الثلاثاء، 17 أبريل 2012

أضواء خافتة 1 - صحيفة النهار – الخميس 23 آب 2001


من أعمال الفنّان الراحل ماريو سابا عن مدينة طرابلس 


أضواء خافتة 1
صحيفة النهار – الخميس 23 آب 2001
1
تروي "أتيل عدنان" في كتابها "عن مدن ونساء" الصادر عن "دار النهار" كيف أنّ في الخارج لا يراقبون ولا ينتقدون أو يسخرون من النساء البدينات إن رقصن في الشارع أو ظهرن عاريات الصدور "أتعلمين ما من أحد يكترث بهذه الأمور" (ص31). لتكتمل الصورة كان على الكاتبة أن "تراقب" الناس على الشاطئ اللبنانيّ وهم يراقبون المعاقين أو المصابين بالفالج وهم يعرضون عاهاتهم أمام الشمس والهواء والمياه.
2
رواية "بارعة" لجمال عبد الخضر عبد الرحيم الصادرة عن مكتبة "بيسان" تنقصها البراعة اللغويّة والسرديّة، على عكس بطلتها اللبنانيّة في علاقتها مع رجل كويتيّ متزوّج. الرواية مليئة بالأخطاء والركاكة والوصف المملّ، ويكفي أن نقرأ "لم ينتهي" و"مساءًا" و"في طباع مناف شيئًا" (ص 12 و13 و14)، "حتّى وقعت ناظريه" (ص33)، حتّى نعرف ما ينتظرنا.
3
دعت البرامج التربويّة الحديثة إلى إيلاء الفنون التشكيليّة اهتمامًا بالغًا إن عبر الإشارة إلى تاريخها أو عبر دراسة بعض الأعمال الفنيّة. وكانت الشكوى الدائمة من المدرّسين خلال الدورات التدريبيّة حول صعوبة الحصول على نسخ للوحات عالميّة أو لبنانيّة ذات جودة بألوانها ووضوحها، وذلك لأسباب ماديّة وتقنيّة. وصلني عبر "النهار" العدد السادس من مجلّة "الطباعة" التي تصدرها نقابة الطباعة في لبنان، وفيها لوحات لأمين الباشا وداود القرم. إنّ وجود مثل هذه المجلّات بين أيدي المدرّسين والتلاميذ يقدّم خدمة للتربية وللفنون التشكيليّة.
4
حكاية الأخوين رحباني تشبه كلّ الحكايات التي سمعناها في طفولتنا، أيّام كانت للحكاية فسحة من الوقت، يحرسها من يحكي ومن يستمع. وفي كتاب "طريق النحل" للشاعر "هنري زغيب" حكاية لا تحتاج إلّا إلى من يحسن الإصغاء: حكاية رحبانيّة تشبه الأغنية الرحبانيّة التي تجد مستمعين لها من مختلف الأعمار والطبقات والجنسيّات. ولعلّها الأغنية الوحيدة التي يرندحها العائدون من سهراتهم في عتمة الليل الذي يعشق نفسه بلا أضواء، وفي وحشة الطرقات التي ولو كثُر عليها العابرون تبقى وحيدة خالية فارغة.
"الأخوين رحباني"، هكذا صار الاسم الذي لا يريد "زغيب" أن يخضعه لقاعدة اللغة، فمن اللائق أن تنقاد اللغة راضية راغبة إلى شرط الحكاية التي لا قواعد لها. "شاع هكذا، والعبارة هكذا وردت، فتبنّينا التعبير في أنّه مبنيّ على الحكاية" (ص14).
هي الحكاية بنيت على الاسم، بل هو التاريخ.
5
ثمّة كتب لا تجد مكانها في رفوف المكتبة لأنّها لا تندرج تحت نوع أدبيّ معروف كالقصّة والرواية والشعر والمسرح والنقد والسيره وسواها. ومن يستغلّ أيّام العطل الصيفيّة لإعادة ترتيب مكتبته الخاصّة يشعر بالحيرة  ويقف متردّدًا أمام هذه الكتب، ويخشى أن يظلمها إن وضعها في غير مكانها، وإلى جانب جيران ليسوا من طينتها أو من جنسها أو طائفتها. وكتب "أنطوان الدويهي" من هذه الفئة التي يجب البحث عن اسم لنوعها الأدبيّ، خاصّة إنّ ثمّة كتابًا آخر قيد الطبع يستعدّ لدعوتنا إلى العالم الداخليّ الذي يريدنا "الدويهي" أن نكتشف رؤاه وأحلامه وتساؤلاته. لذا من المهمّ أن نجد الجواب عن هذا السؤال: أين نضع كتب "أنطوان الدويهي"؟
6
بعض كتب السيَر يوحي للقارئ أنّه سيعرّفه إلى شخصيّة أديب ما، فيظنّ (هذا القارئ) أنّه سيكتشف مثلًا المزيد عن "نزار قبّاني" عندما يقرأ كتاب "سلمى حفّار الكزبري": "ذكريات إسبانيّة وأندلسيّة مع نزار قبّاني ورسائله" (دار النهار). ولكنّ القارئ في الواقع سيتعرّف إلى "سلمى حفّار الكزبري" عندما يقرأ الكتاب...وكما يراها نزار قبّاني. حتّى الرسائل التي يكتبها الشاعر تتحدّث عمّا كتب عن الأديبة/السفيرة في الصحف الإسبانيّة أو عمّا تكتبه هي.
من أعمال الفنّان الراحل ماريو سابا عن مدينة طرابلس

7
العلاقة مع التراث فيها الكثير من المحاذير إن لم يحسن المتعاملون مع الماضي التعبير عنه على نحو يلتقي فيه سحر الحكاية بلونيها الأبيض والأسود بألوان الحاضر الواعدة بمستقبل منطلق منفتح بقدر ما هو متجذّر في عمق الأصالة. إنّه ما يعد به العدد الأوّل من المجلّة الفصليّة "برجا التراث" الصادرة عن جمعيّة بيت التراث، وفيه حكايات تناقلتها أجيال السكّان، وحِرف وشعراء ولوحات لفنّانين تشكّيليين تظهر أحياء "برجا"، وصور تخبر عن مناسبات وذكريات وأخبار عن لقاءات ذات طابع تراثيّ بيئيّ.
يبدو أنّ المادّة الإعلاميّة الإخباريّة كثيفة وإلّا لما انطلقت النشرة مبشّرة بالمزيد من الحكايات التي لا يذكرها المؤرّخون عادة، وإن تكن تشكّل مادة لمعلوماتهم وتأريخهم. مرّة جديدة تبدو النشاطات الفكريّة الثقافيّة التي يقف وراءها أفراد أو جمعيّات أكثر قدرة من المؤسّسات العامّة على الحفاظ على التراث، على أجمل ما في التراث، لنطلّ على المستقبل في ثقة مستمدّة من ذاكرة لا تريد أن تنسى بل أن تتعلّم.
***
الصورتان منقولتان عن صحيفة "السفير"


الاثنين، 16 أبريل 2012

أين كانوا يكتبون؟

إرنست همنغواي

ألبيرتو مورافيا

جان جيونو

جان كوكتو

فرجينيا وولف

كارلو دوسي

مارك توين


أين كانوا يكتبون؟
(بيوت الكتّاب والأدباء في العالم)
توطئة: مارغريت دوراس
تصوير: إريكا لينارد
تأليف: فرانسيسكا بريمولي – دروليزر
ترجمة: رجاء ملاح
مراجعة وتقديم: شاكر نوري

نشر: ثقافة للنشر والتوزيع –
أبو ظبي
وأبو ظبي للثقافة والتراث

طباعة: الدار العربيّة للعلوم – بيروت

من توطئة مرغريت دوراس:
"لا نشعر بالعزلة والوحدة إلّا داخل جدران المنزل وليس خارجه، لأنّ حديقته عادة ما تحتوي على طيور محلّقة وقطط مسترخية وسناجب تلهو، وهي منهمكة في جمع قوتها هنا وهناك. لذا فأنت لا تشعر بالوحدة إذا ما شاركت تلك الكائنات حياتها. هكذا لا تشعر بالعزلة والوحدة في الحديقة إلّا أنّ البيت يحثّك على التفكير بالعزلة، فسرعان ما تشعر بالضياع. لكنّني لم أدرك ذلك إلّا بعد أن أمضيت عشرة أعوام وحيدة في تأليف رواياتي التي جعلتني أدرك – مثلما أدرك الاخرون – أنّني تلك الكاتبة التي أصبحت عليها. ما أعرفه أنّني أنشأت عزلتي بنفسي من أجل ذاتي. أدركت أنّني لا أشعر بالعزلة والوحدة إلّا في بيتي هذا..."
***
ترى أين يكتب الكتّاب العرب؟ 
طرحت على نفسي السؤال وأنا أرى إلى القصور القديمة الفخمة، وأنظر إلى الترف والجمال اللذين يحيطان بالكتّاب العالميّين الذين نشرت صور منازلهم (مكاتبهم، وغرف نومهم، وغرف المعيشة، والحدائق...)
والكتّاب هم:
كارين بليكسون - جان كوكتو - غابريال دانونزيو - كارلو دوسي - لورنس دوريل - وليم فولكنر - جان جيونو - كينيت هامسون - إرنست همنغواي - هيرمان هسه - سلمى لاجيرلوف - غوسيب توماسي دي لامبيديوسا - بيير لوتي - ألبيرتو مورافيا - فيتا ساكفيل ويست - ديلان توماس - مارك توين - فيرجينيا وولف - وليم بتلر ييتس - مارغريت يورسنار 

الأحد، 15 أبريل 2012

ملامح من شخصيّة "علي الأميركانيّ" لـ"هالة كوثراني"



     "عليّ" في رواية "هالة كوثراني" (دار الساقي – 2012) شهريار العصر الحديث: رجل واحد وحيد في عالم مليء بالنساء، ومع ذلك فهو لا يشعر بالسعادة ولا بالانتماء، كبطل الليالي العربيّة الذي لا تُعرف له هويّة!
     لـ"عليّ" أمّ مريضة بالنسيان، وشقيقات يهتممن بالأمّ، وحبيبة أميركيّة هجرته، وصديقة لبنانيّة مراهقة مجنونة، وراوية كشهرزاد تجمع نتف الحكايات المتشظيّة لتنسج منها عالمًا على قياس "عليّ" لعلّها تجد فيها نجاتها وخلاص روحها. أمّا الرجال، سواه، فغائبون: طليق الراوية "شيرين" لا دور له سوى الاهتمام بابنتهما، والد "عليّ" مات وابنه طفل، جدّه الراحل ترك بيتًا تقيم مهجورًا تعشش فيه الذكريات! ومع ذلك فهؤلاء أنجبوا أولادًا أمّا عليّ فلم يتزوّج ولم يستقرّ ولا يبدو أنّه سيترك خلفه إلّا لوحات رسمها وحكايات أوحى بها!
     "عليّ" الذي قتلت غربتُه نساءَ حياته، وحرمته من الأمان والاستقرار، بطل سلبيّ، طفل أنانيّ، هجر أمّه وإن لم ينجح في قطع صلة الرحم معها، وحين نسيته عاد إلى لبنان ليكون لها الأمّ بعدما عادت طفلة لا تعرفه. مراهق لا يريد أن يصير رجلًا، فنّان لا قضيّة له، مواطن لبنانيّ لم يختبر الحرب اللبنانيّة، عاشق لا يعرف بمن يلتزم، يتماهى بشخصيّة شاعر راحل وينتظر النهاية، وهو لم يتخطّ بعد منتصف العمر. والأسوأ من كلّ ذلك أنّه نتاج مخيّلة امرأة تريد أن تكتب روايتها الأولى. كأنّ المخيّلة، حتّى في العالم الروائيّ، تعجز عن إنجاب أبطال إيجابيّين، نرغب إن كنّا رجالًا في التشبّه بهم وإن كنّا نساء في الوقوع في غرامهم!
     "عليّ" هذا يتنقّل هائمًا بين عالمين: بين بيروت وقريته الجنوبيّة؛ بين لبنان وأميركا؛ بين بيت أمّه وبيت صديقه؛ بين الماضي والحاضر؛ بين ذاكرة إمّه البيضاء وذاكرته الممتلئة التي ينبش ما فيها نيابة عن والدته، ومن أجل أن تكتب صديقته "شيرين" روايتها، ولإشباع فضول صديقته الصغيرة "هدى" التي لا تعرف، بسبب عمرها الفتيّ، شيئًا عن بيروت وحربها وناسها. ولكن هل هو من اختار التنقّل؟ أم هو ينصاع فحسب لأهواء وظروف لا رأي له فيها ولا قدرة له على مقاومتها؟
     "عليّ"، الجبان منذ الولادة، كما تصفه الرواية، تحوّل ظلًا في "مدينة تغيّر جلدها كلّ لحظة"، ولولا هذه الرواية لما وجد له مكانًا على جدار يلتصق به ويرفض غياب صاحبه (ص 173 – 174)، ما يجعلنا نتساءل عن تلك الشخصيّات السلبيّة الباهتة المحايدة الضعيفة العاجزة، والتي تحوّلت بقدرة الرواية والشعر والفنّ إلى عالم الخلود؟

الجمعة، 13 أبريل 2012

من وحي "أحببتك فصرت الرسولة"




هذه الأبيات الزجليّة نظمتها السيّدة ماري مشلب، زوجة خالي، وهي تشرب قهوتها المرّة وتنهي قراءة كتابي "أحببتك فصرت الرسولة".
فلها محبّتي مع الشكر والامتنان!

                          يا رفيقة فنجاني المرّ           كتابك دغدغ وجداني
                          بيني وبينك ما في سرّ         غير السرّ الربّاني
                          هالدنيي ما فيها حُرّ            والحريّة بزماني
                          يللي بشوفو بعيني شرّ         بيحلّا بالعين التاني
                          سنين العمر بسرعة تمرّ       بغربه من الشوق تعاني
                          ونسمة حلوي بموسم حَرّ      ترسم حاله برداني
                          جرأة بالكلمات تكرّ           بين حروفا المعاني
                          غنج وسحر ودمع يفرّ       بدفق عواطف هشلاني
                           بين الكرّ وبين الفرّ         بصوره وبسمه فرحاني
                           إسمك يلمع لمعة درّ       بتاج بعزّو تنصاني
                           والرسولة تلاقي بَرّ         يهدّي مواج التعباني

الخميس، 12 أبريل 2012

13 نيسان يوم الطالب اللبنانيّ


   
(2009)
      يحتفل العالم أجمع بيوم الطالب في 21 شباط، غير أنّ وزيرة التربية بهيّة الحريري أعلنت يوم الطالب اللبنانيّ في 13 نيسان، اليوم الذي انطلقت فيه الحرب اللبنانيّة. ومن الواضح أنّ الوزيرة أرادت أن تتحوّل هذه الذكرى يومًا لطلب السلام، كدرس أساس لا يكون طلب العلم مفيداً من دونه، ولذلك يصحّ أن يكون عنوان هذا الدرس: "تنذكر ما تنعاد". فالنسيان في نيسان ليس هو الحلّ، بل تذكّر بشاعة الحرب، كي لا نستعيد فصولها ولا نغرق من جديد في دوّامة عنفها، هو ما قد ينجّينا من الشرير الذي لا يريد لهذا البلد أن يرتاح. 
     ولكنّ السؤالين الأساسيّين المطروحين أمام المسؤولين التربويّين في مناسبة هذا اليوم هما: كيف سيتمّ الاحتفال بهذا اليوم؟ وهل اتفقنا على صورة الطالب اللبنانيّ الذي ندعوه للاحتفال؟.التجارب السابقة، خلال الأعياد المتوارثة، تجعلني أميل إلى التأكيد أنه لن يكون للطالب رأي في هذا اليوم، لا في كيفيّة الاحتفال ولا في المشاركة في وضع تصوّر لما يجب أن يكون عليه الطالب اللبنانيّ. فحتّى الآن لا يزال المعلّمون (غير المربّين) يعتبرون الطالب طالب شهادة تسمح له بإيجاد عمل، أو طالب فيزا تحمله إلى أيّ مكان خارج لبنان، أو طالب علامة ترفعه فوق المعدّل المطلوب وتنقذه من براثن والده المقاتل السابق، أو طالب إذن ليخرج من الصفّ ليقضي حاجته، ولن يكون في أيّ حال من الأحوال طالب معرفة وحريّة وتفهّم ومحبّة وإصغاء ونصيحة وتوجيه مهنيّ. 
     وأكثر ما أخشاه أن يتحوّل هذا اليوم عبئًا على التلامذة، فيُطالبون فيه بتقديم أعمال فنيّة وكتابيّة من وحي المناسبة، وهذا أمر ممتاز، إلاّ إن علمنا أنّها يجبّ أن تمرّ على رقابة الرؤساء والمديرين والمشرفين والمناظرين والمستشارين والمنسّقين والمدرّسين قبل أن يسمح بنشرها أو عرضها. وعند ذلك سيتحوّل هذا اليوم مناسبة جديدة تؤكّد للتلامذة أنّهم ليسوا أبناء الحياة، بل أبناء آبائهم وأمّهاتهم وعبيد معلّميهم، أليس التلميذ عبدًا لكلّ من علّمه حرفًا وفق القول الشائع؟ غريب!في الولايات الأميركيّة، زمن العبوديّة، حُكم بأقسى العقوبات على من علّم زنجيًّا القراءة والكتابة لأنّه بذلك علّمه أوّل درس من دروس الحريّة. ألا يدعو هذا الى الشكّ في أن نكون فعلاً من اخترع الحرف؟ 
     خلال عملي التربويّ، كنت أراقب بأسى كيف تتحوّل الأعياد حفلات تعذيب لجميع المعنيين بها، وكلّ فرد يحاول أن يسجّل انتصاراً أين منه انتصار الولايات المتحدة على اليابان! فالتلميذ يستعطف المعلمة كي تعطيه دور البطولة، وإلاّ زعلت منه أمّه واعتبرته فاشلاً. والمعلّمة "تقتل حالها" كي يكون العرض الذي يقدّمه تلامذتها أجمل من عروض زميلاتها، والمدير يهدّد المعلّمات بأنّه يريد أن يكون اسم مدرسته على كلّ لسان وفي كلّ صحيفة مهما كلّف الأمر، وإلاّ فسيطرد الجميع في آخر السنة. كلّ ذلك في واد، والتربية والفنّ والعلم في واد آخر. وإلاّ فكيف نفهم تصرّف مدرسة علّقت الدروس في أحد صفوفها ثلاثة أسابيع كاملة قبل عيد الأمّهات لتتاح الفرصة للمعلّمات كي يدرّبن التلامذة على عرض فنيّ للمناسبة؟
     ولمن لا يعلم، فالتلامذة الذين يحبّون عادة اللهو وإضاعة الوقت خارج الصفّ يكرهون هذه النشاطات لأنّها تملأهم رعباً وخوفاً بسبب توتّر القيّمين على التمارين وجهلهم أبسط قواعد التربية.
     يا معالي الوزيرة، بين سندان المدرسة ومطرقة المعلّم أخشى أن يقال عن طالب العلم في يومه الاحتفاليّ ما قيل عن "طالب الدبس" في أمثالنا الشعبيّة.

الأربعاء، 11 أبريل 2012

عن رواية ابراهيم الكوني: جنوب غرب طروادة جنوب شرق قرطاجة

صحيفة الحياة، الخميس، 12 أبريل 2012
ماري القصيفي
عند ملتقى «جنوب غرب طروادة وجنوب شرق قرطاجة» (ولكلّ زمن طروادته وقرطاجه) تقع بلاد تصفها إحدى شخصيّات رواية ابراهيم الكُوني قائلة: «لا وجود لصفاء مثل صفاء ليبيا! لا وجود لسماء كسماء ليبيا! لا وجود لوطن في الدنيا كوطن ليبيا...» (ص600). هي الوطن الوحيد باعتراف أعدائه الذي يسلب من مريده روح الوطن الأصيل (ص259)، والذي يقول الطامعون به: «سوف يعضّ بنان الندم كلّ من لم يهرع لنيل نصيب من الأرض الليبيّة السخيّة، في موسم توزيع الأراضي» (463). هي الوطن الذي يروي الروائيّ الليبيّ ابراهيم الكوني من مكان إقامته في سويسرا، حكاية الهزيمة المدويّة التي ألحقها ببحريّة الولايات المتّحدة الأميركيّة عام 1804، وجعلت لاسم طرابلس (الغرب) مكاناً إلى اليوم في البيت الثاني من نشيد المارينز: «من قاعات مونيتزوما/ إلى شواطئ طرابلس/ نخوض حروب بلادنا/ في الأرض والبحر». وبذلك تكون الرواية مغرية لمن يريد أن يفهم رغبة أميركا الدائمة في الانتقام من تلك البلاد.
لغة الصحراء
في الرواية الصادرة حديثاً عن المؤسّسة العربيّة بعد صدورها الأول عن مجلة «دبي الثقافية»، ليست المعركة هي التي تغري بتصفّح كتاب من 631 صفحة، فهي معروفة يسهل إيجادها عبر المواقع الإلكترونيّة. إنّما في الرواية ما هو أبعد من ذلك: فيها لغة مميّزة تشبه الصحراء التي نمت فيها، بجمالها الوحشيّ القاسي الذي لا يُسلّم زمام أمره إلّا لمن امتلك الجرأة والرغبة، ولا يستسلم إلّا لمن خبر حركة الرياح والنجوم، لذلك لا تخلو صفحة من الكتاب من مفردات نادرة الاستعمال، وتراكيب دقيقة، وصور شعريّة لا يحسب القارئ أنّها ستجد مكاناً في خضمّ المعارك وحشد الجيوش. وفي الرواية كذلك معرفة بخفايا النفس البشريّة التي تشبه البحار، بغموض قيعانها وثرائها، وهدوء سطحها ومفاجآت تحرّكاتها، حتّى ليمكن القول إنّ تحليل هذه النفس هو ما كتبت الرواية لأجله، لولا أنّ «ليبيا» تفرض نفسها وطناً لا يحسن أهله إدارة شؤونه، ومطمعاً لجيوش لا تعرف كيف تروّض وحشيّة أرضها وطباع ناسها.
عندما حقّقت الولايات المتّحدة استقلالها كانت عاجزة عن فرض هيبتها في البحار، فاضطرّت لتوقيع معاهدة (عام 1795) مع السلطنة العثمانيّة لمنع التعرّض لسفنها في مقابل مبلغ كبير من المال. وحين تأخّرت عن الدفع، استغلّ البريطانيّون الأمر وأوغروا صدر باشا ليبيا «يوسف قره مانلي» ليعيد النظر في أمر المعاهدة، وكانت أوضاع ليبيا الداخليّة متقلقلة بسبب الصراع على السلطة داخل الأسرة القرمنلية، وسوء الإدارة الذي أوقع طرابلس في عجز ماديّ. فأعلن يوسف الحرب على الولايات المتّحدة (1801- 1805)، في خطوة لا مثيل لها حتّى اليوم، استطاع الباشا خلالها أن يستولي على الفرقاطة «فيلادلفيا» ذات الأربعة والأربعين مدفعاً وأن يأسر طاقمها الكبير (308 بحّارة). وحين عجزت الإدارة الأميركيّة (وكان ذلك عهد الرئيس جفرسون) عن استرداد السفينة أمرت بإحراقها. في موازاة ذلك، كانت الولايات المتّحدة تعمل على الإطاحة بيوسف، عبر استمالة أخيه أحمد الذي أُقصي عن العرش فلجأ إلى مصر. ومن هناك، انطلقت حملة عسكريّة أميركيّة بقيادة «وليم إيتون» في اتّجاه «درنة» التي تبعد عن طرابلس نحو ألف كيلومتر، فاحتلّتها (يحكى عن فيلم أميركيّ بدئ العمل فيه ويروي مغامرة إيتون في الصحراء الليبيّة). عند ذلك تدخّلت السلطنة العثمانيّة وحاصرت الشواطئ الليبيّة، إلى أن وافقت الولايات المتّحدة على توقيع اتفاقية لإنهاء الحرب، ودفع غرامة ماليّة بقيمة ثلاثة ملايين دولار ذهباً، فضلاً عن ضريبة سنويّة. لكنّ حكم سلالة «القره مانلي» كان على وشك الانتهاء مع تفشّي الفساد فتنازل يوسف لابنه عليّ عن السلطة، إلى أن ألغى السلطان العثمانيّ حكم هذه الأسرة نحو عام 1832.
الحروب مناسبة لرصد تصرّفات الحكّام، وتحليل ميول المستفيدين، فضلاً عن ارتباط الخاصّ بالعامّ، وقد تقصّد «الكوني» أن يصوّر احتكاك شعوب من مختلف الجنسيّات والحضارات (بمن فيها الهنود الحمر) في لحظة مصيريّة بين زوال عالم قديم ونشوء آخر جديد. ويمكننا التوقّف عند عناوين لافتة: الحبّ غائب عن البلاط، لأنّ ما يهزُم هو العشق لا غياب العشق (51)، ولأنّ العجز عن الحبّ هو الثمن الذي يدفعه الحكّام مقابل العرش (527). وفي عالم الحريم نتعرّف على دور النساء في السلطة (559)، ما يذكّرنا بزوجات الحكّام الذين خلعتهم ثورات «الربيع العربيّ». ونساء البلاط أنواع: الأمّ الرؤوم، والزوجة التي ترى أنّ ضرّة المرأة الحقيقيّة هي الحرب (439)، والساحرة القبيحة الشريرة، والجارية الجميلة، والأسيرة المعشوقة؛ وهي عموماً قرينة المرآة (ص29)، غير أنّها لا تعود تبالي بحسنها متى رأت نفسها في عداد الأموات (324). أمّا الأبناء فهم أسوأ لعنة يبتلى بها الآباء (34) بل هم سمّ كلّ الآباء (529)، وكلّ من ارتكب خطيئة المجيء بالذريّة إلى الدنيا رهينة (156)، إذ يستطيع الابن أن يطعن الأب حتّى الموت ولكن هيهات أن يستطيع الأب طعن الابن (530).
عالم السلطة
وفي عالم السلطة يكون للحياة معنى آخر حين يكون من الأيسر أن تميت لا أن تحيي (181)، فتصير الأنفاس أنفس ما في الوجود (38) لأنّ الموت ليس استثناء، ولكن الحياة التي هي تحدّ يوميّ للقدر (414) هي الاستثناء (39). وفي خضّم هذا الفساد، يأتي الخلاص من الطبيعة: فـ «اليابسة جسد البحر، والبحر لليابسة روح» (69)، و «كلّ ما هو تزوير للطبيعة خطيئة» (77). ولأنّ الصحراء شيخوخة هذه الطبيعة (267)، يستغرب الراوي كيف يجادل المرء حول المال في حضرة الماء (420). ويتابع الروائيّ تأمّله في الحياة والإنسان، واضعاً على لسان شخصيّاته مفهومه للطبيعة البشريّة القائمة على نكران الجميل (16 و17)، والراغبة في النكاية والانتقام وإن كانت الحكمة تحذّر من هاتين الشهوتين الدالّتين على فساد البشر(180،221، 393، 503، 511، 575)، فالإنسان مستودع حقيقيّ مظلم تقبع فيه الأشباح (290)، يعشق الأشياء ولو فيها هلاكه (312 و 550)، ويختبئ خلف قناع لا يسقطه سوى البلايا (489) التي حين يألفها يستهتر بالحياة (204).
أمّا عن مفهوم السلطة، فترى الرواية أن لا حكم بمعزل عن الإجرام (24) فذرّة واحدة من نبل كفيلة بأن تطيح أعظم عرش (156)، فلا وجود للنزاهة عند الملوك (613)، الذين يطلقون ألف وعد، ولا يفون بواحد، لا لأنّهم غير ملزمين أخلاقيّاً بتنفيذ وعودهم ولكن لأن لا أحد يجرؤ على تذكيرهم بها (24)، وبالتالي لا شيء يمنع أن يستخدم الحكّام «مارد الوعود» (572) في لعبة الخداع. ومن أجل لحظة من السلطة التي لا يرتضيها إلّا من أوتي موهبة التهريج (382) يحتمل الإنسان الذلّ (193)، ولكنّ الهزيمة وحدها تستطيع أن توقظ في قلب صاحب السلطان الضمير (307). أمّا أكثر من يستهين بالحاكم فأهل بيته لأنّهم يرونه على حقيقته (424). ومع ذلك فمن دروس الحُكم أنّ تراجعَ الحكّام عن أمر أو قول انتحارٌ (561)، وأنّ السيف لم يوجد ليسقط رؤوس الرعية ولكن لإرهاب أبنائها (506). أمّا في حال الهزيمة والنفي فعلى الحاكم المخلوع اليقظة لا الطمأنينة (152).
المُريد
ولا يصلح كلّ رجل ليكون حاكماً فـ «مريد القداسة كمريد الحقيقة لا يصلح محارباً» (19)، وأصلح إنسان لممارسة مهنة الحرب هو مريد السلطة ثمّ مريد المال ثمّ مريد المرأة (19)، شرط أن يعرف أنّه «يندر أن يُكتب النصر لإنسان مرّتين» (53)، أمّا إذا حصل للنصر أن تكرّر ففي ذلك موت الضمير (106). ولا ينتصر محارب ما لم ينشر في صفوف العدوّ الذعر عبر ارتكاب المجازر في حقّ الأبرياء (391)، لأنّ الشفقة مقبرة الرجولة (327). ولكنّ للبطولة الحقّة شروطاً ما دامت الطبيعة نفسها تخضع للشجعان (289): فقد تكون في التنازل عن البطولة (393) أو في حقن الدماء (506)، أو قول الحقيقة (481)، أمّا الأمل في النجاة فأفيونها (293) في حين أنّ العار في اليأس لا في الاستسلام (90). ولا يكتمل البلاط من دون الشعر والدين، علماً أنّ زمن الحروب لا يصلح لتربية الشعراء (43)، وقول الشعر، الذي لا يكون حقيقيّاً إن لم يكن صوت الضمير (503)، لا يعصم من بطش الطغاة (61). أمّا الدين فحجّة الحروب لا سببها (349)، والقوانين الدنيويّة ظلّ باهت للقوانين الأخلاقيّة، لأنّها دليل على غياب النواميس الإلهيّة (93)، فالشرائع تنعت الحاكم خليفة للربّ على الأرض حتّى ولو كان طاغية (390)، يتنكّر لدينه حين يلجأ الى الشعوذة والغدر، ويدّعي الدفاع عنه حين يخشى على مصالحه.
نجحت الرواية في تصوير المعارك البحريّة والبريّة بنفَس ملحميّ بديع، وهلّلت للحريّة التي هي عافية الروح كما أنّ العافية حريّة الجسد (281)، فالحياة الحقيقيّة ليست سوى لحظة حريّة (355)، ولحظة الحريّة ما هي إلّا لحظة شجاعة (435). أمّا الإحسان فيميتها (182)، في حين أنّ زوال الألقاب دليل على وجودها (568). إنّما متى تحوّلت الحريّة دولة استسلمت لـ «غانية» اسمها سياسة (137)، تخضع بدورها لسخرية العسكر.

الثلاثاء، 10 أبريل 2012

السبت، 7 أبريل 2012

رواية "الفتى الذي أبصر لون الهواء" لعبده وازن



صحيفة الحياة، الأحد، 08 أبريل 2012
ماري القصيفي
خلال عملي التربويّ الذي امتدّ سحابة ربع قرن، بقيت على تماس دائم مع مشكلة لم يخيّل إليّ أنّها ستجد حلولاً في الأمد المنظور، هي مشكلة إيجاد روايات باللغة العربيّة تصلح للفتيان والفتيات. فالكتب الموجودة في المكتبات تتوجّه إلى فئتين عمريّتين واضحتي المعالم: الأطفال والكبار. بينما تندر الكتب الخاصّة بالمرحلة الوسطيّة التي تكثر فيها الأسئلة وتتكوّن الشخصيّة، إذ يصل فيها المراهقون، المرهقون من الشغف والتحدّي، إلى مرحلة الأحلام بعدما كانوا، أطفالاً، في مرحلة التخيّل. ليس الأمر سهلاً، خصوصاً متى صار على الكتاب أن ينافس التلفزيون والسينما وشبكة الإنترنت، وأن يتميّز لغة وخيالاً من دون أن يسخر من عقول المتلقّين، وأن يوجّههم إلى القيم من دون أن يقع تحت ثقل الوعظ والإرشاد، وأن يحمل إليهم المتعة وينمّي الذائقة الأدبيّة من دون أن يتحوّل كتاباً مدرسيّاً مفروضاً في الامتحانات، فضلاً عن أن الكاتب مجبرٌ على فهم نفسيّات من يتوجّه إليهم وعقولهم ومشاعرهم ومعلوماتهم، ومطالَب كذلك باحترام خصوصيّة المجتمع الذي إليه ينتمون، على أن يكون صادقاً في ما يكتبه، الصدق الإبداعيّ الأدبيّ الذي لا يغيب عن القارئ ولو مراهقاً.
لا شكّ في أن الشاعر والناقد عبده وازن كان على بيّنة من كلّ ذلك حين خطر له أن يقتحم غمار هذا العالم الثريّ والثائر في الوقت نفسه، فكانت النتيجة روايته «الفتى الذي أبصر لون الهواء» عن الدار العربيّة للعلوم - ناشرون 2011، التي تروي قصّة فتى ضرير يواجه صعوبات الحياة وينتصر عليها بالإرادة والحبّ والعلم والعمل. الموضوع في ذاته قد يجرف كاتبه، أيّ كاتب، نحو المبالغة في الدفق العاطفيّ تضامناً مع الفتى الضرير، أو في اتجاه الغلوّ في التوجيه والإرشاد بغية نصح الفتيان والفتيات بتحمّل مصاعب الحياة، بل مقاومتها وتخطّيها. لكنّ عبده وازن استطاع التخلّص من كلا المأزقين مع المحافظة على الخطّ القصصيّ والأسلوب الشعريّ، وهو حين رافق الفتى الكفيف «باسم» من قريته الجنوبيّة إلى معهد الضرير في ضاحية بيروت، لم يتحوّل عصا بيضاء ترشد الفتى المتلمّس طريقه في عتمة النظر وغربة المكان، بل بقي شاهداً على معجزة الإرادة ودفء الحبّ ينقذان العقل من الجهل والقلب من التحجّر، ولو كانت العينان عاجزتين عن الرؤية.
لم يخفّف الكاتب من وطأة الإعاقة البصريّة، فالأمر صعب على الفتى ووالديه وإخوته، وهو أكثر قسوة على الأمّ خصوصاً حين يتبيّن أنّ الأمر وراثيّ وأنّ جدّها كان ضريراً. فالأهل عموماً يشعرون بالذنب تجاه أيّ توعّك يصاب به ولد من أولادهما مهما كان عمره، فكيف إن كان الأمر إعاقة لا شفاء منها، نقلها الأهل أنفسهم الى أولادهم؟ ولكنّ الكاتب لم يترك الأم غارقة في مأزقها النفسيّ، بل جعلها تنتصر على الواقع الجديد مسلّحة بإيمانها بالله ودعم زوجها ومساعدة أفراد العائلة، ثمّ ترضى، ولو على مضض، برحيل ابنها إلى معهد الضرير كي يبني شخصيّته ويكوّن نفسه مستقلاًّ عنها.
أمر آخر يستحقّ التحليل في علاقة الأخوة بأخيهم البكر الكفيف. فلو كانت الرواية لغير هذه الفئة العمريّة، لقلنا إنّ اهتمام الأهل بالابن الفاقد نظره قد يثير غيرة إخوته وأخواته، وهو أمر معروف في علمَي النفس والاجتماع، بسبب عجز الإخوة في مراحل مبكرة من حياتهم عن فهم حاجة الأخ العاجز إلى من يهتمّ به. ولم يغب هذا الأمر طبعاً عن بال الكاتب الذي تقصّد نسج شبكة علاقات متينة بين أفراد العائلة بدءاً من والدَي الفتى وعمّه وامرأة عمّه، وصولاً إلى الأولاد، ما جعل من المنطقيّ ألاّ يغار الإخوة من أخيهم، وأن يحبّ الفتى «باسم» ابنة عمّه «زينب» التي كانت تقرأ له وتهتمّ به. وأبقى «عبده وازن» هذا الحبّ في إطاره البريء بعيداً من الأحاسيس والرغبات الجنسيّة مع أنّ كلّ المواصفات التي أعطاها للفتى توحي بأنّه شغوف بالحياة نهمٌ إلى العبّ منها، يحبّ الأدب والقصص والطبيعة، ويُعمل حواسّه التي ضاعف عماه من قوّتها في التقاط كلّ ما يدور حوله. وأفترضُ أنّ ذلك مقصود لكون سياق الرواية يقود المراهق إلى المعهد، بعيداً من حبيبته، حيث سيصبّ اهتمامه على القراءة وفق نظام «برايل»، أو عبر تسجيلات صوتيّة. ولكن تبقى نهاية الرواية مفتوحة على احتمال علاقة متكاملة تهبها الحياة لهذا الشابّ الذي بدأت تتبلور شخصيّته.
في المعهد، نجح الكاتب في تصوير الفتى مستكشفاً وجود الأشخاص وحدود الأمكنة في المعهد، متلمّساً مصغيّاً مستنشقاً، باحثاً عن الخطّ الذي يرتاح إلى سلوكه في الحياة إن عبر متابعة تحصيله العلميّ ولو بدأ متأخّرًا عن رفاقه أم عبر حرفة يدويّة تجمع بين الفنّ والفائدة العمليّة، وكلاهما يحتاج إليه المجتمع وبه تكتمل حياة الناس. ووفّق الكاتب كذلك في جعل المكان مصهراً لمختلف الطوائف التي يتعرّف أصحابها على مذاهب بعضهم بلا أفكار مسبقة أو أحكام رافضة، وهكذا صار «جورج» المسيحيّ وزميله المسلم «باسم» صديقين يتبادلان المعلومات عن ديانتيهما بعفويّة وتلقائيّة. فهل المصيبة تجمع كما يقول المثل الشعبيّ؟ أم هو فقدان البصر يفتح البصيرة لترى أنّ ما يجمع الناس على اختلاف طوائفهم أكثر بكثير ممّا يفرّقهم؟
بقي أمران لا تكتمل هذه القراءة من دونهما: العنوان ولوحة الغلاف. كان «باسم» يسأل ابنة عمّه عن لون الهواء، علماً أنّه لا يعرف شيئاً عن الألوان لكونه ولد ضريراً، وكانت تجيبه أنّ الهواء لا لون له، فوجد الأمر غريباً إذ كان كلّ من حوله يساعده على «رؤية» الأشياء والأشخاص من خلال الأشكال والألوان. وكان تقريب مفهوم الشكل سهلاً إلى حدّ كبير من خلال قيادة يده في رسم دائرة أو تحسّس شكل الهلال وسوى ذلك، أمّا الوجوه والكلمات فتحسّسها بيديه وأصابعه ولو أنّ «الأصابع ليست هي العيون التي ترى، حتّى وإن كانت رشيقة الحركة» (ص 68). بقي أمر الألوان، ولقد لاحظ «باسم» أنّ لكل شيء لوناً يراه الناس إلّا الهواء، فقرّر أن يرى هذا اللون الذي لا يراه أحد. وكان له ما أراد، على حداثة سنّه وعلى رغم معاناته، حين تعلّم وأحبّ وتفوّق في مباراة أدبيّة وقدّم يد المساعدة لكلّ من حوله، فزال السواد عن قلبه وعينيه وحلّ بياض رحب ونقيّ (ص 119). أمّا الغلاف فيصوّر أنامل تلامس أحرفاً نافرة لقراءتها وفق نظام «برايل»، فهل يمكننا أن نقترح على دار النشر والمعنيّين ترجمة هذه الرواية إلى تلك اللغة، وكذلك تسجيلها بصوت فنّان عربيّ يجيد الإلقاء فيجعلها متعة لسمع المبصرين والمكفوفين؟
رواية الفتيان هذه وفق التعريف عنها على الغلاف تقدّم مادة غنيّة وجميلة تصلح للنقاش في المدارس ونحن على عتبة عام دراسيّ جديد، شرط ألّا يحوّلها المعلّمون منبراً توجيهيّاً صارماً، ويتركوا لأتراب «باسم» حريّة محاورته وفهمه والتعبير عن أفكارهم عنه ومشاعرهم تجاهه على سجيّتهم وبالطريقة الفنيّة التي يرتاحون إليها (موسيقى، مسرح، فيديوكليب، تعبير كتابيّ، رسم...). وهكذا يتعلّمون عن طريق التحليل والاستنتاج المعنى الحقيقيّ لدمج ذوي الحالات الخاصّة في المجتمع، ويقدّرون بالتالي الحياة والصحّة وما وُهبوا من قدرات ومواهب. على كلّ حال، أليس التفكير والإبداع هما ما نريد تحقيقهما مع الفتيات والفتيان من خلال المطالعة؟

الخميس، 5 أبريل 2012

من عمق أعماق اليأس


Paul Gaugin - 1888


على عدد الشموع التي أحرقت في ليل الخيبة الطويل،
على عدد حبّات الدموع التي حفرت أخاديدَ في وجوه الأمّهات والآباء الباكين على أولادهم المخطوفين والمهاجرين والمسجونين والمأسورين والمعوّقين والمائتين،
على عدد الشعرات البيض في رؤوس توّجها الهمّ باكرًا وحمّلها مسؤوليّة الحياة قبل الدخول في معترك الحياة،
على عدد نقاط المياه الملوّثة في بحارنا وأنهارنا والأباريق الصفراء،
على عدد المرّات التي أكلنا فيها أصابعنا ندمًا وخوفًا،
على عدد الحبّات المهدّئة المقيمة في كلّ جيب وفي كلّ حقيبة،
على عدد ثقوب الرصاص الذي نخر منازلنا وشوّه أجسادنا وأشعل سماءنا،
على عدد الشتائم التي يطلقها الواقفون على أبواب الدوائر الرسميّة، وأمام المستشفيات، وفي زحمة السير، وعند دفع الأقساط،
على عدد الأصفار في الفواتير المستحقّة والتي تشعرنا بأنّنا صفر على شمال الحياة،
على عدد الكلمات المجترّة في التاريخ والبيانات واللاءات والمؤتمرات، والمرميّة كالتفل في وجوهنا الباهتة،
Edvard Munch - The Screem
1893
على عدد عظات رجال الدين وخطبهم المستعادة سنة بعد سنة،
على عدد المرّات التي اغتُصب فيها الناس، وأهين فيها الناس، وحُقّق فيها مع الناس،
على عدد أوراق الذلّ في صناديق الاقتراع،
على عدد العاهرات في قصور الأسياد،
على عدد الرجال الذين يشترون النساء،
على عدد الأطفال العاملين والمتسوّلين والمعتدى عليهم،
على عدد نقاط المصل من الأكياس الموصولة بشرايين المرضى،
على عدد الحجارة التي يرشقها الأطفال على الأعداء،
على عدد الاتّصالات والرسائل إلى البرامج التلفزيونيّة،
على عدد الكتب المنسيّة على رفوف المكتبات،
على عدد كلّ ذلك، مضروبًا بكلّ ضربة كفّ وجّهتها السلطة لإنسان،
لتحلّ اللعنات غزيرة على كلّ من خطّط لخراب هذه الأمّة وعلى كلّ من ساهم وشجّع ونفّذ،
ولتكن آلامنا عليهم وعلى أولادهم من بعدهم، لأنّهم يعلمون ماذا يفعلون، ولأنّهم يستمتعون به.
***
* صحيفة النهار – الاثنين 21 حزيران 2004

الأربعاء، 4 أبريل 2012

رواية "بلا شطآن" لـ"سلوى جرّاح"



صحيفة الحياة، الاربعاء، 04 أبريل 2012
ماري القصيفي

«هن ثلاث نساء عراقيات، يبحثن في وطن الأحلام. واحدة انتهى بها العمر في أرضه، وواحدة تبكي كل ما ضاع من أرضه، وواحدة لم تعد تبحث عن شيء في أرضه» (ص224). يمكننا أن نستعين بهذه الكلمات كي نختصر الأجواء التي تدور فيها رواية «بلا شطآن» (دار المدى) للإعلامية العراقية سلوى جراح التي تقيم في لندن منذ اثنين وعشرين عاماً. هي رواية عن العراق من خلال حكايات ثلاث نساء هربن من بلادهن إلى البلد الذي كان يستعمر وطنهن، إلى لندن، حيث وجدن الأمان والحرية والعلم والاستشفاء، وحيث أمكنهن الاحتفاظ بصورة العراق كما يحلمن به. ولا يغيب عن الروائية هنا أن تلفت إلى العلاقة الغريبة التي تربط الشعوب المستعمَرة بمستعمريها، فتقول: «العرب يستنجدون دائماً بالخبرة الطبية للدولة التي استعمرتهم في ما مضى. المغاربة يذهبون للعلاج في فرنسا، وعرب المشرق لا يثقون إلا بخبرة الأطباء البريطانيين» (ص143).
المهندسة «جمانة» من أصل فلسطيني، «حفظت عن ظهر قلب المحاضرة المكررة عن أن الفلسطيني ليس أمامه إلا أن يتعلم، وأن العلم هو ثروته الوحيدة وجواز مروره إلى العالم، بعد أن فقد بلده وكل ما يقدمه الوطن من استقرار ومكانة وجذور» (ص30). لذلك تردد والدها طويلاً قبل أن يوافق على زواجها من تاجر السجاد «رضا»، الذي لم يتم دراسته، لاضطراره إلى رعاية أمه وإخوته بعد وفاة والده. تهرب هذه العائلة من بغداد بعدما رفض «رضا» فكرة أن تصل سيارة من القصر الرئاسي لتصادر كمية من أفخر السجاد من متجره، ما يعني في نظره أن الوطن كله أصبح مصادراً. وحين يموت زوجها ويدفن في لندن، تعرف «جمانة» أن صفحة العراق طويت إلى الأبد. «بلقيس» صديقة «جمانة»، تفقد أحد ولديها في الحرب مع إيران، فتهرب إلى لندن مع زوجها «عبد القادر» وابنها الذي خافت أن تأخذه منها الحروب التي لا يبدو أنها ستنتهي في تلك البلاد. أما «خلود»، المرأة الثالثة، فزوجة «عادل» المحامي الذي يكبرها بكثير، والذي تحدى عائلته حين تزوج منها وهي دون مرتبته الاجتماعية. فهرب الزوجان إلى لندن بعد الضجيج الذي أثاره هذا الزواج، وغضب العائلة البورجوازية، وكان ذلك في ستينات القرن الماضي حين كانت الهجرة إلى الغرب تعد تجربة نادرة، وكان العراقيون والعرب قلة في تلك البلاد (ص143). لكن «خلود» حين صارت في ستينات عمرها تقرر العودة لتتعرف إلى العراق الذي غادرته صبية. وعلى الرغم من ممانعة زوجها وصديقتيها، ترجع إلى «بغداد» حيث تقضي في انفجار سيارة مفخخة.
تتعدد أسباب الهجرة إذاً والنتيجة واحدة، وتختلف أزمنة الهرب لكن هناك دائماً ما يجبر الناس على الرحيل: تمييز طبقي أو حكم ديكتاتوري أو حرب مع عدو خارجي، ما يجعل القارئ يتساءل وهو يرافق هاتيك النسوة على دروب آلامهن: بمَ تختلف معاناة هذا الشعب عن سواه من شعوب العرب؟ وهل يتغير شيء إن وضعنا اسم دولة عربية أخرى مكان «العراق»؟ ألن تكون المعاناة واحدة والنتائج واحدة؟ لا يصعب كثيراً الوقوع على هذا النوع من الحكايات يرويها أفراد الجاليات العربية. والروائية، بحكم عملها في الإعلام، وإقامتها الطويلة في لندن، قادرة على ملاحقة أخبار مواطنيها، وتسجيل سِيرهم وحبكها، لكنها بالتأكيد لاحظت كم تتشابه القصص والنهايات، لذلك جاءت حكايات بطلاتها متداخلة، يبدأ القارئ بفصل ما وهو لا يعرف إن كان عن «جمانة» أو «بلقيس» أو «خلود». ففي النتيجة، ليست الأسماء والشخصيات سوى حجة للحديث عن العراق والشوق إليه كما يحلم به أهلوه، لا كما جعله حكامه ومستعمروه.
مسألة أخرى تفرض نفسها على القارئ: ماذا فعل أولئك الذين غادروا العراق من أجل خلاص بلادهم؟ ولماذا عجزوا عن تأليف «لوبي» يسعى لإنهاء الوضع الشاذ في وطنهم؟ لا تتغاضى الكاتبة عن الانقسامات التي فرزت المهاجرين إلى لندن بحسب أعوام هجرتهم أو مراتبهم الاجتماعية أو ميولهم السياسية، فـ «العراقيون في لندن هم خلطة العراق العجيبة، فئات وأفكار وعقائد وخلفيات اجتماعية متباينة. قبل سقوط حكومة صدام كان ما يقسم العراقيين شيء واحد، الرضا أو عدم الرضا عن صدام... بعد السقوط اختلفت الأمور، وظهرت تباينات طائفية لم يعرفها العراقيون من قبل. ظهرت أحزاب وميول لم يكن العراقيون أنفسهم يظنون أن العراق سيفرزها. كانوا يختلفون على شيء واحد لا يتغير، اليوم تعددت خلافاتهم وتلونت وظهرت وجوه جديدة صار لها أصوات بدأت تعلو إلى حد الإزعاج في العراق وخارجه» (ص141)، كأن الكاتبة بذلك تقفل باب الأمل على تحسن ما قد يلوح في أفق الوضع العراقي، فلا من بقي حارساً البيوت والأرض يقدر على إحداث تغيير، ولا من هاجر وانغمس في إيقاع الحياة الغربية حافظ على إيمان، ولو ضئيلاً، في إمكان إعادة بناء الوطن. وما موت المرأة (خلود) التي أصرت على العودة، سوى تحذير واضح من أن أرض دجلة والفرات لم تعد تصلح إلا للمدافن، فـ «في العراق سقط الديكتاتور وحل محله وحش مدمر أطلق كل الشرور من صندوق باندورا «السومرية»، وفرض رغباته على البلد وأهله» (230). ثم تمعن الروائية في تأكيد موقفها الحاسم حين تجعل «عادل» زوج المرأة القتيلة، يفكر في أنه لن يستطيع أن يضع زهرة على قبرها في العراق، وأنه سيموت في لندن ويدفن فيها، وربما تأتي حفيدته «هلينا» وتضع على قبره زهرة إذا ظلت تحن لجدها العراقي «عادل النعماني» (ص230). وكم قاسية هذه الـ «إذا» الشرطية غير الجازمة بشيء!
الرواية التي أنهت «سلوى جراح» كتابتها في ربيع 2011، لا تقع تحت تأثير الربيع العربي، الذي لم تسمح له الكاتبة بأن ينشر آمالاً مخادعة في وجدان شخصياتها وقرائها. فعملها الإعلامي الذي ترك بصماته على لغتها ذات العبارات القصيرة والنفَس التقريري، لا يمكن أن يسمح لها بالتأثر بأحلام الشعراء أو عوالم الروائيين المتخيلة. ومن هنا مصدر لهجتها الروائية المباشرة، بلا زينة أو تجميل أو تردد، فتقول عن إحدى بطلاتها: «مع الوقت، بدأ موضوع آخر يؤرقها. شكل المرأة العراقية. النساء في العراق يرتدين الحجاب الذي لم تعرفه المرأة العراقية من قبل. فلم تكن أمها محجبة ولا حتى جدتها. لم يكن في العراق محجبات. كانت المرأة العراقية ترتدي العباءة الشهيرة وتلبس تحتها آخر صيحات الموضة. كانت المرأة العراقية معروفة بأناقتها واختيارها لملابسها بذوق، والعباءة كانت زياً شعبياً وليس حجاباً تختفي تحته النساء وكأنهن خجلات من كونهن نساء» (ص161).
والعراق في الرواية يرتبط على كل حال بالنساء العاشقات المجتهدات المقاومات المتعلمات اللواتي يتأقلمن مع أي مجتمع تجبرهن الظروف على التواجد فيه. ومع كل ذلك، لن ينلن من وطنهن سوى الغربة والترمل والثكل والاستشهاد، ولن تبقى بغداد مهد الحضارات العظيمة، فـ «ـكل ما فيها اغترب عن جذوره وأصله وكأنه نبتة تحولت من شجرة ورد إلى شجرة عليق، وكأن دجلة صار بلا شطآن» (ص228). ومع فيضان الدم في بلاد ما بين نهري «أرض السواد»، هل يمكننا أن نعتب على «بلقيس» الثكلى حين تصفها الكاتبة قائلة: «الذاكرة شيء وأرض الواقع شيء آخر. بغداد لم تعد لها مذ دفنت في ترابها ذاك الوجه الباسم. تريد أن تعود إلى لندن، لبيتها، ولكل ما اعتادت، لكل ما يشيع في نفسها الطمأنينة» (ص224)؟ وهو موقف يختلف تماماً عن موقف الشاعر اللبناني غسان مطر، الذي قال حين اغتالت الحربُ وحيدته: «وكم قلت لا/ بلادي بلادي فلن أرحلا/ فما دام قبرك صار بلادي/ فلن أرحلا». ولكن أليس كلا الموقفين دليلاً على ثنائية الوطن والموت في بلاد العرب!

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

المطلوب إبداع يخاطب العقل


(2009)
المشهد الثقافيّ في أدقّ تفاصيله غارق في الانفعال ما لا يدع مجالاً ولو لقليل من الفكر الناقد المحلّل. وحين يقصي مجتمع بكامله الفِعل والتفاعل من قاموسه ليحتفظ بالانفعال وسيلة للتعبير فلن نتوقّع أن ترتفع لغة التخاطب عن مستواها المتدنّي الذي انحدرت إليه.
بغضّ النظر عن تعريف كلمة مثقّف، يتّفق أكثر المفكّرين الذين عالجوا هذا الموضوع على أنّ للثقافة دورًا في قيادة المجتمع لا الغرق في مستنقعات أخطائه وخطاياه، وعندما يحصل ذلك أي عندما يتحوّل المثقّف طرفًا في صراعات المحاور ويمسي مجرّد كاتب شعارات، فلن ننتظر من الآخرين أن يحسنوا توجيه أنفسهم بعيدًا عن الأقوال الغريزيّة وردود الفعل الهوجاء. صحيح أنّ "البرجعاجيّة" في دراسة أحوال المجتمع مرفوضة لأنّها تصوّر الواقع عن بعد ولا تعيش تجاربه ولا تعاني ما يعانيه، ولكن يجب أن توجد مسافة معينة يبقيها المفكّر ممتدّة بينه وبين مادة دراسته كي يستطيع أن ينظر إلى الصورة بكامل عناصرها وجزئيّاتها. وبمعنى آخر، مطلوب منه أن يوجد داخل الصورة وخارجها في الوقت نفسه، وهي مهمّة صعبة ولكنّها ليست مستحيلة على من اختار واعيًا خوض غمارها وحمل مسؤوليّتها.
ما نشهده حاليًا هو عكس ذلك تمامًا، لقد انجرف أولئك الذي ادّعوا أنّهم النخبة الموجِهة في صراعات ضيّقة الأفق، محدودة الأهداف، وباتوا يعملون على تأجيج حدّة المواجهة في تسابق محموم لن يؤدّي إلاّ إلى مزيد من الصراعات. الفرق كلّه هو في أنّ لغة التشاتم والإهانات والتجريح هي غير تلك التي يستعملها العامّة، أمّا المضمون فواحد. الجميع يعطي دروسًا في العفّة والوطنيّة والعروبة ويقدّم جردة حساب بالتضحيات التي قدمت والدماء التي أهرقت، والجميع يسخر من الجميع، والكلّ يهين الكلّ، ولكن بلغة المعاجم والقواميس وبإعطاء أمثلة تاريخيّة ونظريّات فلسفيّة لا يفهمها إلاّ المعنيّون.
مع اقتراب مواعيد الاستحقاقات وانعكاسها على واقعنا اللبنانيّ، ترتفع حدّة التخاطب بين المثقّفين وتنحدر في الوقت نفسه القيمة الفكريّة لكلّ ما يقولونه، وكأنّنا نشهد برج بابل آخر، لا يفهم فيه أحد على أحد، لا بل لا يعرف الشخص نفسه ما هو موقعه وما هو دوره وماذا يريد أن يقول. فمن المحكمة الدوليّة التي ستبحث في قضايا الاغتيالات، إلى الانتخابات الإسرائيليّة والإيرانيّة واللبنانيّة، إلى تأليف الحكومة...وانتظار تأثير كلّ ذلك على وضعنا الداخليّ طريق طويل وشاقّ يعمل المثقّفون أنفسهم على تفخيخه بمختلف أنواع الألغام. وما الذي نسمعه أو نشاهده أو نقرأه عبر وسائل الإعلام إلاّ لمحة مختصرة عمّا يجري كلّ دقيقة في البيوت والمكاتب والمقاهي، حيث تقع المواجهات الكلاميّة العنيفة التي يخشى دومًا أن تتحوّل صراعات دامية. وعلى غير ما كانت عليه الحال في الماضي لم يعد السياسيّون هم الذين يتواجهون بل إنّ أتباعهم من الصحافييّن والشعراء ومقدّمي البرامج الحواريّة هم الذين يخوضون الحروب الكلاميّة بالنيابة عن زعمائهم، في حرب مفتوحة تستعمل فيها كلّ الأساليب المتاحة على اعتبار أنّه يحقّ للشاعر ما لا يحقّ لغيره، وعلى أنّ حريّة التعبير يحميها القانون، والنجوميّة تعطي حصانة لا تنتهك في سهولة.
العصور كلّها عرفت الهجاء والمديح والفخر، ولكنّنا وجدنا إلى جانبها الفكر والفلسفة وعلوم المنطق والدين والسياسة والاجتماع، فضلاً عن مجالات الإبداع الأخرى. أمّا ما يجري عندنا فلا يوضع تحت أيّ عنوان، فلا هو من الفكر ولا هو من الصحافة أو السياسة أو المنطق أو حتّى الفخر أو الهجاء أو المديح. هو صراع من أجل البقاء على حلبة مصارعة لا محرّمات فيها ولا حكم يعلن نهاية الشوط أو يمنع الضربات تحت الحزام. ولذلك بات كلّ شيء مشروعًا ومرحّبًا به وموضوعًا للتندّر في البرامج الفكاهيّة الساخرة. ومتى صار الهدف من الإبداع هو إثارة الضحك أو البكاء، التصفيق أو الصفير، الغضب أو الاعتكاف، فلا مجال لأيّ حديث منطقيّ علميّ منهجي، ولن يكون ثمّة مكان لأمثال نصر حامد أبو زيد وإدوار سعيد وأمين معلوف وعلي حرب والأب ميشال حايك والأب يواكيم مبارك والشيخ عبدالله العلايلي.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.