الجمعة، 11 مايو 2012

"تقضمنا الحياة بثغورها الصغيرة" للشاعرة دنيس ليفرتوف (1923-1997)



الشاعرة الإنكليزيّة/ الأميركيّة دنيس ليفرتوف (1923-1997)
أمام المجموعة الشعريّة "تضمنا الحياة بثغورها الصغيرة" للشاعرة دنيس ليفرتوف وجدت نفسي حائرة بين الإعجاب واللامبالاة. بدت لي قصائدها الأولى مملّة، غامضة، ولكن ذلك الغموض الذي لا يدفعني إلى التوقّف والتأمّل، بل إلى العبور السريع، كأنّي غير معنيّة بما أقرأ. كدت أضع اللوم على المترجم سامر أبو هواش، وقلت في نفسي لعلّه هو أيضًا لم يحبب هذه الشاعرة، أو أنّ عمله المكثّف في الترجمة جعله عاجزًا عن الدخول المتعمّق في عوالم كلّ شاعر أو شاعرة من ملاعين هذه الحياة. غير أنّ القصائد التالية بدت أكثر إثارة لاهتمامي، كأنّ الشاعرة انتقلت من مناخ شعريّ إلى آخر ( لا ننسى أنّ هذه المجموعة المترجمة تتبع الترتيب الزمنيّ، وبالتالي هي نماذج مختارة من شعر ليفرتوف بدءًا من قصائدها الأولى إلى الأخيرة). ازدادت جملتها كثافة وعمقًا، وصار فيها ما يدعو – ما دعاني أنا شخصيًّا – للتفكير والتساؤل والإعجاب، وهي الأمور التي أبحث عنها في ما أقرأه.
أحببت قصيدة "ذاك الذي كان" وهي عن الجنين الذي يتكوّن في رحمها، وفيها تتجاور - وتتحاور - مشاعر الأمومة مع أفكار الشاعرة الثائرة المناهضة لحرب فيتنام. فتقول:
ذاك الذي هنا حيث تحمل الحياة كثمرةٍ
موتَها البعيد، سوف ينمو
في الألم البشريّ، والفرح البشريّ،
وسيعرف الموسيقى والنحيب،
فقط لأنّ زهرة غريبة من صلبك
تفتّحت في جسدي. من فرحنا
يبدأ تاريخ شخص غريب.
دنيس ليفرتوف على غلاف مجموعة "تقضمنا الحياة بثغورها الصغيرة"

في قصيدة "إلى القارئ" تطرح تساؤلًا مبطّنًا عن وظيفة القارئ، وفي طبيعة الحال يعني ذلك التساؤل عن العلاقة بين الإبداع والمتلقّي، فتقول:
ثمّة، بينما تقرأ، دبّ أبيض يبول
على مهل، صابغًا الثلج
بالزعفران.
وبينما تقرأ، آلهة كثر
يضطجعون في الكروم، عيون كالزجاج البركانيّ
تراقب أجيال أوراق الشجر.
وبينما تقرأ
يقلّب البحر صفحاته السوداء،
يقلّب
صفحاته السوداء.
أبسط المشاهد تستحقّ قصيدة من هذه الشاعرة، لا شيء يبدو سخيفًا في نظرها، فشغفها بمقارعة السلطة الأميركيّة واعتراضها على حرب فيتنام لا يعني أنّها لا تلتفت لتفاصيل الحياة اليوميّة كمشهد عجوز ينزّه كلبيه في قصيدة بعنوان "المتنزّهون في المطر" حيث تبدو كمن يحاول أن يتصالح مع الحياة البسيطة، أو يحسدها، فتقول في خاتمتها:
يمشي العجوز بين رغبات الكلبين.
ثمّ يختفي الثلاثة
في المنعطف الذاهب إلى طرف البلدة،
يكتنفهم إحساسهم ببعضهم، بالمتعة،
بالطقس، بالزوايا،
بالذبذبات العذبة التي بينهم
وبين الصمت الخاصّ.

في قصيدة "كيف كانوا" ستّ أسئلة يطرحها الزعيم الأميركيّ الساذج على الجنديّ الذي كان في حرب فيتنام، يسأله فيها عن هذا الشعب، تلي الأسئلة الستة أجوبة يحمّلها الجنديّ كلّ المرارة التي عاد بها من حربه العبثيّة، ففي جواب على سؤال: "أكانوا ميّالين إلى الضحك الهادئ؟ يجيب الجنديّ "يا سيّدي الضحكة تؤلم الفمَ المسفوع".
ولعلّنا، نحن الذين ندفن كلّ يوم ابتسامة من ابتسامات من نعرفهم، قد نجد في قصيدة "عند ضريح دافيد" ما يجعلنا نقدر تضحية أولئك الذين يُقتلون لنحيا عنّا وعنهم:
أجل، إنّه هنا
في هذا الحقل المفتوح، تحت نور الشمس،
بين الأشجار القليلة اليافعة
المصمّمة على تلطيف الحقيقة العارية...
إنّه هنا،
لكن فقط لأنّنا هنا.
حين نذهب يذهب معنا
لكي يكون أيديكم
التي لا ترتكب عنفًا،
عيونكم المرتحلة
حيواتكم التي تمجّد الحياة كلّ يوم
بعيشها، وبالضحك.
ليس وحيدًا ههنا قطّ،
لا يطاوله البرد في حقل الأضرحة.

الأربعاء، 9 مايو 2012

عن مجموعة الشاعر والناقد سلمان زين الدين "أقواس قزح"



صحيفة الحياة، الخميس، 10 مايو 2012

ماري القصيفي
عند لقاء المطر والشمس يتكوّن قوس قزح! وكم هي كثيرة اللقاءات التي كان سلمان زين الدين شاهداً عليها، حتّى صارت «أقواس قزح» عنواناً لمجموعة شعريّة، تحكي عن نهر العمر الذي كاد يذهب هدراً إلى البحر، لولا عشق الشاعر الطبيعة والتزامه بالناس وفرحه بربيع عربيّ كافأ انتظاره. تحضر الطبيعة بكلّ وجوهها في قصائد زين الدين، يتماهى بها ويرى في فصولها مراحل حياته، فللصيف وآب سبع مفردات، وللخريف وأيلول سبع أُخر، وللشتاء وكانون ستّ منها. في المقابل ينتشر الربيع بألوانه القزحيّة الزاهية بدءاً من الغلاف والإهداء (إلى الشباب العربيّ) وصولاً إلى الكلمة الأخيرة من المجموعة «الياسمين» في قصيدة مهداة إلى الثائر التونسي محمّد البوعزيزي؛ إذ يرى الشاعر في الربيع عمره كفرد، وعمر الشعوب العربيّة التي تجدّد شبابها كلّ يوم وتنتفض من رماد (11 مفردة) يغطّي الجمر (15 مفردة) طائر فينيق (6 مفردات) لا يعرف الموت، بل يخلع قميصاً (11 مفردة) ليعود في قميص آخر: في قصيدة أو أرض أو جسد.
في المجموعة الشعريّة «أقواس قزح» الصادرة عن دار نلسن، للربيع ونيسان وآذار (19 مفردة) حقول معجميّة كبيرة، فهو صنو الحياة والتجدّد والخصب، ما يجعل الشاعر واحداً من الشعراء التمّوزيّين الذين يؤمنون بانبعاث الحياة، وإن بدا زين الدين في مواجهة الحياة، شأننا جميعاً، متسائلاً عن هشاشة الوجود والتغيّرات التي يرصدها المرء في شكله وعاطفته وأفكاره معتبراً أنّ سلاح الوقت أقوى من أيّ سلاح (ص 120) ولو كان الكلمة البكر والوقفة العزّ (ص 119). غير أنّه سرعان ما ينتفض مستعيداً طفولة نشأت وترعرعت بين الوعر والنهر فيستمدّ منها قوّة فاعلة في نفس صاحبها ومتفاعلة مع محيطها، في حركة تجدّد لا تعرف الموت، أولمْ تعلّمه شجرة الحورة بموتها «كيف يغدو الموت/ دربًا للقمر»؟
والمفارقة أنّ القصائد التي تدور حول «أنا» الشاعر في مواجهة الزمان (العمر، 60 مفردة) والمكان (الطبيعة)، لا تسمح للإنسان الآخر بتعكير أجواء النقاء والبراءة المسيطرة على الأماكن التي نشأ فيها الطفل الذي كانه وذاب فيها، ففي مقابل 98 مفردة للشجرة وجذوعها وأغصانها وأنواعها وظلالها وأوراقها وجذورها، و89 مفردة للأرض والتراب، و42 مفردة للأزهار والنبات، و17 مفردة للثمر، لا نجد سوى ذكر يتيم للفلّاح وآخر للرعيان، كأنّي به يخشى على فردوسه هذا من عبث العابثين الذين لن يروا في الطبيعة ما يراه هو القائل عن نفسه: «من زمان/ كان ذاك الطفل يمضي/ هاشلاً بين الصخور/ يقرأ الوعر/ ويبقي من مداد القلب ما بين السطور» (ص 15).
ولا يكتمل ربيع الطبيعة من دون الطير وكلّ ما يشير إليه (37 مفردة)، والفراشات (11 مفردة) والنحل (3 مفردات)، وبذلك تبدو الطبيعة جبليّة، للمياه والثلج والمطر (28 مرّة) شأن لا يشبه ما على الساحل، ولا يرد فيها ذكر البحر وملحقاته (28 مفردة) إلّا كمصير يؤول إليه النهر والنبع والجدول (47 مفردة). وفي هذا الجبل تحضر بقوّة عناصر الريح (28 مفردة) والشمس والضوء والصبح (25 مفردة) والليل والقمر والنجوم (46 مفردة)، والسموات (12 مفردة) والغمام (6 مفردات).
كان من الممكن أن يبقى كلّ ذلك في إطار شعر الطبيعة الوصفيّ التقليديّ لولا ارتباط هذه المشاهد بمفهوم الزمان الذي يقف بالمرصاد لكلّ كائن حيّ: «يجري الزمان كنهر/ ونحن نخاتل مجرى الزمان/ نقيم سدوداً/ ونبني حدوداً/ لعلّ الزمان ينام قليلاً/ فنبقى سهارى/ وينسى طريقاً/ إلى البحر تفضي/ فنحيا صغاراً» (ص43). فيكون الهرب إلى زمن الطفولة (30 مفردة) السعيدة المرتبطة بالأرض.
ومع ذلك لا تأتي هذه النصوص من خارج إطار الفكر والالتزام بهموم الفرد والمجتمع. فعلاقة الشاعر بالطبيعة ليست علاقة ناسك بصومعة ينعزل فيها عن الحياة والناس، ولذلك يتقصّد أن يمرّر لنا لمحات من شعر سواه كأنّه يرشدنا إلى بعض منابع ثقافته وقراءاته والأساطير التي التصقت بوجدانه، والرجال الذين تركوا بصماتهم على مسيرة التاريخ في مجتمعنا: فالفينيق وسيزيف (ص 118) وآدم والتفّاحة والشيطان والأفعى ونجمة الميلاد صور من ذاكرة جماعيّة، وكذلك قوله «ذلك الفردوس أغوتني أفاعيه الجميلة» في إشارة إلى «أفاعي الفردوس» لإلياس أبو شبكة و «تحامتني القبيلة» (ص11) التي تعيدنا إلى مأساة الشاعر الجاهليّ «طرفة بن العبد»، أو «هي الأيّام تطوينا» التي تعيد إلى البال ترجمة الدكتور «نقولا فيّاض» لقصيدة البحيرة للشاعر الفرنسيّ «لا مارتين»: «نطوي الحياة وليل الموت يطوينا»، أو تعبير «أراجيح القمر» (ص49)، التي تذكّرنا بأرجوحة القمر لـ «صلاح لبكي»، أو تعبير «درب للقمر» التي تقودنا إلى «درب القمر» لـ «فؤاد سليمان»، أو تعبير «إذا ما ألقى الليل بركه» (ص 60) و«ألقى بركه القفر اليباب» (ص 97) في تحيّة لـ «امرئ القيس». عدا إشارات تأتي في موقعها عن الجهاد في قصيدة «نجمة النار» المهداة إلى محمّد البوعزيزي: للشاعر «أبي القاسم الشابيّ» في كلامه عن الليل الذي انجلى والقيد الذي انكسر.
في عالم «سلمان زين الدين» الشعريّ تغيب المرأة خلف تسميات توحي بها (مغامرات، قضم تفّاح، أفاعي...) ويختفي الجسد كمصدر الرغبات ويبقى لوحة يكتب عليها العمر آثار مروره، ومن صفات الجسد أنّه «طين» (ص 63) و«ضئيل» (ص 66) و«ميت» (ص 92) وبارد (ص95)، أمّا الجسد الذي يستحقّ أن يلتحم به الشاعر فهو جسد الجبل (ص69) أو جسد البيت في القصيدة (ص 96).
هكذا تسيطر مفردات القلب والروح (38 مفردة)، كأنّ الحياة الحسيّة غواية، والعالم الماديّ خطيئة تفقد الإنسان فردوسه فلا يبقى غير الذكريات (ص 19). وفي حال وُجدت الحبيبة بدت ملاكاً هاتفاً (في قصيدتَي «هاتف» و«صوت»)، كأنّها الدفء يأتي من عالم غير ماديّ، ليذيب الثلج عن القلب (ص25) ويزيل الضعف والتراخي (ص27).


الثلاثاء، 8 مايو 2012

مشاركتي في ملف حول إبراهيم أصلان في جديد مجلة «الكلمة»



حين نشرت مقالتي عن رواية ابراهيم أصلان في صحيفة النهار، لم يطّلع عليها الروائيّ 

المصريّ مباشرة. فاتّصل بعدما علم بها بالصحافيّ الراحل سمير قصير وسأله عنها. اتّصل 

بي قصير وطلب منّي تاريخ العدد الذي نشرت فيه المقالة وأرسلها إليه، فنشرها أصلان 

على موقعه. 



ملف حول إبراهيم أصلان في جديد مجلة «الكلمة»

الدوحة- الوطن-
تقدم «الكلمة» في هذا العدد الجديد، عدد 58 فبراير2012، ملفا إضافيا من أكثر من ثلاثين نصا بين دراسة وشهادة ومقال في وداع الكاتب الكبير إبراهيم أصلان الذي رحل عن عالمنا قبل أسابيع ثلاثة. وتواصل في الوقت نفسه مواكبتها لزخم الربيع العربي الذي بشرت به وشاركت فيه، فقد كانت (الكلمة) داعية لكتابة تاريخ جديد متحرر من رطانة اليأس والتبعية، وخطاب حر مستقل، يواجه خطابات الهيمنة الزائفة ويفضح تدليس مبرري القهر والهوان والاستبداد. فقد راهنت من البداية على العقل والوعي وحرية الرأي واستقلال المثقف. لهذا يحفل العدد بأكثر من نص في تفكيك الاستبداد والقهر والتبعية: من رواية العدد القادمة من البلاد الكبيرة المنكوبة بكبرها، السودان، وقصيدة شوقي بغدادي الأخيرة، حتى الكثير من دراسات العدد ومقالاته. وتنشر (الكلمة) كعادتها رواية جديدة، وديوان شعر، ومجموعة قصصية صغيرة وعددا من الدراسات والمقالات التي تتناول مسارات الثورة، والتنظير لها، فضلا عن المزيد من القصائد والقصص، وأبواب (الكلمة) المعهودة من دراسات وشعر وقص وعلامات ونقد ومراجعات كتب وشهادات ورسائل وتقارير وأنشطة ثقافية، لتواصل (الكلمة) مسيرتها بقوة دفع أكبر، وبمزيد من أحدث إنجازات كتابنا من مختلف أنحاء الوطن العربي.

تودع (الكلمة) إبراهيم أصلان لوعيها بأهمية إنجازه الأدبي وموقفه الأخلاقي والفكري معا. فقد حافظ على موهبته وعلى ما حققته له من مكانة، ورعى استقلاله الفكري والموقفي في ظروف صعبة، حرص فيها على أن ينال بعض حقه، دون أن يهدر كرامته أو يتيح للمؤسسة احتواءه واستخدامه لصالحها. وهكذا استطاعت الكلمة أن تقدم ملفا بمناسبة رحيله في السابع من يناير2012، جمعت فيه إلى جانب نصوص أخيرة لأصلان وحوارات معه، بين الدراسة الجادة المتفحصة لبعض أعماله، والشهادة الشخصية على دوره وتأثيره، والإضاءات الوداعية عنه، بصورة تعطيه بعض حقه حتى يحين وقت الدراسات الضافية التي نحسب أنها ستتواصل حول إبداعه. وقد شارك في الملف لفيف من المثقفين والكتاب والنقاد العرب.

منهم صبري حافظ، منصورة عز الدين، سيد محمود حسن، سمير جريس، ممدوح فراج النابي، عبدالرحيم مؤذن، طارق إمام،
ماري القصيفي (إضغط على الرابط لقراءة المقالة)، بهاء طاهر، محمد برّادة، نبيل سليمان، إلياس خوري، واسيني الأعرج، منتصر القفاش، بيار أبي صعب، أحمد زغلول الشيطي، لحسن العسبي، حسن داوود، طارق الشناوي، عبده وازن، علي حسن الفوّاز، موسى حوامدة، شعبان يوسف، أكرم القصاص، عباس بيضون، أحمد مالك، رولا حسن، ممدوح فرّاج النابي، محمد شعير، محمد خير، كمال رمزي، وائل فتحي، أسامة كمال.

الاثنين، 7 مايو 2012

حوار أجرته معي الزميلة جنى الحسن لصحيفة الرأي العام الكويتيّة




كتبي الصادرة عن دار مختارات
الكتابان الصادران عن دار سائر المشرق


حوار / ماري القصيفي: أخطر ما يواجهنا... هويتنا
| بيروت - من جنى فواز الحسن  |
صحيفة الرأي العام الكويتيّة - الاثنين 7 أيّار 2012
تكتب المقالة لتسجل اعتراضاً على الواقع، وترسم لوحات شعرية ملونة بالأسئلة التي تحفز على التفكير، والتشكيك والمساءلة، خارجة بذلك من الطابع الوجداني الرومانسي الى أفقٍ أوسع، يغوص بين ثنايا العقل والروح، ويغرف مما بينهما. نصوصها الشعرية والصحافية كللتها روايتها «كل الحق ع فرنسا»، لتفاجئ القراء بقدرتها على التمرس في مختلف الأنواع الأدبية، من دون ان يكون أي عمل على حساب الآخر.
ماري القصيفي كاتبة وشاعرة لبنانية، كتبت في عدد من الصحف والمجلات اللبنانية والعربية. صدر لها عن دار مختارات: «لأنك أحيانًا لا تكون»- 2004، «رسائل العبور»- 2005، «الموارنة مروا من هنا» (على الغلاف بألم ماري القصيفي وليس بقلم) و«نساء بلا أسماء»- 2008، وعن دار سائر المشرق رواية: «كل الحق ع فرنسا» - 2011، واخيراً «أحببتك فصرت رسولة»- 2012.

«الراي» التقت القصيفي وكان معها هذا الحوار الاتي:

1- وجهت البوصلة اخيراً في اتجاه الشعر مرة أخرى، هل للحب هذا التأثير العميق فينا؟
-
ان كنا ننتظر الحب، أو نعيشه أو نعاني من خيبة بسببه، فهذا يعني أن للحب تأثيراً علينا، وبالتالي على الشعر أو أي وسيلة تعبيرية أخرى. لا تكتمل انسانيتنا بلا الحب، وحين نندفع الى الشعر، فهذا يعني أن كثافته صارت أشد من أن نحتمل عدم البوح به وبما يفعله بنا. ومع ذلك فالمفارقة أنني أحياناً أجد الكلمات عاجزة عن التعبير عن مشاعري، ومرات، أجدها أجمل من الشعور الذي أكنه للآخر، كأنني أكتب عن حب له من الجمال والعمق ما قد يجعله غير حقيقي.

2- تكتبين من خلال شعرك محطات متداخلة وتطرحين أسئلة وجودية. هل الشعر مساحة للبوح أو مساحة لطرح الأسئلة؟
-
لا أعترف بحب لا يضعني على تماس مع الفكر وبالتالي مع الأسئلة. حتى في أكثر اللحظات حميمية لا أكف عن التفكير والتحليل. الأمر بطبيعة الحال ليس مريحًا ولا سهلًا، أكان ذلك بالنسبة الي أو بالنسبة الى الشخص الآخر. والشعر كالحب، مساحة للبوح بما في القلب والتعبير عما يجول في الفكر من تساؤلات. وأعترف أنني عندما أنشر نصوصاً ما، وأعود لقراءتها أكتشف أنني انتقلت بعدها الى مرحلة جديدة من الأسئلة عن الموضوعات نفسها كالعبور والانسان والحب والوطن والغربة والحرب، ولكن مع معرفة ضمنية بأن الوقت لم يساعد على ايجاد الأجوبة والوصول الى اليقين.

3- امتد عملك التربوي على مدى ربع قرن. ما تأثير ذلك على الكتابة؟ هل أخذك منها أم زودك بنضج معين وظفته في خدمتها؟
-
الاجابة صعبة لأن السؤال يتعلق بمرحلتين من حياتي: العمل التربوي الذي امتد مدى ربع قرن كما أشرتِ، ثم ترك التعليم والانصراف الى الكتابة. لكني أسارع الى القول اني أعطيت التربية الكثير من الوقت، والكثير من الأفكار التي كان في الامكان تحويلها مشاريع كتابية. العمل التربوي مرهق وعاق ومعيق، ومع ذلك يبقى ضمانة مادية في مجتمع لا يؤمن للكاتب أبسط متطلبات الحياة. أما عن النضج الذي سألتني عنه فأصارحك بأن العمل مع التلامذة يبقينا في عالم بريء مهما بدا التعامل مع شيطانات الأولاد صعباً ومتعباً، فضلاً عن أن التربية تفرض رقابة ذاتية صارمة على ما نفكر فيه ونكتبه. وقد حدث أن اعترض بعض الأهل والزملاء على ما اعتبروه جرأة في بعض مقالاتي الصحافية آنذاك، لذلك، أخر التعليم النشر لا الكتابة، وأعاق انطلاقتي حرة من قيود الوظيفة. ومع ذلك، يبقى التلاميذ الذين واكبت حياتهم المدرسية ذكرى جميلة من تلك المرحلة، ولي بينهم اليوم أصدقاء أعتز بهم.

4- كانت لك زاوية أسبوعية في جريدة النهار اللبنانية تحت عنوان: أضواء خافتة، وكنت تكتبين باسم مستعار هو «مي الريحاني». ما السبب في ذلك؟ وهل تشعرين بالانسجام مع ذاتك أكثر بعدما صرت تكتبين باسمك الحقيقي؟
-
عملي التربوي الذي أخبرتك عنه للتو هو الذي جعلني في البداية أكتب باسم مستعار. كنت أريد منع الرقيب الذاتي في عن التدخل، وكذلك كي لا أحرج المدرسة التي كنت أعمل فيها، خصوصًا بعد الاعتراضات التي واجهتني حين طعمت عملي بأفكار تربوية اعتبرت جريئة في تلك المرحلة، علمًا أنها بعد ذلك صارت من صلب العمل التربوي، كادخال الموسيقى والمسرح والتصوير والرسم في تقريب الأدب من ذائقة التلاميذ. أما عن مسألة ان صرت منسجمة أكثر مع ذاتي، فأصارحك بأن الأمر لم يكن سهلًا حين بدأت أوقع باسمي، وكان ذلك بناءً على اصرار الشاعر شوقي أبي شقرا الذي كان المسؤول عن الصفحة الثقافية في صحيفة «النهار» والذي أدين له بالكثير. بدا الأمر كأنني أكتب للمرة الأولى، وأنتظر من جديد رأي القراء الذين يعيدون اكتشاف نصوصي بعدما عرفوا هويتي.

5- لماذا عدت وانتقلت من الرواية الى الشعر؟ هل هناك نوع أدبي محدد تجدين نفسك فيه أكثر؟
-
أعتقد أنني لا أبتعد عن الشعر حتى وأنا أكتب الرواية أو المقالة، الشعر بصفته عالَمًا جميلًا حرًا مشاغبًا لا كنوع أدبي محدد له شروط وقواعد وقوانين، لذلك لا أعرف ان كنت شاعرة أو روائية. على كل حال ليس من السهل الدخول الى نادي الشعراء الذين يعتبرونني روائية أو نادي الروائيين الذين كان بعضهم يفضل لو بقيت كاتبة مقالة في الصحف. شخصياً أرى نفسي كاتبة تكتب الرواية بلغة فيها الكثير من الشعر، وتكتب الشعر لتحكي حكاية، ففي كتابي الأول «لأنك أحياناً لا تكون» وهو شذرات شعرية، تقعين على حكاية تمتد من الجملة الأولى الى الأخيرة، وكذلك في كتابي الثاني «رسائل العبور» وهو نصوص نثرية وجدانية، أو في مجموعتي القصصية «نساء بلا أسماء».

6- في روايتك «كل الحق ع فرنسا»، بقيت حكاياتك مفتوحة على أكثر من توقع أو احتمال. لماذا لم تغلقي الأبواب؟
-
لا تصل الحكايات، كل الحكايات، الى خواتيمها. فان تعب الراوي تابع المتلقي القصة في خياله، وان ضجر المتلقي وجد الراوي متلقياً آخر. خاتمة مرحلة هي بداية لأخرى، وفي روايتي التي تبدأ أحداثها الروائية من مرحلة الانتداب الفرنسي، يبدو واضحاً أن هذه البداية كانت نتيجة مرحلة تاريخية سابقة، لذلك كانت النهاية مفتوحة على مرحلة لا نعرف كيف ستكون، وأنا تقصدت أن أتركها هكذا، فالأجيال الأربعة التي تتناولها الرواية لا تنتهي حكاياتها مع النقطة النهائية في الصفحة الأخيرة، وهنا يأتي دور القارئ الذي أراه شريكا في الكتابة.

7- تمثلت في الرواية بشكل واضح مسألة الهوية أو الانتماء، حتى في انفصام اسم روز بين الفرنسية والعربية. الى ماذا أو من أو أين تنتمي ماري القصيفي؟
-
عنوان الرواية بالمحكية اللبنانية، وانفصام اسم احدى الشخصيات بين «وردة» و«روز»، ثم توزع كثير من شخصيات الرواية على مصر وفرنسا واسبانيا وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة، كل ذلك يلقي بظلاله على مسألة الهوية اللبنانية، فما هي الهويات القاتلة بحسب تعبير أمين معلوف وما هي المقتولة بحسب ما تساءلت في احدى مقالاتي؟ كوني امرأة جزءاً من هويتي، وكوني مارونية مسيحية مشرقية جزءاً آخر، وكوني عربية جزءاً، وكوني على تماس مع لغات وحضارات وفنون وآداب وأفكار تمتد من الشرق الى الغرب أمر لا يمكن ألا يترك أثره على هويتي، التي أراها تتغير- ولا أقول تتطور أو تتراجع- بين لحظة وأخرى، بحسب المعارف التي تضاف الى ما كنت أعرفه قبل قليل. لذلك أرى أن أخطر مشكلة نواجهها كلنا هي في حسم موضوع هويتنا، بدءاً من الهوية الجنسية الى كل ما سبق وأشرت اليه.

8- في كتابك «الموارنة مروا من هنا»، استبدلت القاف بالهمزة في عنوان الكتاب فكتبت «بألم» بدلاً من قلم. ما الذي يؤلمك في الواقع اللبناني؟
-
وما الذي لا يؤلم في الواقع اللبناني؟ ولكن أن أكتب عن المأزق الماروني لا يعني أن غير الموارنة ليسوا أمام تحديات مصيرية تطول الهوية والوجود. فهل تشكل الأصوليات اليوم خطراً على المسيحيين فقط؟ وماذا سيكون مصير المسلمين غير المحسوبين على الأصوليات؟ وماذا عن العلمانيين؟ لذلك تؤلمني قناعة بدأت تستقر في فكري ومفادها أن الخلاص الجماعي يكاد يكون غير وارد الآن أو في المستقبل القريب، كأن على الفرد أن يخلص نفسه، من مأزقه النفسي أولاً أمام ما يجري ومن تحديات اجتماعية كثيرة تحيط به، وهو عاجز عن التعامل معها أو مقاومتها.

9- على الرغم من عذوبة كلماتك، هناك نقد قاس وقلم نافذ. كيف تجمعين بين الحدة واللين؟ أين يبدأ تمردك وما هي حدوده؟
-
لعل العذوبة التي تشيرين اليها رقت الى حد صارت جارحة. نعم، أنا قاسية، حتى وأنا أكتب عن الحب، لأنني لا أستطيع أن أفصل نفسي عما يجري حول هذا «الحب» اذا صح التعبير. كيف ننسى ولو كنا في أقصى حالات العشق الفقر والمرض والظلم والجهل والتعصب والغربة؟ لا تنسي أن الحرب التي بدأت مع سني مراهقتي حرمتني وسواي من أبناء جيلي من فرص كثيرة، وها نحن قطعنا منتصف العمر وما زلنا ننتظر تأمين أبسط أمور الحياة كالكهرباء والماء، فكيف لا يكون النقد قاسياً والقلم جارحاً؟ ربما سواي استطاع ايجاد مخرج من هذه الحدة، ان بالهجرة أو بالانفصال عن واقع الحال أو القبول به، أنا لم أهاجر ولم أقبل، فكان هذا المزج الذي أشرتِ اليه بين اللين والحدة.


10 المطلوب ابداع يخاطب العقل» هو عنوان احدى مقالاتك التي تنتقدين فيها الواقع الثقافي. ما هي مآخذك على هذا الواقع، وعلى من يقع اللوم؟
- نحن لا نطرح أسئلة وندعي أننا نفهم في كل شيء. نقبل كل ما يطرح أمامنا على أنه من المقدسات، وان رفضنا فعلنا ذلك عن تعصب ضد الآخر أو نكاية بالآخر. أي أن أعمالنا الابداعية تخاطب الغرائز لا العقل، ففي المقالة والكتاب والفيلم السينمائي والبرنامج التلفزيوني الفكاهي نعبر عن رغبتنا في المسايرة أو عن الاختلاف ولكن لمجرد الاختلاف. أخبريني من هم فلاسفتنا اليوم وعلماؤنا ومفكرونا؟ ما نسبتهم مقارنة بالآخرين؟ تصدر كل يوم فتاوى دينية، أو مواقف سياسية لرجال دين، في حين لا نسمع بتحليل منطقي أو دراسة او احصاء. ويقع اللوم علينا كلنا لأننا نستسلم للكسل والقبول والجبن. ثمة ما يثير الغضب في هذا التسطح الفكري الذي لا يعترف بأن العقل هو المرجع الأول والأخير.

11- تقولين «في بلادنا تعتذر الضحية وتخفي دموعها، ويفتخر المجرم بجريمته مطلقاً ضحكة عالية»، ما هو برأيك مصير البلدان العربية بعد الربيع الذي اجتاحها؟ هل انت مؤمنة بأن هذه الثورات ستحمل التغيير المنشود؟
-
نشرت مقالة مع الأيام الأولى للثورات العربية التي كان كثر يرون فيها ربيعاً عربياً واعداً، قلت فيها ما معناه ان ثورة لا تترافق مع الفكر لا تصل الى النتيجة المتوخاة. وفي مقالة ثانية قلت ان لا علاقة للمثقفين وأهل الفكر بهذه الثورات، بل كانوا أكثر من فوجئ بها، وهذا بالتالي ما جعلهم عاجزين عن مواكبتها واحتضانها وتوجيهها، فسهل على سواهم قطف ثمارها. وهي على كل حال لن تكون ثماراً طيبة، لأن الأصوليات التي تقطف الآن نتائج الثورة لا تملك مشروعاً يواكب العصر ويماشي الحداثة، وبالتالي لن يطول الأمر حتى تسقط هذه الأنظمة التي لا تختلف في شيء عن الديكتاتوريات لأنها لا تسمح بالتعدد والاختلاف. ولكن ذلك سيكلف المجتمع المزيد من الخسائر والضحايا، وسيؤدي الى هجرة الأجيال الشابة، وبالتالي، لا أعتقد أننا في ربيع عربي بل نحن نعاني من زلزال كبير، وبعد الزلازل يحتاج الناس الى وقت طويل لتخطي هول ما حدث ولاعادة بناء ما تصدع وسقط.

12- الى جانب اصدارك الشعري، ترجمت اخيراً روايتَي «قاديشا» و«جمهورية الفلاحين» من الفرنسية الى العربية. الى أين بعد، الشعر أو الرواية أو الترجمة؟
-
لم تكن الترجمة واردة في مخطط عملي الكتابي، لكن موضوعي الروايتين أغرياني بذلك، فالأولى لاسكندر نجار تروي تاريخ وادي القديسين في قاديشا في شمال لبنان، وحكاية أول مطبعة دخلت الى الشرق، والثانية تروي أحداث أول ثورة حصلت في المشرق العربي، وهي ثورة الفلاحين التي قادها طانيوس شاهين، وبالتالي الموضوعان مرتبطان بتاريخ الموارنة الذين أعتبر أنهم تنكروا لدورهم الحضاري ولرسالتهم في نشر الحرية والعلم، فأساؤوا الى وجودهم وأضعفوا بسبب ذلك مسيحيي الشرق. أما بعد الشعر، فأعود الى الرواية، فأنا في صدد كتابة رواية عن حرب الجبل التي أدت الى تهجير أكثر من سبعين قرية مسيحية من الشوف وعاليه، والتي لولا بعض القصائد والأفلام القصيرة لظننا أنها لم تقع.

الكتابان المترجمان عن دار سائر المشرق



"الحبّ كلب في الجحيم" لتشارلز بوكوفسكي


Charles Bukowski - Sean Penn


"الحبّ كلب في الجحيم" لتشارلز بوكوفسكي
اختيار القصائد والترجمة: سامر أو هواش
صادرة عن منشورات كلمة ومنشورات الجمل

كان عليّ أن أقوم بأبحاث كثيرة على شبكة الإنترنت لأجد المزيد عن عالم شارلز بوكوفسكي الشعريّ، فالمختارات التي ترجمها سامر أبو هواش تفتح الشهيّة لمعرفةٍ أكبر عن هذا الشاعر الأميركيّ الذي لا يمكن ألّا يثير دهشة من يتعرّف عليه. ولم تخذلني مواقع البحث طبعًا، فلهذا الشاعر الملعون والمجنون مكانة عالميّة لافتة لم تغب في طبيعة الحال عن الشعراء والنقّاد والمترجمين العرب. لذلك قد يسهل الدخول إلى هذا العالم الغرائبيّ المشحون غضبًا وصراخًا ووقاحة وعربدة إلى جانب الطفولة والحزن والخيبة والهشاشة، لكن قطعًا لن يسهل الخروج منه. وأحسب أنّ هذا ما حصل مع بعض شعرائنا الذين لا يمكن ألّا نقع على ملامح من تأثير بوكوفسكي على شعرهم. ولا مأخذ على ذلك في طبيعة الحال!
لا يسهل الكلام على القصائد التي قرأتها في الكتاب أو عبر ترجمات موزّعة في الصحف والمجلّات. فكلّ قصيدة تستحقّ، وحدها، أن يكتب عنها الكثير، إن من حيث موضوعها أو لغتها أو الأفكار التي تثيرها في ذهن المتلقّي. فكيف إذا تنوّعت خلفيّات هذه القصائد بين الساخر والغاضب والشامت والحاقد والعاشق والناقم والحزين والعابث... وكلّها خلاصة تجربة امتدّت سحابة عمر عرف فيه الشاعر الغربة والاضطهاد والفقر، من دون أن يتخلّى عن الشعر ولو في مواجهة الرفض والعزل، إلى أن أثبت وجوده وخياره الشعريّ.

لعلّ قصائد الشاعر تحكي عنه أكثر ممّا يمكن لأيّ تحليل أو رأي أن يفعل. فهي، في فجاجتها ومباشرتها وغياب الناحية الفكريّة عنها، لا تحتاج إلى وسيط. لا يعني ذلك أنّها سطحيّة أو ساذجة أو بسيطة، فهي أبعد ما تكون عن ذلك، لكنّ صدقها يجعلها تخاطب كلًّا منّا، ولو لم نجرؤ على الكتابة مثله أو الاعتراف بأنّ في عمق أعماقنا ما يشبه الذئب الذي فيه، أو الثمل الذي هو عليه، أو الماجن الذي لا يبالي بشيء أو أحد.
في قصيدة "العاهرة التي سرقت قصائدي" (ص27) يقول بوكوفسكي:
لكن مثلما قال الربّ
وهو يضع ساقًا على ساق:
أرى أنّني صنعت الكثير من الشعراء
لكن ليس الكثير
من الشعر
ومن حسن حظّنا أن نعرف، ولو متأخّرين، هذا الشعر الصارخ:
بعض الناس لا يصابون قطّ بلوثة الجنون
أيّ حياة رتيبة
تلك التي يعيشونها
(من قصيدة بعنوان "بعض الناس" ص 72)

السخرية هي التي لفتتني عند بوكوفسكي: سخرية ذكيّة لاذعة لا تهاب ولا تتردّد ولا تساير. لكنّها لا تقترب من الأطفال أو ممّن يشبهون الأطفال في براءتهم وسجيّتهم كمرلين براندو ومارلين مونرو (التي يسمّيها الطفلة الطفلة الطفلة) والمجانين والعاهرات والفقراء. في قصيدة بعنوان "جميعهم، جميعهم يعرفون" وهي الأولى من هذه المجموعة المختارة بشكل يغطّي مراحل حياته، نقرأ عن:
إنّ زوجة تزمجر خارج الباب
أكثر
ممّا يستطيع أيّ رجل احتماله
ولا يفوّت الشاعر فرصة لوصف النساء اللواتي يقبلن بالرجل كيفما كان، ويكاد في قصيدة عنوانها "أنت" يترك القارئ في حيرة من أمره، فهل المرأة هنا ضعيفة أم عاشقة، وهل هو ذلك الرجل الذي قبلته المرأة على علّاته وهي كثيرة؟ لكنّ كلمة "قبّلتني" تحسم الأمر:
أنت وحش، قالت،
كرشك أبيض ضخم
وساقاك مليئتان بالشعر.
لا تقصّ أظافرك قطّ
ويداك سمينتان
ولديك مخلبا هرّ
وأنف أحمر لامع
وأضخم خصيتين
رأيتهما في حياتي.
وتقذف كما يطلق
الحوت الماء من
فتحة ظهره.
أيّها الوحش الوحش الوحش
قبّلتني، ثمّ قالت:
"ماذا تريد أن تأكل
على الإفطار؟"

وفي قصيدة بعنوان "المثقّفة" نرى صورة المرأة التي تدّعي الفهم والتحليل والمجادلة لتنتهي في آخر النصّ امرأة تغسل الصحون وتقبل كلّ شيء كي لا يرفضها الرجل. أمّا في قصيدة "صوت الحيوات البشريّة" فيسخر من الجهد في العمل من أجل لا شيء، من أجل أجر زهيد، فيقول:
لا أعرف لمَ يحسب الناس أنّ الابتكار
له أيّ علاقة
بالجهد وبذل الطاقة
وفي قصيدة "أبي والعاطل عن العمل" يقيم مقارنة بين الرجلين ينحاز فيها إلى جارهم الحكيم العاطل عن العمل ضدّ والده الذي كان يخجل من أن يبقى بلا عمل. (في مقدّمة الكتاب إشارة إلى علاقته المضطربة بوالده الذي كان يضربه).
ما يذكّرني بقول ردّده كثيرًا منصور الرحباني عن الكسل المنتج.
وفي أكثر من مرّة يسخر من احتفالات الناس الصاخبة ليلة رأس السنة، معلنًا بأنّه لم يتمكّن قطّ من فهم البشر، لكنّه عاش الحياة بحلوها ومرّها (ص75).
ولعلّ قصيدته الصغيرة في السخريّة من حريّة المرأة تعطي لمحة عن نظرته الثاقبة إلى تفشّي الخبث في أجواء الطبقات الراقية والمثقّفة التي اضطهدته طويلًا، وفيها:
حين تكفّ النساء
عن حمل المرايا
إلى كلّ مكان يذهبن إليه
فعندئذ ربّما
يمكنهنّ أن يحدّثنني عن التحرّر

وفي قصيدة بعنوان "رقصة الحياة" نقرأ:
المنطقة التي تفصل الدماغ عن الروح
تتأثّر بالتجربة بشتّى الطرق
بعضهم يفقد عقله ويصبح روحًا:
المجنون.
بعضهم يفقد روحه ويصبح عقلًا:
المثقّف.
بعضهم يفقد الاثنين:
المقبول اجتماعيًّا.

***

في مقابل ذلك، هناك التعاطف مع البشر المهمّشين، وخصوصًا الأطفال الذين يتعاطف معهم. فقصيدة "مشاغبة" تحكي عن ثلاثة أطفال يلهون معه بتعليقاتهم الساخرة من سكره، ومع ذلك يدخل إلى المتجر ليبتاع لنفسه "خمس زجاجات من الشراب الرديء وثلاثة ألواح حلوى" (ص56). وفي قصيدة "التقيت عبقريًّا" يحكي عن الحقائق التي لا تصدر إلّا عن الأطفال. لكنّ التعاطف شيء واللطف شيء آخر خصوصًا أمام من يرفض أن يرى بحسب تعبيره، وهذا ما نقرأه في قصيدة "كن لطيفًا" التي يرفض فيها أن يكون لطيفًا كما يطلب منه مع المتقدّمين في السنّ الذين عاشوا حياة ضبابيّة، ويبرّر ذلك بقوله:
ليست الشيخوخة بجريمة
لكنّ الإحساس بالخجل
أمام حياة هدرت عمدًا
بين كلّ هذه الحيوات المهدورة عمدًا
هو كذلك.
هذا هو شاعرنا الذي لا يعرف أنصاف الحلول ولا يرضى بالفتور في أيّ تصرّف أو شعور أو علاقة. أليس هو من انحاز إلى الفئران التي كان والده يرميها في النار حيّة، فيعلن يائسًا في نهاية القصيدة التي تحمل عنوان "الفئران": لقد ربح أبي مجدّدًا.

تساؤل أخير على هامش هذه المجموعة:
ماذا كان بوكوفسكي ليكتب عن شبكة الإنترنت والفايسبوك، وهو الذي كتب في قصيدة بعنوان "الهاتف"؟
رنينه يأتي إليك بالناس
أناس لا يعرفون ماذا يفعلون بأوقاتهم
...
الهاتف صنع للحالات الطارئة فحسب.
هؤلاء البشر ليسوا حالات طارئة،
إنّهم كوارث.
ضيفًا في برنامج "ابوستروف" حيث أثار فضيحة
إضغط على الرابط لقراءة مقالة الشاعر والناقد اسكندر حبش عن تشارلز بوكوفسكي

***
اضغط على الرابط للمشاهدة
Ben Gazzara performs Charles Bukowski’s poem “Style,” from Marco Ferreri’s filmTales of Ordinary Madness
.
 
Style is the answer to everything
A fresh way to approach a dull or dangerous 
thing
To do a dull thing with style is preferable
to doing a dangerous thing without it
To do a dangerous thing with style, is what
I call art
Bullfighting can be an art
Boxing can be an art
Loving can be an art
Opening a can of sardines can be an art
Not many have style
Not many can keep style
I have seen dogs with more style than men
Although not many dogs have style
Cats have it with abundance
When Hemingway put his brains
to the wall with a shotgun, that was style
For sometimes people give you style
Joan of Arc had style
John the Baptist
Christ
Socrates
Caesar
García Lorca
I have met men in jail with style
I have met more men in jail with style
than men out of jail
Style is a difference, a way of doing,
a way of being done
Six herons standing quietly in a pool of water,
or you, walking out of the bathroom naked without seeing me 

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.