كلمة الزمن، كأنّ عمر هذا الشاعر الشابّ لم يجعله بعد في مواجهة وجوديّة حادّة مع الزمن بل مع الوقت الآنيّ الذي يعبر بين مزودجين كأنّه آتٍ من خارج سياق الكلام. وترد كلمة "وقت" في هذا الكتاب (78 صفحة من القطع الصغير) نحو 25 مرّة، تليها كلمات تتعلّق بالنهار والصبح والضوء والفجر في نحو 12 مفردة، والعمر بما فيه من كبر وصغر وعتق وماضٍ 11 مرّة، والمساء مع الليل والسهر والعتمة 11 مرّة. أمّا الدقيقة فترد 5 مرّات، والفصول 5 مرّات، ومتى وحين نحو 3 مرّات، والزمن والتاريخ كذلك 3 مرّات، أمّا الأبد فترد مفردته مرّة واحدة. وهذا ما اختصره الصحافيّ الأديب رفيق خوري على غلاف الكتاب الخارجيّ بقوله: "على ساعة يده تلتقي البداية والنهاية. حيث لا بدايات ولا نهايات، بل سفر في الرؤيا نحو مملكة الصمت والحكمة"، وفي ذلك إشارة إلى أكثر من قصيدة تدور معانيها مع دوران عقربي الساعة، ومنها واحدة بعنوان "ساعة يده"، وفيها: "تحمل ساعة يده/ ستّين دقيقة/ فوق ستين/ وتحمل نعشه/ وباقات الزهور/ إلى قبره الجميل" (ص16). أليس لافتًا أن يعطى القبر صفة الجمال في مجموعة شعريّة تكاد النعوت المباشرة والصريحة تحصر في ستة (الخمس الأخرى هي: الدائرة المقفلة أي الساعة، البائع الجوّال، الباب المقفل، نوم خفيف، الأميرة الصغيرة).
يحكم الوقت إذًا فكر الشاعر ويفرض عليه إيقاعه الرتيب، معيدًا خلال مروره الذكريات والطفولة والجدّين والطبيعة، بينما لا يتبدّى المستقبل له إلّا مع ذكر ولديه، وخصوصًا ابنته التي طمأنها إلى زوال العتمة في قصيدة بعنوان "الأميرة" (ص 46): "الضوء الذي لم يصل/ كان يتأنّى/ علّ الأميرة الصغيرة تكبر/ فتراه". ومن أجل الولدين، وأمام ناظري شريكة حياته، سيبني بيتًا يحميهما من عواصف الأيّام فيقول في قصيدة بعنوان "بيت من خشب" (ص 58): سيبني بيتًا/ قبل أن يداهمه المطر./ يسأل ابنه/ لماذا بنيته/ من خشب ومسامير؟/ تسأل ابنته/ لماذا جعلته/ بين وردة وغيمة؟/ وحدَها/ تغمض عينيها/ لتبصرَ/ حلم العصافير.
***
الكاتب أنطوان سلامة في حفل توقيع كتابي "كلّ الحقّ ع فرنسا"

عاجز "أنطوان سلامة" عن مواجهة الوقت إذًا، فماذا يفعل؟ يطفئ الضوء، الضوء الذي لم يصل إلى العينين، ويشتهي النعاس الذي يأتي عاريًا، وينام كي لا يرى، وكلّها من تعابير الشاعر. من هنا بلغ عدد مفردات السهر والنوم والرقاد والنعاس وإغماض والعين والسرير والفراش 43 مفردة، يكمّلها 12 مفردة للمساء والليل والعتمة والقنديل والسراج. في حين لا يترك للأحلام سوى 4 مفردات. يقول في قصيدة بعنوان "فراش" (ص73): حين يغفو/ يمشي إلى نومه/ كمن يفتح نافذته للصباح. وينهي المجموعة بقصيدة تحمل عنوان: "آخر السطر" (ص78): ليست فاصلة ما تراه في آخر السطر/ إنّها صلاة ما قبل النوم/ حين تغفو/ في ضوء لم يصل إلى عينيك.

أنطوان سلامة في مجموعته الشعريّة هذه يعبر من الرؤية إلى الرؤيا، يشعر بوطأة الوقت الذي يعجزه عن فعل أيّ شيء، كما يُعجزنا كلّنا، فيغمض عينيه باحثًا عن احتمال الحلم، الحلم الذي، لولا إيمان الرجل وعائلته، لتحوّل كابوسًا في وادي ظلال الموت (ص23). أليست هذه حال الإنسان مذ وعى عجزه عن مقاومة هشاشة وجوده وشراسة الآخر؟ 


الجمعة، 11 يناير 2013

رياح الرغبة لنادين الأسعد فغالي




تحتاج رواية "نادين الأسعد فغالي" "رياح الرغبة" (الدار العربيّة للعلوم -2011) إلى أكثر من الرغبة في الكتابة كي يقتنع القارئ بقصّة بطلتها العصريّة التي تواجه عواصف عواطفها المراهقة. إذ لا يكفي أن تتوفّر مادة الحكاية، أو عنصر المفاجأة في الصفحة الأخيرة من الكتاب أو الرسالة التوجيهيّة التي يجب أن يتّعظ بها القارئ كي تكوّن مجموعةُ المشاهد رواية تحدث فرقًا أو تضيف جديدًا. لا يخفى شغف الكاتبة في دخول عالم الرواية بدءًا من العنوان المكتوب باللغتين العربيّة والإنكليزيّة (وكذلك اسم المؤلّفة)، أو بصورة الغلاف التي تشي بموضوع مثير جريء، لكنّ الأمل يخيب صفحة بعد صفحة ونحن نقع على تفاصيل لا داعي لها وحوارات غير مقنعة مع ضعف في التحليل النفسيّ للشخصيّات.
بطلة الرواية فتاة جميلة يغتصبها خطيبها، فتهرب إلى مغامرات عاطفيّة تبحث فيها عن الحبّ الحقيقيّ، ثمّ تتزوّج، وتنجب ثلاثة أولاد، ثمّ تخون زوجها مع زميلها في العمل، المتزوّج كذلك، لتنتهي الرواية باكتشاف زوجها خيانتها فتدافع عن تفسها بتوجيه اللوم له لأنّه لم يشبع عاطفتها. هذه هي الحكاية في اختصار. وكان من الممكن أن تكون هذه العناصر مادة خصبة لمعالجة موضوعات دقيقة وحسّاسة كالاغتصاب، خصوصًا متى قام به حبيب أو خطيب، والخيانة الزوجيّة وواقع المرأة الاجتماعيّ، غير أنّ الرواية جنحت نحو الاستسهال الانشائيّ القائم على فهم مغلوط للحداثة. فالمعاصرة والتجديد لا يتحقّقان بمجرد ذكر المحطّات الإذاعيّة الأجنبيّة: "في اليوم التالي، وهي في طريقها إلى الجامعة، وغالبًا ما كانت تستمع إلى إذاعة تنطق باللغة الفرنسيّة فيها برنامج يقدّمه "نوا" وهو مذيع فرنسيّ يعيش في لبنان منذ عشر سنوات" (ص 12)، ولا في الإشارة إلى أحدث ماركات الأزياء العالميّة: "فتحت صديقتها الخزانة وأعطتها إحدى عشرة علبة، فتحت ياسمينة العلب ووجدت فيها سترة من ماركة "بربري" وعطورات من ماركة "شانيل" وجزادين من ماركة "برادا"" (ص 122)، ولا في استعمال أحدث الهواتف الخلويّة: (ياي! مبروك البلاكبيري...إنّه يسهّل التواصل مع الأصدقاء بوساطة الـ بي بي أم" (ص 139).
أمّا الحوارات فلا تتلاءم مع طبيعة الشخصيّات وأجواء الحديث، فجاءت مفتعلة مصطنعة تحمل أفكار الكاتبة وأحلام المراهقات الحالمات كما في قول بطلة الرواية وهي تخاطب "جاك" أحد الرجال الذين عبروا في حياتها: "أنا فتاة محترمة جدًّا يا جاك، (ما دور كلمة جدًا هنا تقولها امرأة عن نفسها؟)، وقد تعوّدتُ سماع كلمات الإطراء ومحاولات التقرّب والاعترافات العفويّة والمدروسة، والتملّق وإعلانات الاستسلام، وتحرّشات الأقوياء، وتلميحات الضعفاء، وسعي الساعين إلى خطب الودّ، ومحاولات المخادعين للإيقاع و...ولم أساوم، يومًا، على ما تربّيت عليه من مبادئ، ولم أستسلم، ولم أضعف، لكنّ هذا العالم اللامتناهي لا يشبه نفسه في كلّ زمان ومكان. فضاءاته لا تشبه بعضها بعضًا. وأماكنه ليست صورًا طبق الأصل عن صورة أصليّة واحدة، والإنسان معرض ليعيش لحظات ضعف تفرضها حالته النفسيّة ويفرضها البعد الجغرافيّ عن مسقط رأسه، وتساهم في تلميعها أقداح المشروبات المسمّاة روحيّة وهي معادية للروح لكن مناصرة للجسد إن فهمت قصدي..." (ص 127) فهذا الجزء من كلام "ياسمينة"، بطلة الرواية، وتتمتّه لا تختلف عن ذلك، لا يمكن أن يصدر في حديث اثنين من هذين العصر والمجتمع، يحتسيان النبيذ على متن الطائرة. فما الداعي لكلّ هذه المعاني التي تعبّر عن أنواع التحرّش بالمرأة ترد على لسان مضيفة طيران جميلة ومحترمة جدًا في حديثها مع رجل يعجبها ثمّ يتبيّن لها أنّه مصاب بالإيدز ولا يصلح لكي يكون حبيبًا؟
في مرحلة متقدّمة من الرواية يشعر القارئ بالتسرّع الذي سيطر على الصياغة، ما يفضح غياب مصحّح أو محرّر كان عليه أن ينتبه إلى سهو لا ينجو منه أحد منّا فتسقط حروف وتختفي كلمات وترد أخطاء تدلّ على ارتباك لم نلحظه في الصفحات الأولى من الكتاب، مثل: "تواعدا على اللقاء في ثانية خلال إقامته ببيروت" (ص 132) والصحيح تواعدا على اللقاء مرّة ثانية خلال إقامته في بيروت، "لم يحدث ما يدع إلى الزعل" (ص 137) والصحيح يدعو، "فهل يعني ذلك أنّها بحاجة إلى عينها المعالجة التي احتاجها هاني" (ص146) والصحيح المعالجة عينها، "أراني أعانق وسادتي الخالية إلّا من عطره الذي أدسّه كلّ ليلة على جسدي قبل أن أنام" (ص 149)، فهل يتلاءم فعل دسّ مع العطر؟
لا شكّ في أنّ رياح الرغبة في الكتابة تعصف في وجدان نادين الأسعد فغالي الغارقة بحكم عملها الإعلاميّ في عالم الكتب، غير أنّ الرياح لا تجري دائمًا كما تشتهي السفن، وهموم المرأة وأهواؤها تستحقّ أفضل من شعارات تقليديّة لا تلائم المرحلة والعصر، خصوصًا أنّ بطلة روايتها متحرّرة جدًّا، فكيف نصدّقها حين تقول: "هُم الرجال يديرون الدفّة كما يريدون على وجه العموم، فبالإجمال هم يتّخذون من النساء حلوى لما تتّسع لهم شهواتهم ويقذفون بما بقي إلى سلّة المهملات" (ص 171). فإذا كان هذا قول فتاة جامعيّة تسافر إلى كلّ عواصم العالم بحكم عملها كمضيفة طيران، ثمّ إعلاميّة جريئة، ثمّ زوجة رجل سياسيّ، فماذا تركت لغيرها من المعنّفات والمعذّبات الراغبات في أبسط مقوّمات الكرامة؟ 

الخميس، 10 يناير 2013

Pour que la paix soit réelle - Ali Hassani

David Martiashvili




A l’instar des années précédentes, 2013 a eu son lot de vœux, de résolutions et de prédictions. Ces VRP (Vœux, Résolutions et Prédictions) ancrés dans les pratiques des sociétés modernes constituent un phénomène de mode perpétuelle et un rituel annuel. 


Mais quelle est la place de la paix dans nos VRP? 

Pour cette année, les astrologues ont préféré parler des catastrophes naturelles, des guerres et des personnes qui vont nous quitter. En somme, ils n’ont prédit que des violences. C’est leur business où la violence est un produit « bon marché », même en 2013. Si la violence est bien vendue, c’est parce qu’il y’a des acheteurs. Le marché est tout indiqué; Les puissants d’un côté et les faibles de l’autre. Les premiers imposent une violence et les seconds ripostent par une contre violence. Les astrologues savent vendre leurs produits en puisant dans l’élément de base qui alimente le pouvoir : La violence. La paix vue par les astrologues ne sera pas pour 2013. 

Dans nos vœux, la paix occupe une place privilégiée. Elle y est présente dans toutes les langues. La paix, c’est à la fois le vœu et l’aveu. Elle prend la forme d’un vœu pour exprimer un rêve humain. La paix est l’aveu d’une réalité amère, désolante et décevante pour toute l’humanité. Nous voulons la paix. Mais que faisons-nous pour l’avoir ? Nous nous mobilisons pour faire les guerres en croyant qu’au bout, nous aurons la paix. C’est dans notre marche vers le chaos que nous faisons le vœu pour avoir la paix. C’est du moins, le mensonge que nos Etats veulent imposer, que les puissances mettent en application et que les faibles subissent. La paix est restée au niveau des vœux, par habitude pour certains et par conviction pour d’autres. 

La paix est rarement exprimée dans une résolution ferme. Pourtant sans la paix, nous ne pouvons pas tenir nos engagements. C’est elle qui nous permet de nous affirmer tout en respectant l’autre. La paix est absente de nos engagements car nous croyons peu à un monde sans violence. L’autre n’est plus notre égal ou notre complémentaire. Il est notre ennemi ou notre adversaire. L’engagement que nous prenons est personnel, individuel et égoïste. De ce fait, nous excluons l’autre. Pourtant nos résolutions peuvent changer de bases et de perspectives. Elles peuvent traduire nos intérêts communs, nos besoins et nos valeurs. La paix est tout simplement, notre premier intérêt commun, notre besoin de base et notre valeur depuis toujours. 



Nous ne pouvons plus vivre dans un monde où les violences sont omniprésentes. Nous sommes condamnés à vivre ensemble. Nous devons penser à construire le monde et à penser la paix autrement. Cela doit passer par un élan du cœur et une vision humaine où la paix est au centre de tous nos VRP. Les astrologues prédiront du bonheur, nos vœux auront le parfum de l’amour et nos résolutions se réaliseront grâce au respect mutuel. La paix sera une réalité humaine même si personne ne le prédit. Elle sera plus qu’un vœu si les humains l’intègrent dans leurs engagements de tous les ans et dans leurs défis de tous les instants. 


                                                                                                         Ali HASSANI

                                                                                                     Oran, le 10/12/2013

الأربعاء، 9 يناير 2013

وعاشوا في سلام ...

Gabriel Picart

السلام هو نشيد الناس منذ بدء الخليقة! كلّ الحكايات الخرافيّة وقصص العشق الجميلة وملاحم البطولات العظيمة تنتهي بأنّ الجميع عاشوا في سلام في نهاية الأمر، كأنّ الحبّ والصداقة والعدالة والجمال والحقّ والخير كلّها أمور تصبّ في هدف واحد هو السلام: الداخليّ حين يتصالح المرء مع نفسه، والخارجيّ العامّ، حين تتآخى الكائنات وتتّحد لتعيش كلّها في انسجام ووئام.
السلام شرط أساس لتحصيل المعرفة، التي هي شرط أساس لتحقيق الحريّة! وما من خطر على السلام سوى الإنسان نفسه. فإن كانت الطبيعة تشكّل خطرًا ببراكينها وعواصفها وتغيّراتها المناخيّة على حياة البشر، فإنّ الحروب تحصد أكثر بما لا يقاس من الأرواح، وإن كانت الحيوانات تحتكم إلى غريزتها في حماية نفسها من الجوع والانقراض، فما الذي يدفع الإنسان إلى تهديد سلامه الخاصّ بالانتحار أو سلام الآخرين بالاعتداء عليهم؟
ولنقل مثل ذلك عن الجوع وتهديد الكرامة والمرض والديكتاتوريّات والحرمان من أبسط الحقوق، فكيف يمكن لنا الحديث عن سلام شامل وعادل وعلى أبواب القصور متسوّلون، وعلى أبواب المستشفيات مرضى معوزون، وعلى أبواب المدارس فقراء محرومون من العلم، وعلى أبواب المعابد منبوذون، وعلى أبواب المعامل مصروفون؟ وكيف يمكن لنا الحديث عن سلام تامّ بين دول والصراعات قائمة بين أبناء البيت الواحد، والحيّ الواحد، والوطن الواحد؟ وكيف نحلم بسلم والديانات تتحوّل يومًا بعد يوم، وبسبب سوء فهم أتباعها لها، معتقلاتٍ للفكر، وكانتونات للعقيدة، وسجنًا للذات التي كان على الديانة أن تطلقها حرّة في رحاب الحياة وقلب الخالق؟
ما من قيمة للبشريّة إذًا إن لم نعش كلّنا في سلام ... عندها فقط يصير للناس حكاية تستحقّ أن تروى من جيل إلى جيل ... أو على الأقلّ يصير لهم حكاية هذا السعي الشريف لجعل الأرض سماء بدل السعي إلى الموت لملاقاة السماء!

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.