السبت، 15 سبتمبر 2012

إلى رجل يشبه الكتابة (22)


 Frida Kahlo

211- قالت المرآة للمرأة: 
أنت أكثر النساء حكمة الآن، وإن لم تعودي أكثرهنّ جمالًا، 
لأنّك صرت تعرفين أنّ للنهايات جمالها كذلك!

*** 

212- سألت المرأة المرآة: هل عشقي له خطيئة أم خطأ؟
أجابت المرآة: عشقك له خطوة نحو ذاتك!

***

213- لا يزعجني أن تسهر مع أصدقائك
يزعجني أن لا صديق لي سواك

***

214- الرجل الذي أكتب له وعنه لم يولد بعد
فما من امرأة مثلي تجرّأت وعشقت رجلًا مثله لينجبا رجلًا يشبهه

***

215- كنت أعرف منذ اللحظة الأولى أنّك لن تكون مختلفًا
غير أنّني كنت أتحدّى قدرتي على كتابة نصّ جديد، بكلمات قديمة، عن رجل يشبه سائر الرجال!

***

216- "بس شوف بعض الكتابات عن الفيلم المسيء للإسلام يللي بيكتبوها مسلمين وعن زيارة البابا يللي بيكتبوها مسيحيين، بستغرب كيف بيقولوا إنو في خلاف مسيحيّ إسلاميّ!!
ليش الجدبنة والغباء ما بينفعوا يكونوا قاسم مشترك؟"

***

217- "لمّا تمرق ع حيط الفيسبوك وتحطّ "لايك" بتذكّر حيطان البيوت يللي نخرها رصاص الحقد ومكتوب عليها إنّو واحد مجنون مرّ من هنا ... واختفى"

***

218- اقترب بهدوء
كنتُ في حياة سابقة غزالة جريحة

***

219- ابقَ كما أنت!
مستسلمًا لكسل صباحيّ مغرٍ
أريد أن أرسم ابتسامتك وإغماضة عينيك 
والوسادة بين ذراعيك

***

220- لا تخبرني كم تحبّني
اشرح لي كيف!

الأربعاء، 12 سبتمبر 2012

أحببتك فصرت الرسولة (من كتابي الذي يحمل العنوان نفسه)



أصعب ما واجهني في حبّك هو أن أعرف أنّني أحبُّك
ثمّ أن أعترف بهذا الحبّ
فالمعرفة مسؤوليّة
والاعتراف حملُ المسؤوليّة
وأنا حين اكتشفت أنّني أحبّك اكتشفت سبب وجودي
وصرت الرسولةَ حاملةَ الطيب
وصار حبّك التزامي الذي لا يُلزمني بشيء
بل يَلزمني كي أصير أجمل
ويلازمني كي أتذكّر الفرق بين أن أعيش وأن أحيا
***
حين أحببتك صرت أعرف أكثر
وأبحث أكثر
وأواجه أكثر
وصرت أنطلق من حضنك نسيمًا
ومن عقلك عاصفةً
ومن خيالك حلمًا
وحين كنت أبحث عن طريق العودة إليك لم أكن أخشى أن أضيع
فمعرفةُ أنّك ستجدني أينما كنت كانت تطمئنني
وتسمح لي باللهو أكثر
والمغامرةِ أكثر
 كطفلة لا تريد التوقّف عن العبَث في أغراض الكون
وهي مطمئنّة اطمئنانَ الجاهل لجهله إلى أنّ الكون كلَّه يبارك لهوَها
***
أتقدّم في العمر على درب لقائنا ولا أخشى العتمة
أفرح بتجعيدة جديدة في عنقي
لأنّني أعرف أنّ شفتيك ستلاحقان تعرّجاتها
وتزرعان عند منحنيات دربها قبلاتٍ دافئة
تنمو وتمتدّ جذورها في شراييني
وتعربش أغصانها الطريّة نحو شمس
تشرق من عينيّ اللتين لا تغيبان
إلّا عند بحر عينيك
***
أغرق أصابعي في ليل شعري
وأنا غارقة في التفكير فيك
فتتصل أصابعي بيدك وتتحرّك طوعًا لك
وتأتمر بأمر رغبتك وعشقك واشتياقك
وأشعر بأنفاسك الحارّة تتلاحق فوق أفكاري المحمومة المنصهرة في فكرة واحدة هي أنت
آه يا أنت!
يا فكرتي التي أنجبَها رأسي
وهدهدتها أحشائي الراقصة فرحًا بك!
يا عالمي الجميل الأنيق الهادئ الآمن الواثق
يا أيقونتي العتيقة المختزلة فنونَ العالم والمختزنةَ أسرارَ الخلود!
يا حنانًا يعرف
ومعرفةً تحبّ
ومحبّةً تحمي
وحمايةً لا تأسر أو تقيّد أو تكبّل
***
عندما أتخيّلنا معًا
أراك ساهرًا تراقب نومي
تنحني فوق وجهي
ترفع خصلةً عن جبيني
وتطبع قبلة ناعمة
وأجد نفسي منسابةً في حضنك
وأنا في عزّ نومي
وسكينة لا كلمات تصفها تحيط بي
***
ومرّات أتخيّلك منكبًّا على عملك
منصرفًا إلى البحث والكتابة
أتظاهر بأننّي مأخوذة بقراءة كتاب
في وقت أراقبك فيه
وأخطّط كيف سأتسلّل خلفك
لأطوّق عنقك بساعديّ
وأضع شفتيّ عند ملتقى رغبات جسمك ومشاريع رأسك
قبل أن تحيطني بذراعيك
وتجلسني في حضنك
وتتركني أتأمّل عينيك الباسمتين
***
لماذا أنت من أكتب إليه هذا الكلام؟
لماذا أنت البعيد أشعر بك قريبًا؟
وكيف أجرؤ على الاعتراف أمامك بما يدور في رأسي
وبما يتحرّك في جسمي بلا خجل ولا وجل؟
هل هكذا يفعل عاشقان في مثل عمرنا؟
هل يعودان مراهقين
يحلمان ويخطّطان ويتشيطنان
وهما يسرقان كلّ لحظة لتبادل قبلة توصلهما إلى أقرب مكان
يمارسان فيه حبًّا ينتظر في أقبية الشوق منذ أعمار وأعمار؟
***
تدمع عيناك في هذه اللحظة
فيسبح وجهي في فيض عاطفتك
تضطرب روحك القلقة وترغب في احتضاني لحمايتي من كلّ أذى
ترتعش يدك الممتدّة نحوي كأنّها تخشى ألّا تلاقيَها يدي
أنا فيك، ألا تثق بذلك؟ ألا تؤمن به؟
ألا تشعر بي جزءًا منك كُوّن لحظة كوّنت ورافقك من حياة إلى حياة
ولن يفنى ما دام يحيا فيك ويتجدّد بك؟
***
خبّرني وأنت العارف العالم الشاعر
كيف يمكن حبًّا أن يكون صليبًا وخلاصًا
أن يكون موتًا وقيامة
أن يكون ماء ونارًا؟
أخبرني حكايتنا
ودعني أغفو في هدأة الليل على مخدّة كلماتك عنّا
لأنْ لا أحد سواك يعرف كيف يحكي
وكيف يعشق
وكيف يسكّن عواصفَ الأيّام
فلا تصمت يا من احتفظت لي بكلّ الكلمات التي لم تقلْها بعد 

السبت، 8 سبتمبر 2012

إلى رجل يشبه الكتابة (21)

Francois Martin-Kavel


203- أسمح لك يا قلبي بأن تثرثر من فيض ما تشعر به أمّا أنت يا عقلي فإيّاك أن تستسهل الكلام

***

204- أعرف أنّ المنطقة على فوهة بركان، وأنّ البلد على شفير هاوية الإفلاس والحرب، وأنّ أيلول لم يبلّ طرفه بالشتاء بعد، غير أنّ ما يشغل بالي في هذه اللحظة بالذات هو أن أعرف أيّ قميص سترتدي اليوم وأنت خارج إلى عملك!

***

205
غيرة 1
بطل روايتي يغار منك

***

206
غيرة 2
قال الرجل المتزوّج لحبيبته التي تغار عليه: أنت تعرفين عنّي أمورًا لا تعرفها زوجتي!
قالت الحبيبة مبتهجة: صحيح! مثل ماذا؟
أجاب الرجل: أنت تعرفين أنّني أمارس الحبّ معها بينما هي لا تعرف أنّني أمارس الحبّ معك

***

207
غيرة 3
قالت له بلهجة جادّة: أكره الفتاة التي كانت إلى جانبك في صفّ الحضانة!

***

208
غيرة 4
أغار منك حين تكتب لي قصيدة أجمل من قصيدتي لك

***

209 - صلاة يوم الأحد:
يا ربّ اغفر لي لأنّني حين أكون معك أفكّر فيه .. وحين أكون معه لا أفكّر بتاتًا

***

210- قالت له المرأة: 
صليبي ثقيل فلا تقل إنّك تحبّني إن كنت عاجزًا عن حمله معي

الخميس، 6 سبتمبر 2012

القلق الأحمر (النصّ التاسع من كتابي رسائل العبور - 2005)

Jack Vettriano


يقف صديقي اليوم إلى الجهة المقابلة، وها هي المسافات تمتدّ بيننا قلقًا أحمر، وبرودة رماديّة، وكلامًا كالحجارة المسنونة. عرفت منذ زمن أنّه سيكون دائمًا في الجهة الأخرى، يحيط به عشرات من مريديه الذين يصفّقون له إذا قال كلمة، ويقهقون إذا روى طرفة، ويوافقون إذا وافق، ويثورون إذا ثار. فلمَ لا يبقى معهم؟
أنظر إلى صديقي المرتفع في كبرياء فوق غيوم بيضاء لن تبقى غيومًا ولن تتحوّل مطرًا، وأخاف عليه من السقوط العظيم متى هبّت رياح تبدّد الغيوم والأوهام.
كنت أعرف أنّ لحظة العبور آتية مهما تأخّر الوقت، لكن فاجأني أنّه لم يعبر فعلًا. حصل الأمر كما لو في مشهد من فيلم سوريالي: كنّا نقف جنبًا إلى جنب، ثمّ بدأت الأرض تتحرّك ونحن جامدان في موقعينا. وشيئًا فشيئًا تمدّدت الأرض بيننا، وأخذ يبتعد كسائح في فندق يترك للسلّم الكهربائيّ مسؤوليّة الانتقال به.
كانت المسافة التي تفصل بيننا تزداد، وهو يلهو باللحظة، ويستمتع بها وينظر إلى الجهة المقابلة متشوّقًا إلى الوصول، كطفل ينتظر أن تقوده يد أمّه في مدينة الملاهي إلى حيث اللعبة الأكثر إثارة.
في الواقع، توقّف عن النظر إليّ مذ بدأت الأرض تتحرّك تحته. والغريب أنّه لم يكن خائفًا أو مضطربًا أو رافضًا. بل تعامل مع الأمر في عفويّة واطمئنان وقبول، كأنّه كان ينتظره، وكأنّ الوقت طال وهو في مكانه إلى جانبي، وصار ملحًّا أن يرحل، من غير أن يجد نفسه ملزمًا باتّخاذ القرار، وثمّة الآن من فعل ذلك وأبعده إلى الجهة الأخرى.
إنّه هناك الآن، يشعر بوخز طفيف في زاوية قلبه لأنّه لم يسعَ فعلًا إلى البقاء. لكنّ الاستمتاع بالوقت يمرّ بلا تساؤل أو سؤال أنساه ذلك الألم العابر.
إنّه هناك الآن، ينظر إلى حيث أقف ويقول في نفسه: إنّي الآن في موقع جيّد، بعيد ما يكفي كي لا أسمع، وقريب ما يكفي كي أرى ما يجري حولي.
وأنا هنا، أترك الأرض تمتدّ بيننا مسافات من القلق والبرودة والصمت وأقول في نفسي: إنّي الآن في موقع جيّد: بعيدة ما يكفي كي لا أزعجه، وقريبة ما يكفي كي أسرع إليه.
كيف وصل بنا الأمر إلى هذه الحالة؟ إنّه الصديق الذي انتظرت وصوله كما انتظرت الشعوب تحقيق وعد الخلاص، ولكنّ النجمة ترتجف في سمائها بردًا وتردّدًا، وأخشى عليها من العتمة قبل أن يصل ملوك الأزمنة إلى المكان! ألم تأتِ ساعة الولادة بعد؟ ألذلك كتبت له منذ زمن نصوص العبور؟ ألا يصحّ الذي قلته عنه منذ صيف وشتاء على ما نحن فيه الآن؟

الأربعاء، 5 سبتمبر 2012

إلى رجل يشبه الكتابة (20)



193- صار يجب أن نلتقي
فقط كي أعرف إن كنت ما أشعر به شوب أو شوق!

***

194- "أجمل شي بالدني تلاقي حدا يحمل همّك معك
بس الأجمل إنّك تلاقي مين يحملو عنّك"

***

195- سؤال: وهل أنتِ كاملة الأوصاف حتّى تطلبي رجلًا كامل الأوصاف؟
جواب: وما حاجتي إليه إن كنتُ كذلك؟

***

196- قال لها: أنا هنا إن أردتِ الكلام؟
قالت له: لو كنتَ هنا لما خطر لي الكلام!

***

197- قالت له: رح إطلع كم يوم ع الجبل لغيّر جوّ
قال لها بانكسار: هيك بتتركيني كل هالوقت؟ وأنا شو بعمل بغيابك؟؟
بعد شهر ...
قالت له: بتزعل إذا طلعت كم يوم ع الجبل ت ودّع الصيف 
قال لها بحماسة: ولَو يا حياتي! طلعي قدّ ما بدّك! لازم تغيّري جوّ

***


198- لعنة أن يكون كلّ ما نستطيع فعله هو الكتابة في مجتمع أميّ

*** 

199- "تعا ت نتخبّا
ونولّع سيكارة"

***

200 - لو كنت تحبّني كما تقول إنّك تحبّني لما كان السرير في هذه الساعة من الليل يغار من اللابتوب

***

201 - "ما بعرف ليش كلّ مرّة بتقلّي إنّك بتحبّني بحسّ إنّي صرت حبّ لبنان أكتر
يمكن لأنّك مجنون متل هالوطن"

***

202 - قولك أنا إنتْ
ومش عارفة حالي
كأنّك ببالي كنتْ
وقت الْخلق بالي

الأحد، 2 سبتمبر 2012

مشهد من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"



لم يكن ناجي يخطّط للوقوع في الغرام، فالرجل يحترم زوجته ويحبّ أولاده، ومع أنّه عرف نساء كثيرات إلاّ أنّه لم يقع في الحبّ كما قرأ عنه في الروايات، وبعدما تزوّج بقي حريصًا على ألاّ يخرب بيته بعلاقة لن تحمل له أو لمن حوله إلاّ الأذى. كان مقتنعًا بأنّه يحبّ زوجته بالطريقة التي يعرفها ولن يحبّ سواها وإن كان هذا الحبّ هو أقرب ما يكون إلى نوع من الشراكة كتلك التي في سائر المؤسّسات: احترام وتوزيع صلاحيّات وعدم التدخّل في شؤون الآخر. لكنّه حين التقى روز في السفارة الأميركيّة اكتشف نوعًا آخر من النساء لا يشبه زوجته أو أمّه أو شقيقاته أو النساء اللواتي كان يصطحبهنّ إلى السرير ليلبّين له رغبات جامحة يخجل من طلبها من زوجته التي ستبقى في نظره أمّ الأولاد في الدرجة الأولى. وردة كانت كائنًا آخر لا علاقة له بالأرض، وبقي طوال علاقته بها يسأل نفسه من أين لهذه المرأة الصغيرة النحيلة تلك القدرة العجيبة على الحبّ بالشكل الذي تعرفه وتمارسه. ولم يستطع أن يجد الجواب مع أنّه كان أكثر الناس قربًا منها ومعرفة بأدقّ أسرارها وخفايا روحها المضطربة القلقة. في لقائهما الأوّل في ذلك المقهى البحريّ عرف ناجي أنّه وقع في غرام روز. ومع أنّه حاول لاحقًا وبعزم لا غشّ فيه أن يبتعد عنها وأن يقاوم هذا الحبّ، إلاّ أنّه في قرارة نفسه تمنّى أن يفشل، لأنّه تذوّق شعورًا لم يجرؤ يومًا على الحلم به بعدما تزوّج وصار عنده أولاد. وفي وقت كان كثير من أصدقائه يرزح تحت ثقل التعب من المشاكل الزوجيّة والهموم العائليّة كان الرجل يستعيد شبابًا أصيلاً صافيًا سعيدًا موعودًا بأجمل اللحظات، فهل يحرم نفسه من كلّ ذلك؟
لماذا لم يلتقِ بها قبل أعوام قليلة فقط؟ يطرح على نفسه السؤال ثمّ يندم حين يشعر بأنّ سؤالاً من هذا النوع يعني أنّ أطفاله ما كانوا ليوجدوا، هؤلاء الأطفال الذين يتمنّى الآن من صميم قلبه لو كانت روز أمّهم.
هو لم يكذب على روز، أخبرها منذ اللقاء الأوّل بأنّه متزوّج وعنده أولاد، وبعدما تبادلا قبلتهما الأولى بعد ذلك ببضع لقاءات، صارحها بأنّه لن يترك زوجته مهما حصل بينهما. وهي وافقت. ولكنّهم حين أخبروه بأنّها ابتلعت قنينة الديمول التي جلبها لورداتها وأنّها في المستشفى تصرخ من الألم فهم أنّها كذبت عليه منذ سنوات حين جعلته يصدّق أنّها موافقة وأنّها لا تريد أن يترك زوجته وأولاده من أجلها وأنّها ستحبّهم لأنّه يحبّهم. ولكن هل صدّقها فعلاً؟ أم أنّه تمسّك بكلماتها ووعودها، لأنّ ذلك "أخفّ مشاكل وأقلّ وجع راس"؟ الآن وهو يستمع إلى أخيها حبيب وهو يصف له حالتها ويطلب منه ألاّ يحضر إلى المستشفى اكتشف ناجي أنّه كان هو أيضًا يكذب على نفسه وعليها حين شكرها على عاطفتها ونبلها وسمّو عاطفتها، وأنّه كان يعي في عمق أعماقه أنّ هذه المرأة التي أحبّها وأحبّته لأعوام طويلة لم يكن من الممكن أن تقبل إلى ما لا نهاية بأنصاف الحلول، وأنصاف المواقيت، وأنصاف المناسبات، وأنصاف الليالي، وأنصاف العواطف. وإلاّ فلن تكون هي روز التي أغرم بها، روز الكليّة الشغف، الكليّة الرغبة، الكليّة العاطفة، التي تريد كلّ شيء أو تتعالى على كلّ شيء.
لا يزال ناجي يذكر قبلتهما الأولى: كانا في منزلها بعدما دعته لزيارتها كي لا يلتقيا دائمًا في الأماكن العامة. حين فتحت له الباب اندفع نحوها وأخذها بين ذراعيه وأطبق بشفتيه على شفتيها. كان يشعر بأنّ الشفتين اللتين اشتهى تقبيلهما منذ التقيا تنتظران بلهفة. ولم يخب أمله. روز كانت أكثر منه رغبة وشوقًا. غير أنّها ابتعدت فجأة وعيناها لا تفارقانه لحظة وابتسامة لا صفة لها تنير وجهها ثمّ قالت:
"ليس الآن. دعنا نحضّر الأجواء ونضمن أن لا أحد سيصل بغتة إلى البيت. لا أريد ما يلهيني عنك".
استطاع ناجي بصعوبة أن يمنع نفسه عن أخذ روز بين يديه من جديد فقال لها:
"دعيني أرى بيتك إذًا ولنشرب القهوة على الشرفة. عليك أن تحاولي أن تلهيني عن التفكير في ما أرغب فيه إن أردتِ أن أبقى بعيدًا".
قالت له بصوت دافئ وهي تمسك بيده وتدعوه لمرافقتها إلى المطبخ لإعداد القهوة:
"وأنا؟ من سيلهيني عنك بعد الآن؟"
ومع ذلك، شعر بأنّها خائفة ومضطربة كأنّها لم تعرف رجلاً قبله. ولولا أنّها روت له حكايتها لظنّ أنّ هذه المرأة الحبيبة لا تملك أيّة خبرة في هذا المجال بل تخاف فعلاً من أمّها وأخوتها. راقبها وهي تعدّ القهوة فوجدها حائرة ترتجف الملعقة في يدها، ولا تعرف ماذا عليها أن تفعل بها، فأخذها منها، وأعدّ لكليهما القهوة وهو سعيد بما يجري ففكرة أن تكون روز خائفة ممّا هي مقدمة عليه يعني أنّها تأخذ علاقتهما على محمل الجدّ ما أثار عاطفته وجعله يتمنّى لو يأخذها الآن.
كلّ من عرف ناجي في مرحلة علاقته بروز رأى أمامه رجلاً عاشقًا كأولئك العاشقين الذين كُتبت عنهم القصص والروايات. وكلّ الذين كانوا يعرفونه قبل مرحلته "الورديّة" كما كان يحبّ أن يطلق على عهد عشقه روز كانوا يقولون هذا ليس الرجل الصلب الذي كنّا نعرفه. لقد ليّنت تلك المرأة الصغيرة طباعه ورقّقت مشاعره وعلّمته كيف يكون حنونًا ومجنونًا في الوقت نفسه، فصار أقرب إلى الشخص الذي كان يعرف أنّه يختبئ فيه تحت ألف قناع من تلك الأقنعة التي تضعها الحياة على وجوه الرجال ليصيروا كما أريد لهم أن يكونوا لا كما يرغبون في أن يكونوا. وناجي كان واحدًا من لابسي الأقنعة الذين أقنعوا أنفسهم بأنّهم اختاروا ذلك عن رضى واقتناع ولم يفرضه عليهم أحد.
لو قدّر لزوجة ناجي أن ترى زوجها مع روز لأنكرته. صحيح أنّها كانت تعرف بعلاقته بها كما كان المجتمعان البيروتيّ والبقاعيّ يعرفان، غير أنّ خيالها كان أعجز من أن يتصوّر الرجل الذي تخشى سطوته وتحترم هيبته ولا تناقشه لأنّها تثق به ثقة عمياء يتحوّل مراهقًا عابثًا يعيش بين أحضان وردة أجمل لحظات العشق وأكثرها شاعريّة ومجونًا في وقت واحد. ناجي نفسه لم يكن ليصدّق ذلك لو كان ثمّة وسيلة تسمح للرجل برؤية شخصيّته الثانية التي ما كانت تكتفي بخلع الملابس بل كانت ترمي الأقنعة واحدًا تلو الآخر كي يظهر الرجل الذي عشقته وردة وعشق روز من دون أن يخشى لومة لائم أو عتب عاتب. وحين كانت تسأله: أتحبّ وردة أم روز؟ كان يطمئنها ويقول لها:
"أحبّ روز لأنّها تحمل لي وردة في قلبها".
حين كان حبيب يصف آلام وردة أمام الرجل الذي يحبّها بدا كأنّه يحاول أن يختار الكلمات الأقلّ إيلامًا، غير أنّه لسبب لا يعرفه كانت الكلمات تأتي جارحة حارقة تمزّق قلب ناجي وتجعله يرغب في وضع يديه القويتين على عنق حبيب لعلّه يختنق ويخرس. كان صوت فيه يقول له إنّ حبيب يريد لهذا الرجل الذي نام مع أخته وداعب جسمها وعصر شفتيها أن يتعذّب ويتألّم، كأنّ الأخ الحبيب ينتقم الآن لشرف العائلة بعدما عجز عن فعل ذلك بنفسه حين صار أسير علاقاتها الاجتماعيّة التي سمحت له بممارسة التهريب وهو مطمئنّ إلى أن روز ستساعده كما ساعدته وردة في بداية حياتها.
وحين كان ناجي يستعيد تفاصيل هذه الجلسة مع شقيق المرأة التي كانت تحترق من الداخل في سريرها في المستشفى، كان يبكي من دون أن تخرج من عينيه دمعة، كان يحترق وهو يشعر بوردة تستنجد به وتطلب منه أن يكون قربها. ولكنّ جولييت تتحسّر لأنّ روز ماتت وحيدة في غرفة العناية الفائقة، مع أنّ شقيقاتها كنّ يزرنها طوال الوقت وأمّها كانت تدخل في مواعيد الزيارات وهي متماسكة تقاوم كلّ مرّة مشاعرها الراغبة في الصراخ والعويل، غير أنّ وردة كانت تبحث عن أبيها وتسأله أن يأخذها معه، وترجو ناجي أن يتركها ترحل مع والدها. فكانت الممرضة تتدخّل وتضخّ المخدّر في أنبوب المصل فتسكت روز ولا يعلم أحد أين ذهبت وردة.
عرف ناجي كلّ ذلك من شقيقة وردة الصغرى، جولييت، تلك التي هربت من بيت زوجها وهي تحمل طفلتها ولجأت إلى أختها الكبرى، وحين ماتت وردة، ورثت الشقّة الأنيقة بعدما تنازل لها أخواها وأخواتها عنها شرط أن تعتني بنجلا وتخدمها في آخرتها. يومذاك لم تبك وهي تحكي لناجي كيف رحلت وردة، غير أنّ ناجي بكى ولم يبكِ، صار مثل الستّ روز لا يسمح لأحد برؤيته دامع العينين. وحين سألته جولييت عن السبب الذي جعل روز تشرب الديمول، غرق ناجي في الصمت ونظر عبر واجهة المطعم الزجاجيّة، وابتسم وهو يستعيد ذكرى لقائه بوردة في ذلك المقهى البحريّ وتمنّى لو كان يستطيع أن يفعل شيئًا ليحضنها مرّة واحدة بعد. ولن تعرف جولييت الجواب منه لأنّها لن تراه بعد ذلك، وستأخذ ظروف الحياة والحرب كلاًّ منهما في اتجاه. وبعد سنوات من ذلك اللقاء، كانت في دوام خدمتها في المستشفى الذي انتقلت إليه لأنّه أقرب إلى بيتها حين استدعيت إلى غرفة الطوارئ للمساعدة في معالجة جرحى وقعوا ضحايا إحدى جولات القصف. وبعدما هدأ الوضع ووزّع المصابون على الغرف، جلست خلف المكتب لتملأ المستندات الإداريّة المطلوبة، ثمّ تجري أحاديثها المعتادة والعزيزة على قلبها مع المرضى وأهاليهم. ففهمت من شقيقة أحد المصابين بعد سلسلة أسئلة وأجوبة أنّ بيتهما قرب المطعم الذي تشارك فيه ناجي وروز، فسألتها عن وضع المطعم وصاحبه. فقالت الفتاة:
"صاحبه مات بعد أشهر من وفاة شريكته، والزوجة باعت المطعم وسافرت مع أولادها عند أخوتها في كندا".
لم تكن جولييت تعلم بأنّ ناجي مات. كيف لم تعلم بذلك؟ سألت زاد نفسها. ولكنّ الأمر حصل في العام 1979 والدنيا حرب، والناس يموتون. ولكن أن يموت رجل من الحبّ لا من الحرب فهذا ما لا يتلاءم مع حكايات الحرب اللبنانيّة ولا ينسجم مع قسوتها وإجرامها والكراهيّة التي انفجرت فجأة ولم تكن إلاّ قلّة من الذين يحسنون قراءة مجريات الأمور تعرف أنّها موجودة على هذا القدر من العنف في قلوب الناس. مات ناجي بعد أشهر فقط من موت وردة؟ هل يحصل ذلك فعلاً خارج الكتب والأفلام؟ وكيف مات؟ ومن كان معه؟ هل مرض؟ هل مات فجأة؟ أسئلة أخرى لم تستطع جولييت أيضًا أن تجيب عنها. فهي لم تعر الأمر الأهميّة التي أبدتها زاد وهي تخبرها ببساطة أنّ وردة تناولت الديمول في شباط من تلك السنة، وكان ذلك على عيد العشّاق وماتت بعد عشرين يومًا وناجي مات في كانون الأوّل من العام نفسه. هي مع بداية العام وهو مع نهايته. أيمكن ألا يعني ذلك شيئًا لجولييت فلا تحاول معرفة المزيد من التفاصيل؟
قالت لزاد:
"يوم علمت لم يخطر لي أن أسأل. حزنت عليه، ولكن كان عندي من الهموم والمشاكل ما يجعلني مشغولة بنفسي. البنت في المدرسة الداخليّة، وأنا أمضي أكثر الوقت في المستشفى، وعندما يهدأ القصف وتصبح الطرقات سالكة وآمنة، أذهب إلى البيت لأنظّفه من دخان الحرائق وغبار الحرب التي لم تكن بعيدة عنه. وفي أيام العطل أزور ياسمينة في مدرستها في جرود البترون. فلم يكن في بالي أن أعرف كيف مات ناجي. وفي كلّ مرّة تسألينني أنتبه وأقول ربّما كان يجب أن أسأل".
غريبة جولييت. تريد من زاد أن تكتب حكايتها وهي لا تعرف شيئًا أكيدًا، ولم تهتمّ بالتفاصيل كي تسأل عنها. ألا تعرف أنّ التفاصيل هي ما يجعل الحكاية البسيطة رواية تستحقّ النشر؟ لا عن الكولونيل تملك معلومات ولا موت ناجي حرّك مخيّلتها لتنتبه إلى أيّة قصّة حبّ كانت شاهدة. ومع ذلك تريد من صديقتها أن تكتب حكاية تتغيّر التفاصيل فيها بحسب مزاجها. وفضلاً عن هذا كلّه هي مقتنعة بأنّها تملك ذاكرة رهيبة كذاكرة الفيل.
ولكن هذا كلّه لا يمنع من أنّ وردة كانت تستحقّ أن تعيش وتموت بشكل مختلف. وهذا ما كان يثير حنق زاد على صديقتها الممرّضة إذ تعجز عن التأكّد منها من المعلومات التي تتعلّق بمراحل دقيقة من سيرة العائلة، فتقرّر أنّه من العبث الإصرار على كتابة رواية ينقصها الكثير من المعطيات السرديّة والموادّ المناسبة للوصف ما دامت الحكاية لا تثبت في مكان أو على حال. ولم تزدها لقاءاتها جولييت إلاّ حيرة وتشتّتًا، خصوصًا أنّ هذه اللقاءات صارت متباعدة ومختلفة عما كانت عليه زمن الحرب. فضلاً عن أنّ المرأة صارت مشغولة البال بحاضرها ومستقبل ابنتها الوحيدة وأحفادها ما يجعلها تقرأ الماضي من خلال ما تخشى منه اليوم على نفسها وعائلتها الصغيرة. وهذا ما لم تفعله حين كانت تنطلق في السرد وهي تزور أوجيني هاربة من طعام المستشفى الذي لا طعم له.
ولكنّ وردة لا تترك زاد ترتاح من همّها، وتطالبها بكتابة قصّة حبّها.
"ما بالي مشوشّة؟"
تسأل زاد نفسها.
"من يطلب منّي أن أكتب؟ جولييت أم وردة؟ أم كلتاهما تريد منّي ذلك، جولييت تريد أن أحكي عن بؤس مصيرها ووردة تريد أن أكتب عن ناجي الذي لم يتأخّر وانضمّ إليها عاشقًا مشتاقًا بعدما حرمته منها عشرين يومًا بلياليها ونهاراتها. وحين أخبروه أنّها ماتت قال لهم:
"عرفت بذلك حين شعرت بسكينة غريبة تحيط بي كأنّ وردة قريبة منّي كما كانت خلال عشرين عامًا".
ولم يقل إنّه ذاهب إليها بعد بعض الوقت. فناجي لا يحكي عمّا يفكّر فيه أو يرغب في فعله. بل يفاجئ الجميع بتصرّف لا يمكن أن يصدر إلاّ عنه.
هكذا كان معها في ليلتهما الأولى.
قال لها وهو يمسك وجهها الصغير بيديه الكبيرتين:
"انسي كلّ شيء آخر ما عدانا!"
لم تجب، بل بكت. شرب دموعها التي تخبّئها على الجميع، فارتمت على صدره وهي تنشج نشيجًا جعل قلبه يرغب في أن يمتلك ذراعين يأخذانها ويبعدانها عن كلّ ما حولها.
همس في أذنها:
"هذا هو المكان الوحيد الذي أسمح لك بالبكاء فيه. فوق صدري أفرغي حزنك وألمك وانتظارك، وابقي أمام الآخرين كما كنت دائمًا، المرأة التي لا يضعفها شيء. أريد أن يجعلك حبّنا أكثر قدرة على مواجهة العالم والناس، لا أن يضعفك، لأنّك لن تبقي وحدك بعد الآن."
عطر شعرها ملأ أحاسيسه رغبة في أخذها بكلّ الطرق التي تداعب مخيّلة رجل وجد المرأة التي يكتمل بها. ولكنّه تركها لتهدأ، لتفرغ ما أمضت عمرها وهي تخبّئه حتّى عن نفسها فلا تراه في المرآة. داعبها، قبّلها، شاكسها، أضحكها، وحين لاح طيف ابتسامة خلف ضباب الدمع، وصفت العينان بعدما اغتسلتا من غبار الماضي، وظهرت المرأة التي كان يعرف منذ اللقاء الأوّل أنّها مختبئة فيها، أخذها إليه.
أخذها كما يمتصّ التراب ماء السحاب.
وأخذته كما يأخذ البحر لون السماء.
قبلها كان بلا حياة، قبله كانت بلا لون.
عادت معه الصبيّة التي صيّروها امرأة قبل موعد أنوثتها. 

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.