السبت، 10 يناير 2026

من وطن مستقلّ إلى شعب مستقيل

 

من وطن مستقلّ إلى شعب مستقيل

من وطن مستقلّ إلى شعب مستقيل

منذ ستّين عامًا، خصّت مجلّة "الحكمة"، في السنة الثالثة عشرة على تأسيسها، الرئيس الشيخ بشارة الخوري بعدد خاصّ. وهذه المجلّة الثقافيّة الشهريّة التي كانت تصدرها مطرانيّة بيروت للطائفة المارونيّة، احتفلت بذكرى الرئيس الأوّل للبنان ما بعد الاستقلال بعددٍ دسم المواد لشهرَي كانون الثاني وشباط من سنة 1965، كتبت فيه نخبة من أهل السياسة والقلم. وكان ذلك في عهد الرئيس فؤاد شهاب (رجل الدولة والإدارة)، والبطريرك بولس بطرس المعوشي (أوّل بطريرك مارونيّ يحصل على لقب كاردينال)، وراعي أبرشية بيروت للموارنة اغناطيوس زيادة (آخر مطارنة بيروت المستقيمي الرأي).

كان للمجلّة عهدذاك دور ثقاقيّ ذو شأن، تنشر لشعراء وأدباء ومفكّرين صنعوا مجد الأدب اللبنانيّ، ثمّ بدأ نجمها بالأفول بالتزامن مع تراجع الدور التربويّ الرائد لمدارس الحكمة التابعة لأبرشيّة بيروت المارونيّة، إلى أن احتجبت المجلّة نهائيًّا.

في العدد المذكور نصوص ومخطوطات وخطب ورسائل وصور تتعلّق بالمحتفى به. ولافت جدًّا أنّ أكثر المشاركين وعددهم ستة وثمانون من المسيحيّين. وإذا علمنا أنّ رئيس المجلّة ومدير تحريرها هو الدكتور جميل جبر، وهو رجل علم وأدب، استنتجنا أنّه لا بدّ سعى لدعوة أكبر عدد من أهل السياسة والأدب للمشاركة في عدد خاصّ بالرئيس الأوّل لجمهوريّة لبنان ما بعد الاستقلال. فلماذا إذًا هذا العدد المتواضع لغير المسيحيّين؟ وهل كان بشارة الخوري في تلك المرحلة محسوبًا على المسيحيّين فقط، وعلى الموارنة تحديدًا وقد اعتبروه رئيسًا للوطن الذي سعوا إليه؟ وهل اعتذرت أقلام غير مسيحيّة، إذا جاز التعبير، عن عدم المشاركة، علمًا أنّ تاريخ المجلة يشهد على غناها بمواد من سائر المدارس الفكريّة والدينيّة والمذهبيّة؟ وهل يثبت هذا النموذج التاريخيّ على أنّ صيغة لبنان الميثاقيّة، والرئيس الخوري أحد ركنيها، لم تشمل الشعب كلّه، أو هي في تلك المرحلة بالذات، وبعد ثورة 1958، كانت قيد الدرس؟ وفي المقابل، هل كانت خمسينيّات وستينيّات القرن العشرين العهد الثقافيّ الذهبيّ للمسيحيّين الذين أسّسوا الصحف والمجلّات والمسارح فكانت لهم السيطرة في مجالات الفنّ والأدب والفكر؟   

يثير الاطّلاع على فهرس الأسماء في هذا العدد من المجلّة المحتجبة عن الصدور حسرة على اللغة العربية. فالأسماء الواردة فيها مشهود لها بسعة المعرفة وعمق الثقافة والتمكّن من اللغة العربيّة، على عكس ما هي الحال عليه اليوم عند السياسيّين والإعلاميّين. وهذا ما فضحه رحيل الإعلاميّ والمربي بسّام برّاك الذي ارتبط رثاؤه برثاء اللغة العربيّة وكأنّه آخر المحافظين عليها. 

فمن يمكنه التشكيك في ثقافة كلٍّ من الرئيسين شارل حلو وفؤاد شهاب، أو البطريرك المعوشي،  بالعربية والفرنسية، وآخرين أجريت معهم مقابلات أو أدلوا بشهادات وجلّهم من الحقوقيّين والمربّين والصحافيّين. في المقابل، سيجد أحدنا صعوبة اليوم في إيجاد بضعةٍ من حملة الأقلام لا يستعينون بمن يدبّج لهم مقالاتهم أو خطبهم. طبعًا ليس في الأمر حرج أن يستعين المرء بمدقّق لغويّ أو محرّر لخطبة أو مقالة أو حتّى كتاب. ولكن ما استدعى منّي الاهتمام بهذا العدد من أرشيف مجلّة الحكمة هو أنّ العدد الأكبر من المساهمين في مواد المجلّة يغري القارئ بالتفتيش عن مقالته أو حديثه، لا من أجل السياسة بل من أجل التمتّع بالصياغة واللغة. 

كانت الأنواع الأدبيّة في ذاك الزمن من شعر وخطابة ونثر وزجل في أوج مجدها، حتّى مرافعات المحامين كانت تُنتظر لما فيها من بلاغة وسبك متين، ومقالات الصحافيّين تُقتطع من الجرائد والمجلّات ويُحتفظ بها بسبب رؤيويّتها وعمقها ولغتها. وكانت مداخلات النوّاب في الجلسات العلنيّة فصيحة بليغة تعلي شأن الخطابة والتخاطب.

بعد ستّين عامًا على ذاك الاحتفاء برجل الاستقلال من خلال كتابات أدبيّة راقية المضمون والأسلوب، لا يمكنني وأنا أقلّب صفحات المجلّة سوى التساؤل: هل يجوز لوطن لا لغة له أن يحتفل بالاستقلال؟ وكيف حال اللغة العربيّة في مجتمع مسيحيّ كان إلى الأمس يتباهى بأنّه قاوم التتريك؟ وهل الهجمة الحاليّة على البودكاست بالمحكيّة اللبنانيّة تهرّب من الكتابة بالفصحى أو التكلّم بها؟ أسئلة أعرف، وتعرفون، أجوبتها، لكنّي، مثل أكثركم من المهتمّين باللغة ومستوى أهل الصحافة والسياسة، أكتفي بالسؤال كي لا يصفعني الجواب.

*أسماء المشاركات والمشاركين باللغة العربيّة بحسب ترتيب مقالاتهم في العدد المذكور: الرئيس شارل حلو، الدكتور عبدالله اليافي، الوزير إدوار حنين، الدكتور فؤاد عمّون، محمّد شقير، سليم باسيلا، الوزير فيليب تقلا، جوزف باسيلا، لحد خاطر، بدري المعوشي، وجدي الملّاط، أنطوان قازان، ميشال خوري (نجل الرئيس بشارة الخوري)، كامل مروّة، عبدالله لحّود، خليل أبو جودة، يوسف يزبك، البطريرك المعوشي، الرئيس فؤاد شهاب، غسّان تويني، علياء الصلح، جميل جبر، رياض حنين، الياس عبّود نجم، إملي فارس، فوزي سابا، فؤاد نفّاع، ألبرت الريحاني، إميل الكك، فؤاد مطر، رشدي المعلوف، عارف الغريب، حسيب عبد الساتر

 https://www.cafein.press/post/mn-otn-mstkl-al-shaab-mstkyl

الجمعة، 9 يناير 2026

"بواب العتيقة": مفهوم الباب في الفكر الرحبانيّ من خلال المسرح (4)

 "بواب العتيقة": مفهوم الباب في الفكر الرحبانيّ من خلال المسرح (4)

كنت قد نشرت في ملحق النهار، السبت 22 آب 1998، مقالة عن مفهوم الباب في الأغنية الرحبانيّة،  في هذه التتمّة عن صورة الباب في المسرح الرحباني اخترت ثمانية عشر عملًا بدءًا من عام 1960 إلى 1975، ما عدا واحدة هي مسرحيّة بترا التي عُرضت سنة 1977. حاولت فيها أن أقرأ مفهوم الباب وكل ما يتعلّق به أو يشير إليه. في الجزء الأوّل تناولت القراءة أربع مسرحيّات هي "موسم العزّ" وحكاية الإسوارة" و"جسر القمر" و"الليل والقنديل". في الجزء الثاني "بيّاع الخواتم" و"دواليب الهوا" و"إيّام فخر الدين" و"هالة والملك". في الجزء الثالث ألقيت الضوء على رمزيّة الباب والبوّابة في مسرحيّات "الشخص" و"جبال الصوّان" و"يعيش يعيش" و"صحّ النوم".

أمّا في هذا الجزء الرابع والأخير، فأتابع الرحلة بين الأبواب وعبرها في محاولة لفكّ الرصد عنها، محاولةً الاقتراب من الفكر الرحبانيّ الذي عن قصد أو عن غير قصد جعل الباب وملحقاته عنصرًا أساسًا في الأغنية وفي الحوارات المسرحيّة، على أمل أن يبقى باب الحوار مفتوحًا في المجتمع اللبنانيّ كما تمنّى الأخوان رحباني دائمًا. والمسرحيّات هي: "ناطورة المفاتيح"، و"ناس من ورق" و"المحطّة" و"لولو" و"ميس الريم" و"بترا". 

ناطورة المفاتيح

13- ناطورة المفاتيح (1972)

عنوان المسرحيّة بحدّ ذاته يحيلنا إلى فكرة الأبواب المقفلة. ومضمون المسرحيّة يدور حول مفاتيح البيوت التي تركها أصحابها بعهدة زاد الخير (فيروز) التي أبت مغادرة المملكة لترحل مع الشعب الهارب من الظلم. مع بدء المسرحيّة توصي زاد الخير جيرانها ببيتها بعدما صدر الأمر بسجنها لأنّها لم تدفع حصّة الملك: "يا جيراني...ضلّوا بغيابي طلّوا ع الدار/ على البوّابة وزهور الدار"، هذا الطلب سيتحوّل مع سير الأحداث إلى عكسه حين تصير بطلة المسرحيّة مؤتمنة على بيوت جيرانها. ثمّ نسمع زاد الخير تصف مملكتها، وهي مناقضة لمملكة الملك غيبون (أنطوان كرباج): "مملكة السهر والحاكم ع بابا / يستعطف المحكوم". 

وحين يقرّر الأهالي الرحيل، يقول بربر قائدهم (نصري شمس الدين) مبرّرًا القرار بتسكير البيوت: "وشو بعد فيه غير الرحيل؟... وخيل الحرس من كلّ باب تمدّ راسا وتختفي". فالباب هنا لم يعد مصدر أمان وحماية بعدما حاول العسكر اقتحام البيوت. لكن زاد الخير لا تقتنع وتعلن: "كلّو صحيح/ لكن أنا ما بفلّ/ عن باب بيتي". هنا نرى في وقوفها على الباب قوّة التحدّي والعزم، فهي لن تختبئ خلف الباب لأنّها تعرف أنّ موعد المواجهة آت. لذلك يأتي ذكر الباب مباشرة بعد ذلك في أغنية "طريق النحل": "أنا ومتكية ع بابي/ مرقت نحله بكّير". ومع انطلاق موكب المغادرين نسمع الناس يغنّون: "لمّا بيرسي مركب الليل/ على سطوح المدينة/ وبياخدني سفر الليل/ انطريني ع باب المسافة" ويضيف بربر واعدا البيوت بعدم نسيانها: "على بابك يا بواب الإلفة/ على بابك يا بواب/ ننقش صور الدمع ونحمل/ من حفافيكي تراب". 

عندما يعلم الحاكم برحيل الناس يسأل بغضب: "وين كنتو ما سكّرتو البواب؟ أيُكتب لهذا الملك التعيس أن يحمل كيسه ويندار يشحد على بواب الملوك". هنا يصير الباب رمز الأسر والسجن ثمّ رمز الذل والعار. وفي ظلّ هذا الوضع تبتهل فيروز: "بيتي أنا بيتك.../ نطرتك ع بابي وع كلّ البواب" في إشارة جديدة إلى مفهوم الانتظار والأمل المرتبطين بالباب.  لكنّ الأمر يتغيّر حين تعود الرعية ويخاطب الملك شعبه متوسّلًا: "لا تخلّوا الملك ينطر على البواب" وتسانده زاد الخير قائلة: "الملك جايي يزوركن/ عم بيدقّ بوابكن" ثمّ تغنّي "وصل الضيف وأنا على بابي". 

ناس من ورق

14- ناس من ورق (1972)

يغنّي سعد القوّال (نصري شمس الدين) في "زعلت حليمة": "بابي مفتوح وما بيسألو عنّي" ليظهر الباب من جديد وسيلة انفتاح على الخارج وخصوصًا على الحبّ.  وتقول المهرّجة (جورجيت صايغ): "الليلة خلصنا يا أهل الشبابيك"، ثمّ تنادي الناس: "طلّوا شوفوا طلّوا. اليلة ماريّا جايي تغنّي... للإنسان اللي راجع يدقّ ع بابو وما حدا يفتحلو. والحلوه اللي راحت والورد اللي بقي ع الشبّاك" وبعد ذلك تغنّي ماريّا (فيروز): "دقّيت طلّ الورد ع الشبّاك" ثمّ أغنية "يا أنا يا أنا" حيث تقول: "تركوا أساميهن ع الباب/ على كتب الدمع وراحوا".

ويظهر بعد ذلك شكّور (حنّا المعلوف) الذي يحبّ ماريّا ويسألها: "بتتذكّري ليلة اللي التقينا على درج البيت؟" (الدرج مرتبط بالباب). ثمّ تغنّي فيروز: (دقّوا المهابيج) "على باب الليل صوّت علينا الديب" (الباب هنا صورة شعريّة تعلن حلول الظلام). وأخيرًا يغنّي الحرامي (إيلي شويري) في أغنية قصقص ورق: "يا غنيّة زرقا وشبّاك انفتح ويلوّحنا/ ويمرجحنا/ ويشلحنا ع بواب الناس" حيث يجتمع الشبّاك والباب ليكونا علامة تلاقي تؤكّده فيروز في أغنية "إذا الأرض مدوّرة" إذ تقول: "نتلاقى ببيت/ بفيّة قنطرة" (القنطرة أمام الباب). 

 

15- المحطّة (1973)

المكان هنا محطّة قطار في سهل مزروع بطاطا. إذًا لا نتوقّع وجود أبواب. ومع ذلك فالحلم الذي جاء بالقطار لا يحتمل البقاء خلف الأبواب. وهذا ما نسمعه في أغنية "ليالي الشمال" حين تغنّي وردة (فيروز): "يا حبيبي وبحبّك ع طريق غياب/ بمدى لا بيت يخبّينا ولا باب/ خوفي للباب يتسكّر شي مرّة بين الأحباب". فالباب هنا حاجز بين حبيبين، قد يغضب أحدهما فيدخل إلى غرفة ثانية ويقفل الباب بعنف، أو يرحل مغلقًا الباب خلفه علامة اللاعودة. ووردة نفسها تقول في مناسبة أخرى: "واللي ناطرينو رح يدقّ الباب" في إشارة للأمل وانتظار الآتي. أمّا في قولها "عجّل وتعا/ السنة ورا الباب" فتذكير بمرور الوقت سريعًا وقصر العمر. وكان من عادة اللبنانيّين أن يدوّنوا تواريخ الولادات والوفيات والمناسبات على الباب من الداخل، وحين كانوا يتساءلون عن سنة معيّنة يقولون "السنة مكتوبة خلف الباب". ويختلف معنى الباب في قولها "شتويّه وضجر وليل وأنا عم بنطر على الباب"، وكأنّي بالمرأة هنا تردّ على طرفة بن العبد الذي كان يقصّر يوم الشتاء بامرأة "وتقصير يوم الدجن، والدجن معجب/ ببهكنة تحت الخباء المعمّد". فكلاهما ينتظر علاقة تصارع الضجر والشتاء والوحدة.

يؤكّد لنا الحرامي (أنطوان كرباج) فكرة الأخوين رحباني عن حريّة الحلم ولو في رؤية محطّة تحت حقل البطاطا، وذلك في قوله دفاعًا عن حبّه السرقة: "السرقة والحلم إخوة، تنيناتهن ضدّ البواب والحدود"، في حين يرد الباب في قول الشحّاذ (سامي مقصود) بصورته الواقعيّة لكن المفتوحة على التوّقع: "ممكن نقّر تنقير، نقّيلي باب مطعم حايد". 

أمّا قمّة التأكيد على مفهوم الباب في الأدب الرحبانيّ كمكان للانتظار والتواصل مع العالم الخارجيّ فنجدها في حوار وردة مع نفسها حين تغنّي: "ارجعي وانطري قدّام الباب/ احلمي واسهري قدّام الباب" كأنّي بالفكر الرحبانيّ لا يريد للمرأة أكثر من الحلم مع البقاء في حماية البيت قرب الباب. وربّما هذا ما جعل وردة لا تقطع تذكرة سفر لنفسها وبقيت على المحطّة. 

 

لولو

16- لولو (1974)

يسأل البويجي (نصري شمس الدين) لولو (فيروز) التي تبيّن أنّها بريئة من جريمة ألصقت بها وأطلقوا سراحها بعد خمسة عشر عامًا: "مبيّن مكتّرة المفاتيح". فتجيبه: "ضيّعت مفتاح البيت، استعرت مفاتيح الحبس" (باب البيت وباب السجن مفتاحهما واحد). ثمّ تغنّي لولو: "إنسى؟ كيف؟ والحبس وإيّام السهر/ مشتاقة للقمر/ وخلف الطاقة القمر" (الطاقة تؤمّن التواصل مع العالم الخارجيّ). وحين تهدّد لولو بقتل أحد الذين حاكموها وشهدوا ضدّها، تسأل إحدى النساء القاضي (وليم حسواني): "يعني كيف بدّك نفتح بوابنا وننام؟" في ردّ صريح من الأخوين رحباني على مقولة الرئيس سليمان فرنجيه الذي انتخب رئيسًا سنة 1970: ناموا وبوابكن مفتوحة. ثمّ تغنّي: "كانوا الخيّالي تلج وصهيل وخيل/ مارق ع باب الليل". قبل أن تتذكّر حبيبها نايف بو درع (جوزف ناصيف) قائلة: "هنّي وأخديني ع النظارة كان واقف عم يبكي، متكي ع الباب ويقلّي: ناطرك ت تخلص الدني" (الباب نقطة تحوّل وانتقال الى مرحلة جديدة). أمّا في حوار بين البويجي وزوجته (جورجيت صايغ)، فتقول هذه الأخيرة: "خايفة عليك تكون عشقان/ وداير ع بواب النسوان"، فيجيب البويجي: "عنّا ولاد وناطرين بالضحك بيتسلّوا/ ع البوابّة ناطرين يكبروا ويفلّوا"، فعند المرأة الباب رمز خيانة زوجها وعند الرجل يصير رمز الانطلاق نحو حياة أفضل. 

في أغنية "من عز النوم" يرد الباب رمزًا لمحاولة الانغلاق على الذات لكن في الحبّ يفشل الباب في مهمّته: "لمّا ع حالي سكّرت الباب/ لاقيتك بيني وبين حالي". وبعد لقائها بالحبيب السابق تقول متحسّرة وخائبة الأمل: "يا إيّام الحبس أنا عم إركض وإتطلّع من طاقاتك ع الدني". أما البويجي فيجد في فيء القناطر أمام الأبواب مكانًا لانتظار الحبيبة "وأنا ناطر بالقناطر/ والدني صيفيّة وشوب".

 

ميس الريم
17- ميس الريم (1975)

ساحة ميس الريم تزنّرها البيوت والأبواب والشبابيك والقناطر. يجلس كلّ من العاشقَين نعمان (إيلي شويري)  وشهيده (هدى حداد) إلى شبّاكيهما، ويخرج الناس من الأبواب إلى الساحة حيث يقيم السكران (جوزف صقر) والغريبة العابرة زيّون (فيروز) وحيث سيقع القتال بين أهل الحبيبين. وفي الساحة يقول أحد القبضايات في الفصل الثاني: "بترجع بتربطلو ع الباب (باب المستشفى) هوّي وطالع"، وتغنّي فيروز: يا سنين اللي رحتي ارجعيلي... وانسيني ع باب الطفوله/ ت أركض بشمس الطرقات". وتحت شبّاك شهيدة يقف الشاويش (وليم حسواني) يغنّي للعروس بالنيابة عن مختار المخاتير (إيلي صنيفر). 

تجدر الملاحظة إلى أنّ هذه المسرحيّة عُرضت مع بدء الحرب الأهليّة، وكان الرئيس سليمان فرنجيه رئيسًا للبلاد وهو القائل: وطني دائمًا على حقّ. وكأنيّ بالأخوين رحباني يردّان عليه بلسان المختار مخاطبًا راجي والد نعمان (نصري شمس الدين): بعدك يا راجي ملقطلي بالحقّ؟ تعيش وتاخد عمرو. وين بعد فيه حقّ؟"

18- مسرحيّة بترا (1977)

المسرح الرحبانيّ له مكان واحد أساس هو الساحة. لكنّ الأبواب والشبابيك تشرف عليها وتشاركها البطولة: قد يخفت دور الباب في بعض المسرحيّات كما في مسرحيّة "بترا" حيث تغيب البيوت وأبوابها في ظلّ هيبة القصر الملكيّ، لذلك حين تغني الملكة شكيلا (فيروز) وتقول: "أنا على باب الشوق والريح يا ليل/ أنا على باب الرمل والعمر يا ليل"، يأخذ الباب منحى شعريًّا يصوّر جغرافية المملكة على حدود الصحراء، وشعور الملكة تجاه ذهاب الملك إلى الحرب. أمّا حين يسأل الضابط الرومانيّ لايوس (أندريه جدعون) الملكة قائلًا: "شو السياسة اللي خلّتكن تفتحوا ابواب خزنتكن لودايع الناس؟" فالصورة واقعيّة لا تحتمل التأويل. على عكس ما يصرخ به القائد الرومانيّ باتريكوس متسائلًا حين يشعر بهزيمة بلاده: "روما رح تركع ع بواب الصحرا؟ فالأبواب هنا مجازية وإن احتملت أن تكون أبواب مدينة بترا. لكن الأرجح أن يكون سؤال القائد الروماني يشير إلى هزيمة المدنيّة والحضارة أمام رمل الصحراء وبداوة المقيمين حولها.

في المقابل يصير الباب عنوان الأمل والانتظار عندما تغنّي فتيات المملكة قائلات: "رح تخلص الحرب ويرجعوا الأحباب/ والصبايا بيوقفوا كلّ مين على باب". ولكن حين تغنّي الملكة: "خدني يا حبيبي ع بيت ما لو بواب" يتحوّل الباب رمزًا للأسر والانغلاق تريد الملكة وهي أسيرة الواجب الوطنيّ أن تتحرّر منه. وبهذا المعنى يعود الباب ليظهر في قولها بعد خطف ابنتها بترا: "وزغيرة الأميرة وكبيرة البواب"، لنرى الأبواب ضخمة صعبة الاقتحام ورمزًا لحاجز يصعب على أميرة صغيرة أن تواجهه. لذلك يغنّي الوزير ريبال (نصري شمس الدين): "ل فتّش عليكي من بيت لبيت/ ل إشحد رجوعك من كلّ البواب"، فيعود الباب رمزًا للأمل بإيجاد الأميرة ولو تطلّب ذلك من الوزير أن يتحوّل من مسؤول إلى متسوّل على أبواب الناس.

https://www.cafein.press/post/boab-alaatyk-mfhom-albab-fy-alfkr-alrhbany-mn-khlal-almsrh-4

الخميس، 8 يناير 2026

"بواب العتيقة": مفهوم الباب في الفكر الرحبانيّ من خلال المسرح (3)

 

"بواب العتيقة": مفهوم الباب في الفكر الرحبانيّ من خلال المسرح (3)

"بواب العتيقة": مفهوم الباب في الفكر الرحبانيّ من خلال المسرح (3)

كنت قد نشرت في ملحق النهار، السبت 22 آب 1998، مقالة عن مفهوم الباب في الأغنية الرحبانيّة،  في هذه التتمّة عن صورة الباب في المسرح الرحباني اخترت ثمانية عشر عملًا بدءًا من عام 1960 إلى 1975، ما عدا واحدة هي مسرحيّة بترا التي عُرضت سنة 1977. حاولت فيها أن أقرأ مفهوم الباب وكل ما يتعلّق به أو يشير إليه. في الجزء الأوّل( كافيين دوت برس ( 11/10 تناولت القراءة ثلاث مسرحيّات هي "موسم العزّ" وحكاية الإسوارة" و"جسر القمر"، في الجزء الثاني(12/10 (  الليل والقنديل" و"بيّاع الخواتم" و"دواليب الهوا" و"إيّام فخر الدين". أمّا في هذا الجزء وهو الثالث، فسوف ألقي الضوء على رمزيّة الباب والبوّابة في مسرحيّات  "الشخص" و"جبال الصوّان" و"يعيش يعيش" و"صحّ النوم".

9- الشخص (1968)

المكان كالعادة في المسرح الرحبانيّ هو الساحة، وهنا هو سوق البيّاعين الذين يغنّون: "واسع بابك واسع/ شمس المطالع باب الواسع" في إشارة إلى عطايا السماء. ثمّ نسمع الشاويش (وليم حسواني) يقول: "الناس البسطا القاعدين ع البواب" كأّن الأبواب هي وسيلتهم الوحيدة لإقامة علاقة مع العالم الخارجيّ. وتغنّي بيّاعة البندورة (فيروز): وعلى باب السهرة تبكي المواويل" في إشارة إلى نوع الغناء الذي نسمعه من هذه الطبقة الشعبيّة الفقيرة. ويعود الباب ليظهر عندما يُحكم على البنت البيّاعة التي غنّت أمام "الشخص" (أنطوان كرباج) وخربطت الاحتفال: "على باب المحكمة واقف حارس". لكنّ البنت البيّاعة تدعو إلى الثورة على الظلم: "واللي ع البواب يطلعوا من النوم/ يكسّروا البواب ويتهبّط النوم". الفكر الرحباني يتطرّف هنا في النظرة إلى الانتظار على الباب ويدعو إلى الانتفاضة عليه والاستفاقة من غيبوبة الترّقب. وهذا ما يؤكّد عليه موقف البيّاعة حين تواجه الظلم الذي اعتبر أن الناسَ أساس الملك وعليه تحمّل ثقل البناء: "ولا بدّ هالأساس ما يشلّع التراب/ ويزعزع البناية/ والحيطان والبواب". وعندما يصدر الحكم ببيع عربيّة البندورة بالمزاد العلنيّ، تودّعها البنت قائلة: "إنتي وأنا درنا ع كلّ البواب" لتصير الأبواب هنا مصدر رزق وحياة برغم التعب والقهر. 

تبقى ثلاث مشاهد تحضر فيها الأبواب في هذه المسرحيّة، واحد في مشهد الكنّاسين حين يغنّي وكيلهم عن مغامرات عملهم على الطرقات ويصف الصبيّة التي كانوا يراقبونها، وتعود فيه للباب وظيفة التواصل مع الخارج والآخر: "تبقى تكنّس قدّام الباب/ وتضحك ضحكة حلوة/ وهيي بتكنّس قدّام الباب/ وتحكي قصّة لحالا/ وإتذكّر الحلوة على باب الدار". والثاني في قول المتصرّف (نصري شمس الدين) وهنا الباب حاجز: "أنا باب. باب سميك بيقعدوا خلفي وبيصيروا يسكّروني بوجّ الناس". أمّا الثالث ففي أصوات الناس مع بدء جلسة المحاكمة حين يقولون: "مولانا القاضي نجمة باب الودايع/ سيف الحقّ المسنون" (علامة على انصياع الناس وخضوعهم للسلطة). 

 

10- جبال الصوّان (1969) 

في الفكر الرحباني برتبط الباب عمومًا بالمنزل، وإذا ذُكرت البوّابة فللدلالة على مدخل الحديقة أو مكان العبور إلى الدار الكبيرة. أمّا في "جبال الصوّان" فهي بوّابة الوطن. هي الحدود الفاصلة بين العدل والظلم وعلى هذه البوّابة قُتل مدلج قيدوم جبال الصوّان، وعليها ستُقتل ابنته غربة (فيروز) بعدما حرّرت الناس من الخوف فانتصروا على فاتك المتسلّط (أنطوان كرباج). بدءًا من المشهد الأوّل نرى الهزيمة مرتبطة بهذا الرمز "ووصل الهاجم ع البوّابة"، يصرخ الرجال. ويعلن فاتك انتصاره قائلًا لمدلج وهو يمعن في إذلاله: "ما عاد فيك تقاوم... افتح البوّابة بإيدك، واعزمنا نفوت". ويأتي دليل الهزيمة حين يخبر سعد (محمّد السرّاج) زعيمه مدلج: "واللي هرب هرب وترك بوابو مفتوحة" (علامة الخوف والسرعة في الهرب). لكنّ مدلج لا يهرب ويتحدّى فاتك المتسلّط: "مش رح إترك البوّابة". وبعد أعوام على  حكم فاتك، يتذكّر شهوان (إيلي شويري) الذي صار مخبرًا للعهد: "مدلج قِتل ع البوّابة وأخدو العشب". فتجيبه حنّة الساحلانية (نوال الكّك): "أهلي إجو لهون، وسكنوا هالأرض، وحاربو مع أهل مدلج. جدّو الأوّلاني مات ع البوّابة. وبيّو لمدلج مات ع البوّابة. ومدلج... تكي راسو ع البوّابة". وتتابع نقلًا عن الرعيان: "قال إنّو سليلة مدلج مندورة للبوّابة". 

مع عودة غربة من الغربة، تتجدّد قصّة النذر وتعلن حنّة مؤكّدة هويّة البنت العائدة: "مكتوب ع جبينا قصّة البوّابة". وتأكيدًا على هويّة الفتاة يخرج سعد من منزله الذي لم يغادره منذ قُتل مدلج، "عشر سنين بلياليها مسكّر شبابيكو" (هنا تصير الشبابيك المقفلة علامة الحزن والحداد). ويقول عبدو الروندي (نصري شمس الدين) لغربة: كنت ناطرك طول هالسنين ت إفتح الباب وإضهر لاقيكي" (رمزًا لانتظار فجر الأمل). فيهتف الجميع: "انفتحت البواب لما رجعت غربه. تشرّعوا شبابيكنا وانفتحت البواب" (تحقيق الحلم وعودة الأمل). ويعمّ الفرح وتغنّي غربة: "يا جبال يلّي الهوا شبّاكك العالي" (رمز المجد والسموّ) و"جايي جايي/ وتكي ع الباب/ يحكي عتبو للأحباب" (رمز لقاء الأحبة). وفي أغنية وطني تقول غربه: "أنا على بابك قصيدة كتبتها الريح العنيدة"، و"جيراني بالقنطرة تذكّروني" (القنطرة أمام باب البيت تظلله وتحميه من الشمس والمطر).

يعلم فاتك بعودة غربة. يقول لها القائد الختيار: "جدّك الكاسر كان. ضربة سيفو تقدّ الصخر. وانتهى ع البوّابة"، ويضيف ديبو (جوزف ناصيف): بيّك... وانتهى ع البوّابة". لكنّ غربة لا تخاف وتعلن انطلاق عيد العنب وتغنّي فيه: "ورجعت ع القناطر نجمة العشّاق" (علامة الفرح والأمل بحياة جديدة)، و"قناطر مضويه وبراج عم بتميل" (الضوء علامة النور والفرح). ومع عودة الأعياد والفرح، نقل شهوان (إيلي شويري) لفاتك صورة عن الوضع الجديد: "وعيوا يا مولانا... كانوا مسكّرين، فجأة وصلت، فتحوا بوابن. وعيوا وعيوا"، فالأبواب المفتوحة علامة وعي ومواجهة.

ولأنّ غربه تعرف ما ينتظرها تبتهل في أغنية "يا نبع الينابيع": "وعيون المقهورين سهرانه ع البواب"، وتطلب أن تكون "قصّة الموعودين/ قنديل التعبانين"، وفي أول عرس يقام بعد عودتها تغنّي: بطلب تضلّك سعيده/ معزّزة يا دار/ وبوابك مشرّعة/ والحب راعيكي". نلاحظ هنا كيف تغيّر مفهوم الأبواب المفتوحة بين أوّل المسرحيّة حين هرب الناس وتركوا بيوتهم، وكيف شرّعوا الأبواب الآن للفرح والحبّ. ثمّ تغنّي غربة للعروسين: "تتبارك حجار البيت/ تتبارك العتبة"، فحين يتبارك الحجر والباب تحلّ البركة في البيت كلّه.

ومع احتدام الأمور، وأمام خوف الأهالي من فاتك، تحاول غربة تشجيعهم فتسأل سعد (محمّد السرّاج): "بهاك الليلة، هوّي وبيي ع البوّابة، والسيف قبال عيونو. خاف؟". ثمّ تدبّ الحماسة في قلوب الناس ويعلنون: "لغسل الشماتة عن وجّ البواب، ولأجل البيوت، وتراب البيوت، قرّرنا نموت". وعند لقائها بفاتك الذي يهدّدها تقول له عن الناس: "فتحوا شبابيكن/ شمسن ما عادت تغيب". وحين يهدّدها بالحرب والموت تجيب: "أنا غربه بنت مدلج، مطرح ما وقف بيي، بوقف ع البوّابة حتّى أوفي الندر". 

من الواضح أنّ مفهوم الباب في هذه المسرحيّة أكثر وضوحًا ممّا هو عليه في سواها، ومردّ ذلك إلى موضوعها الوطنيّ الذي جعل البوّابة أكبر من مجرّد باب لبيت، أو بوّابة لحديقة. صارت حدود أرض يتقرّر عندها مصير الوطن ومستقبل أبنائه.

 

يعيش يعيش

11- يعيش يعيش (1970)

لافت ومتوقّع غياب الباب في مسرحيّة "يعيش يعيش". فالمكان هو الدكّان المفتوح على الساحة، وشخصيّات المسرحيّة مهرّبون لا يلجأون إلى البيوت، وإمبراطور لاجئ إلى دكّان لا يقفل أبوابه في وجه أحد، تعمل فيه هيفا (فيروز) مع جدّها بو ديب (نصري شمس الدين). ومع ذلك تجلس هيفا أمام الدكّان وتغنّي كأنّها تصف نفسها: "يا رايح ع كفرحالا/ امرق بسوق العنّاب/ فيه بنت بتنسى حالا/ هيي وعلى هاك الباب"، الباب الذي صار محطّة انتظار لحلم يحملها إلى حيث الحبّ وهي المرتبطة بحكايات الجدّ والعجائز والمهرّبين غير المستقرّة حياتهم.

صح النوم

12- صحّ النوم (1971)

في انتظار أن يصحو الوالي (أنطوان كرباج) من نومه مع اكتمال البدر، تقف قرنفل (فيروز) أمام القصر مع المنتظرين حاملة المظلّة كبديل عن سقف بيتها الذي سقط. وبسقوطه غاب دور الباب، إذ صار السقف هو القضيّة والمطلب. وحين تغنّي: "ع الباب اللي ما إلو باب/ قالو انطروا انطرنا" (أغنية مين ما كان بيتمرجل علينا) نرى مجرّد إطار لباب ولكن بلا "درفتين"، ومع ذلك لا يمكن تجاوزه كأنّ هيبته كافية لفرض وجوده. 

ويعود الباب ليأخذ دور التواصل مع الخارج والحلم بالحبّ مع أسعد (جوزف ناصيف) حين ينهي أغنيته (يا مدللة) قائلًا: "ع بابك الزنبق عِلي/ قومي افتلي واتْشكّلي". ثمّ يتحوّل بشقوقه وسيلة تسلّل إلى قصر الوالي لتحقيق العدالة، حين تقرّر قرنفل الدخول إلى غرفة الوالي النائم لختم عريضة ليلى (هدى حدّاد): "بطلع ع القصر من بين شقوق البواب بفوت. متل الليل بفوت. متل الهوا بفوت". وينتهي الفصل الأوّل من المسرحيّة بأغنية لفيروز تصف فيها خوفها من عاقبة سرقتها الختم وكيف أنّ الناس يراقبونها شاكّين بأمرها، وفي الأغنية:  "وعينيهن شمس/ غابت الشمس/ نزلوا على الليل/ فاتوا ع البيوت/ سكّروا البواب/ وعينيهن شمس/ وأنا مرميّه ع الزمن الغريب". فيأخذ الباب هنا معنى الأمان والحماية في حين هي البلا سقف أو بيت مرميّة حيث التيه والضياع.

وفي الفصل الثاني من المسرحيّة، وبعدما ختمت قرنفل معاملات الناس و"عمرت المدينة" تتحوّل الأبواب المفتوحة علامة بهجة، فيغنّي الوزير زيدون (نصري شمس الدين): ويا بواب المدينة/ خديني وجيبيني/ وسألنا شو القصّة قال/ سيف الفرح جايي".

(يتبع جزء رابع وأخير) 

https://www.cafein.press/post/boab-alaatyk-mfhom-albab-fy-alfkr-alrhbany-mn-khlal-almsrh-3

 

الأربعاء، 7 يناير 2026

"بواب العتيقة": مفهوم "الباب" في الفكر الرحبانيّ من خلال المسرح (2)

 


كنت قد نشرت في ملحق النهار، السبت 22 آب 1998، مقالة عن مفهوم الباب في الأغنية الرحبانيّة، أتابع في الجزء الثاني من هذه القراءة (الجزء الأوّل نشر البارحة) الإضاءة على صورة "الباب" في المسرح الرحبانيّ من خلال ثمانية عشر عملًا، بدءًا من عام 1960 إلى 1975، ما عدا واحدة هي مسرحيّة بترا التي عُرضت سنة 1977. 

لا بدّ من التذكير بأنّ فكرة الباب جزء أساس من المكان المسرحيّ - ولو لم ترد الكلمة في حدّ ذاتها - إن بمعناها الحقيقيّ أو المجازيّ. فللبيوت أبواب وأسطح ونوافذ وشبابيك وقناطر وطُوَق وأدراج وسلالم وعتبات... وكذلك للحبّ والسهر والليل والسفر والفرح والظلم والعدل... وفي كلّ ذلك يبقى الباب المفتوح مفتوحًا على كلّ الاحتمالات، والمقفل رمزًا للبحث عن الأمان إن نظرنا إليه من الداخل، وللخطر والرحيل إن نظرنا إليه من الخارج.

في الجزء الأوّل قرأت رمز الباب في مسرحيّات أربع هي "موسم العزّ" و"حكاية الإسوارة" و"جسر القمر" و"الليل والقنديل". وفي هذا الجزء أفتح الباب على الباب الرحبانيّ في مسرحيّات "بيّاع الخواتم" و"دواليب الهوا" و"إيّام فخر الدين" و"هالة والملك"، على أن أتتّبع، في جزئين آخرين، رموز "الباب" في مسرحيّات أخرى. 

بيّاع الخواتم

5- بيّاع الخواتم (1964)

يظهر الباب مع بداية مسرحيّة "بيّاع الخواتم" في أغنية ريما (فيروز): "ع عتاب البواب/ الإبّر عم بتحيّك/ تحيّك تكّاية/ وتحيّك حكاية" (ارتباط الحياكة بالحكاية). صورة المرأة غازلة الصوف أو حائكته، وكذلك تلك التي تكنس أمام الباب، تكثر في الفكر الرحباني. وهي في جلوسها أو عملها على العتبة تعرف أنّها ستكون عرضة للأعين والأقاويل، بمثل ما تكون على تواصل مع الجيران والحبيب، لذلك تتابع في الأغنية: "والإبر مسنونة/ والعيون مسنونة" لأنّ "الحسد ع الطريق/ الحسد عم بيزهّر".

يتجدّد ارتباط البوّابة بالحب مع الاستعداد لعيد العزّابة: "ولو جانا متلك عريس/ ما منفتحلو البوّابة"، البوّابة نفسها التي تحضر مباشرة في أغنية "إمي نامت ع بكّير": "وسكّر بيي البوابة/ وأنا هربت من الشبّاك/ وجيت لعيد العزّابة". فتسكير البوابة بهدف الحماية لم يمنع الفتاة الحالمة بالحبّ من الهرب من الشبّاك للمشاركة في العيد بالغابة، حيث يغنّي المشاركون: "ويا قفاص المحبّة/ رح بتصيري بيوت/ تشعشع المحبّة/ ع بوابك وتفوت". وبقدر ما تشعشع المحبة على الأبواب، قد تصير هذه الأخيرة متنفّسًا للرجال حين تقع المشاكل الزوجيّة: "ونتقاتل مع النسوان/ ونلمّ علينا الجيران/ ونولّع سيكارة/ بضهر السيكارة/ ونقعد على الباب نقول: يا ريت ما تزوّجنا".

وفي أغنية يا حجل صنين، وصف للباب المشرف على العالم: "بيتهن ع مطلّ هاك القاطع/ ع الدني بيهلّ بابو واسع". وفي أغنية "الشغّيلة" عن شقّ الطرقات: "بدنا الطرقات نفتحها/ واسعة باب مشرّع" (الطريق باب واسع)، وتستعيد ريما ابنة أخت المختار (نصري شمس الدين) العبارة نفسها في أغنية "صحّة وصحتين وعوافي": بدنا الطرقات نفتحها/ واسعة باب مشرّع". 

في الفصل الثاني، وفي سهرة الضيعة، يغنّي الشاويش (وليم حسواني) ل مَي (هدى حدّاد): "إنتي أكبر سرّاقة: لمّا شفتك بالطاقة/ شلحتي اللفته الحرّاقة/ وسرقتي قلب الشاويش" (الطاقة وهي نافذة صغيرة تؤمّن التواصل الخجول). وتغنّي ريما عن "دراج الحكي" ويصف راجح (جوزف عازار) أهل الضيعة قائلًا: شبابيكن حيطان/ وبوابن حيطان" (علامة الصمت والكتمان والخوف من الغريب).

 

صباح ودواليب الهوا

6- دواليب الهوا (1965)

يغيب الباب في الفصل الأوّل من مسرحيّة "دواليب الهوا" وكانت بطلتها صباح، ويحضر في الفصل الثاني، "منضلّ ع بواب الليالي نلتقي" (في صورة مجازيّة) و"ون حيّدو علينا يا حلو/ وكنّا على الشبّاك ملهيين/يا خوفنا إنن يقوموا يسألوا/ مع مين طوّلتو الحكي مع مين؟" (يلعب الشبّاك دور الباب فيصير ملتقى العشّاق).

وتقول نجمة (سهام شمّاس) لفهد العابور (نصري شمس الدين) عن الفتاة/الحلم: "بتكون ع بابك الزهرة مولدنه/ بتمدّ إيدك ما بيطلعلك جَني/ وصدفة بيمرق حدّها واحد غريب/ بتلحقو ع آخر شطوط الدني". 

وحين يقرّر بيّاع دواليب الهوا (إيلي شويري) متابعة السفر على الطرقات يبرّر قراره قائلًا: "اشتقت لدني شبابيكها جديدة". أمّا مخّول (منصور الرحباني) فيتحوّل الباب معه حاجزًا: "حبسوني بهالسراج/ متل القاعد بكاراج/ ما إلو بواب ولا دراج". وتعود صورة الباب المجازية المرتبطة بالليل مع فهد العابور: "نحنا ع باب الليل سهرانين"، ثمّ يغنّي: "بيتك طالل قدّامي/ وما بستهدي ع بابك".

إيّام فخر الدين

7- إيّام فخر الدين (1966)

تبثّ عودة الأمير فخر الدين إلى لبنان فرحًا وتفاؤلًا، فيغنّي الناس: "علّوا البواب الوسيعة/ الدار جيناها" ما يجعل الأبواب العالية المفتوحة (أبواب المدن) رمزًا للأمان. ففي ذلك الزمن كانت الأبواب الجانبيّة الصغيرة الواطئة دليل خوف وطلب حماية إذ لا يمكن للفرسان الدخول عبرها. ثمّ تغنّي عطر الليل (فيروز) أغنية دبكة لبنان وفيها: "خطروا الأصايل يرمحوا/ وصلوا ع باب الساحة.../ طلّ من غياب وتطلّع/ وارتجّ الباب وتشرّع". وفي تشريع الأبواب على الساحة تأكيد على جو الأمن والسلام الذي أشاعته عودة الأمير فخر الدين (نصري شمس الدين) الذي يصف والد عطر الليل العسكريّ عبّاس بقوله: "وعطر الليل بنت العسكريّ عبّاس/ اللي ناطر ع باب الليل". وهي صورة مجازيّة تتكرّر وتصوّر هنا دور الحراسة والسهر على الأمن في محيط يعادي الأمير، ولا يعرف العسكريّ الحارس ما ينتظره خلف الباب وخلف الليل. 

أمّا عطر الليل التي نذرت نفسها لخدمة الوطن، فتقول لأمّها معلنة تلبيتها الواجب: "يا إمّي لا تنطري قدّام البوّابة"، ثمّ تؤكّد على إيمانها بقضيّة يعمل من أجلها الأمير: لروح بين الشمس والفيّه/ وبواب حلوة تشرق عليي" في تصوير لفرح الأبواب والبيوت وأهل البيوت بزمن حريّة آت، وانتشار أواني الزهر أمام الأبواب دليل حياة وأمل. وبدل بوّابة البيت صار لعطر الليل أبواب كثيرة تنتظرها كي توصل إلى أهلها البشرى بوطن جديد مستقلّ. 

      

هالة والملك
8- هالة والملك (1967)

من جديد يحضر الباب في المسرح الرحبانيّ، حتّى ليظنّ المتتّبع أنّ الأمر ليس عفويًّا وإن بدا كذلك. وليس الأمر بغريب إن راقبنا ورود كلمة الباب في الأمثال الشعبيّة. ففي مسرحيّة "هالة والملك" يأخذ الباب معاني مجازيّة لافتة فضلًا عن معناه الحقيقيّ، ففي عيد الوجوه المستعارة، تقول أمينة الخزنة (سهام شمّاس) عن الفأرة التي تتتكّر بوجهها: "بتتزّه بين اللعب/ بتنام بقفل الباب"، ويصرخ الجميع وهم في انتظار الأميرة التي تنبّأت النجوم بوصولها: "انطروا ع بواب المدينة/ العروس اللي جايي". وحين تصل هالة (فيروز) التي يُظنّ أنّها العروس المنتظرة، تقول: "حرّاس المدينة/ قالوا صار غياب/ هدموا قصر الزينة/ سكّروا ميّة باب". أمّا سهريّة (هدى حدّاد) التي أحبّت هالة واستقبلتها في بيتها فقالت واصفة وصول هذه الغريبة: "من بواب الليل/ بيجوا الغربا". 

وحين تصف هالة بيتها تقول: "بيتنا بوابو/ مشقّقها الزمان" (من جديد يرتبط مرور الزمن بالأبواب). أمّا أهل الحيّ الشعبيّ: "نحنا بيوتنا/ بوابها واطيه... لا الشمس ولا القمر بيفوتوا يزورونا" (انخفاض الأبواب رمز الفقر). ثمّ تتابع هالة وصف حياتها في بيتها بقريتها "درج الورد": "مسمّرة ع خشبة الشبّاك / عيني على الشبّاك" (الشبّاك بديل الباب محطّة انتظار وحلم). ويتجدّد ارتباط الطبقة الاجتماعيّة الدنيا بحجم الأبواب عندما تسأل سهريه المستشار: "حضرة مستشار الملك/ قدّام هالباب الزغير؟"

ترفض هالة خداع الملك ولا تقبل أن تكون عروسه، وتسأل الناس والحاشية وكلّهم يحاول إقناعها بلعب دور الأميرة: "والحبّ يا ناس...ما إلو بيت بسيلينا؟ مش عايش ع شي باب؟" (من جديد الباب مكان لانتظار الحبّ)، لذلك تقول في أغنية شايف البحر شو كبير: "يا مصوّر ع بابي/ ومصوّر بقلبي"

وحين يريد الملك (نصري شمس الدين) معرفة حقيقة ما يجري يتبادل الثياب مع الشحاد (وليم حسواني) الذي يقول له في تعبير جميل يصف تعاسة الحكّام: "بس الملك ما إلو مستقبل/ واقف ع الباب الأخير/ ع الباب المسكّر". وعندما  تلتقي هالة بالملك وهو في ثياب الشحاد تذكّره بفقر الناس عبر وصف أبوابهم المنخفضة: "الملك ما بيعرف شو فيه بالبيوت الفقيرة، بوابها واطيه والملك ع راسو تاج ما بيقدر يوطّي راسو". وتنتهي المسرحيّة بعودة هالة إلى قريتها وهي تغنّي: "بكرا بقعد ع بابي وبحكي القصّة لــ صحابي" (الباب مكان التواصل مع الخارج، مع ارتباطه بالحكاية).

https://cafein.press/post/boab-alaatyk-mfhom-albab-fy-alfkr-alrhbany-mn-khlal-almsrh-2

 

الاثنين، 8 ديسمبر 2025

"بواب العتيقة": مفهوم "الباب" في الفكر الرحبانيّ من خلال المسرح (1)

"بواب العتيقة": مفهوم "الباب"  في الفكر الرحبانيّ من خلال المسرح (1)

كنت قد نشرت في ملحق النهار، السبت 22 آب 1998، مقالة عن مفهوم الباب في الأغنية الرحبانيّة، أستعير مقدّمتها في هذه التتمّة عن صورة الباب، ولكن في المسرح الرحبانيّ من خلال ثمانية عشر عملًا، بدءًا من عام 1960 إلى 1975، ما عدا واحدة هي مسرحيّة بترا التي عُرضت سنة 1977.

"في وقت تفتح فيه الأبواب على كلّ الاحتمالات في هذا البلد المحكوم بأقداره، تأتي الكلمة من مكان آخر، من المكان الرحبانيّ – الفيروزيّ، حيث كلّ كلمة مفتاح لباب، وكلّ باب يفتح على آفاق جديدة، ووراء كلّ باب حكاية، وعلى كلّ عتبة وجه. قد تفتح الكلمة "باب الضوء"، وقد تغلق الكلمة الأبواب السبعة وتضع الرصد على أقفالها.

في هذا الزمن، حيث تلعب العواصف بالأبواب، وتتحكّم العواطف بالمفاتيح، وحيث الكلمة هي المفتاح السحريّ لمغائر اللصوص، تعالوا نلعب لعبة الكلمات، ونذهب إلى "باب" الكلمة" أو إلى كلمة "الباب"، ونقرع لعلّ أحدًا يفتح لنا. تعالوا نبتعد عن أبواب القصور، وكراسي الحكّام، ومفاتيح الخزائن، ونرحل إلى الأغنية، إلى الأغنية الرحبانيّة تحديدًا. 

بين الداخل والخارج، يقف الباب ليكون إمّا حاجزًا وسدًّا منيعًا في وجه من يريد اقتحام حرمة الداخل، وإمّا ليكون مفتوحًا لمن يريد الدخول مسالمًا وضيفًا مكرّمًا. والعتبة التي ورد ذكرها كثيرًا في الأغنية الرحبانيّة هي هذا الحدّ الفاصل. وكم مرّة وقفت فيروز على العتبة، فلا هي قادرة على التفلّت من الداخل بتقاليده وموروثاته ورموزه، ولا هي تمتنع عن الرغبة في الانطلاق إلى الخارج بكلّ ما فيه من رحابة وتحرّر وتواصل مع الآخر.

هذا الباب، مثل التسميات المرافقة له: البوّابة، العتبة، والشبّاك أيضًا، هذا الباب، نقول، هو الوسيلة الوحيدة للقاء، للالتقاء، للرقيّ. وهو، في هذا الإطار، لا يصل الإنسان بالإنسان فقط، بل كان عليه في الأغنية الرحبانيّة أن يحمل الإنسان إلى الخارج بما فيه من عناصر طبيعيّة، أو أن يحمل هذه العناصر إلى الإنسان المطمئنّ في الداخل."

أمّا في هذه القراءة الحديثة الموزّعة على حلقات، فأقوم بمحاولة لالتقاط مفاهيم الباب كما هي في الفكر الرحباني اللصيق بجوّ القرية أوّلًا حيث البيوت المتلاصقة والأبواب المشرّعة، والمرتبط ثانيًا بالوطن الذي كان بوّابة بين الشرق والغرب. أمّا اختيار العنوان "بواب العتيقة" – وهو ليس من مسرحيّة – فيعود أوّلًا إلى التصاق صفة العتق بالأبواب الرحبانيّة، وثانيًا إلى أنّ أغنية "خدني ازرعني بأرض لبنان" التي أوحت بهذه القراءة للباب في الفكر الرحبانيّ، تحمل خلاصة النظرة إليه كرمز للأمان والارتباط والتواصل والعودة إلى البيت/ الوطن: بواب العتيقة عم تلوحلي (رمز القدم والتاريخ والأجداد)، وعيون ع شبابيك تشرحلي صحاب عم تقول نحنا صحاب (رمز الأجيال الجديدة والعيون البريئة التي تعد بغد من الصداقة)، خدني ازرعني بأرض لبنان/ بالبيت يللي ناطر التلّة/ إفتح الباب وبوّس الحيطان/ وإركع تحت أحلى سما وصلّي (الزرع والارتباط بالتراب، حراسة الأرض، العودة إلى الجذور، العاطفة العائليّة والوطنيّة، الإيمان والصلاة).  

في الجزء الأوّل من هذه القراءة صورة الباب في أربع مسرحيّات: "موسم العزّ"، و"حكاية الإسوارة" و"جسر القمر"، و"الليل والقنديل".

موسم العز - الفرقة

1- موسم العزّ (1960)

مع بداية المسرحيّة تغنّي بطلتها نجلا (صباح): "تنهّد يا قلبي ودقّ ع باب الحلو/ بلكي بيفتحلك وهيك منسألو"، وهكذا يبدو الباب المفتوح صلة وصل بين العاشقين. ثمّ تظهر "الطاقة" أي النافذة الصغيرة كبديل عن الباب في الأغنية نفسها وهي بعنوان "يا إمّي طلّ من الطاقة": "يا إمّي طلّ من الطاقة/ وعليي دلّ من الطاقة/ شلحلي فلّ من الطاقة/ وغمزني وفلّ من الطاقة". كأنّ الباب للعلانية والوضوح بينما الطاقة أو النافذة فللستر والتلميح، ومن في الداخل يرى ولا يُرى بوضوح. ثمّ يغنّي شاهين (وديع الصافي) ويقول: "بوّابة اللي كلّها شمس ودفا/ يا ريتني يا ريتني ناطورها". هنا ترتبط البوّابة وهي أكبر من الباب وأوسع بالشمس والدفء كدليل على الانفتاح على الدنيا والناس والطبيعة، ولذلك تحتاج إلى حماية وناطور. وبعده يدعو مرهج القلاعي (رامز كلنك) نجلا التي يعشقها كي ترحل معه فيقول: لولا بتجي وبترافقي مرهج/ والهوا متلج/ والدني ضبابه/ وع كعب شي غابه/ بيت وجنينة وبوّابة". فكأن المتنافسَين على نجلا يعدانها ببوابّة لبيت يضمن لها الأمن والحماية. 

وحين يقرّر شاهين بناء بيت لعروسه يقول: "بدنا نعمّر شي دارة/ يرتاح القلب بفيّتها/ وشي بنيّة تعقد زنّارا/ تقعد تغزل ع عتبتها". والعتبة هنا رمز للباب ودليل الأمان حين تجلس الصبيّة عليها، محميّة بالبيت وعلى تواصل مع الخارج في الوقت نفسه. ويتابع شاهين في أغنية "عمّر يا معلّم العمار" مخاطبًا البنّاء: "دبّرنا قبل تشارين/ بشي أوضة وعليّة ودار/ يكونوا شبابيكن حلوين"، وهكذا يغيب الباب فيحضر الشبّاك، وتجتمع الجماليّة مع النفعيّة، فلا يكفي أن يكون الشبّاك متينًا ومانعًا للبرد، بل يجب أن يكون جميلًا في تصميمه مع أحواض للزهور تتقدّمه.

صحيح أنّ الباب يغيب عن الفصل الثاني من المسرحيّة لكنّ دلالاته حاضرة في القنطرة والشبّاك والطاقة والدرج والسطح. ففي عرس نجلا وشاهين، تزغرد إحدى النساء قائلة: "آويها وزهورنا ع شبابيك دارنا حنيت/ والسعد وافى وقناطر بيتنا تعلّت". وحين يعجز أهل العريس عن رفع المحدلة تعاتبها نجلا وتقول: "بدّك روح مكسورة الخاطر/ لا زينة ولا تعيّد قناطر". لكنّ مرهج لا يقبل أن تذهب نجلا مع عريسها بلا رقص وأغنيات، فيرفع المحدلة بالنيابة عن أهل العريس وهو يقول: "شو ناطرة قناطر العم تعلا/ شو ناطرة؟ مش عرسها لنجلا؟". وهكذا تتمّ الفرحة وتغنّي الصبايا: "تعب الحكي وانزرع الهنا/ ع دراج وسطوح ضيعتنا"، ويغنّي الشبّان: "كِتر الحلا والحبق اغتنى/ بحواض وطواق ضيعتنا".

بيتك يا ستي الختيارة
2- حكاية الإسوارة (1961)

حكاية الإسوارة سهرة تلفزيونيّة من فصل واحد، عرضها تلفزيون لبنان والمشرق في مناسبة افتتاح المحطّة. تغنّي فيها عليا (فيروز) "بيتك يا ستّي الختيارة" وفيها: "عِتق الباب وهالحيطان". وتقول الختيارة (عليا نمري): "من زمان كنت ناطرة ع باب"، ويأتي صوت الختيار من ذاكرة العجوز متحدّثًا عن ولديه: "خلّيهن يروّجوا صوب البواب الناطرينن عليا رفقاتن". وهكذا يرتبط الباب بالزمن (العِتق) والانتظار والأمل. كأنّ الوقوف على الباب هو الخطوة الأولى لمواجهة العالم والناس وتغيّرات الزمن. 

ويحضر الشبّاك أيضًا كرمز للتواصل مع الخارج، حين تقول سميرة (سميرة بعقليني) لسبع (فيلمون وهبه): "التنوضر ع الناس ممنوع. بكره بفرجيك. بدّي سكّر الشبّاك" (رفض اقتحام الخصوصيّة). ويجيبها سبع متحدّيًا: "سكّريه. شبابيك الله مفتوحة". 

جسر القمر

3- جسر القمر (1962)

في هذه المسرحيّة يتجدّد مفهوم الباب ببعده التواصليّ مع الخارج. ففي أغنية "هدّوني" الي يؤدّيها الشيخ (نصري شمس الدين) نسمع: "كانت عم تغزل ع الباب وتليعب صبيعا" فنرى امرأة تبحث عن الضوء (قبل عصر الكهرباء) لتحسن غزل الصوف فتجلس على عتبة الباب، كما نرى أصابعها وهي تلاعب المغزل. وتتابع الأغنية قائلة: "ولمن قالتلي شو باك واقف بخيال الشبّاك"، فنرى العاشق المختبئ خلف النافذة يتلصّص على الحبيبة. ثم نسمع: "ع بوّابتها المخضّرة قلبي رايح جايي" ونرى من جديد ارتباط البوّابة بالجمال واللون الأخضر من نباتات معرّشة عليه كالياسمين مثلًا، وكذلك بالتواصل مع الحبيبة. 

أمّا صبيّة جسر القمر المسحورة (فيروز) فتغنّي: نيّال اللي بيرجع عشيّة/ وع كلّ البواب بيتلاقى بصحاب" فنرى في الصورة نظرة الأخوين رحباني للقرية التي لا غريب فيها بل أهل وجيران ينتظرون على الأبواب رؤية العائدين من أعمالهم. ويعود الباب ليظهر في قول "جميلة" (إلهام الرحباني): "رح آخد الجرّة/ وحطّها برّا/ بالفي حدّ الباب/ جارة الياسمينة"، وذلك طلبًا لبرودة المياه في جرار الفخار التي ترشح. ثم حين تقول الصبيّة: "ع كعب الجسر فيه كنز/ والكنز ع بابو حِرز/ محروس بكلمة سرّ": هنا الباب مرصود وفي فك الرصد عنه خلاص الصبيّة من السحر الذي يأسرها. ويتجدّد ارتباط الباب بالانتظار حين تغّني الصبيّة (فيروز) في "سنة عن سنة": ونطرتك على بابي بليلة العيد/ مرقوا كل صحابي ووحدك البعيد" ليجتمع الأمل والخيبة في مشهد واحد من بضع كلمات. 

وقد يرتبط الباب بالذل والتسوّل كما في قول سبع (فيلمون وهبه) لمخّول (منصور الرحباني): "رح بتضلّ تزقّ كياس/ وتعتّل ع بواب الناس"، لكن سرعان ما يعود الباب والشبّاك مصدرَي فرح وحياة "وبوابنا مشرّعة/ ودراجنا خضرا" و"نفّض جناحاتو ع شبّاك الدار" و"جسر الشبابيك المفتوحة/ ع جناين مخضّرة شلوحها".

الليل والقنديل
4- الليل والقنديل (1963)

صحيح أنّ المكان في المسرحيّة هو خيمة "منتورة" (فيروز) بائعة القناديل، لكن أصحاب البيوت يقصدونها ليشتروا قناديل تطرد العتمة من البيوت والقلوب وساحات السهر: "بدنا نضوّي بيوت ل إلنا... نعلّقهن (القناديل) بالعرايش قدّام الشعريّات/ وقبال الورد العايش/ ع بواب السهريّات". وعند منتورة قناديل مختلفة الأنواع منها ما هو خاصّ بالباب :"وعنّا قناديل/ للريح التلجيّة/ للمشي بالضبابة/ ولقدّام البوّابة". ولأنّ الباب للحماية، يجب أن يكون قنديله مساعدًا في ذلك فيسأل أحد الشراة: "فيه عندك قنديل/ يتعلّق ع الباب/ ويبقى يردّ عنّي هجمات الدياب؟". ولأنّ الليل البلا قمر في حاجة للقنديل تستهدي به الحبيبة على بيت الحبيب تغنّي منتورة: "والدنيه غافلة/ والقمر غاب/ بتقشعني واصلِه/ عم دقّ الباب".

حين يلجأ الشرير "هولو" (جوزف عازار) إلى خيمة منتورة وهي لا تعرفه، تولد الأسئلة والرغبة في معرفة حكاية هذا المقيم في الوعر مع صديقه خاطر (وليم حسواني)، فتسأل "نصري الحارس" (نصري شمس الدين) عنه: فيه ليله كنّا بسهريه/ وسمعنا دعسه قويّة/ صوت دياب/ هواش كلاب/ وشفنا هَولو ع هالباب". فالباب إذًا الذي غالبًا ما يحمل الحبّ والشوق إلى الاحتكاك بالعالم الخارجيّ قد يصير مدخلًا للخوف والشرّ كما في حالة هولو. ولكن سرعان ما تعود للباب براءته وسرّ الدهشة فيه حين يغنّي الشباب لهدى (هدى حدّاد): حاجة تتعب قلبا/ وين بدّا تتخبّا/ الصبيّه من درب الحب/ ناطرها ع باب البيت". ويعود الباب ليرتبط بالحبّ والفرح في أغنية منتورة: "قالولي كتير قالولي وفتحولي بواب/ وياما الجيران حكيولي/ وقلبي ما تاب"، ثمّ تتابع: "ع باب البيت عم غنّي/ ان كنّك حبّيت طمّني". ويليها نصري وهو يتذكّر حبًّا قديمًا: " ومعرّش الزنبق على سورا/ وتضلّ تتمخطر ع باب الدار".

ولكن من جديد، يعود الباب ليظهر في حديث هولو وخاطر حين يتراجع الأوّل عن تكسير القنديل الكبير، فيعاتبه الثاني: "يا هولو إنت ندهتني/ عن باب بيتي ندهتني/ من ضيعتي/ من عيلتي". وهكذا يبقى الباب بابًا يفتح على الطريق المؤدّي إلى الحبّ أو إلى الخطر. وفي الحالين هو مركز الخطوة الأولى نحو المجهول.
 (يتبع غدًا)
https://www.cafein.press/post/boab-alaatyk-mfhom-albab-fy-alfkr-alrhbany-mn-khlal-almsrh-1

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.