من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 19 نوفمبر، 2015

الاستقلال ملك الأغنياء والاستغلال نصيب الفقراء



شارل خوري
(2010)
نحن فقراء لبنان نعرف أكثر من سوانا حقيقة الأمور، لا لأنّنا نملك معلومات أكثر من سوانا بل لأنّنا نعيش على الهامش، ونراقب ما يجري من دون أن ينتبه إلينا أحد، ونعرف ما ينقصنا ولا نصدّق الوعود التي نسمعها ولسنا معنيين بالمطالب والشعارات التي ترفع في الساحات أو تعلن في وسائل الإعلام. ولذلك فكلّ ما يقال عن الحقيقة والاستقلال ورئاسة الجمهوريّة والتحقيق الدوليّ لا يعنينا فعلاً لأنّنا جائعون ومرضى ونشعر بالبرد ولا نملك ما نشتري به الخبز والدواء والمازوت.
إنّ من يعرف الشباب والصبايا الذين يشرفون على التحرّكات الشبابيّة في الشوارع والتلفزيونات مذ انطلق شعار استقلال 2005 يلاحظ أنّهم جميعهم ينتمون إلى عائلات ثريّة جدًّا ويملكون جنسيّات أجنبيّة، وعندهم أكثر من خيار للعمل هنا أو في الخارج، ويقيمون شبكة من العلاقات العامّة تتيح لهم الظهور على شاشات التلفزيون المحليّة والعالميّة وإجراء المقابلات في الصحف والمجلاّت والإذاعات. فإذا نجحت الحركة الاستقلاليّة ونال هؤلاء مطالبهم احتلّوا المراكز النيابيّة ونالوا الوظائف المهمّة، وحكموا البلد. أمّا إذا تدهورت الحالة الأمنيّة وجرت الرياح بما لا تشتهيه سفنهم فجوازات سفرهم حاضرة وبيوتهم في بلدانهم الأخرى جاهزة لاستقبالهم ولا شيء يجبرهم على البقاء. والدليل أنّ عددًا كبيرًا من النواّب والوزراء والقادة سافر إلى الخارج حين شعر بالتهديد أو خاف على حياته.
الأغنياء في لبنان إلى أي حزب أو طائفة انتموا هم الذين يقودون حركة الاستقلال الجديد لأنّهم يستطيعون التغيّب عن العمل، وعن الجامعة، ولأنّ مستقبلهم مضمون ومؤمّن ولأنّهم يستطيعون الاعتصام والبقاء في ساحة الشهداء قدر ما يشاؤون ولأنّهم مطمئنون إلى غدهم، ولأنّه يجيدون التحدّث بلغات أجنبيّة تجذب وسائل الإعلام الغربيّة وتؤثّر على الرأي العام في الخارج . أمّا الفقراء فمشغولون بالبحث عن لقمة العيش وثمن الدواء وقسط المدرسة. فلا ينخدعنّ أحد بصور المظاهرات وأعداد المتظاهرين. فالصور المأخوذة من الجو أو من الأماكن المرتفعة تختلف عند التحليل عن الواقع على الأرض. 
صحيح أنّ تظاهرة 14 آذار قد شارك فيها الجميع، وصحيح أنّ الجميع أراد رحيل الجيش السوريّ، وانتهاء النظام الأمنيّ، ومعرفة حقيقة من اغتال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، غير أنّ للفقراء اليوم مطالب أخرى يبدو أنّ السياسيين، نجوم الشاشات الأرضيّة والفضائيّة، لا يعرفون عنها شيئًا ولا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد. فما دام كلّ واحد منهم قبض ثمن كرسيه النيابيّ إمّا للجلوس عليه أو للانسحاب عنه، فلماذا يهتمّ بشؤون غير تلك التي تحفظ له المركز أو تضاعف رقم حسابه المصرفيّ؟
للفقراء في لبنان هموم ومشاكل لا تعني المتقاتلين على رئاسة الجمهوريّة، ولا تعني الزعماء الذين يقفون وراء كلّ مرشّح. والفقراء في لبنان باتوا يعرفون أن لا أحد يهتمّ بهم، وأنّهم سيزدادون فقرًا أكان هذا رئيسًا أم ذاك، وأنّ الحديث عن الاستقلال يدغدغ مشاعرهم الوطنيّة إلى حين يصرخ أولادهم جوعًا أو ألمًا. 
عندما أقفلت الحدود بين لبنان وسوريا ومنعت الشاحنات من العبور باتجاه الأراضي السوريّة وأتلفت الفواكه والخضار لم يقدّم نجوم الاستقلال الجديد حلولاً للمزارعين الفقراء ولم يشتروا منهم منتجاتهم.
وعندما هجم برد تشرين وتقوقع الناس في الجبال في منازلهم عاجزين عن شراء تنكة مازوت تردّ الصقيع عن الأبواب لم نر قادة الاستقلال الجديد يتنادون ويعتصمون دعمًا لمواطنيهم الذين يكادون يدنقون.
عمر إنسي - برج أبي حيدر

وعندما بدأ موسم المدارس والجامعات وبكى التلاميذ الذين تركوا مقاعدهم الدراسيّة ليذهبوا إلى مدارس مجانيّة أو رسميّة أقلّ مستوى لأن أهلهم عاجزون عن تسديد الأقساط، لم نر شباب 14 آذار يرفعون الشعارات المطالبة بـ"سيادة" العلم على الجهل و"حريّة" اختيار المدرسة و"وحدة وطنيّة" تساوي بين الأثرياء والفقراء.
إنّ الاستقلال يكلّف دمًا، وثمّة من دفع حياته أو كاد يدفعها ثمنًا له. ألم نتعلّم أنّ للحريّة الحمراء باباً بكلّ يد مضرّجة يدقّ، غير أنّ الاستقلال يحتاج أيضًا إلى أموال ومصاريف وصحّة جيّدة تحتمل الاعتصام. ولذلك قال "الرحابنة" عن المعتصمين المضربين عن الطعام: خليهن ياكلوا بيحتجّوا أكتر"؟ ولهذا كان من الطبيعيّ أن تتبنّى استقلال 2005 طبقة ثريّة من المجتمع ستستفيد كيفما تقلّبت الأحوال وتبدّلت الظروف.
"السلطة والمال" كلمتان تتكاملان وتترافقان. فمن يملك السلطة يحصّل المال، ومن يملك المال يشتري السلطة أو على الأقلّ يسيطر بأمواله على من يحبّ السلطة. وهذا ما يحصل عندنا اليوم.
ونحن الفقراء نتسلّى بمراقبة ذلك. فما دمنا لا نستطيع تحسين أوضاعنا في ظلّ الفساد وغياب الدولة وانعدام الثقة بالغد، وما دمنا غير قادرين إلا على التفرّج على ما يجري عاجزين عن المشاركة في الفعل بل ننجرّ إلى ردّ الفعل، فلماذا لا "نتفرّج" على ما يجري في انتظار فرج قريب لا نعرف من أين سيأتي. وقد نستطيع فعل ما هو أفضل من ذلك. لماذا لا نستسلم للمرض حين نمرض فنموت بكرامة بدل الإذلال أمام المستشفيات، ولماذا لا نستسلم للجوع حين نجوع فنموت بصمت بدل التسوّل، ولماذا لا نستسلم للبرد حين يقرصنا الصقيع فنموت بخشوع في انتظار دفء لن يأتي.
فيروز

في مسرحيّة ناطورة المفاتيح "للأخوين رحباني" دعي الشعب إلى الرحيل ردّا على ظلم الحاكم، أمّا نحن فلا بلد يستقبلنا، والبحر من أمامنا، وسوريا من ورائنا، وإسرائيل عند جنوبنا فإلى أين نذهب؟
إن لبنان، لمن لا يعرف، ليس كلّه كشارع مونو، وليس كلّه كوسط المدينة، وليس كلّه كشارع الكسليك، وليس كلّه كشارع الحمرا أيّام عزّه، وليس كلّه كبحمدون وبرمّانا في أيّام الصيف.
ولبنان، لمن لا يعرف، ليس برامج ألعاب ومسابقات، ومغنّين ومغنيّات، وملاهي وراقصات. 
في لبنان فقراء يلمّون أقمشة الشعارات ليستروا عريهم ويائسون لا يجدون عملاً ومتشائمون لا يثقون بالحكم ولا بـ"المعارضات". 
وفي لبنان أجيال شابّة تتسوّل تأشيرات دخول إلى أي مكان.
وفي لبنان آباء وأمّهات يدفعون أولادهم إلى الرحيل ليؤمّنوا مستقبلهم ويضمنوا حياتهم.
وفي لبنان رجال يبحثون في النفايات عن كسرة خبز وما علق بعلبة طون أو سردين.
وفي لبنان أشجار عتيقة تقلع لترتفع الأبنية الحديثة.
وفي لبنان جبال عالية سوّتها الحفّارات بالأرض.
وفي لبنان تلال من النفايات تنفث سمومها في الهواء.
وفي لبنان لا مسارح ولا معارض ولا حركة فنيّة محترمة.
وكلّ شيء آخر تسوّقه وزارة السياحة خداع، وكلّ صورة أخرى توحي بها الصحف مزيّفة، وكلّ مستقبل يعد به السياسيّون وهم.
وإن لم تصدّقوا؟ اسألوا الفقراء فهم الأكثر عددًا.

الأربعاء، 18 نوفمبر، 2015

من يجرؤ على تهنئة الآخر بعيد الاستقلال؟

جبيل

مغارة جعيتا

وسط بيروت

بشرّي

بعلبّك

22 تشرين الثاني 2010

لا رسائل تهنئة اليوم، لا هدايا، لا معايدة، إنّه مجرّد يوم عطلة. إنّه عيد الاستقلال في لبنان.
وهذا العيد هو بكلّ بساطة وعفويّة الدليل الأكيد على أنّنا شعب طائفيّ مهما ادّعى أكثرنا العكس.
نهنّئ بعضنا بالأعياد الدينيّة ولو كنّا لا نمارس ديننا بل ولو كنّا لا نعرف شيئًا عن ديننا أو عن دين الآخرين الذين نسعى كي لا ننسى توجيه المعايدة لهم فيعتبوا علينا.
اليوم لا هدايا للصحافيّين والموظّفين الرسميّين الذين تمتلئ مكاتبهم بالحلوى والأقلام وباقات الأزهار وبطاقات التمنيّات في الأعياد الدينيّة.
اليوم، لا أحد يجرؤ على الاتّصال بصديق ليقول له كلّ عام وأنت بخير، لأنّ الآخر سيعتبر الأمر مزاحًا وسيسخر من المتّصل به ويحوّل الأمر نكتة سخيفة يرويها لمن يلتقي بهم في يوم العطلة هذا.
ولكنّ الأمر لم يبدأ اليوم. وأكاد أجزم أنّه بدأ واستشرى غداة الاستقلال حين كان المعترضون أكثر من المرحّبين: فحين يكون في البلد من لا يريد للفرنسيّين أن يرحلوا، ومن يريد الانضمام إلى سوريا، ومن يريد أن يقيم دويلات طائفيّة (الآن مذهبيّة)، حين يكون كلّ ذلك موجودًا في بقعة صغيرة من الأرض، فذلك يعني أنّ الذين يهنّئون بعضهم بهذا العيد هم حفنة من السياسيّين الذين يبتسمون أمام الكاميرات ويتبادلون شرب الأنخاب (شمبانيا أو عصير ليمون).
فالاستقلال غير موجود لأنّنا لم نقتنع بوجوده منذ لحظة ولادته. وحين يقول أحدنا اليوم: ما في إستقلال، يعني تلقائيًّا: ما كان في إستقلال. وإلاّ ما سمحنا له بالاضمحلال. فطبيعة المجتمعات (الطبيعيّة) أن تنتقل من العبوديّة إلى الحريّة، ومن الاحتلال إلى الاستقلال، ومن الانعزال إلى الانفتاح. غير أنّنا فعلنا العكس. نلنا الاستقلال في يوم واحد، وبدأنا منذ ذلك التاريخ بالسعي إلى عبوديّة الفكر، ودعوة المحتلّ، والانعزال في تجمّعات ضيّقة.
لذلك، لن يرسل أحدنا اليوم رسالة قصيرة عبر هاتفه ليعيّد مواطنًا آخر كما يفعل خلال أعياد الميلاد ورأس السنة والفطر والأضحى، ولن يكتب رسالة إلكترونيّة يوزّعها على أصدقائه ويطلب منهم توزيعها على أربعة ملايين لبنانيّ وإلاّ ضاع لبنان، ولن يشتري أحد الحلويات، ولن يسبق جاره عند الصباح ليقول له: كلّ عام ونحن لبنانيّون حقيقيّون.
وكلّ ما قيل في المدارس خلال هذا الأسبوع، وكلّ الخطب الرنّانة التي ألقيت في المناسبة، وكلّ اليافطات التي تعلّقها البلديّات سنة بعد سنة، وكلّ الأغاني الوطنيّة (ضربنا الرقم القياسيّ في عددها) لن تنفع ما دام المواطن اللبنانيّ غير مقتنع بهذا العيد.
وكلّ عام وأنتم لبنانيّون. إن أردتم.