الاثنين، 7 مايو 2012

"الحبّ كلب في الجحيم" لتشارلز بوكوفسكي


Charles Bukowski - Sean Penn


"الحبّ كلب في الجحيم" لتشارلز بوكوفسكي
اختيار القصائد والترجمة: سامر أو هواش
صادرة عن منشورات كلمة ومنشورات الجمل

كان عليّ أن أقوم بأبحاث كثيرة على شبكة الإنترنت لأجد المزيد عن عالم شارلز بوكوفسكي الشعريّ، فالمختارات التي ترجمها سامر أبو هواش تفتح الشهيّة لمعرفةٍ أكبر عن هذا الشاعر الأميركيّ الذي لا يمكن ألّا يثير دهشة من يتعرّف عليه. ولم تخذلني مواقع البحث طبعًا، فلهذا الشاعر الملعون والمجنون مكانة عالميّة لافتة لم تغب في طبيعة الحال عن الشعراء والنقّاد والمترجمين العرب. لذلك قد يسهل الدخول إلى هذا العالم الغرائبيّ المشحون غضبًا وصراخًا ووقاحة وعربدة إلى جانب الطفولة والحزن والخيبة والهشاشة، لكن قطعًا لن يسهل الخروج منه. وأحسب أنّ هذا ما حصل مع بعض شعرائنا الذين لا يمكن ألّا نقع على ملامح من تأثير بوكوفسكي على شعرهم. ولا مأخذ على ذلك في طبيعة الحال!
لا يسهل الكلام على القصائد التي قرأتها في الكتاب أو عبر ترجمات موزّعة في الصحف والمجلّات. فكلّ قصيدة تستحقّ، وحدها، أن يكتب عنها الكثير، إن من حيث موضوعها أو لغتها أو الأفكار التي تثيرها في ذهن المتلقّي. فكيف إذا تنوّعت خلفيّات هذه القصائد بين الساخر والغاضب والشامت والحاقد والعاشق والناقم والحزين والعابث... وكلّها خلاصة تجربة امتدّت سحابة عمر عرف فيه الشاعر الغربة والاضطهاد والفقر، من دون أن يتخلّى عن الشعر ولو في مواجهة الرفض والعزل، إلى أن أثبت وجوده وخياره الشعريّ.

لعلّ قصائد الشاعر تحكي عنه أكثر ممّا يمكن لأيّ تحليل أو رأي أن يفعل. فهي، في فجاجتها ومباشرتها وغياب الناحية الفكريّة عنها، لا تحتاج إلى وسيط. لا يعني ذلك أنّها سطحيّة أو ساذجة أو بسيطة، فهي أبعد ما تكون عن ذلك، لكنّ صدقها يجعلها تخاطب كلًّا منّا، ولو لم نجرؤ على الكتابة مثله أو الاعتراف بأنّ في عمق أعماقنا ما يشبه الذئب الذي فيه، أو الثمل الذي هو عليه، أو الماجن الذي لا يبالي بشيء أو أحد.
في قصيدة "العاهرة التي سرقت قصائدي" (ص27) يقول بوكوفسكي:
لكن مثلما قال الربّ
وهو يضع ساقًا على ساق:
أرى أنّني صنعت الكثير من الشعراء
لكن ليس الكثير
من الشعر
ومن حسن حظّنا أن نعرف، ولو متأخّرين، هذا الشعر الصارخ:
بعض الناس لا يصابون قطّ بلوثة الجنون
أيّ حياة رتيبة
تلك التي يعيشونها
(من قصيدة بعنوان "بعض الناس" ص 72)

السخرية هي التي لفتتني عند بوكوفسكي: سخرية ذكيّة لاذعة لا تهاب ولا تتردّد ولا تساير. لكنّها لا تقترب من الأطفال أو ممّن يشبهون الأطفال في براءتهم وسجيّتهم كمرلين براندو ومارلين مونرو (التي يسمّيها الطفلة الطفلة الطفلة) والمجانين والعاهرات والفقراء. في قصيدة بعنوان "جميعهم، جميعهم يعرفون" وهي الأولى من هذه المجموعة المختارة بشكل يغطّي مراحل حياته، نقرأ عن:
إنّ زوجة تزمجر خارج الباب
أكثر
ممّا يستطيع أيّ رجل احتماله
ولا يفوّت الشاعر فرصة لوصف النساء اللواتي يقبلن بالرجل كيفما كان، ويكاد في قصيدة عنوانها "أنت" يترك القارئ في حيرة من أمره، فهل المرأة هنا ضعيفة أم عاشقة، وهل هو ذلك الرجل الذي قبلته المرأة على علّاته وهي كثيرة؟ لكنّ كلمة "قبّلتني" تحسم الأمر:
أنت وحش، قالت،
كرشك أبيض ضخم
وساقاك مليئتان بالشعر.
لا تقصّ أظافرك قطّ
ويداك سمينتان
ولديك مخلبا هرّ
وأنف أحمر لامع
وأضخم خصيتين
رأيتهما في حياتي.
وتقذف كما يطلق
الحوت الماء من
فتحة ظهره.
أيّها الوحش الوحش الوحش
قبّلتني، ثمّ قالت:
"ماذا تريد أن تأكل
على الإفطار؟"

وفي قصيدة بعنوان "المثقّفة" نرى صورة المرأة التي تدّعي الفهم والتحليل والمجادلة لتنتهي في آخر النصّ امرأة تغسل الصحون وتقبل كلّ شيء كي لا يرفضها الرجل. أمّا في قصيدة "صوت الحيوات البشريّة" فيسخر من الجهد في العمل من أجل لا شيء، من أجل أجر زهيد، فيقول:
لا أعرف لمَ يحسب الناس أنّ الابتكار
له أيّ علاقة
بالجهد وبذل الطاقة
وفي قصيدة "أبي والعاطل عن العمل" يقيم مقارنة بين الرجلين ينحاز فيها إلى جارهم الحكيم العاطل عن العمل ضدّ والده الذي كان يخجل من أن يبقى بلا عمل. (في مقدّمة الكتاب إشارة إلى علاقته المضطربة بوالده الذي كان يضربه).
ما يذكّرني بقول ردّده كثيرًا منصور الرحباني عن الكسل المنتج.
وفي أكثر من مرّة يسخر من احتفالات الناس الصاخبة ليلة رأس السنة، معلنًا بأنّه لم يتمكّن قطّ من فهم البشر، لكنّه عاش الحياة بحلوها ومرّها (ص75).
ولعلّ قصيدته الصغيرة في السخريّة من حريّة المرأة تعطي لمحة عن نظرته الثاقبة إلى تفشّي الخبث في أجواء الطبقات الراقية والمثقّفة التي اضطهدته طويلًا، وفيها:
حين تكفّ النساء
عن حمل المرايا
إلى كلّ مكان يذهبن إليه
فعندئذ ربّما
يمكنهنّ أن يحدّثنني عن التحرّر

وفي قصيدة بعنوان "رقصة الحياة" نقرأ:
المنطقة التي تفصل الدماغ عن الروح
تتأثّر بالتجربة بشتّى الطرق
بعضهم يفقد عقله ويصبح روحًا:
المجنون.
بعضهم يفقد روحه ويصبح عقلًا:
المثقّف.
بعضهم يفقد الاثنين:
المقبول اجتماعيًّا.

***

في مقابل ذلك، هناك التعاطف مع البشر المهمّشين، وخصوصًا الأطفال الذين يتعاطف معهم. فقصيدة "مشاغبة" تحكي عن ثلاثة أطفال يلهون معه بتعليقاتهم الساخرة من سكره، ومع ذلك يدخل إلى المتجر ليبتاع لنفسه "خمس زجاجات من الشراب الرديء وثلاثة ألواح حلوى" (ص56). وفي قصيدة "التقيت عبقريًّا" يحكي عن الحقائق التي لا تصدر إلّا عن الأطفال. لكنّ التعاطف شيء واللطف شيء آخر خصوصًا أمام من يرفض أن يرى بحسب تعبيره، وهذا ما نقرأه في قصيدة "كن لطيفًا" التي يرفض فيها أن يكون لطيفًا كما يطلب منه مع المتقدّمين في السنّ الذين عاشوا حياة ضبابيّة، ويبرّر ذلك بقوله:
ليست الشيخوخة بجريمة
لكنّ الإحساس بالخجل
أمام حياة هدرت عمدًا
بين كلّ هذه الحيوات المهدورة عمدًا
هو كذلك.
هذا هو شاعرنا الذي لا يعرف أنصاف الحلول ولا يرضى بالفتور في أيّ تصرّف أو شعور أو علاقة. أليس هو من انحاز إلى الفئران التي كان والده يرميها في النار حيّة، فيعلن يائسًا في نهاية القصيدة التي تحمل عنوان "الفئران": لقد ربح أبي مجدّدًا.

تساؤل أخير على هامش هذه المجموعة:
ماذا كان بوكوفسكي ليكتب عن شبكة الإنترنت والفايسبوك، وهو الذي كتب في قصيدة بعنوان "الهاتف"؟
رنينه يأتي إليك بالناس
أناس لا يعرفون ماذا يفعلون بأوقاتهم
...
الهاتف صنع للحالات الطارئة فحسب.
هؤلاء البشر ليسوا حالات طارئة،
إنّهم كوارث.
ضيفًا في برنامج "ابوستروف" حيث أثار فضيحة
إضغط على الرابط لقراءة مقالة الشاعر والناقد اسكندر حبش عن تشارلز بوكوفسكي

***
اضغط على الرابط للمشاهدة
Ben Gazzara performs Charles Bukowski’s poem “Style,” from Marco Ferreri’s filmTales of Ordinary Madness
.
 
Style is the answer to everything
A fresh way to approach a dull or dangerous 
thing
To do a dull thing with style is preferable
to doing a dangerous thing without it
To do a dangerous thing with style, is what
I call art
Bullfighting can be an art
Boxing can be an art
Loving can be an art
Opening a can of sardines can be an art
Not many have style
Not many can keep style
I have seen dogs with more style than men
Although not many dogs have style
Cats have it with abundance
When Hemingway put his brains
to the wall with a shotgun, that was style
For sometimes people give you style
Joan of Arc had style
John the Baptist
Christ
Socrates
Caesar
García Lorca
I have met men in jail with style
I have met more men in jail with style
than men out of jail
Style is a difference, a way of doing,
a way of being done
Six herons standing quietly in a pool of water,
or you, walking out of the bathroom naked without seeing me 

السبت، 5 مايو 2012

وقت المياه، وقت الأشجار - آن ساكستون




وقت المياه، وقت الأشجار
آن ساكستون Anne Sexton– ترجمة سامر أبو هواش

قرأت البارحة ليلًا من ضمن سلسلة "كلمة" ومنشورات "الجمل" - 2009، ترجمة سامر أبو هواش لمختارات من قصائد الشاعرة الأميركيّة "آن ساكستون" (1928- 1974)، من الأعمال الشعريّة الكاملة التي صدرت عام 1981. لست طبعًا في وارد كتابة رأي نقديّ لهذه المجموعة المختارة، فهي لا يمكن أن تسمح لي، وحدها، بأن أحيط بعالم هذه الشاعرة التي عاشت مع فكرة الانتحار طوال حياتها، إلى أن حقّقت رغبتها حين أقفلت على نفسها في سيّارتها في المرأب، وقضت وهي تتنشّق غاز الكاربون مونوكسايد. لكن لا يمكن أن تمرّ السهرة مع ملامح من شعر "آن ساكستون" من دون أن يتكوّن انطباع عن عالمها النفسيّ المخضوض الذي انعكس كلمات تخرج، على غرابتها وجرأتها بالنسبة إلى مرحلتها، مباشرة فجّة قاسية مهما ادّعت الترميز والإيحاء. أليس هذا ما هو عليه عالم الاضطراب النفسيّ الذي كانت شاعرتنا من ساكنيه والمقيمين فيه؟


ترافقنا فكرة الضياع والتيه عن العالم الواقعيّ من العبارة الأولى (من قصيدة تطفو الموسيقى عائدة إليّ) إذ نقرأ: "عفوًا أيّها السيّد/ هلّا دللتني على طريق البيت؟" ونتوقّع ألّا تصغي شاعرتنا إلى جواب غير الجواب الذي يتردّد بشكل مَرضيّ في رأسها، ليقودها إلى النهاية التي أمضت حياتها وهي تحلم في الاستسلام لها. تقول آن واصفة ما يعتمل في داخلها وما اختبرته في مصحّات الأمراض النفسيّة والشكوك الإيمانيّة التي تروادها:

ثمّة حيوان في داخلي
يتشبّث بقلبي،
سلطعون ضخم.
أطبّاء بوسطن رفعوا أيديهم عنه.
جرّبوا المباضع والإبر والغازات السامّة وكلّ شي.
وبقي السلطعون.
 ثقل عظيم أحاول أن أنساه
أن أكمل حياتي العاديّة،
أن أطبخ البروكولي، وأفتح الكتب المغلقة،
أن أفرشيَ أسناني وأعقد شريط حذائي.
جرّبت الصلاة
لكن كلّما صلّيت تشبّث السلطعون بقوّة أكبر
وازداد الألم.
رأيت حلمًا مرّة
ربّما كان حلمًا،
ولم يكن هذا السلطعون سوى جهلي بالربّ
لكن من أنا لأصدّق الأحلام؟"

ذكّرتني هذه القصيدة بمريضة التقيت بها في إحدى مرّات دخولي المستشفى، كانت مقتنعة بأنّ في معدتها أفعى. فأتوا بها، بعدما عجز الأطبّاء النفسيّون عن معالجتها، ليجروا لها عمليّة جراحيّة، وهميّة طبعًا، ليخرجوا الأفعى منها. وحين استيقظتْ من أثر المنوّم، ورأت أثر الجرح الممتدّ في بطنها (طبعًا هو جرح سطحيّ) ارتاحت، لكنّها ارتاحت أكثر عندما أحضروا لها أفعى في وعاء زجاجيّ محكم الإغلاق وهم يعتذرون منها لأنّهم لم يصدّقوها في البداية. لا أعرف ماذا جرى للمرأة بعد ذلك، غير أنّها بالتأكيد لم تكن شاعرة من طراز "آن ساكستون". ففي النتيجة ما كل جنون بفنون!
صورة آن ساكستون على غلاف الكتاب

بالعودة إلى شاعرتنا، وفي مفارقة غريبة، نجد أنّ هذه المرأة التي تبدو لنا مشغولة بعوالمها الداخليّة العنيفة، تعي ما يجري حولها وتأخذ موقفًا منه، فتقول في قصيدة بعنوان "رماة القنابل":
نحن أمريكا
نحن مالئو التابوت
نحن بقّالو الموت
نوضّب القتلى كالقرنبيط في صناديق الخشب.

والمفارقة الأكثر غرابة أنّ تكتب في قصيدة بعنوان "ضراوة الهجران":
يضحكني أن أرى أيدي أمريكا و"نيويورك سيتي"
مبتورة

فهل رأت تلك المرأة مأساة البُرجين في 9 أيلول 2001 قبل أن تقع!

تؤدّي الشاعرة، بحسب رؤيتها لنفسها، دورًا مسرحيًّا في هذه الحياة، لكنّها تقف وحيدة على الخشبة وتعجز عن جذب جمهور المشاهدين، فتقول في قصيدة بعنوان "المسرحيّة": "وقلّة من البشر تشكّل حيواتهم/ مسرحيّة مثيرة للاهتمام".
في قصيدة أخرى بعنوان "العجوز" نقرأ عن سئمها من مرضها النفسيّ فتقول:
سئمت الوجوه الغريب 
والآن بدأت أعتقد أنّ الموت يبدأ
الموت يبدأ كحلم 
ولكنّنا "في الحلم لا نبلغ الثمانين" تتابع. وهكذا صار، حلمت بالموت وحقّقته ولم تصل إلى الثمانين. ومع ذلك، مع كلّ هذه المعاناة النفسيّة التي لم تستطع النجاة منها، كان في حياتها جانب مضيء بدا في قصيدة بعنوان "أثناء أخذ قيلولة مع ليندا"، وفيها تعبّر عن محبّتها لابنتها بالرغم من الأفكار السوداء التي لا تفارق رأسها، فتقول لها:
يا طفلتي
لا أستطيع أن أعدك بأن تتحقّق الأمنيات
...
أعدك بالحبّ فحسب
هذا لن يسلبك إيّاه الزمن.

ولم يكن سهلًا أن يُبعد عنها ولداها بسبب حالها النفسيّة، إذ ليس سهلًا أن يكون الإنسان شاعرًا وأبًا، أو شاعرة وأمًّا. لذلك كتبتُ مرّة: 
"يغار الأولاد من قصائد أبيهم لأنّها تشبهه أكثر منهم".


الجمعة، 4 مايو 2012

أضواء خافتة 4


Antonio Carmo

أضواء خافتة 4
صحيفة النهار - السبت 13 تشرين الأوّل 2001
***

1

في انتظار أن يتحوّل المنزل الذي عاش فيه ميخائيل نعيمة متحفًا يضمّ ذكرياته ويبوح بها لمن يزور المكان صامتًا متأمّلًا، لا بدّ من التوقّف عند وجه الأديب اللبنانيّ المنحوت في صخرة فوق مدفنه في الشخروب (بسكنتا جارة صنّين). الطريق الصاعدة هادئة إلى حيث طلب نعيمة أن يدفن، والباب المشقوق على الحياة والموت، على الحضور والغياب، والريشة التي تكتب وإن توقّفت حركتها عند لحظة معيّنة، وكلمات "ميشا" تعلن عودة صاحبها إلى الأرض التي هو منها ولها، على كلّ ذلك يشرف الوجه الذي يطلّ على الباحثين عنه، ولا يعرض نفسه مجّانًا، ليحكي – هكذا ينطق الحجر – قصّة الصخور التي وصفها صاحب الوجه في مكتبه العرزال بعدما عاش معها وقرأ فوق سطور تعرّجاتها، وكتب بين بياض رموزها ووجوهها.
لكن ما ينبغي التوقّف عنده في هذا المكان المتكتّم، إذ لا يافطة تشير إليه، هو نوعيّة الزائرين الذين يتوقّفون عنده. فمن الغريب أنّ الذين يقصدون المدفن لا يشعرون برغبة في الكلام أو الثرثرة، ومن المهمّ ان يبقى الأمر كذلك لأنّ المكان ليس للنزهة أو الفرجة بل للتأمّل، هكذا أراده نعيمة وهكذا يريده القيّمون على إرثه الفكريّ والروحيّ. وللتذكير نشير إلى أنّ الذين اخرجوا وجه نعيمة من برودة الحجر في أربعة أشهر من العمل المتواصل هم أخوة ثلاثة من آل عسّاف، وأزيح الستار عنه في التاسع من أيلول (الشهر التاسع) من العام 1999.
في انتظار تحويل منزل آل نعيمة متحفًا، وهذا ما لا نعرف إن كان سيحصل أم لا، من الواجب على الأقلّ إلقاء التحيّة على ابن بسكنتا، جار صنّين، وناسك الشخروب.

***
2

منحوتة رودي رحمة
في غابة أرز بشرّي
مشهد آخر يثير الاهتمام: زائرو غابة الأرز الذين لا يبحثون الآن عن الأرزة القديمة أو الكنيسة الأثريّة، بل عن الأرزة التي نحتها "رودي رحمة"، هكذا يسألون. والطريف أنّ أولئك الزائرين قد لا يعرفون شيئًا عن النحت، لكنّهم يتبارون في التفتيش عن معنى ما يشاهدونه، أو اكتشاف تفصيل غاب عن الآخرين فلم ينتبهوا إليه. وكم مفيد أن تجلس أمام الأرزة المنحوتة لتسمع تعليقات تريد رواية رؤيتها الخاصّة للحياة أو فهمها أمور الدين والماورائيّات، أو تفسيرها وجود المسيح مع الظهر العاري والراقصة في مكان واحد وعلى شجرة واحدة.
لا شكّ في أنّ مراقبة الناظرين إلى عمل "رودي رحمة" في غابة الأرز تقدّم كثيرًا من التفاصيل عن علاقة الفنّ بالمتلقّي. قد لا تقوم هذه العلاقة على معرفة علميّة ونقديّة متعمقة، وقد لا يكون هؤلاء من الخبراء المتخصّصين، إلّا أنّ ما لا شكّ فيه أنّ الاستماع إلى أقوالهم ورؤية تحرّكاتهم حول الشجرة في طقس احتفاليّ تتشابه في النظرات التي تتسلّق الشجرة لتصل منها إلى السماء، لا شكّ في أنّ ذلك يوحي منحوتات جديدة أو في الأقلّ كلمات من وحي لقاء الإنسان بالشجرة حاملة التاريخ وحمايته.

***
3


خلال عرض فيلم "مولان روج" تذكّرت رواية توفيق يوسف عوّاد "طواحين بيروت" وتذكّرت مجموعة إميلي نصرالله القصصيّة "الطاحونة الضائعة"، تلك الأعمال المختلفة الانتماء والرسائل الفكريّة أو الفنيّة، سواء أكانت المادة المطحونة هي الحبوب أم الناس. ولكنّي بعد أيّام من مشاهدة الفيلم استعدت مشهدًا يتكرّر في الأفلام والروايات العاطفيّة، وهو محاولة البطلة إنقاذ البطل من خطر يهدّد حياته، فتكذب عليه لتبعد عنه منافسًا غيورًا يريد التخلّص منه، فتخفي عنه مرضها القاتل لتحميه من عجزه من مواجهة موت يرغب في التشبّث بجسدها حتّى الفناء.
بعد مشاهدة الفيلم الذي بدأ صارخًا صاخبًا قبل أن يعرف بطلاه الحبّ الحقيقيّ، وخلال لقاء جمع بعض الأصدقاء، حول طاولة طعام، بدا أنّ الجميع استعاروا ما يشبه كبة نيكول كيدمان: كان كلّ واحد يخبر أولئك الذين يطالبونه دائمًا بأن يكون صادقًا مع نفسه ومع الآخرين، ما هو بعيد كلّ البعد عن الحقيقة والصدق، وقريب جدًّا ممّا يجب أن يسمعوه. إذ عندما يفعل ذلك إنّما ينقذ نفسه وينقذهم من مواجهة الحقائق، وهكذا لا يضطرّ أحد إلى مواجهة العجز البشريّ المتمثّل في رفض ما لا نستطيع تصحيحه أو السيطرة عليه أو ما لم نكن نتوقّعه  أو ما نظنّ أنّنا نعرفه لأنّنا أذكياء وبارعون في معرفة النفس البشريّة بخفاياها وغموضها... أو هكذا نخال.
بعضنا يعتقد أنّ الصداقة تشبه ذلك المكان/ الفيل حيث كانت تقيم بطلة "مولان روج": غرفة جميلة وغريبة. لكنّ الغرفة التي استغرق بناؤها أشهرًا هدمت في يوم واحد لأنّ الاستديو يريد المكان لتصوير فيلم جديد. غرفة جميلة وغريبة بيد أنّها ليست المكان الذي يوحي الالتزام والديمومة. غرفة جميلة وغريبة، لكنّ العلاقات فيها عابرة ومشوّهة، قد تكون رفقة درب قصيرة، لكنّها بالتأكيد ليست الصداقة القائمة على الصدق... ربّما على الصدقة، وربّما على المصادفة، ولكنّها ليست قطعًا ما نبحث عنه في هذه الحياة القصيرة، القصيرة ولو لم يصبنا مرض السلّ المميت.
الطاحونة التي طحنت الجميع ولم تبقِ إلّا الكلمات التي كتبها عاشق شاعر، والطاولة التي تقال حولها كلمات تحاول أن ترضي سامعها ولا تشبه قائلها، مكانان وزمانان فيهما وجوه وكلمات تحكي قصّة المشاعر الإنسانيّة التي لا تجد إلّا المشكّكين في صدقها وبساطتها وعمقها، ولا تترك مكانًا لما يشبه الكذب الذي يحمي الجميع من أنفسهم ومن الآخرين. لماذا؟ لأنّ العرض يجب أن يستمرّ ومهما كان الثمن، أليس هذا ما يردّده صاحب الصالة في "مولان روج"؟

***
4

مرّة جديدة نقول إنّ التلاميذ في المرحلتين المتوسّطة والثانويّة لا يجدون ما يقرأونه في اللغة العربيّة. مرّة جديدة نقول: باءت بالفشل  كلّ الوسائل في إقناع التلاميذ بأهمّيّة المطالعة ومتعة حمل الكتاب واكتشاف ما فيه. فلا الترغيب ولا الجوائز ولا الندوات حول الكتب أعطت نتيجة، ولا المباريات أو دعوة بعض الأدباء أو زيادة العلامات تركت أثرًا، وبقيت العداوة شديدة يشعر بها تلميذ، يبحث عن واقعه مكتوبًا فوق الصفحات، تجاه كتاب رومنسيّ النظرة والهمسة والمعالجة، ريفيّ اللغة، رجعيّ الاهتمامات، بحسب تعبير أكثر التلامذة.
فعلى مَن يراهن الأدباء المنتظرون موسم المعارض في زمن يُخشى احتضار الكتاب فيه؟

***
5

Miro

صِدقُ بعض الأدباء يعطيك درسًا يوازي في أهمّيته ما تقرأه في كتبهم. هذا ما اكتشفته للمرّة الأولى عندما شكرني أديب كبير على متابعتي ما يكتبه وينشره، وتأكّدت منه ثانية يوم اتّصلت بي السيّدة المثقّفة التي كتبت قراءة لكتابها، لتشكرني على الكتابة أوّلًا وعلى الاتّصال ثانيًا.
الاتّصالان كانا صادقين ولم يهدفا إلى مسايرة قلم يمدح ويحابي، ولكليهما تاريخ أدبيّ غنيّ يجعلهما في غنى عن طلب ذلك. لكنّ الاعتراف بالآخر الذي يكتب، واحترام الذي يقرأ هما من العلامات المطمئنة في زمن الإجحاف ونكران الجميل.
ماتعٌ أن تجد كاتبًا يشبه كتابه الجميل.


الخميس، 3 مايو 2012

نحن القرّاء كم نحتاج إلى التواضع!


هنري ماتيس

نحن القرّاء كم نحتاج إلى التواضع!
ملحق النهار – السبت 17 تمّوز 1999
    لعلّ من السهل أن نعرف ما الذي يربط الكاتب بمؤلَّفه، إذ غالبًا ما يفضح الكتاب نفسه الخلفيّات المتنوّعة الكامنة وراء وضعه. لكنّ العلاقة المقابلة، تلك التي تربط الكتاب بالقارئ، هي التي يصعب رصد حركتها. وإذا كان من المتوقّع أن يقوم الكاتب، وهو شخص مفرد، بالتعريف عن كتابه عبر مقابلات وإجابات تحليليّة، أو بواسطة نقاد يقومون بالكشف عمّا يمكن أن يكون جوهر الكتاب، فإنّه من الصعب جدًّا أن نعرف ما هو القارئ – القرّاء الذين لا حصر لهم – وما هي ثقافتهم وخلفيّاتهم الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وما هي قدرتهم على الاستيعاب والفهم والتحليل.
     إنّ التقاط علاقة الكتاب بالقارئ، أو القارئ بالكتاب، مهمّة عسيرة وشاقّة. ولكنّ ثمّة جانبًا من هذه العلاقة أكثر بروزًا وأشدّ تأثيرًا من سواه. إنّ عددًا كبيرًا من القرّاء يعلن نفسه، ويتباهى هؤلاء بعدد الكتب التي قرأوها، في مختلف الميادين وعن كلّ الموضوعات، حتّى أنّ قسمًا مهمًّا منهم، من شتّى الطبقات الاجتماعيّة، يضع المطالعة في أوّل اهتماماته. ويساوي هؤلاء، في المطالعة، بين المجلّات الفنّيّة في صالونات تزيين الشعر وكتب جبران ودواوين نزار قبّاني، إلى سواها من المؤلّفات.
     وبغضّ النظر عن أنواع الكتب التي يطالعها الناس، يبقى السؤال الأهمّ: هل يبقى الإنسان هو نفسه بعد قراءة كتاب ما، أم من المفترض أن يغيّر اطّلاعه على هذا الكتاب شيئًا ما ويضيف جانبًا إيجابيًّا، خاصًّا ومميّزًا؟
     إذا كان الأمر هكذا، فمن المتوقّع إذًا أن يكون كلّ الذين تعاطوا مع الكتاب، أيّ كتاب ذي مضمون ولغة، قد ارتقوا في سلّم القيم والمناقب. ولكنّ الأمر غير ذلك في غالب الأحيان، فإنّ كثيرًا من الذين يتباهون بانكبابهم على المطالعة ليل نهار إنّما هم أشبه بطاولاتٍ تراكمت فوقها أنواع الكتب من دون أن يدخل ما في هذه الكتب في جوهر الطاولة، ويغيّر شكلها ولونها ووظيفتها. وإذا كانت المكتبة مليئة رفوفها بالكتب والموسوعات فلا يعني أنّ هذه الرفوف كائنات مثقّفة ومطّلعة.
     يفخر رجل في العقد السادس من العمر بأنّه يقرأ أيّ كتاب يقع تحت يده، أو أيّ مجلّة أو جريدة، ويتحدّث بإسهاب عمّا يحفظه، وشعرًا ونثرًا وحكمًا وطرائف. في اختصار هو موسوعة متنقّلة، ولكن هل جعل ذلك منه إنسانًا مختلفًا ومميّزًا؟ وهل يتوافق إطّلاعه هذا مع مواقفه المتشنّجة في الانتخابات البلديّة والاختياريّة، حين عادى من لا يتوافق مع مصالحه الخاصّة؟
     وتلك الجامعيّة الشابّة التي قرأت كمًّا كبيرًا ممّا أصدرته اللغة الفرنسيّة، وما تُرجم إلى هذه اللغة، لماذا لا تستطيع أن تجري حوارًا هادئًا ورصينًا وعقلانيًّا، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والمواقف العصبيّة وردّات الفعل المريضة؟
    وذاك المثقّف الذي يصل إلى المقهى متأبّطًا عشرات المجلّات والصحف والكتب، يوزّعها أمامه مظهرًا سعة علمه وتعدّد ثقافاته وتنوّعها، كيف يمكن أن يكون هو نفسه الموظّف الذي يمارس النميمة ويتحرّش بزميلته ويساير ربّ عمله؟
    الأمثلة أكثر من أن تحصى، وكلّها يقول إنّه لا يكفي أن نقيم إحصاء لعدد الكتب التي بيعت أو أن نشيد بالنجاح الذي حقّقته معارض الكتب، بل الرهان الحقيقيّ هو في ما تفعله هذه الكتب بالقرّاء الذين من المفترض أن يتحوّلوا بعد كلّ كتاب أشخاصًا أكثر حريّة وعدالة وتسامحًا وتجرّدًا، وإلّا كانوا ببغوات تلقي ما لُقّنته.
    قد يكون من الوهم أن نطالب القرّاء، كلّ القرّاء، بهذا التحوّل العجائبيّ، ولو كان الأمر بمثل هذه السهولة لكان رجال الدين بقراءاتهم المتسامية، والفلاسفة بنظريّاتهم النقديّة، والشعراء بعوالمهم الفردوسيّة والأدباء بأحلامهم التغييريّة... قدّيسين وأبطالًا، ولكان العالم مكانًا أفضل للعيش. ولكنّ الأمر أصعب من ذلك بكثير، والمطالعة التي يضعها الناس – أكثر الناس كذبًا وادّعاء – في مقدّم لائحة هواياتهم لم تستطع أن تتحوّل عصًا سحريّة أو دواء عجائبيًّا.

     يعترف القرّاء "الحقيقيّون" بأنّ حياتهم قد تغيّرت نحو الأفضل بعد قراءة رواية أو قصيدة. ويقولون إنّ المطالعة قد عرّفتهم على أنفسهم وعلى العالم المحيط بهم، وساعدتهم في تحمّل الكثير من مشقّات الحياة وتقبّل مصاعبها. فما قرأوه لم يكن مجرّد معلومات متراكمة، بل أضحى جزءًا من كيانهم ونسغًا يغذّي جفافهم ودمًا نابضًا في عروقهم، فصاروا أشخاصًا آخرين، أقوى وأوثق وأبهى.
     وإذا كانت عمليّة الإبداع مخاضًا عسيرًا ومؤلمًا، يأتي بمولود جديد، فإنّ دور المتلقّي لا يمكن أن يكون أقلّ ألمًا وعذابًا. فالمتلقّي الجدّي حين يقرأ إنّما يعي أن طريقًا صعبًا وممتعًا يمتدّ أمامه، وكلّ ما كان يعرفه ويشعر به ويحفظه ويؤمن به قد يتعرّض في أيّ لحظة من مهمّة القراءة إلى ثورة وانقلاب أو على الأقلّ إلى تبدّل ما. وهذا لا يمكن أن يتمّ بسهولة، فالعمليّة الجراحيّة التجميليّة مثلًا تحسّن صورتنا على المدى الطويل ولكن ليس بلا ثمن باهظ.
     أمّا إذا كانت المطالعة لا تهدف إلّا إلى تضييع الوقت، مثلما يفعل بعض الناس في أثناء الرحلات مثلًا، أو على شاطئ البحر، أو عند المزيّن أو لاستجلاب النعاس والنوم، أو لدى سماع الموسيقى، فإنّ هذه المطالعة الحصريّة لا تعيد خلق ذلك المتلقّي من جديد ولا تصنع منه إنسانًا آخر. وكلّ ما يمكن أن تفعله هو "قتل" الوقت أو تكديس معلومة جديدة تكون مدار حديث في الصالونات. لا يمكن أن تتمّ القراءة من دون تعب، ولا يمكن ألّا يشعر القارئ بالإرهاق مع توالي الصفحات مهما كان النوع الذي يكتشف عوالمه.
طبعًا نحن نتحدّث عن الكتب الكتب!
     إنّ عمليّة المطالعة رحلة في رمال متحرّكة، أو تسلّق جبال، أو سباحة في محيط هائج، أو تفتيش عن مخرج في غابة أفريقيّة، لا يمكن أن تتمّ من دون مشقّة ترافقها متعة الاستكشاف والتحدّي والتفاؤل بالوصول. ولهذا فمن غير اللائق أن ينتقل المرء من مطالعة كتاب إلى آخر بسرعة قياسيّة وكأنّه في مباراة رياضيّة، فكيف يبدأ المغامر رحلة جديدة قبل أن ترسخ في رأسه ذكريات الرحلة السابقة، يستعيد محطّاتها ويستخلص دروسها، ويدوّن نتائجها ويحفظ جغرافيّتها وتاريخها ووجوهها. وحين "يهضم" المغامرة التي صارت جزءًا منه ينطلق في رحاب مغامرة جديدة.

يعترف قرّاء حقيقيّون بأنّ حياتهم قد تغيّرت نحو الأفضل بعد قراءة رواية أو قصيدة،
ويقولون إنّ المطالعة جعلتهم أشخاصًا آخرين،
أقوى وأوثق وأبهى


     إنّ الأديب الكثير الإنتاج والقارئ السريع الاستهلاك متشابهان، كلاهما فقد القدرة على الاستمتاع بما يفعله. وإذا كان الأوّل محكومًا بضرورات العرض والطلب وحاجات السوق والتجارة فإنّ الثاني يلجأ إلى الكتب مدمنًا وهاربًا من واقع لا قدرة له على تغييره. قد يقول بعض الدعاة إلى تشجيع المطالعة: لا بأس، أليس ذلك أفضل من الابتعاد عن الكتب والقراءة؟ قد يكون الاعتراض منطقيًّا، ولكنّ الإدمان مهما كان هدفه يحمل في داخله بذور هلاكه. والهاربون من واقعهم لا يجرؤون على حمل الرسالة التي من المفترض أن يُطلب منهم حملها والشهادة لها. وما يقال عن الكتب يصحّ أيضًا على المسرح والسينما، فإنّ الأعداد الهائلة من مشاهدي الأفلام السينمائيّة لا تعني أنّ جمهورًا مثقّفًا وذوّاقة قد نشأ، والاندفاع إلى أحد العروض المسرحيّة لا يعني أنّ هؤلاء المشاهدين قد خرجوا من المسرح وهم يحملون هموم المجتمع والناس، وأنّ كلّ الذين شاهدوا "بافاروتي" وسمعوه متعوّدون سماع الأوبرا. وإذا كان صحيحًا أنّ في لبنان عشرين ألف متذوّق لذها النوع من الموسيقى، فهنيئًا لنا هذا المستوى الثقافيّ الرفيع!
     إنّ كثرًا من الذين حضروا حفلة المدينة الرياضيّة لا يملكون تسجيلًا واحدًا لهذا النوع الموسيقيّ، ومثلهم كمثل الذين يشاهدون مباريات كرة السلّة الذين كانوا إلى المس القريب يجهلون كلّ شيء عن هذه اللعبة، فصاروا اليوم يحفظون أسماء اللاعبين، وهذا في رأيهم كاف لكي يتحدّثوا حديث العارفين عن أداء أولئك اللاعبين.
     إنّ الأعداد المرتفعة لمتتبّعي مباريات كرة السلة لا تعني أنّ جمهورًا رياضيًّا قد نشأ، وإنّ ازدحام السير أمام صالات السينما أو المدينة الرياضيّة لا يعني قطّ أنّ الحركة الثقافيّة في موسم عزّها، فلماذا لا يزدحم السير أمام معرض تشكيليّ مثلًا؟ ولماذا لا نسمع بأخبار الذين يسافرون إلى الخارج لحضور حفلات موسيقيّة مثلما سمعنا بالذين أتوا من الخارج ليشاهدوا "بافاروتي" ويسمعوه؟ وأن يحفظ أحدهم القصائد العربيّة بدءًا بامرئ القيس وصولًا إلى أحدث ما نشرته الصفحات الثقافيّة في الصحف، لا يعني في الضرورة أنّ هذا "الأحدهم" قد صار مثقّفًا، ما دامت أخلاقه ومبادئه تشكّل ما يشبه "علبة مسنّنات محكمة الإغلاق، تسيّر الفكر والعمل في اتّجاه واحد، ويمدّها بالقوّة محرّك ذو مصدر وحيد، لا غير، لتتزوّد بالوقود" على ما يقول إدوار سعيد في كتابه "صور المثقّف"، متابعًا أنّ "الجانب الأصعب لكونك مثقّفًا هو أن تمثّل بعملك وتدخّلاتك ما تجاهر به، من دون أن تتحوّل تصلّبًا إلى مدرسة، أو إلى ما يشبه آلة ذاتيّة الحركة تعمل بأمرة نظام أو منهج ما" (ص 122).
     كم نحتاج، نحن القرّاء، إلى كثير من الخجل، حين نحوّل الكلمات مثّلجات ملوّنة، نوحي لأنفسنا بأنّنا نحارب بها حرّ الصيف ولهيبه. وكم نحتاج، نحن القرّاء، إلى كثير من التواضع قبل أن نعلن أمام الملأ وبالفم الملآن، المستوى الرفيع الذي وصلنا إليه كمثقّفين.

الأربعاء، 2 مايو 2012

جسمكِ صار جسمي (من كتابي: أحببتك فصرت الرسولة)


Hemlut Newton
(Isabella Rossellini - David Lynch)
همس لها:

"جسمُكِ صار جسمي
أضبط نظام حياتي على إيقاعه
أحفظ تقلّبات مزاجه
أرصد دورات دمه ونبضاتِ قلبه
أسجّل مواعيد العناية به
أحفظ أدقّ تفاصيله
أتنزّه على تعرّجات الدروب إلى مذبح الشهوة فيه
أنتظر مواسم حرارة أعضائه وبرودة أطرافه ورطوبة جلده
أحصي شعراته وشعيراته
أراقب تغيّرات لونه
من زهريّ الخجل
إلى أصفر الانفعال
إلى تأجّج أحمر رغبته
ألاحق فراشاتٍ ملوّنةً في حقل ألغامه
أقطف ثمرتين عند إطلالتي عليه
وثمرتين عند انحداري إلى منبسط سهله
وثمرتين من غابة عذراء صغيرة فيها ساقية لا تنضب
يسقسق ماؤها طربًا حين يخطر ظنّي على بالها
جسمكِ واحتي في صحراء الحياة
أرتمي على عشبها الغجريّ تعِبًا تائهًا
وآكل من عسل فاكهتها وأمتصّ رحيق أزاهرها
قبل أن يناديني صوت الرحيل من جديد
لأتابع تجوالي الدائريّ عائدًا إلى مشارف انتظارك
جسمُكِ الصغير سمائي الشاسعة
أرسم عليها بأقلام الغيم مشاهدَ من عمري
كانت تقودني إليك
يا امرأتي البعيدة القريبة
يا امرأتي الطفلة الحكيمة
تسلّلي إلى ماضي حياتي
كي أعرفك منذ أن كوّنتُ جنينًا، أو فكرة، أو حلمًا
ورافقيني لأصير الرجل الذي أردتُ أن أكونه
لو عرفتك قبل اليوم"
***
تابعَ وهو يُغرق وجهَه في دفء عنقها:

"أنت امرأتي السريّة
وأنا أميرك المغمور تحت ليل شعرك
أنت ملكتي الجميلة
وأنا رأسك المرفوع تحت إكليل مجدك
أنت فتاتي الذكيّة
وأنا رجلك المتدفّق في دم قلبك
مذ عرفتك ذاتَ حزن وخريف
وأنا أعشق انتظاري لك
وأرسم للّقاء بك ألف مشهد ومشهد
وحين نلتقي يتكوّن الفردوس الذي لا يجيد تكوينه إلّا فكرُ الآلهة
يا عروسي البيضاء ككأس حليب
يا دمعتي الكحليّة في مرآة عينيك
أغلقي جفنيك عليّ
وأنقذيني من وقاحة العالم
ضمّيني بين أهدابك كي لا أتيه
أطبقي شفتيك على حزن كلماتي فتطربَ روحي
واعطيني جسدك ليصير جسدي الجديد
أرتديه يوم الشعانين...
وأتباهى
كالطفل البكر
كالصبيّ الأوّل
كالمسيح الذي يريد أن ينسى أنه سيصلب بعد أيّام"
***
ثمّ أخذَ وجهَها بين يديه
وابتسمت شفتاه
ودمعت عيناه
وقال:

كيف لامرأة صغيرة مثلك أن تفعل كلّ ذلك؟
من علّمك أن تثوري كبركان
وأن تنهمري رذاذًا كشتاء حنون؟
من علّمك الشعر والعشق والغضب والضحك والبكاء
بالطريقة التي بها تقولين الشعر
وتمارسين الحبّ
وتتألّقين بالغضب
وتنفجرين بالضحك
وتتلألئين تحت خيوط دمعك الآسرة؟
من علّمك أن تكوني طفلةً في جسم امرأة
وامرأةً بين يدَيْ رجل
ورجلاً في فكر امرأة
وامرأةً في حلم طفلة؟
من علّمكِ كيف تحوّلين جسدي خبزًا ودمي خمرًا؟
من علّمك كيف تمسحين جراحي السبعة ببلسم شفتيك؟
من علّمك أن تكوني أنت؟
لا تخبريني
بل كوني السرّ الذي إن جاوز جسمينا شاع"

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.