الثلاثاء، 2 فبراير 2010

أنت تَوهّجُ شغفي


أنت تخيفني كما تخيف الولادة الجنين الذي لا يعلم أنّه مقبل إلى الحياة، فيقاوم اليد التي تمتدّ لتخرجه من عتمة المياه إلى الهواء والضوء
أنت بهدوئك تشكّل خطرًا على عصبيّتي ومزاجيّتي وتقلّبات الطقس في سماء حياتي، فأحاول، وأنا أكذب على نفسي، أن أهرب منك خشية أن تروّض ثورتي وتقلّم أغصاني المجنونة
أنت بما في عقلك تهدّد اطمئناني إلى ما في عقلي، فأتحدّاك وأتحدّى نفسي لأستحقّ أن أدعى لك شريكة في جوهرك
أنت بعاطفتك الرصينة تحيط عاطفتي الهوجاء وتمنعها من ممارسة جنون عصفها
أنت بحسّك المرهف تشذّب أشواك كلماتي وتطلقها فراشات ملوّنة في عالم، النور فيه يشعّ ولا يحرق
آه يا أنت كيف تستطيع أن تنقض منطق الجغرافيا والتاريخ وتكون قريبًا إلى هذا الحدّ وأنت في أرض لا أعرفها ولا تعرفني، وحاضرًا إلى درجة لا تصدّق وأنت كنت في ماضي أحلامي عن مستقبل أيّامي؟

تندهني عيناك إلى بحيرات حنان لا حدود لها، فأخلع عنّي تعب الأيّام وأرتمي فيها عارية كما خلقتني يا حبّ.
وهناك في عينيك لا وحش غريبًا تُحكى عنه الأساطير، ولا عمق مخيفًا لا يُسبر غوره، ولا بقايا مراكب شلّعتها الرياح،
هناك في عينيك مياه ساكنة حالمة أليفة كمياه الرحم لجنين لا يريد أن يخسر الأمان والسكينة.

أعيد اكتشاف جسمك كأني ألتقي به للمرة الأولى،
أتحسّس كلّ جزء فيه بأناملي وشفتيّ وأسكر بعطر اللذة التي تفوح من خلاياه فيصير جسمك آلتي الموسيقيّة ألاعب أوتاره المشدودة أو
كتابي المفتوح أقرأ فوق سطوره كلمات اشتياقك إليّ أو
ورقتي البيضاء التي أكتب فوقها بحبر عينيّ رغبتي فيك، أو
يصير جسمك بساطي السحريّ الذي ينقلني من عالم إلى عالم ومن سماء إلى سماء
وأنا آمنة مطمئنّة سعيدة فرحة محلّقة لا أرتبط بالأرض ولا أتيه في الفضاء.

في خضمّ الصراعات والتهديدات وأمام الموت الذي يهجم جوًّا أو ينبثق من البحر مفترسًا أو شاقًا باطن الأرض مزلزلاً،
يأتيني صوتك الهادئ كأنّك تكلّمني من عالم آخر لا صراع فيه ولا تهديد ولا موت.
تصل إليّ نبرات صوتك فتصلني بمكان ليس فيه إلاّ الجمال والترفّع والسموّ،
وتمتدّ كلماتك دربًا ريفيًّا أخضر أسير فوق عشبه حافية لأصير عند بابك المفتوح في انتظاري زهرةً بريّة بيضاء تُغرق وجهك في فوح عطرها الربيعيّ. 
أقاوم بوجودك غياب الآخرين، وبذكائك غباءهم، وبحبّك حقدهم.
أتسلّح بك فكرة وعاطفة وصورة وموسيقى وأواجه معك الجهل والكسل والجبن.
ولا أريد منك شيئًا لأني أريدك كلّك،
ولا أطلب منك شيئًا لأنّني أطلبك في كلّ الأشياء والمخلوقات والناس،
ولا أطالبك بشيء لأنّك أعطيتني ما أريده.
كيف صرت تعرف ما تعرفه؟
من علّمك أن تكون رجلاً في زمن عزّت فيه الرجولة، وأن تكون قادرًا في عصور العجز، وأن تكون الحنان الذي لم تمتلكه امرأة؟
أيّة آلام تلك التي صهرت روحك وصقلت طبيعتك وجعلتك ما أنت عليه؟ لا تملك شيئًا ولا تريد أن يمتلكك أحد،
تمضي كأنّ عبورك مخطّط له منذ الأزل، وترحل غير آسف إلاّ على أنّك لم تحبّ أكثر.
وهل يستطيع جسمك المرهق أن يحبّ أكثر من ذلك؟
من علّمك أن تعشق الجمال، وأن تحترم الكائنات، وأن تبحث عن المعرفة في أصعب الأمكنة، وألاّ تضجر منّي؟
هل ترى إلى نفسك وأنت تولد من ذاتك متجدّدًا كلّ مرّة، رائعًا كلّ مرّة، عارفًا، شاعرًا، عالمًا، عاشقًا؟

أنت يا من قلت عن نفسك أنّك لا شيء ولا أحد،
أنت المنسحب إلى ما خلف واجهات الأضواء المخادعة،
المطمئنّ إلى سكينة نفسك،
أعلن استمراري في عشقك وموافقتي على الانتماء معك إلى عالم سويّ بنيناه على قياس ما نريده لهذا العالم،
وهل نريد لهذا العالم إلاّ أن يعرف الشغف الذي نحن فيه؟

* صحيفة "النهار" الثلاثاء 2 شباط 2010
من كتاب "أحببتك فصرت الرسولة"

الاثنين، 1 فبراير 2010

من الحزن إلى الحريّة


صرنا شعبًا يحترف الحزن والمآتم وانتظار الحياة في الساحات العامّة.
صرنا خبراء في تحضير دفن على السريع، وحشد الجماهير في ساعات، وصناعة الأعلام من مختلف الألوان وصياغة المراثي وكتابة الخطب الملتهبة.
صرنا نرتدي الملابس السوداء استعدادًا لموت آت بلا شك.
صرنا نبكي مسبقًا لئلاّ يغدر بنا الوقت بين دفن وآخر ولا نجد المجال للنحيب.
منذ أعوام وأعوام ونحن نبكي، حتّى صرنا لا نخجل من الكاميرات المتلصصة على عيوننا والملتقطة حركاتنا والمسجّلة كلماتنا.
صرنا نستغرب إن مرّ شهر ولم نسمع فيه انفجارًا يغتال رمزًا أو صوتًا أو قلمًا مع من تيسّر وجوده في اللحظة نفسها.
لا ندري إن كانت الحريّة تستحقّ كلّ هذا الدمع.
لم نعد ندري إن كان الوطن يستحقّ كلّ هذا الدم.
لا نعرف إن كانت الكلمات المرمية على جوانب الطرق تستحق كلّ هذه التضحيات.
نبكي على أشخاص لم نلتق بهم يومًا وجهًا لوجه، ولم نتبادل معهم الأحاديث، ولم نلق عليهم تحيّة ولو عابرة.
نبكي على رجال ونساء نراهم عبر الشاشات ونسمع أصواتهم عبر الهواء، ولا يعرفوننا، ولم يسمعوا بأسمائنا ولم يروا وجوهنا ولن يعرفوا شيئًا عن دموعنا.
ونبكي على رجال ونساء مجهولين، مجرّد أسماء نسمع أنّ أصحابها صاروا في لحظة سوداء شهداء أبرياء.
ومع ذلك، لا نرحل ولا نقبع في الزوايا ولا ننتحر يأسًا. نمسح دموعنا ونتابع أعمالنا وحياتنا، ونحبّ وننجب الأولاد ونرسلهم إلى المدارس ليتعلّموا ويكبروا ويموتوا على قارعة الطريق ونلمّ أشلاءهم ونجمعها قطعة قطعة ونستمرّ في مشاجراتنا اليوميّة السخيفة كأنّ شيئًا لم يكن، كأنّ الحياة لم تغدر بنا، كأنّ الموت لم يمرّ بنا، كأنّنا نرفض الاستسلام والرضوخ.
نحن شعب التناقضات.
لا ندرس تاريخ بلادنا لأنّ ثمّة خلافًا سياسيًّا على كتابة التاريخ، ومع ذلك نموت من أجلها وندخل التاريخ.
لا نحسن الاحتفاظ بأرضنا فنبيعها ومع ذلك نموت من أجل الأرض.
نحن من برج التراب ومع ذلك فالسماء لا تتسع لأحلامنا وطموحنا.
نبيع الكتب والنساء ونشتري البنادق.
نسهر ليلة في ساحة الحريّة وليلة في الملهى الليلي.
نكتب بالقلم نفسه قصيدة الحبّ وبيان الثورة.
نمارس التجارة والصلاة والوطنيّة بالحماسة نفسها.
نملك أكبر مجموعة من الطوائف في أصغر بقعة من الأرض وعددًا لا يحصى من الكنائس والمساجد ومزارات القدّيسين والأولياء ونتقاتل باسم الدين.
نهدم الآثار ثمّ نشتري بقاياها بأغلى الأثمان.
نكتب المطوّلات عن الثقافة لكنّنا لا ننشد الأغنيات الوطنيّة ولا نستمع إلى الموسيقى الكلاسيكيّة إلاّ عند الموت.
على شاشاتنا مذيعات شبه عاريات ومذيعات محجّبات.
في أرضنا مقابر جماعيّة ومدافن شهداء وقدّيسين.
في سمائنا طيور عابرة وطائرات عدوّة.
في مياهنا أوراق شجر ونفايات سامّة.
نحن شعب لا يعرف قيمة الأشخاص والأشياء إلاّ بعد أن يفقدهم ويفقدها، ولا يعترف بالخطأ إلاّ بعد أن يتكبّد الخسائر الفادحة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من تناقضاتنا وأخطائنا وعيوبنا، نقول لمن ينتقدنا: على الأقلّ، عندنا الحريّة للاستفادة من التناقضات والحريّة لارتكاب الأخطاء والحريّة للتعلّم من العيوب، وهذا ما لا تستطيع شعوب كثيرة أن تدّعيه.
نحترف "الحزن والانتظار"؟ ربّما.
غير أنّ في حزننا غضبًا وفي انتظارنا أملا. والآتي سوف يأتي.

الأحد، 31 يناير 2010

الرجل الذي عبر


الرجل الذي ما زلت أحبّه مع أنّه عبر إلى الجهة الأخرى من الحبّ، ليس أقوى منّي كما قد يخيّل إلى البعض، ولست أضعف منه كما يتراءى للبعض الآخر.
هؤلاء الذين يظنون أنّ الاعتراف بالحب بمثل هذه الصراحة وهذه الشفافيّة عجز، مخطئون.
هؤلاء الذين يعتقدون أنّ حبّي محكوم بالفشل والخيبة لأنّ الآخر معجوق بنفسه حتى الانتشاء، مخطئون.
هؤلاء الذين يؤمنون بأنّني لن أحصد من انتظار الحبّ سوى الوحدة والحزن، مخطئون.
مخطئون لأنّني حين أحببت الرجل العابر كنت أعرف أنّه عابر.
ومخطئون لأنّ الآخر المعجوق بنفسه يحزنني لا على نفسي بل عليه.
ومخطئون لأنّني حين انتظرت كنت أستمتع بالانتظار المملوء حلمًا ودهشة وأملاً.
حين أحببت الرجل العابر تصالحت مع الله.
وحين هويت الرجل العابر تصالحت مع العالم.
وحين عشقت الرجل العابر تصالحت مع نفسي.
فماذا أريد بعد من الحبّ؟

الجمعة، 29 يناير 2010

جيل الخوف

هيروشيما


( من أرشيفي في صحيفة الرأي العام الكويتيّة - بعض الموضوعات يبقى ولو تغيّرت الأسماء والأماكن والتواريخ، الخوف أحد هذه الموضوعات)
*******
ما هو الموضوع الذي يستحقّ الكتابة في مثل هذه الليلة من الترقّب؟
عليّ أن أسلّم مقالتي يوم غد الجمعة أي بعد اليوم الذي سيرفع فيه القاضي ديتليف ميليس تقريره إلى الأمين العام للأمم المتحدّة. ويوم الاثنين ستصدر المقالة فهل ستكون قد سبقتها الأحداث وتخطّتها الظروف أم أن ما نشعر به نحن اللبنانيين الليلة سيرافقنا طويلاً؟
الجيش منتشر في كلّ مكان، والقوى الأمنيّة في حالة استنفار وتأهّب، والطرقات خالية تقريبًا من السيّارات، وبعض الأهل يفكّر في عدم إرسال أولاده إلى المدرسة غدًا. الجميع خائف. ممّ؟ لا أحد يستطيع تحديد أسباب الخوف أو موجباته. ومع ذلك فالخوف سيّد الموقف.
أنا أنتمي إلى جيل ألف الخوف منذ بداية تكوّن وعيه. خفنا من الموت والإعاقة والتشريد والذبح على الهويّة. خفنا على مستقبلنا وأيّامنا الآتية، خفنا على وطننا، خفنا من الهجرة، خفنا من الغربة. ولكن عندما أسمع الآن التلاميذ يترقبّون توتّر الأوضاع وتدهورها لكي يتوقّفوا عن الذهاب إلى المدرسة، وعندما أسمع أنّ دور النشر تنتظر نتائج تقرير ميليس كي تتابع طبع الكتب قبل معرض الكتاب المنتظر في تشرين الثاني، وعندما أسمع كيف هرعت النساء إلى المخازن لتأمين المؤونة، والرجال إلى محطّات البنزين لتخزين المحروقات، عندما أسمع كلّ ذلك، تعود بي الذاكرة إلى خوفنا القديم.
من لا يقيم في لبنان الآن لا يستطيع أن يفهم حالة الانفصام التي يعيشها مجتمعنا: شباب وصبايا لا يعنيهم إلاّ هدوء الأحوال ليتابعوا السهر في المرابع الليليّة، وشباب وصبايا في المقابل يريدون أن تنفجر الأوضاع وتبدأ الحرب لتصفية حسابات وللانتهاء من حالة الترقّب التي نمرّ فيها.
في ظلّ عودة شبح الخوف، وفي وقت ينتظر الجميع تقريرًا قد يقرّر مصير لبنان، ماذا نكتب؟ ومن يقرأ؟ وهل تغيّر الكتابة والقراءة شيئًا؟
سألت إحدى الصديقات التي عادت إلى لبنان خلال هذه الفترة: كيف تعودين الآن والناس يبحثون عن وسيلة لمغادرة البلد؟ قالت لي: إخوتي وأهلي هنا، فليحصل لي ما سيحصل لهم.
ناس آخرون متفائلون يقولون: لن يحدث شيء، وكلّ الإشاعات لا علاقة لها بالواقع.
في مثل هذه الأجواء، تبحث عن الأهل، عن الأصدقاء، تستعيد رغبتك في الصلاة، تريد أي دفء يبعد عنك برودة شهر تشرين الآتية باكرًا مصحوبة بالقلق والتوتّر. وأحيانًا كثيرة لا تجد أحدًا.
بعد الحرب اللبنانية، كتبنا الكثير عن غياب العلاقات الإنسانيّة حين حلّ السلم.
كتبنا عن التنافس والحسد اللذين أخذا مكان خوف الواحد منّا على الآخر من قذيفة أو رصاصة أو حاجز طيّار.
كتبنا عن السهرات في الملاجئ، وتقاسم الرغيف والشمعة وقنينة الماء.
كتبنا عن الإسراع لتفقّد الجرحى وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النار والسرقة والمصادرة.
اليوم تعود هذه الذكريات، لا لأنّنا نريد عودة الحرب، بل لأنّنا نفتقد العلاقات الإنسانيّة، ونخاف أن يعود الخوف، ونخشى ممّا نسمعه في أصوات بعض الشباب من رغبة في تجربة الحرب.
نحن جيل الخوف. نخاف من الأمل، ولا نطمئنّ إلى سماع الوعود، ولا ترتاح نفوسنا إلى تصريحات تعد بغد أفضل.
نحن لم نسافر ولم نأخذ جنسيّات أجنبيّة.
نحن لم نحارب ولم نسأل من كان على حقّ ومن كان على خطأ لأننا اعتبرنا الحرب نفسها خطأ.
نحن لم نستفد من أموال الدولة ولم نسرق ولم نقطع العلاقة مع من كان من غير ديننا.
نحن لم نقف على الحواجز ولم ننتم إلى أحزاب تمارس السرقة والتجارة أكثر مما تمارس عقائدها.
نحن لم نتعامل مع أجهزة المخابرات، ولم نسع إلى المراكز.
نحن خفنا على من نحبّ.
نحن خفنا على الوطن.
نحن خفنا على أنفسنا.
نحن خفنا على لقمة عيشنا.
نحن بقينا نذهب إلى عملنا ولو تحت القذائف لأنّنا اعتبرنا أنّ العمل هو خير ما نفعله في سبيل الوطن.
نحن دفعنا الثمن من كرامتنا على الحواجز إلى أيّ طرف انتمت لأننا لم نكن محسوبين على أحد من الأقوياء والمتنفّذين.
ولذلك نحن نعرف أكثر من سوانا ماذا يعني أن يسود الخوف في الشارع اللبنانيّ. وأن يعود القلق وأن يكون المصير غامضًا. وأن نتتظر.
الحاجة إلى الحبّ الآن أكثر إلحاحًا من الكتابة عنه، والبحث عن صديق أكثر دفئًا من إطلاق النظريات حول موضوع الصداقة. والكتابة عن الخوف قد تطرد الخوف.
الخميس مساء، والقاضي ميليس سلّم تقريره. والاتصالات الهاتفيّة لا تنقطع بين الناس المتسائلين المترقبّين.
الاثنين صباحًا. هل سأسخر من مخاوفي وذكرياتي. أرجو ذلك.




الخميس، 28 يناير 2010

الوقت - شارل أزنافور


دعيني في هذي الحياة أقود خطاكِ
دعيني لعلّي أنال رضاكِ
تعالَي كطفلة إلى حضن قلبي
واتركيني أمحو بهُدبي:
الوقت الذي على عجلٍ يمضي
الوقت الذي للنوم يطيبْ
الوقت الذي إلى الحلم يُفضي
أو ذاك الغريبُ العجيبْ
الوقت الذي قد يدوم يومًا
أو في غفلة يرحل، لا يتأخّرْ
الوقت الذي قد يجري دومًا
أو ذاك الذي منّا يتذمّرْ.
الوقت الوقت
لا شيء إلاّه
وقتُكِ ووقتي
والوقت الذي لنا
والوقت الذي رحل
والوقت الذي وصل
ووقت العُطل
ووقت القُبل
وقت الامّحاء
ووقتٌ للبكاء



وقت للحظّ السعيد
ووقت للموت العنيد.
وقت المجد الغابر
ووقت السِلم الآمن
وقت اللعب الغامر
ووقت العمل الضامن
وقت الجِد أو وقت الفرح
وقت الكذب أو وقت التَرح
وقت البرد أو وقت الأوهام
وقت الذروة أو وقت الأحلام
وقت للحياة، الوقت الآتي
لا يتوقّف، أبدًا لا ينام
وأنا أعرف أنّها الحياة.
ومنها سنصنع وقتًا لنا.

الثلاثاء، 26 يناير 2010

المؤسّسة الطبيّة الوطنيّة لمكافحة الألم


كتاب مفتوح إلى الرئيس ميشال سليمان:المؤسسة الطبّية الوطنيّة لمكافحة الألم


أتوجه اليك داعيا اياك الى انشاء مؤسسة وطنية جامعة شاملة تعنى بأهم شأن يمكن المواطن اللبناني، أيًّا كان انتماؤه وتوجّهه، أن يحلم به وهو أن يجد من يخفّف عنه الألم بتجلّياته الجسديّة والنفسيّة.

منذ أربعين سنة وأنا أراقب آلام الناس وأعالج أمراضهم في البلاد التي كنت ولا أزال أعمل فيها وأحاضر في الجامعات وأكتب في المجلّات العلميّة، وفي وجداني أوجاع اللبنانيّين وهمومهم الصحيّة، وفي رأسي سؤال واحد: كيف نساعد في تخفيف آلامهم الجسديّة والنفسيّة.

الجواب: المؤسّسة الطبيّة الوطنيّة لمكافحة الألم.

واللبنانيّون الذين لا يزالون يرزحون تحت آثار الحرب وذيولها النفسيّةّ والاقتصاديّة والاجتماعيّة يحتاجون اليوم الى مؤسّسة ترعى شؤونهم في ما يتعلّق بالآلام المزمنة والدائمة، وفيهم المعوّقون جسديًّا ونفسيًّا بسبب الحرب وسواها وذوو الحاجات الخاصة، والذين كانوا مخطوفين أو أسرى أو معتقلين، وذوو الشهداء من الشمال الى الجنوب، والذين تدهورت أحوالهم الماديّة فوقعوا ضحايا شتّى الأمراض والآلام، وهناك المبعدون عن أرضهم، وهناك المصابون بالانهيارات العصبيّة ومدمنو المخدّرات والكحول، وفيهم المهجرّون والناجون من الانفجارات ومحاولات الاغتيال، وغيرهم أنواع من حملة الآلام المبرّحة وأصحاب الأمراض المتعلّقة بالجهاز العصبيّ والأورام السرطانيّة القابلة للعلاج وتلك التي يستحيل إيجاد العلاج لها حتى الآن، وكلّ واحد من هؤلاء المتألّمين يحتاج الى عناية فريق طبيّ كامل يعمل ويراقب ويدرس ويحلّل ويستنتج ويعالج وكلّ ذلك في مرحلة زمنيّة طويلة، فضلاً عن العناية بالمحيطين بهم من اّقرباء وأصدقاء.ولا يخفى على أحد أنّ في لبنان المقيم إمكانات طبيّة هائلة تنتظر إشارة ملتزمة نزيهة صادقة متعالية فوق الطوائف والمحسوبيّات تدعوها الى الانضمام الى مؤسسة لا تبغي سوى تخفيف آلام الناس ومعالجة أمراضهم المزمنة وإرشاد الاجيال الشابة الى طرق الوقاية. وحين ألتقي حملة هذه الامكانات في المؤتمرات العالميّة يكون محور حديثنا سؤال ما فتئ يتردد بيننا منذ أعوام وأعوام: كيف نستطيع أن نخفّف آلام أبناء شعبنا؟ وما زلنا حتى اليوم عاجزين عن إيجاد الهيكليّة التنظيميّة التي يمكنها أن تستوعب أجوبتنا الحاضرة الجاهزة التي تنتظر إشارة بدء العمل، وأسمح لنفسي هنا بذكر أحدهم وهو الدكتور زهير نجا من مستشفى المقاصد.ل

لا يغيب عن بالك، يا فخامة الرئيس، أنّ الإنجازات العظيمة هي التي تخلّد أسماء رجالات الدولة، وهذا ما اكتشفه جلجامش في تاريخنا القديم حين تعلّم في نهاية سعيه أنّ الإنسان لا يقاوم الموت إلاّ بالعمران والبناء وخدمة الانسانيّة، فارتبط اسم بشارة الخوري بالاستقلال، وكميل شمعون بمهرجانات بعلبك والمدينة الرياضيّة، وفؤاد شهاب بالمؤسّسات الطبيّة وتنظيم العمل الإداريّ، وشارل الحلو بالثقافة الفرنكوفونيةّ، ولو بقي بيت المستقبل الصرح الفكريّ والثقافيّ قائمًا لكان أمين الجميل انضم الى قائمة الرؤساء ذوي الإنجازات التي أفادت المجتمع اللبناني بكلّ فئاته.

إنّني، يا فخامة الرئيس، باسمي الشخصي وباسم عدد كبير من الأطبّاء أتوجّه اليك مناشدًا أن يكون عهدك عهد تخفيف الآلام بالمعنى الحقيقيّ للعبارة لا بمعناها المجازيّ، وأن تثق بأنّنا لا نبحث إلاّ عن خدمة أبناء وطننا بعيدًا من التجاذبات السياسيّة والصراعات الحزبيّة والطائفيّة، ولا نطمح سوى الى المساعدة في مداواة الجروح بعدما طاب لكثيرين أن ينكأوها.

ونحن نؤمن بأنّ المؤسسة الوطنيّة لمكافحة الألم حاجة ماسة توازي في أهمّيتها مؤسّسات مكافحة الشغب والحرائق والإدمان والفساد وتعادل في دورها الإنسانيّ المؤسّسات التي تكافح الكثير من الأمراض كالسرطان والسكريّ وغيرها.

كلّنا أمل، يا فخامة الرئيس، في جوابكم الإيجابيّ.

الدكتور ناجي ميماسي


رسالة مهمّة نشرت في صحيفة "النهار" الثلاثاء 26 كانون الثاني 2010، علينا أن نعمل على نشرها لعلّ فكرتها تتحقّق.

السبت، 23 يناير 2010

عزّ بعد فاقة


إليكم هذه الأخبار:
الخبر الأوّل:
قام أحدهم، وهو مدرّس عتيق ويفترض أن يكون على مستوى معيّن من العلم والثقافة، بتغيير أثاث منزله بعدما تحسّنت ظروفه الماليّة. ولكي نهنئه على هذا التجديد ومن ضمن الزيارات العائليّة الواجبة، وخصوصًا أنّه كان قد أجرى عمليّة جراحيّة، اشترينا هدية ملائمة وذهبنا لزيارته.
لم يكن شراء الهديّة بالسهولة التي تبدو حين نذكر ذلك. فلقد أمضيت وشقيقتي ساعات النهار بالبحث عن إناء أخضر اللون يناسب لون الأثاث الجديد في غرفة الجلوس. وبعد بحث طويل، وجدنا ضالتنا في قطعة أثريّة من الزجاج المنفوخ محاطة بالحديد المشغول بطريقة فنيّة راقية تنمّ عن الذوق. ولشدّة إعجابنا بهذه القطعة النادرة لم نتردّد في دفع ثمنها الباهظ على اعتبار أنّ الرجل سيعرف قيمتها ويعجب بها.
غير أنّ حسابات الحقل لم تتناسب مع حسابات البيدر. فعندما فتح قريبنا الغلاف عن الهدية ردّد كلمات شكر تقليديّة لا تعبّر عن دهشة وتقدير، ثم وضع الهديّة جانبًا ودعانا وهو في حالة من الإعجاب والدهشة لرؤية هدية أخرى وصلته للمناسبة نفسها من صديق شديد الكرم كما وصفه. وقمنا جميعنا إلى صالة الاستقبال الرسميّة لرؤية الهدية التي وصفها الرجل بالكبيرة والضخمة، وقدّر ثمنها بمبلغ اكتشفنا أنّه أقلّ ممّا دفعناه، فإذا بها نبتة وضعت في زاوية المكان.

الخبر الثاني:
زارنا طبيب صديق وصل منذ فترة إلى مستوى من الثراء هنأناه عليه. وحين كان يشرب العصير الذي قدّمناه إليه، أوقع بعض القطرات على السجادة المفروشة في غرفة الاستقبال. فأخذ محرمة ورقيّة وانحنى ليجفّف ما أوقعه. فقالت له شقيقتي محاولة أن تخفّف عنه ما قد يكون فيه إحراج له: لا بأس، لا بأس. فأجابها قائلاً: معك حقّ، فثمن المحرمة الورقيّة أعلى من ثمن السجّادة.
تبادلنا النظرات كأنّنا نتفق على السكوت وعدم الردّ احترامًا لصديق يزورنا حين تدعو الحاجة ونستشيره في شؤوننا الصحيّة وغالبًا من دون مقابل. فبلعنا الإهانة واعتبرنا أنّه كان يمازحنا.
ثم انتقلنا إلى موضوع آخر محاولين عدم الحديث عن الصحّة والمرض معتبرين أنّ الرجل متعب من الحديث عن هذا الموضوع. فأخبره أخي عن كتاب ضخم يساهم في إعداده عن انتفاضة استقلال 2005. كنت خلال ذلك أراقب الطبيب المفترض أنّه صديق فلاحظت على وجهه علامات الضجر والتأفّف والرغبة في تغيير الحديث الذي لم يعنه لا من قريب ولا من بعيد.
حاولت أن أخبر الطبيب عن كتاب سيصدر لي قريبًا، فسأل بسخرية: أهو شعر أيضًا؟
فتدخّلت شقيقتي وقالت له: أنا أشارك في وضع كتاب عن الانتخابات النيابيّة في لبنان.
غير أن المحاولة الثالثة باءت كذلك بالفشل، ولم تثر الأخبار الثلاثة أي اهتمام فلم يطرح الطبيب سؤالاً واحدًا ولم يهنّئ على هذه الإنجازات الفكريّة، بل تابع حديثه عن ثقل دم المرضى ومشاكل المستشفيات.

الخبر الثالث:
لم يبرع في الدراسة، فعمل في كاراج لتصليح السيّارات. كان وضع أهله الاقتصاديّ دون المستوى المطلوب وكان عدد أفراد الأسرة كبيرًا ما جعل الوالدة تقبل بالهبات التي تعطى لها من الأهل والجيران معترفة بعجزها عن شراء كلّ ما يحتاج إليه الأولاد.
ولذلك كان هذا المراهق ينتعل في عمله أحذية عتيقة لأولاد عمّه وأولاد الجيران كي يوفّر حذاءه الجديد ليوم العطلة، ويرتدي ملابس تخلّى له عنها أصحابها لكي تبقى ثيابه الخاصّة الوحيدة نظيفة وجديدة.
عندما كبر وهاجر، صار كلّ همّه أن يشتري أحذية من ماركات عالمية وملابس بأسعار باهظة. ولو صفّت الأحذية التي اشتراها إلى جانب بعضها البعض لوصلت من بلاد المهجر إلى أمام باب البيت الذي تركه غير آسف. ولو جمع المال الذي أنفقه على شرائها في تجارة رابحة لأصبح من أثرياء العالم، ولو جمع الملابس الثمينة التي أصرّ على ارتدائها حتّى إلى الكاراج – فهو بقي يعمل في المجال نفسه – لمنعت البرد عن فقراء كثيرين.
غير أنّ الشاب كان يعالج ذكريات طفولته بالطريقة الوحيدة التي يعرفها: أن يشتري أحذية تنسيه أحذية أقربائه، وأن يشتري ملابس تنسي جسمه ملمس ملابس الآخرين ورائحتها.

الخبر الرابع:
أقامت العائلة المؤلّفة من ثمانية أفراد في بيت مؤلّف من غرفة واحدة ومطبخ وغرفة حمّام. غير أنّ الأولاد كانوا بارعين في الدراسة، فنجحوا فيها وتفوّقوا وحقّقوا أحلامهم في العمل والزواج والإنجاب والسفر.
وكان من الطبيعيّ أن يتفرّق شملهم وأن يتركوا الغرفة إلى بيوت اشتروها كبيرة وواسعة وفخمة.
من الغرفة الصغيرة إلى بيوت فيها غرف كثيرة لشتّى أنواع الاستعمالات.
من الغرفة الواحدة التي استعملت للنوم والاستقبال والدرس، إلى غرف عديدة لا يعرفون ماذا يفعلون بها.
ولكنّهم حين كانوا يلتقون بأحد جيرانهم القدامى كانوا يقولون: سقى الله تلك الأيّام!
ومع ذلك بقي الناس يتخذونهم مثلاً يعطونه في احتمال الصعوبات والصبر على الفقر والاجتهاد في العمل والدرس والطموح والإرادة.

الأربعاء، 20 يناير 2010

عن النساء والحريّة والأمراض العصبيّة



السيّدة التي تساعدنا في أعمال المنزل سريلانكيّة. نعم، فنحن من طبقة لا تستطيع أن تطلب مساعدة الفليبنيّات ولا حتّى الحبشيّات، لذلك كان علينا أن نرضى بالمستطاع (جنسيّات الخدم في بلادنا مرتبطة بالمستويات الاجتماعيّة!!). المهمّ أنّ السيّدة السريلانكيّة تجيد مختلف أنواع الأعمال ما عدا استخدام الكمبيوتر والإنترنت! لذلك رحت أفكّر في تعليمها ذلك لعلّها تساعدني في طباعة مقالاتي التي أكتبها لها على المسوّدات وكذلك في البحث عن المعلومات، وهكذا أستطيع أسوة بباقي ربّات البيوت ذوات الخدم والحشم أن استنفد طاقة تلك المرأة حتى آخر نفس. إذ يعجبني ذكاء بعض السيّدات من اللواتي يربّين الكلاب في منازلهنّ (أحسن من تربية الأولاد!) حين يستفدن حتى "الرمق الأخير" من قدرات خادماتهنّ فيستغللن أوقات راحتهنّ ليطلبن منهن أخذ الكلب في نزهته اليوميّة. وكم يبدو منظر الخادمة ذا مستوى راق وأنيق وهي تتنزّه مع الكلب على الطرقات حتّى ليخيّل إلى الناظر إليها أن لا هموم لديها إلاّ الاهتمام بالحيوانات الأليفة، وأنّها لم تترك بلادها وعائلتها وأطفالها إلاّ لتلاعب الكلب الظريف إلى جانب الطريق الآمن والنظيف.
ولأنّ الشيء بالشيء يذكر، لا بأس إن أشرت إلى حادثة جرت أمام شقيقتي وتدخّلت فيها بشكل لاشعوريّ وتدلّ كيف نربّي أبناءنا على "احترام" من يساعدنا ويسهر على خدمتنا. ففي مناسبة عيادتها أحد المرضى في المستشفى، سمعت شقيقتي وهي تمرّ في المدخل الرحب، صبيًّا لا يتجاوز الثامنة من العمر يقف بالقرب من أمّه وينادي بصوت مرتفع ينقصه التهذيب واللياقة أحد العاملين في المستشفى وهو من جنسيّة أفريقيّة ويأمره بصوت فيه قحة وسخرية وادّعاء غضب بتنظيف الأرض جيّدًا. وكانت أمّه تبتسم له فخورة بنباهته وذكائه. فما كان من شقيقتي، وهي عادة لا تتدخّل في ما لا يعنيها، إلا أن توجّهت إلى الصبيّ وعلى مسمع من بعض الحاضرين طالبة منه بحزم أن يحترم الآخرين وألاّ يكون قليل التهذيب.
وفي مناسبة الكلام عن الأعمال المنزليّة، لا بأس من الإشارة إلى حديث تلفزيونيّ لأحد رجال الدين المسيحيين، قال فيه إنّه سمع في أحد الإعلانات خبرًا عن آلة منزليّة تخفّف الأعباء عن المرأة العصريّة "وتحرّرها" (يجب أن تتوجّه الإعلانات إلى الخادمات لأنّهنّ هنّ اللواتي يستعملن الآلات المنزلية ومساحيق التنظيف وحفاضات الأطفال وما إلى ذلك). واستوقفت رجل الدين كلمة "تحرّرها" وتساءل: هل كانت جدّاتنا وأمهاتنا أسيرات عبدات مقيّدات حين كنّ ينصرفن بحبّ وعاطفة إلى معالجة شؤون المنزل من غسل وكيّ وطبخ؟ وهل تحرّر المرأة يعني أن تعمل الآلات والخادمات ما كان عليهنّ القيام به كربّات منازل لينصرفن إلى النوادي الرياضيّة ولعب الورق والصبحيّات النسائيّة والثرثرة؟
في الواقع لا أعرف عدد النساء العربيّات اللواتي يستغللن الوقت الذي وفّرته الآلات والخادمات لقراءة كتاب مهمّ أو لممارسة هواية تحفّز الذكاء والخلق والإبداع أو لمشاهدة فيلم ذي مغزى وموضوع أو للبحث عبر الإنترنت عن المفيد والمثقّف. ولكن ما أشهد عليه في مجتمعي وما أعرفه عن المجتمعات الأخرى المجاورة لا يبشّران بالخير.

وفي المناسبة لا أفهم لماذا تتكلّم النساء عن الأعمال المنزليّة باشمئزاز كأنّ في الأمر إهانة أو مذلّة. فهل من المهين أن تغسل الواحدة منّا ملابس من تحبّ أو تكوي قمصانه أو تحضّر له الطعام؟ وهل مذلّ أن تمارس الأعمال المنزليّة كرياضة شيّقة تحرّك الجسم وتضفي على المنزل لمسة خاصّة من صاحبته؟ طبعًا أنا لا أدعو المرأة لكي تكون خادمة عند أبيها أو أخيها أو زوجها أو ابنها، لا بل على الجميع النظر إلى الأعمال المنزليّة من تنظيف وعناية وترتيب وتنسيق كنشاط عائليّ يسمح للأفراد على اختلاف أعمارهم باستنباط الأفكار التجميليّة التزينيّة والشعور بالانتماء إلى مكان اسمه "البيت" وهو ليس فندقًا نعود إليه ليلاً لننام أو مطعمًا نقصده لنأكل. ولا أدعو كذلك لكي تكون الأعمال المنزليّة عبئًا يعيق المرأة عن ممارسة عملها خارج المنزل أو يمنعها عن النشاطات الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة وسواها، بل ادعوها إلى استغلال وجود الآلات والمساعِدات للاستفادة من الوقت في ما يضيف إلى شخصيّتها ويفيد مجتمعها دون أن تنسى أنّها "سيّدة البيت".
إنّ أجمل قصائد الغزل قد تتكوّن ونحن نهتمّ بأغراض من نحبّ، وأطرف الأفكار قد تخطر على بالنا ونحن منصرفات إلى ترتيب البيت وتنسيق الأثاث فيه ، وأكثر المواضيع أهميّة قد تفاجئ فكرنا ونحن منهمكات في تحضير الطعام أو إعداد المائدة أو ريّ المزروعات ما دامت كلّ هذه الأعمال لا تتطلّب جهدًا فكريًّا خاصًا. ولا ننسى أنّ الطبّ بشقّيه الحديث والتقليديّ يدعو إلى الحركة "التي فيها بركة" كما نقول في كلامنا العاميّ. ولا نتحدّث هنا طبعًا عن تربية الأولاد لأنّها شأن مقدّس له طقوسه ودروسه ومتعته ونظامه وليس من الأعمال التي نكلها إلى الخادمات والمساعدات.

للكاتب اللبنانيّ الكبير مارون عبّود قصّة جميلة ذات جزءين عن سيّدة اسمها أم نخّول ورد ذكرها في كتابه الرائع "وجوه وحكايات". وفي القصّة أن أم نخّول امرأة نشيطة تعمل في الأرض وتعيش مع عائلتها من خيراتها. ويخبرنا الكاتب نقلاً عن أم نخّول عن أنواع الأعمال التي تقوم بها مع زوجها وأبنائها وهي أعمال لا تعدّ ولا تحصى، تبدأ منذ ساعات الصباح الأولى ولا تنتهي مع حلول الظلام، ولا يوقفها مطر أو تبطئها شمس وهي أعمال تتنوّع بين الزراعة والحصاد والقطاف والعناية بالحيوانات وتحضير المؤونة والثياب والأثاث وما إلى ذلك. ومع ذلك فأمّ نخّول لم تصب بانهيار عصبيّ بسبب الإرهاق ولم تتناول المهدّئات ولم تكن بدينة تحتاج إلى رياضة وشفط دهون، ولم تعان من الفراغ العاطفيّ ولا من الملل والرتابة، ولم يكن عندها خادمة تأخذ الحيوانات في نزهات يوميّة. لقد كانت امرأة سويّة تمارس الحبّ وتنجب الأولاد وتعمل في الأرض والبيت بلا تردّد أو تذمّر. ومع ذلك فلم تكن خاضعة أو خانعة أو أسيرة أو مظلومة بل يؤكّد مارون عبّود أنّ الناس كانوا يضربون المثل بها وفي ذلك يقول: "سمعت باسم أمّ نخّول وأنا ابن خمس، فكنت أكبر ويكبر معي. إذا دبّرت امرأة تدبيرًا فيه صلاح لعيلتها نوّهوا باسمها قائلين: عاشت أم نخّول. وإنّ عزّ شيء في الضيعة ووجدوه عند واحدة قالوا: هذي أم نخّول ثانية. وإن مرّت على الطريق امرأة مترجّلة لا تبالي بمن يتشمّسون قدّام الأبواب، تنحنحوا وتغامزوا قائلين: إحم...أمّ نخّول. وهكذا انطبع الاسم في ذهني كالأبانا والسلام. فالمرحوم، على قلّة تقديره للمرأة، كان يلقّبها أخت الرجال فيُحفظ أمي ولا يبالي، بل يصبّ النفط على النار فيقول: آه على امرأة مثلها".
ليس المطلوب أن يغضب هذا النوع من الكتابات بعض النساء ويرضي بعض الرجال، مع العلم أن لا أحد يسعى إلى كلا الأمرين، بل المطلوب إعادة النظر في مفهوم الحريّة التي ندّعي أنّنا نطالب بها أو ندعو إليها. فالحريّة تبدو اليوم عند كثير من الشابات والنساء (والرجال متواطئون في هذا الشأن) انفلاتًا أخلاقيًّا وعريًا جسديًّا وفراغًا روحيًّا وجمودًا فكريًّا. والمؤسف فعلاً أنّ الردّ على كلّ ذلك يجنح نحو التزمّت والتقوقع والانعزال والالتزام الأصوليّ المتشدّد كأن لا خيار آخر!

الثلاثاء، 19 يناير 2010

ثلاثيّة اللقاء


باستحمام طويل، وحفّ عنيف، وتليين لطيف، وتطرية منعشة، وتمسيد صحيّ، وتدريم أنيق، وتقليم فنّي، وتلوين حديث، وتسريح خفيف، وتصفيف لافت، وتزيين لائق، وتجميل رصين، وتخطيط حاجبين مرسومين، ونتف وبرات وقحات، ونزع شعيرات زائدة، وتشقير أخرى أساسيّة، وتبييض أسنان بيضاء، ودهن كريمات مثيرة، وكيّ ثياب جديدة، وتنسيق ألوان زاهية، واختيار إكسسوارات مناسبة، وتحضير حذاء مريح، وإعداد حقيبة عمليّة، أمضت المرأة العاشقة يوم ما قبل اللقاء.

يوم اللقاء دعاها الرجل لتناول الغداء في مطعم يقدّم الوجبات السريعة لأنّه كان على عجلة من أمره.

أمّا يوم ما بعد اللقاء، فأمضته المرأة المسكينة بالكتابة عمّا كانت تحلم بأن يصير في يوم اللقاء.

الأحد، 17 يناير 2010

رجل الحكايات


لماذا يثير هذا الرجل فيّ الرغبة في الكتابة وسرد الحكايات؟ من أين له هذه القدرة على تحريك مخيّلتي وتحفيز كلماتي وتلوين الأحرف؟
لقد كان اللقاء به مصدرًا غنيًّا للكلام ونبعًا متدفّقًا من الأخبار، ولم أكن أعرف إن كان ذلك بسبب ندرة اللقاءات – على كثرتها يقول هو – أو بسبب الخوف من انقطاعها فجأة.
رجل الحكايات هذا كان هو أيضًا يحسن السرد ويهوى الشعر والأغنيات. وكنت أحبّ أن أعتقد أنّه يجمعها لي. يلملمها من السهرات واللقاءات واجتماعات العمل ويرويها لي بأسلوب عفويّ فيه من الطرافة مثل ما فيه من التشويق، وفيه من الغموض مثل ما فيه من الوضوح. ولم أكن أنسى. لم أكن أنسى ما يرويه عنه أو عن الآخرين محترمًا في الوقت نفسه سريّة ما يروى له، مكتفيًا حيث يجب بالفكرة من دون التفاصيل، أو بالموضوع من دون الأسماء. ومع ذلك كنت أفهم ما يريد قوله وإن كان فضولي يؤلمني أحيانًا لأنّني أرغب في أكثر ممّا يقول، كأنّني سأعرف المزيد عنه إذا عرفت المزيد عن الذين يحيطون به.
لماذا أكتب عن هذا الرجل؟ لماذا أحوّله حكاية فيها من الجمال الكثير وفيها من الشعر الكثير وفيها من القلق الكثير الكثير؟ لماذا حوّلته بطلاً في زمن تذوي فيه البطولات، وقدّيسًا في وقت يشكّ فيه الناس بالقدّيسين المرفوعين فوق المذابح؟ أهو الغموض الذي جعله رقمًا صعبًا؟ أم هي زئبقيّته التي جعلته حلمًا مستحيل التحقيق؟ أم هو صدقه الذي أحاطه بهالة من الفرادة في حين يبدو الناس ضبابيين رماديين؟
الصدق؟ لا بل هي الأصالة.
الأصالة في أن يكون ما هو عليه، من دون أن يدّعي شيئًا ومن دون أن يلبس لباسًا غير لباسه أو يضع قناعًا غير وجهه.
ألعلّني لذلك أخاف عليه؟ من نفسه، من الحزن، من الحياة، من الناس، من المرض، من الموت، من الحبّ، من النسيان، من الألم، من التعب، من الجوع، من العطش، من البرد، من الحرّ، من الأرق، من القلق، من كلّ ما يمكن أن يعترض حياة الإنسان ويوتّرها ولو لحين؟ وأخاف من عجزي عن فعل أيّ شيء لمنع أيّ شيء من ذلك.
علاقتي به كانت تدفعني للتساؤل: كيف يحتمل الأهلون حبّهم لأولادهم؟ كيف يحتملون خوفهم عليهم؟ وكيف يحتمل العشّاق اشتياقهم والأحياء رحيل أحبائهم والأصحّاء أنين مرضاهم؟ كيف يحتمل الشعراء فقدان صورة خطرت في بالهم لحظة وضاعت؟ كيف يحتمل الفلاسفة أفكارهم حول الحياة والمصير؟ وكيف يحتمل القدّيسون النظر إلى خطايا الناس ورغباتهم المكبوتة؟
حكايات وحزن وتساؤل؟ كيف تتسع علاقة لا اسم لها لكلّ هذا؟ وهل يكفي عمر واحد لكي تعاش دون أن ينوء أحد من طرفيها تحت ثقل مشاعرها؟ أو على الأقلّ هل سيبقى الواحد منّا كما كان قبلها؟

الميليشيات الثقافيّة



فضلاً عن العائلات الروحيّة (كي لا نقول الفئات الطائفيّة والمذهبيّة)، والأحزاب السياسيّة والتجمّعات النقابيّة والمدارس الفكريّة والاتجاهات الأدبيّة، عندنا في لبنان ميلشيات ثقافيّة بزعماء ومتاريس وخطط عسكريّة. ونحن أبناء الحرب خبرنا جيّدًا طريقة عمل المليشيات غير النظاميّ وميولها الإجراميّة التخريبيّة التقسيميّة التهجيريّة، ولمسنا لمس اليد المصير الذي أوصلتنا إليه.
ولأنّ من طبيعة العمل الميليشيوي الرغبة في السيطرة والانتصار بأيّ ثمن، كان من المتوقّع ألا يقبل المنضوون تحت لواء هذه الميليشيا أو تلك الحوار مع الآخر أو الاعتراف بحقّه في الوجود. لا بل يعملون على تجاهله ثمّ إلغائه لتخلو لهم "الساحة الثقافيّة" فيصولون فيها ويجولون من دون أن يزعجهم أحد

ومن الطبيعيّ كذلك ألا تقبل هذه الميليشيات في عداد عناصرها إلاّ من "يطبّل" لزعمائها ويكيل المديح لأفكارهم وأساليبهم، فيكتب هؤلاء الأتباع بأقلام أسيادهم ولا يجرأون على الخروج عن الخط المرسوم لهم. ولذلك تتكرّر الأفكار في عمليّة اجترار سمجة ومملّة تستعاد فيها الكلمات والشعارات بتوقيع واحد وإن اختلفت الأسماء.

والويل، كلّ الويل، لطائر يغرّد خارج سرب هذا أو ذاك من أصحاب النفوذ الثقافيّ، إذ ستحاصره منذ اللحظة الأولى الكواسر لتطرده من سماء الإبداع التي رغب في أن يمرّن جناحيه على الطيران فيها وصولاً إلى الانطلاق والتحليق.

إن مجرّد استخدامنا مصطلح "الساحة الثقافيّة" يعني أنّنا نتحدّث عن ساحة القتال، حيث يتواجه المثقفون مسلّحين بالحقد أوّلاً، وبخطط الكرّ والفرّ والالتفاف التي تنتجها مخيلاتهم الخصبة. وبما أنّ كلّ شيء مشروع في الحبّ والحرب، لا يتردّد كثر من الذين يعتبرون أنفسهم "زبدة" المثقّفين في تسلّق أكتاف المختلفين عنهم ومعهم ليصلوا إلى قمم الشهرة والانتشار، وليحتلّوا المنابر على اختلاف أنواعها، فيقفزون من التلفزيون إلى الصحيفة ومن الصحيفة إلى الإذاعة ومن الإذاعة إلى المجلّة، ومن الفسحة اللبنانيّة إلى الانتشار العربيّ عبر الخدمات المتبادلة فالغربيّ عبر الترجمات المنعم بها على المختارين، وأحيانًا كثيرة يحتلّونها جميعها لا بسبب البراعة والإبداع والتفوّق بل بسبب علاقات تبدأ بالصحافة وتمرّ في الأدب وتنتهي في السياسة وما يتفرّع منها . المهمّ ألا يسمع الناس سوى أصواتهم (أو أصوات جوقة المردّدين خلفهم)، وألّا يقرأوا إلا كلماتهم (أو الكلمات التي تمدحهم وتشيد بأعمالهم) وألّا يروا إلّا وجوههم (أو الوجوه التي تشبههم

والطريف في الأمر أن أقلام هؤلاء "الزعماء" لا تتوقّف عن مهاجمة العولمة ذات الخط الأحاديّ والتنديد بإلغاء خصوصيّات القوميّات والأفراد والدعوة إلى التنوّع والانفتاح والديمقراطيّة والعمل على تحرير الشعوب وتغيير الأنظمة. غير أنّ بين أقوالهم وأفعالهم بونًا شاسعًا.

وعن هذه الطبقة من المثقّفين يقول المفكّر علي حرب في كتابه الذي أثار عند صدوره ردود فعل تراوحت بين التنديد والتأييد "أوهام النخبة أو نقد المثقّف": " لا يشكّل المثقّفون مجتمعًا تحكمه مبادئ العقلانيّة وقواعد الفضيلة. فهم شأنهم شأن أصحاب المهن الأخرى، لهم حسناتهم ومساوئهم. وقطاعهم المجتمعيّ أو حقلهم الإنتاجيّ، شأنه شأن بقيّة الحقول والقطاعات، هو مجال للتنافس والنزاعات، وبؤرة للضغوطات والتوتّرات. إنّه "حقل صراع" بين العاملين والمنتجين، على امتلاك السلع الرمزيّة واستخدامها في تحقيق المكاسب وتوسيع النفوذ. ومعنى ذلك أنّ العلاقات داخل الحقل الثقافيّ هي علاقات قوّة، أي علاقات بين قوى وتجمّعات لا تخلو من بربريّة الغاب وفاشيّة العصبيّات وعقليّة المافيات الحديثة، فضلاً عن النرجسيّة التي يتمتّع بها المثقّفون، لاعتقادهم بأفضليّة العمل الفكريّ على العمل اليدويّ".

ونضيف إلى ذلك أنّ المثقّفين لا يؤمنون بأفضليّة عملهم على العمل اليدوي فحسب بل إنّهم داخل تجمّعاتهم نفسها ينقسمون طبقات ومجموعات فيها الأقوياء والمسيطرون وأصحاب الحظوة الذين يجيدون لعبة العلاقات العامّة ويبرعون في العلاقات الخاصّة مع أولي الشأن وأصحاب الثروات والسلطة، وفيها في المقابل الأتباع الببغائيّون الذين يمشون في فيء الفئة الأولى ويقتاتون من الفتات المتساقط عن موائدها.

ولا شكّ أنّ زعماء هذه الميليشيات يقرأون ما يكتبه سواهم ويقلّدونه أو يستوحون أفكاره ويسرقون عن الإنترنت ويترجمون عن لغات العالم كلّها، ولكنّهم ليسوا مضطرين إلى الإعلان عن ذلك أو الاعتراف به أو الخوف من معرفته، لأنّهم، وبسبب غرورهم، مقتنعون بأنّ من يقرأ كتاباتهم لا يقرأ ما يكتبه سواهم، وبالتالي لن يعرف المعجبون بهم حقيقة إبداعهم ومصادره.

الوضع في "الساحة الثقافيّة" في لبنان إذًا كالوضع في الساحات السياسيّة والأمنية والاقتصاديّة فيه، مفتوح على كلّ الاحتمالات إلا احتمال الحريّة والديمراطيّة ( والقمع ليس من السلطة السياسيّة فقط كما يتبادر إلى الذهن بل من المثقّفين أنفسهم) . وفي ذلك نحن مطمئنون إلا أنّنا لا نختلف عن كثر سوانا.

ولا يغيبنّ عن البال أنّ القارئ العاديّ لا يستطيع في هذا الجو الثقافيّ الموبوء (ونحصره في الإبداع الكتابيّ بسبب غياب الفنون التعبيريّة الأخرى وضحالة إنتاجها) التمييز بين الغث والسمين، فلا يعرف إن كان غياب فلان عن الصفحات الأدبيّة في الصحف والمجلاّت ناتج عن عدم أهليّته أو بسبب أجكام مسبقة ومشاعر معيّنة يحملها المسؤول عن هذه الصفحات تجاهه، وهل الإشارة إلى كتاب والتسويق له ناتجان عن أهميّة الكتاب أم لأنّ علاقات الودّ تجمع بين الكاتب والناقد، وهل قيمة الرواتب (المزاجيّة) محكومة بالقيمة الفعليّة لما يُكتب أم بعاطفة جيّاشة تغضّ الطرف عن التكرار والأخطاء والسرقة وتتجاهل الثرثرة والغلو والابتذال وتدفع ثمنها غاليًا. وكيف نريد من القارئ أن يعرف مستوى الأعمال الأدبيّة وقيمتها الفعليّة إن كان الكاتب نفسه لا يستطيع ذلك، فهل هو الطفل المعجزة تدلّله حلقة أصدقائه ومحبّيه وتعتبره النهضويّ الثائر والمجدّد العبقريّ، أم هو مجرّد عابر في فضاء الإبداع الشاسع ولن يترك أثرًا يذكر متى حُملت عدّة النقد الفعليّة الموضوعيّة؟

لقد اعتدنا في لبنان، ولغياب العمل المؤسساتي القائم على التخطيط والتواصل والنظرة الموضوعيّة، أن نقول: لكلّ عهد رجاله. ونقصد بذلك أنّ كلّ مسؤول يصل إلى مركز معيّن - ولو بسيطًا – يعمل منذ لحظة تعيينه على محو المراحل التي سبقته بما ومن فيها، ويبدأ من جديد بأفكار ثوريّة (قد تكون هي القديمة نفسها ولكن بشكل آخر) وعناصر بشريّة أخرى، ولذلك فنحن نبدأ من الصفر دائمًا وندور حوله طويلاً ثم نعود إليه غالبًا ونحن لا ندري. وتلك هي المصيبة العظمى
.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.