الجمعة، 15 يناير 2010

دخول الفايسبوك ليس كالخروج منه


لا أعرف إن كان القرّاء الذين يتابعون هذه المقالات (عبر الصحف الورقيّة) بارعين في استخدام الإنترنت وضليعين في التعامل مع أحدث تقنيات هذه الشبكة وآخر ابتكاراتها، أو إن كانوا من المدمنين على الدردشة والتراسل عبر الرسائل أو الفايس بوك. شخصيًّا لست كذلك، وإن كان لا ينقصني الفضول لدخول متاهاتها وسبر أغوار عالمها السريّ، وغالبًا ما أخضع لرغبات هذا الفضول وأسعى لإشباعه.
ولا تتأخّر المفاجآت التي تقفز أمامي على الشاشة عن إشعاري بأنّني مهما أسرعت في سعيي لحلّ ألغازٍ حيّرتني، فالشبكة أسرع منّي بما لا يقاس في اصطياد دهشتي وإثارة خوفي في الوقت نفسه. فلنأخذ مثلاً قد لا يعرف عنه كثيرون منكم وهو كيف تلغي اشتراكك في سجلّ الفايس بوك. فليس الأمر سريعًا وسهلاً كما ظننت في البداية، فدون خروج أحدنا من هذا العالم السحريّ الخطير محطّات وأسئلة واستجوابات قد تجعله يعود على أعقابه ويلغي فكرة إلغاء اسمه من هذه الشبكة.
فما أن تشير إلى أنّك تريد إلغاء اشتراكك حتّى تظهر أمامك على الشاشة عبارة تسألك إن كنت واثقًا من ذلك، وعندما تصرّ على جوابك، تظهر عبارة تعلمك أنّ أصدقاءك سيشتاقون إليك وإلى معرفة أخبارك وتظهرهم لك جميعهم لعلّك تضعف أمام صورهم وأسمائهم وتغيّر رأيك. وإذا لم تنفع هذه المحاولة يظهر سؤال يطلب منك أن تحدّد السبب الذي يجعلك تقدم على هذه الخطوة، تليه مجموعة عبارات هي بمثابة احتمالات أجوبة لتساعدك على أن تختار من بينها الجواب الذي يلائم وضعك، وكلّما اخترت جوابًا ظهرت أمامك خانة فيها تعليمات تذلّل المشكلة التي ذكرت أنّها السبب، وتطلب منك أن تضغط على عبارة تحوّلك إلى صفحات فيها "مزيد من المعلومات". وإن لم يكن السبب الذي من أجله تلغي اشتراكك مذكورًا، عليك أن تشير إلى ذلك وتشرح السبب في خانة خاصّة.
ولا ينتهي الأمر عند هذا الحدّ، فالشبكة تريد التأكّد من أنّ الشخص الذي دخل إلى الشبكة هو نفسه من يريد الخروج منها، فتبدأ مرحلة جديدة هدفها اختبار صبرك فتظهر أمامك كلمات مكتوبة في شكل غامض وملتبس للنظر والفهم، عليك أن تعيد طبعها في خانة أخرى. وإذا لم يكن النسخ صحيحًا تلغى العمليّة كلّها لتعود من حيث بدأت.
ولكنّ التحليل النفسيّ لاحتمالات الأجوبة التي تبرّر انسحابك هي التي تخيف إن كنّا نعرف أنّ ملايين المراهقين والغارقين في الوحدة هم أكثر الناس استخدامًا لهذه الوسيلة لكي يجمعوا الأصدقاء. فهناك جواب يقول: أجلس طويلاً أمام الإنترنت، ثمّ كما أشرنا سابقًا يظهر الحلّ السحريّ الذي يعلّمك كيف تتحكّم بوقتك. وهناك جواب يقول: لا أعرف كيف أستخدم هذه الشبكة بشكل جيّد. وطبعًا يأتي الجواب التعليميّ الذي يحلّ المشكلة. أمّا إذا كان جوابك يقول: هذا القرار مؤقّت وسأعود عنه قريبًا. فستجري محاولة لتغيير رأيك عبر عبارة تقول لك ما معناه: تجاهل أمر اشتراكك هذا وعد إليه عندما تريد. وإذا أصررت على موقفك، يلغى اشتراكك أخيرًا مع عبارة تطمئنك إلى أنّك تستطيع العودة ساعة تشاء مستخدمًا الرقم السريّ نفسه، مع الرجاء ألاّ تتأخّر كثيرًا في العودة.
بربّكم، هل ثمّة مراهق يجد هذا الصبر (المثير للأعصاب) في الحديث مع أهله؟ وهل ثمّة أهل يقدّمون هذا الوقت لأولادهم كي يقنعوهم بأمر ما. لو كان ذلك موجودًا خارج شبكة الإنترنت لما ترك أحد متعة الجلوس مع أهله وأصدقائه ليجلس مع آلة مبرمجة لخدمته فصار أسيرها وابنها وصديقها وعشيقها والمدمن على حنانها.

الخميس، 14 يناير 2010

البابا واليوتيوب ودروس الماضي


الكنيسة الكاثوليكيّة التي اضطهدت في عصورها السوداء العلماء وأحرقت كتب الحضارات حيثما استطاعت ورفضت الاعتراف بأنّ الأرض تدور حول نفسها وأرغمت غاليلو على التراجع عن آرائه (اعتذرت منه الكنيسة عام 1983) ها هي تدير وجهها مرّة جديدة نحو إنجازات العقل البشريّ لتوصل رسالتها إلى البشر، وتدخل عالم التواصل الحديث وصار في مقدور البابا بنديكتوس السادس عشر أن يطلّ على الناس في مختلف أنحاء العالم عبر موقع "يو تيوب" لأفلام الفيديو. واعتبر موقع الفاتيكان الرسميّ على شبكة الـ"يو تيوب" أنّ ظهور البابا عبر هذه الوسيلة يكتب صفحة جديدة في تاريخ الحبر الأعظم. وكان البابا تحدّث، خلال لقائه الأوّل مع المؤمنين عقب إعلان النبأ، عن أنّه يأمل في أن تكون هذه القناة مصدر إلهام روحيّ لعدد كبير من الأشخاص بمن فيهم أولئك الذين يبحثون عن جواب لتطلّعاتهم الروحيّة من خلال المعرفة ومحبّة المسيح التي تنقلها الكنيسة إلى كافة أنحاء الكون.
خطوة مهمّة قامت بها الكنيسة الكاثوليكيّة في تبنّيها وسائل الإعلام الحديثة والدخول إلى عوالمها الشاسعة ومواكبة تطوّرها الفائق السرعة، غير أنّنا لا نستطيع أن نواكب العصر بلغة لا تستطيع الأجيال الشابّة أن تفهمها، ولو استعملنا وسيلة تخاطب حديثة. فمن هو جمهور "يو تيوب"؟ هم الشبّان والصبايا الذين يتركون دروسهم وأعمالهم ليشاهدوا أفلامًا، في الوقت الذي يحلو لهم فيه ذلك لأنّ شبكة الإنترنت أعطت مستخدميها هذه الصلاحيّة وحرّرتهم من مواقيت ومواعيد التلفزيون أو الراديو أو السينما. إذًا هل ستكون سلسلة الأفلام الوثائقيّة التي أعدّها القيّمون على موقع الفاتيكان على "يو تيوب" جاذبة لهذا الجمهور، وقادرة على إيصال الرسالة الروحيّة إليه، أم ستكون طريقة مصوّرة للوعظ تستخدم لهجة منفّرة وتنأى عن الموضوعات التي تثير فعلاً اهتمام الأجيال الشابّة وتقلقها وتبعدها عن الدين؟ لقد سبق لكنائس ومؤسّسات دينيّة أن استعانت بالإذاعة والتلفزيون والصحافة المكتوبة لنشر رسالتها الروحيّة، غير أنّ طريقة المقاربة بقيت كلاسيكيّة لا بل غارقة في أصوليّة ترفض الحوار وتعتمد الخطابة. ومن يقم بجولة على الفضائيّات التي تبثّ برامج دينيّة يلاحظ كيف أنّ الأفكار المسبقة لا تترك مجالاً لمساءلة أو استفهام أو نقاش. وما نقوله هنا عن الموقع الفاتيكانيّ المسيحيّ الكاثوليكيّ يصحّ على أيّ وسيلة إعلاميّة دينيّة، وخصوصًا تلك التي ترتدي طابع الجديّة القاتمة كأنّ الحديث عن الله لا يتحمّل ابتسامة أو طرفة أو دعابة أو أغنية أو فرحًا أو شكًّا قد يكون الباب إلى اليقين.
إنّ الديانة، كلّ ديانة، ترتكز حكمًا على عقائد وأسس غير أنّها كلّها تحترم في جوهرها العقل الإنسانيّ وإنجازاته لأنّها تؤمن بأنّ الله مبتداها ومنتهاها، فلذلك تبقى العبرة في التعامل مع إنجازات العقل، فالخنجر الذي قد يستخدم للطعن والغدر والقتل هو نفسه قادر على إنقاذ مريض إن وضعناه في يد طبيب على أرض المعركة، ووسائل الإعلام هي المبضع إن أمسك بها جرّاح بارع.

الأربعاء، 13 يناير 2010

في الانتظار


أمضيت اليوم الأوّل وأنا أنتظر اتصالاً منك. لم أدع الهاتف يغيب عن سمعي وبصري. لم أفعل شيئًا. لم ألهِ نفسي بشيء كي أنصرف بكلّيتي إلى الانتظار. غير أنّك لم تتصل.
في اليوم الثاني، وبعدما مضى قسم من النهار وأنا أنتظر، تعبت. فقلت في نفسي: فلأمارس بعض الرياضة لعلّها تخفّف من هذا التوتّر الذي يشنّج جسمي. وضعت الهاتف بالقرب منّي ومارست الرياضة حتّى تعبت من الانتظار والرياضة. أدخلت الهاتف إلى الحمّام، استحممت، ثمّ نمت وأنت لم تتصل.
في اليوم الثالث، انتظرت وانتظرت، ولم تتصل. مارست الرياضة، قرأت كتابًا، استحممت، وأكلت، ثمّ نمت ولم يأت الاتصال الهاتفيّ المنتظر.
في اليوم الرابع، أضفت إلى ما فعلته في الأيّام السابقة، عملاً إضافيًّا إذ زرت جارتنا وشربت معها القهوة، وبالطبع حملت هاتفي المتنقّل ووضعته على الطاولة أمامي قائلة لها: إنّي انتظر اتصالاً مهمًّا. غير أنّ الاتصال لم يتمّ.
في اليوم الخامس، أصابني بعد الرياضة والغداء نعاس شديد، وضعت الهاتف قرب سريري ورفعت صوت رنينه كي أصحو عندما تقرّر الاتصال بي. نمت لأكثر من ساعتين وصحوت خائفة أن يكون الهاتف قد رنّ ولم أسمعه. غير أنّ الشاشة لم تسجّل شيئًا.
في اليوم السادس، استيقظت وأنا أفكّر في ترتيب أغراضي التي أهملتها لأيّام، ثمّ مارست الرياضة، وحضّرت قالبًا من الحلوى، وكنت بين وقت وآخر أنظر إلى الهاتف لأتأكّد من أنّك لم تتصل. ثمّ مارست الرياضة، وقمت بزيارة لجارة أخرى. وعندما نمت في ساعة متأخّرة كان الانتظار قد باء أيضًا بالخيبة.
في اليوم السابع ارتحت من الانتظار. أطفأت جهاز التلفون، وقرّرت أنّ في الحياة ما هو أهمّ من انتظار اتصال هاتفيّ منك لن يدوم سوى دقائق. خرجت من المنزل بلا هاتف، فشعرت بالتوتّر في بداية الأمر، ثم انطلقت غير آسفة على شيء. وقلت في نفسي ما دمت بقيت على قيد الحياة لسبعة أيّام من دون أن أسمع صوتك، فسيمكنني أن أحيا طوال العمر من دونك.

الثلاثاء، 12 يناير 2010

الوعاء الكبير والوعاء الصغير


1 - قالت الأمّ لابنتها وهي تدعوها لكي تصبر على أخوتها الصغار: الوعاء الكبير يتّسع للصغير.فأجابت الفتاة: الوعاء الكبير، فارغًا فقط، يتّسع للوعاء الصغير.
*****
2 - لا تتّسع بعض العلاقات لأكثر من شخص واحد، استطاع أن يحوّل العلاقة علاّقة ثياب يعلّق عليها الشخصَ الآخرَ كمعطف سميك في أقصى الخزانة، ولا يحتاج إليه إلاّ في أيّام قليلة.
*****
3 - أطلق الفقير النار على معدته لعلّه يصطاد عصفورًا من عصافير بطنه الجائعة فيقدّمه عشاء لصغاره.
*****
4 - ليس العلم في الصغر هو ما يشبه النقش في الحجر بل طريقة التعليم المهينة. فالدرس الذي نذكره أكثر من سواه هو ذاك الذي أنزل الدموع من عينينا وأخفاها في أبعد نقطة في قلبنا.
*****
5 - سئلت الأمّ عن أحبّ أولادها إلى قلبها فأجابت: الصغير حتّى يكبر، والمريض حتّى يشفى، والمسافر حتّى يعود. هل كانت تلك الأمّ تقرأ في عمق قلبها أنّ إخوة الصغير الكبار سيرمونه في بئر حسدهم، وإخوة المريض الأصحّاء سيحسدونه على آلامه، وإخوة المسافر المقيمين في دفء البيت العائليّ سيغارون منه يوم عودته؟
*****
6 - يمضي الواحد منا عمره وهو يحاول أن يستعيد الطفل البريء الذي في داخله فإذا به يستعيد عِقد الطفولة وحرمان الطفولة فتموت فيه البراءة مرّة بعد مرّة بعد مرّة.
*****
7 - قصص الأطفال وُضعت منذ البدء للفقراء. أولاد الأغنياء لهم الفلسفة والعلوم والفروسيّة والموسيقى وآداب المائدة ودروس حسن التصرّف والمسرحيّات الهزليّة. الحكايات التي تروى للأطفال كلمات تعد فقراء الأرض بالجنيّات الصالحات والأمراء المنقذين فينام صغارهم برؤوس ممتلئة أحلامًا وبطون خاوية... وينام الأغنياء مطمئنّين إلى أنّ صغارهم لن يُواجهوا بثورة الجياع.
*****
8 - آثار الزمن على حقائب اليد الجلديّة الأنيقة، على أثاث المنزل الممتلئ حركة وبركة، على وجه عانق الشمس واغتسل بالمطر، على ظهر انحنى من العمل والعطاء، على كتاب انتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل، على كنزة صوفيّة حاكتها الجدّة، على غطاء طاولة مبقّع من حفلة عرس، على شعر أبيض يكلّل وجهًا تسكنه السكينة، على كرسيّ عتيق مركون خلف الباب بعدما كان في شبابه يزيّن صدر الدار، آثار الزمن هذه! لا تمحوها ولا تجدّدوها ولا تعالجوها ولا تخجلوا بها، آثار الزمن هذه تعني أنّ الحياة مرّت من هنا.

*****
9 - يحتفل الناس برأس السنة الصينيّة أو الميلاديّة أو الهجريّة، أمّا أنا فصرت أحبّ الاحتفال برأس المال على طبق من فضّة وبملعقة من ذهب، غير أنّني على ما يبدو تأخّرت على تحقيق ذلك.
*****
10 - أنت لست وحدك أبدًا: هناك يداك ورجلاك وأمعاؤك وقلبك وعيناك وأذناك... ورأسك، خصوصا رأسك، فما دام بين كتفيك فلن تكون وحدك أبدًا.
****
11 - ما هو عذر الأثرياء الذين لا يحوطون أنفسهم بالجمال والنظافة؟ إنّهم حديثو نعمة يخشون أن يعود إليهم الفقر.
*****
12 - الفقر الاختياريّ الذي يبشّر به بعض الناس هو نزهة ترفيهيّة يقوم بها بعض المترفين ليتسلّوا.
*****
13- أنا يا صديقي اخترتك لتكون بيتي، كما تختار العصافير الطليقة الأشجار والسقوف التي ترتاح إليها فتبني فيها أعشاشها، ولن تكون مفروضًا عليّ كبيت السلحفاة.
*****
صحيفة "النهار" - الثلاثاء 12 كانون الثاني 2010

الاثنين، 11 يناير 2010

أين أضع كلّ هذه الكتب؟


لا أذكر أنّي تخلّصت من كتاب.
ولكن دائمًا هناك مرّة أولى.
والمرّة الأولى كانت صعبة، غير أنّ الأمر لم يعد يحتمل التأجيل. فالمنزل (لا بل منازل إخوتي وأخواتي)لم يعد يتّسع لمزيد من الكتب، وصار من الواجب أن أعيد ترتيب مكتبتي الخاصّة مبقية فيها على ما يجب الاحتفاظ به، متخلّصة ممّا لن أعود إليه مهما كلّفني الأمر.
وهكذا اكتشفت أنّ التخلّص من الكتب ليس أمرًا سهلاً، مهما تدنّت قيمة بعضها أو عتق طرازها أو بهتت موضوعاتها. وكان لا بدّ من توزيع الكتب على فئات أربع: واحدة تضمّ الكتب القيّمة التي لا غنى عنها في كلّ مكتبة وتعتبر مراجع حيّة لا يمكن التعاطي بالشأن الأدبي من دونها كالدراسات والمعاجم وكتب الدين والفلسفة والتاريخ والعلوم. وفئة تضمّ الكتب التي من الممتع العودة إليها بين الحين والآخر لأنّني أجدها جديدة كلّ مرّة أعيد قراءتها، كأنّني لم أقرأها قبل الآن، أو كأنّني لم أنتبه إلى بعض ما ورد فيها قبل هذه القراءة كالشعر والرواية.
الفئة الثالثة تحتوي على الكتب التي لها قيمة أدبيّة عند سواي، غير أنّني لن أعود إليها بالتأكيد لأنني لم أستفد منها ولم أستمتع بها عندما قرأتها في المرّة الأولى، إلا أنّها نالت شهرة ما، وأجريت حولها بعض الدراسات، وقد تجد من يعجب بها إن وهبتها إلى مكتبة عامّة أو قدّمتها إلى من يهوى قراءة أي شيء. ومن المؤسف أنّ هذه الفئة المخادعة لم تقدّم لي فكرة أو معلومة أو صورة أستطيع أن أستعيدها بعد إغلاق دفتّي كتاب منها، بل حلّ فراغ هائل وشعور بالإحباط وخيبة الأمل.
أمّا الفئة الرابعة ففيها الكتب التي يخجلني وجودها على رفوف المكتبات، وأشعر بالأسى في نفسي كلّما نظرت إليها وتذكّرت الأشجار المسكينة التي قطعت لتصير ورقًا تكتب عليه مثل هذه الكلمات، كما أشعر بالندم على المال الذي دفعته ثمنًا لها وعلى الوقت الذي أهدرته قبل أن أكتشف أنّها لا تصلح إلا للرمي في سلال المهملات. وتضمّ هذه الفئة بعض الروايات المملّة التي تجترّ الكلام بلا هدف وبعض الدواوين المنظومة بلا شعر أو إحساس وبعض الدراسات السخيفة وبعض الكتب التي اضطررت إلى شرائها تلبية لدعوة محرجة إلى حفلة توقيع تجاريّة، ولم أفعل كسواي من الذين يرمونها عند الخروج من الصالة التي جرى فيها التوقيع، بل قرأتها ولم أستطع رميها على عادتي في احترام الكتب وتقديرها.
وللمرّة الأولى في حياتي، أخذت كيسًا كبيرًا ورميت فيه كل كتب الفئة الرابعة لأحوّلها إلى معامل تدوير الورق، تاركة بذلك المجال لكتب الفئات الأخرى كي تتنفّس في انتظار كتب جديدة قيّمة تضاف إلى جانبها. وأخذت في المقابل عهدًا على نفسي برمي أي كتاب لا يصلح للاحتفاظ به، مباشرة بعد قراءته والحكم على مستواه، من دون التأثّر بالمقالات التي تكتب عنه في الصحف والمجلاّت والتي تتحكّم في بعضها العلاقات الشخصيّة والخدمات المتبادلة.
حاولت وأنا أعيد تنظيم مكتبتي أن أضع رقمًا معيّنًا لعدد الكتب التي يجب أن أحتفظ بها ولا أتخطّاه مهما كان الثمن، إلاّ أنّني فشلت. فكلّما وضعت رقمًا، وجدت أنّي سأظلم نفسي إذا تخلّيت عن الكتب التي شملها قرار الإبعاد. وفضّلت تأجيل التنفيذ إلى مناسبة أخرى، فالخطوة التي أقدمت عليها هذه المرّة كانت جريئة بالنسبة إليّ، وشجاعة نظرًا إلى شغفي بالكتب. ويجب ألا أجبر نفسي على خطوة أكثر صعوبة قبل أن تعتاد عيناي النظر إلى رفوف فقدت ازدحام الكتب طولاً وعرضًا على رفوفها التي لو لها ألسنة لصرخت من ثقل الحمل.

الأحد، 10 يناير 2010

في المسلخ البشريّ


أعتذر ولكنّي عاجزة الآن عن النسيان والغفران.
أن أنسى وأغفر وأصفح وأسامح وأتعالى فوق الإساءة، أفعال لا أعرف إن كنت قادرة على تصريفها.
أن أتخطّى ذكريات الماضي وأن أعبر فوق حفر الأيام وأن أقبل الأحداث التي حدثت، أفعال لا أدري إن كنت أستطيع أن أكون ضميرها المستتر أو المتّصل أو الظاهر.
أن أمشي إلى جانب الأشياء وأدّعي أنني لم أرها، أن أسمع الكلمات وأقول أنّها لم تقل، أن أرى ما يجري وأقنع نفسي بأن شيئاً لم يحصل، أفعال لا أملك القدرة على أن أكون فاعلتها.
أعتذر ولكنّي عاجزة الآن عن الصفح والمسامحة.
الأعوام التي مرّت لا تزال تثقل ذاكرتي بحوادثها، والناس الذين عرفتهم لا يزالون موجودين بعنف في دفتر يوميّاتي الذي انتهك مراراً. أعرف أنّ الصفح ممتع وكم أرغب في اختبار متعته، ولكنّي اليوم أجد متعتي في الغضب المدمّر المؤذي. وأعرف أنّ التعالي فوق الجراح مريح للروح ولكنّي اليوم أرغب في التمرّغ في دم الجراح النتنة. وأعرف أنّ استقبال الآخرين العائدين من غياب العمر والذاكرة، بفرح الإبن الأكبر الذي نسي ما فعله أخوه الشاطر، عمل فيه من البطولة والقداسة الشيء الكثير، ولكنّي اليوم أرى نفسي تاركة البيت الأبويّ للإبن الضال العائد إلى أحضان الأب المستعدّ مرة ثانية وثالثة ليسمح لغنج الإبن الأصغر بأن يلقي بدلاله على أجواء المنزل...
كيف يستطيع الإنسان أن يقبل الغدر والكذب من الذين يحبّهم، والغباء والادّعاء من الذين يعمل معهم، والأنانيّة والأثرة من الذين يعيش معهم؟ هذا القبول هو القداسة التي يجب أن ترفع فوق المذابح وتكرّم في أماكن العبادة، لا أعاجيب الشفاء ولا بقاء الجسد متماسكاً واضح المعالم ولا التضحية بالمال والنفس في سبيل المعتقد والآخرين. أن نقبل هؤلاء الذين نلتقي بهم يومياً منذ أن نفتح أعيننا على وجوه أهل البيت الذين لم نسأل عن رغبتنا في أن نكون منهم ولهم، إلى آخر ساهر مزعج يجلس إلى المائدة المجاورة في المطعم الأنيق، هذا هو الفعل الذي أجد صعوبة في القيام به، والقبول الذي أعنيه هو الرضا الحقيقي والعميق، لا المسايرة المهذّبة، ولا التنازل الجبان، ولا اللياقة الاجتماعيّة الوظيفيّة، ولا الحفاظ على تماسك إنسانيّ هشّ.
أعتذر ولكنّي أجد هذا القبول صعباً وخانقاً، وبالكاد أستطيع أن أحتمل التفكير فيه فكيف أعمل إذاً على تنفيذه؟ كيف أسامح وأنا لا أستطيع أن أصدّق أن هؤلاء لا يعرفون فعلا ماذا يفعلون؟
اليوم أنا عاجزة عن هذا الفعل ولكنّي أعرف أنّي لن أرتاح قبل أن أجد الوسيلة التي تقودني إليه، وأرجو ألا يكون الوقت هو العامل المنقذ لإنّ ذلك يعني الرهان على النسيان وأنا لا أريد أن أنسى.

السبت، 9 يناير 2010

حسد



نحسدك على موتك أيّها الرجل الميت!
نحسدك على السكينة التي تقيم فيها، وعلى الدموع التي ذرفت حزنًا عليك، وعلى الاحتفال الذي أقيم لك، وعلى الصلوات التي رفعت من أجلك، وعلى الكلمات الجميلة التي قالها الكاهن عنك، وعلى الندم الذي أصاب جميع من أهملك في حياتك. وما كنت لتسمع شيئًا من ذلك أو تراه أو تعرف عنه لو كنت على قيد الحياة.
نحسدك على الذكريات التي استيقظت فجأة يوم موتك وكنت فيها كلّها ذكيًّا وسعيدًا وكريمًا ومحبًّا. وعلى تكاليف الدفن والأزهار ولو طلبت قيمتها وأنت حيّ لما كنت أعطيتها، ولأنّ أمّك مستعدّة للقبول بأي امرأة شرط أن تعود الحياة إليك، ولأنّ والدك يقول في نفسه: لن أعارضه بعد الآن في شيء إن عاد إليّ، ولأنّ أخاك يفكّر في أنّه لن يقاسمك إرث العائلة إن عدت إلى العائلة، ولأنّ زوجتك ندمت على كلّ ليلة حبّ أجّلتها بسبب التعب، ولأنّ أولادك عادوا من المهجر ليدفنوك.
نحسدك لأنّ موتك جعل الجميع يتركون كلّ شيء ويأتون لوداعك تحت المطر وفي عزّ الصيف، ولو كنت حيّاً لما سأل عنك أحد.
نحسدك أيّها الميت لأنّنا في لبنان، وبعد كلّ نشرة أخبار، نحسد المائتين الراحلين، والمسافرين المهاجرين، والمصابين بالخرف.

الجمعة، 8 يناير 2010

جارتنا الفنّانة


جارتنا شابّة تهوى الغناء. ولكنّها لم تكن مستعدّة للتضحية بكلّ شيء في سبيله، لأنّ سلّم أولياتها يختلف عن سائر العاملين في هذا المجال. ولذلك تزوّجت باكرًا من شاب ثريّ، وأنجبت البنين والبنات. غير أنّها خلال ذلك كلّه لم تهمل الفنّ الذي يجري في عروقها، فدرست الموسيقى في نادي البلدة وتعلّمت العزف على يد مدرّس مطرود من معهد الموسيقى وأتقنت الرقص في الملاهي الليليّة. ثمّ وضعت كلّ ذلك في خدمة المعبد والبلديّة، قائلة لأولي الأمر فيهما: اعطوني مسرحًا وميكروفونًا وخذوا ما يدهش العالم..وبقيت تصرخ: اعطوني...اعطوني... حتى أعطوها.
وبدأت جارتنا الجذّابة ذات البعل والأولاد بالأناشيد مسبّحة الله شاكرة إيّاه على النعم التي مُنحتها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، ومشنّفة أذني رجل الدين الشاب بحنان صوتها الذي حلّق به وأوصله إلى السماء السابعة، وبالغناء على درج البلديّة مثيرة في رئيسها العجوز وأعضائها (أعضاء البلديّة لا أعضاء الفنّانة الشابة) أحاسيس منسيّة منذ زمن.
غير أنّ ما لم يعرفه أحد أنّ أطفال هذه المغنيّة الصاعدة ينامون كلّ ليلة على صوت خادمتهم وهي ترندح لهم تهويدات الأطفال بلغة بلادها فيغفون على صوتها الحنون، ولكنّهم يستيقظون، وكذلك الجيران، على صوت أمّهم الأوبرالي وهي تتدرّب على أغنيات ستطلقها قريبًا في الأسواق.

الاثنين، 4 يناير 2010

هذه أنا!




أعترف بعجزي عن الاحتفاظ بك بالطرق التي تنجح فيها الأخريات.
فأنا عاجزة عن منافسة النساء اللاتي يحسنّ إعداد الأطباق الشهيّة وقوالب الحلوى المثيرة وتحضير الموائد الأنيقة. ولذلك لن أستطيع الوصول إلى قلبك عبر معدتك.
وأنا عاجزة عن منافسة النساء اللواتي يحطن بك في النوادي الرياضيّة ذات المستوى الرفيع وفي المسابح التي لا يقصدها إلاّ الأثرياء، إذ ليس لي مقوّمات النجاح التي يملكنها. فلا جسدي جسد عارضة أزياء جائعة على الدوام إلى الطعام والرجال، وليس عندي مجموعة من المايوهات الحديثة الطراز، أبدّل كلّ يوم اثنين منها على الأقلّ مع ما يلائم ألوانها من إكسسوارات كالمنشفة والحذاء والنظّارات الشمسيّة وحقيبة البحر وعلب مساحيق الاسمرار، ولا أستطيع أن أتمدّد ساعات وساعات تحت شمس حارقة وأتقلّب كالفروج في آلة الشيّ. ولذلك فلن أستطيع أن "أملأ" عينيك حتى لا تبهرهما الأجساد الأخرى.
وأنا عاجزة عن مرافقتك إلى الملاهي الليليّة للرقص، فبعد نهار العمل الطويل لا يبقى عندي قدرة جسديّة تسمح لي بالانتقال من حلبة رقص إلى أخرى ومن ليل إلى ليل ومن جوّ شرقيّ إلى جوّ غربيّ، ومن بيروت إلى البترون إلى الجبل حيث أحدث المطاعم والنوادي.
وأنا عاجزة عن الصمت إذا كنت مخطئًا، وعن اللامبالاة إذا كان الأمر مثيرًا للاهتمام، وعن التغاضي عن آرائك في الناس والحياة إذا كانت لا تتوافق مع آرائي.
غير أنّي لا أنام قبل أن تعود إلى البيت سالمًا،
وأصلّي وأرفع النذور وأضيء الشموع إن أصابك ألم ولو بسيطًا،
وأختفي وراء الكواليس لتظهر على مسرح الحياة في أبهى حللك،
وأسهر لأراقب انتظام أنفاسك وأنت نائم فأطمئنّ،
وأحضّر لك الأسئلة التي تطرد الرتابة، والقصص التي تثير المخيّلة،
وأدخل معك في نقاشات لا تنتهي،
وأصمت حين أشعر بأنّ الكلام قد يزعجك.
يا إلهي! كم أبدو من زمن آخر لا علاقة له بالزمن الذي تعيش فيه بكلّ مسامك.

الأحد، 3 يناير 2010

يوميّات امرأة في عالم الأدب

خالف تُعرف
اتصل أحد المسؤولين عن الصفحة الثقافيّة بكاتبة في صحيفة أخرى وأعلن لها عن رغبته الشديدة في لقائها للحديث عن الشعر والأدب والفنّ. تردّدت الكاتبة الشابّة وتذرّعت بمجموعة من الأسباب التي تحول دون لقائهما في الوقت الحاضر، ولم تجد في نفسها الجرأة لكي ترفض نهائيًّا بسبب مرتبته الثقافيّة وعمره المتقدّم في دنيا الأدب، في حين أنّها دخلت إلى هذا المجال منذ بعض الوقت.
تلاحقت اتصالاته الهاتفيّة الملحّة حتى ضاقت ذرعًا بالأمر، وقرّرت أن تقابله لعلّه يصرف النظر بعد ذلك عن الاتصال بها.
وبالفعل التقيا في مقهى بيروتيّ حديث ولم تنل إعجابه كما توقّعت، وتوقّفت الاتصالات الهاتفيّة نهائيًّا.
هذه الحادثة ليست فريدة من نوعها. غير أنّها تعبّر عن نظرة الرجال المثقّفين إلى المرأة التي تكتب. فهي في نظرهم واحدة من ثلاثة: إمّا دخيلة لا علاقة لها فعليّة لها بالأدب، أو تملك الموهبة إنّما تحتاج إلى رجل كي يصقلها، أو عندها بعض الإبداع الذي لا شكّ يقف رجل وراءه.
وفي الحالات الثلاث المرأة الكاتبة تحتاج إلى شهادة من رجل كاتب وإلا فهي مشروع عاهرة ينظر الجميع إلى نجاحها على أنّه نتيجة مهارتها في السرير لا على الورق.
تقول إحدى الكاتبات الشابّات: في كلّ مرّة يتّصل بي شاعر أو روائيّ أتوقّع أن أسمع رأيه في كتاباتي. وبالفعل فهو يهنّئني قائلاً إنّي لست كسواي عالة على الأدب، غير أنّه لا يستطيع إلا أن يقدّم بعض النصائح التي لا بدّ أن أعمل بها إن أردت النجاح في هذا المجال.
وتقول إحدى الشاعرات: لم أكن بارعة في الحديث مع الناس، ولم أملك يومًا الجرأة التي يتميّز بها شعري. ولذلك شكّ أكثر من كاتب التقى بي بأني صاحبة تلك القصائد لا بل أصيب البعض منهم بخيبة أمل كبيرة حين لاحظوا أنّي لا أشبه المرأة الجريئة التي تمنّوا اللقاء بها حين قرأوا شعرها.
وتقول كاتبة أخرى: حين دخلت إلى عالم الكتابة والنشر فوجئت بتصرّف بعض الكاتبات اللواتي يتصرّفن في العلن بقحة أقرب إلى الفجور. ويتحدّثن بشكل مثير ويرتدين ملابس أقلّ ما يقال فيها أنّها جريئة وغريبة. غير أنّي عرفت بعد فترة قصيرة من احتكاكي بعالم الكتّاب والشعراء أنّ هؤلاء الكاتبات يستعملن أجسادهن كي يستطعن نشر قصائدهن ورواياتهنّ أو إيجاد أمكنة لهنّ في الصفحات الثقافيّة.
أذكر أنّي قرأت مقالة للأديبة السوريّة كوليت خوري تتحدّث فيها عن الشكّ الدائم بنجاح المرأة في بلادنا فينشر الناس عنها إشاعات تسيء إلى سمعتها كي يشوّهوا شهرتها وتفوّقها. في حين يعمل الناس في الخارج على التعتيم على سيّئات ناجح أصبح رمزًا كي لا يعرّضوا المؤمنين به والذين اتخذوه مثالاً أعلى للشكّ في الصورة التي تكوّنت في أذهان الجميع عنه. فيبقى الرمز رمزًا والمثال الأعلى مثالاً أعلى.
ومع أنّي قرأت هذه المقالة في إحدى المجلاّت منذ زمن بعيد إلاّ أن الواقع اليوم لا يختلف كثيرًا. ومع الأسف تساهم مجموعة لا بأس بها من الشاعرات والكاتبات في تأكيد الإشاعات وتثبيت الرأي القائل أنّ علامة استفهام كبيرة ترتسم فوق نجاح أي شاعرة أو روائيّة.
وكما في كلّ مرّة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ثمّة كتّابًا وشعراء يعطون كلّ ذي شأن قيمته الحقيقيّة، ولا يعتبرون أنّهم أوصياء على الشعر والأدب ويحقّ لهم أن يقدّموا شهادات حسن سلوك وتفوّق لهذه أو لتلك، أو أنّهم أكثر معرفة وقدرة من الكاتبات والشاعرات اللواتي يتّصلون بهنّ مهنّئين بل يفعلون ذلك بصدق وشفافيّة واحترام. وكذلك ثمّة كاتبات يفرضن حضورهنّ بأقلامهنّ فلا ينزلقن إلى الإباحيّة ليعترف العالم بجرأتهن، ولا يدّعين "الجنون" كي يقال "إنّ الجنون فنون"، ولا يسرن عكس التيّار كي يلفتن الانتباه والرؤوس، ولا يتصرّفن كـ"الرجال" ليؤكّدن على حقهنّ في المساواة والحريّة.
وبمثل هؤلاء الرجال والنساء الصادقين مع أنفسهم ينجو الأدب.

الجمعة، 1 يناير 2010

يا دنيي شتّي مصاري

كازينو لبنان
أنت لا تستطيع أن تعرف مقدار حاجة اللبنانيين إلى المال، وشدّة خوفهم من الغد وقلقهم على ما يخبّئه لهم من مفاجآت غير سارة إلا إذا سمعتهم يتحدّثون عن الربح في ألعاب اليانصيب واللوتو. ولن تستطيع أن تعرف التغيير الذي طرأ على حياة اللبنانيين في غياب الطبقة المتوسّطة الحال ونزول أكثر الناس إلى ما دون خطّ الفقر بكثير، إلاّ أذا عرفت أن ثمّة أشخاصًا لم يفكّروا في حياتهم بشراء ورقة يانصيب أو لوتو وها هم اليوم يدمنون على شراء الأوراق بالجملة لا بالمفرّق لعلّ وعسى.
فخلال الأيّام التي تفصل بين سحب وآخر، وفي انتظار أن يختار الحظّ أرقام الرابح أو الرابحين، يمتدّ الوقت طويلاً ومليئًا بالمشاريع المستقبليّة. فيعمد أولئك الذين اشتروا الأوراق إلى التخطيط دارسين الخطوات العمليّة التي ستلي مباشرة إعلان النتائج. وكم من مرّة خابت الآمال وانطفأت شعلة الحماسة مع ظهور الأرقام على شاشة التلفزيون معلنة أنّ عدد الرابحين ليس على عدد المشاركين في السحب وبالتالي هناك رابحون وهناك في المقابل خاسرون.
ومن لم يصدّق التلفزيون ينتظر صدور الصحف في اليوم التالي آملاً أن تكون عيناه وأذناه قد خدعته في الأمس، أو أن تكون المذيعة قد أخطأت في قراءة بعض الأرقام. ولكنّ الخيبة تتضاعف في اليوم التالي. ويكتشف الخاسرون أنّ الخسارة قد تأكّدت بما لا يقبل الشكّ وأنّ على المشاريع المستقبليّة أن تنتظر أيامًا أخرى ليحلّ موعد السحب الثاني، ولتبدأ من جديد عمليّة المراهنات المرهقة.
أكثر الفائزين يرفض الإفصاح عن هويّته خوفًا على الثروة الجديدة من الحسد، أو لئلاّ يظهر لهم أصدقاء وأقرباء ما كانوا يعرفون بوجودهم أو سمعوا باسمهم. أمّا حين يُعرف الفائزون فلا تسمع على ألسنة الناس إلا عبارة: المهمّ أن يكون من المحتاجين إلى المال لا من الأثرياء الأغنياء.
"يا دنيي شتّي مصاري" أي يا سماء أمطري مالاً، مطلع أغنية ( أعتقد أنّها من تأليف وتلحين الأخوين رحباني) كانت ترافق قديمًا سحب اليانصيب الذي كان – في غياب التلفزيونات الخاصّة – محصورًا بتلفزيون الدولة اللبنانيّة.
غير أنّ السماء لم تمطر علينا إلاّ قذائف جرّت الفقر والموت وأدّت إلى تفتيت الدولة وغياب مؤسساتها. ولذلك بات اللبنانيّون يراهنون على حظ قد يشفق عليهم ويحميهم من التسوّل، بعدما عجزت كلّ الوسائل الأخرى.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.