من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 31 أكتوبر، 2015

ولدتما معًا... وتظلّان معًا يا سليم وإميلي




لكأنّ جبران خليل جبران، حين نظم نشيد الزواج في كتابه النبي، كان يستحلي لوالديه ولنفسه حياة زوجيّة كالتي عشتماها يا خالي سليم ويا عمّتي إميلي:

ولدتما معًا، وتظلّان معًا، حتّى في سكون تذكارات الله. ومعًا حين تبدّدكما أجنحة الموت البيضاء.


زواج والديّ جعل خالي سليم يلتقي بعمّتي، ومن النظرة الأولى أغرم أحدهما بالآخر. ومنذ ذلك الحين، أي منذ أكثر من خمسة وخمسين عامًا، والزوجان العاشقان ملتصقان كتوأم سياميّ، يمرض أحدهما إن مرض الآخر، ويضحك أحدهما إن ضحك الآخر، وسيموت أحدهما إن مات الآخر... قصّة حبّ لم يعكّر صفوها فقر أو حاجة، ولم يخفّف من وهجها ترفٌ أو بحبوحة، ولم يلههما عنها تسعة أولاد وتسعة أحفاد وكثير من الصعوبات لا بدّ منها في حياة أيّ زوجين. 
وبعد أن صارعا الحياة طويلًا، ها هي عمّتي تصارع الموت في مستشفى، وزوجها يقاوم الرحيل في مستشفى آخر، وحين يصحو أحدهما من غيابه، يسأل عن الآخر.
أنا الآن، لا أستبق موتًا قد ينال من أيٍّ منّا في أيّة لحظة، ولا أرثي أو أندب، وإن كنت أبكي. أنا، الآن، أكتب عن تاريخ من الحبّ، يتمنّى كلّ إنسان سويّ أن يختبره ويتذوّق حلاوته. فكيف يموت من يعيش مثل هذا الحبّ؟ 
عمتي الجميلة النظيفة الأنيقة، وخالي الشاعر الطريف الظريف، عاشقا الحياة والعائلة، الوالدان الحنونان، والجدّان العطوفان، يرقدان الآن على سرير المرض، يحيط بهما حبّ كثير ورعاية تفوق الوصف... وفيض من دموع يعجز ساكبوها عن منع جريانها، مهما قيل عن الإيمان والصبر وتقبّل الأمر الواقع. ومع ذلك، مع كلّ ذلك الوجع والخوف من غياب يفرض نفسه على حياتنا،  تبدو الحياة جميلة حين أستعيد حياتهما:
كثير من الضحكات الصاخبة السعيدة...
كثير من الحنان الموزّع بلا منّة أو تمييز...
كثير من أبيات الزجل والطرائف وأخبار نجيب حنكش ورياض شررة وأنيس فريحة وسلام الراسي...
كثير من ولائم الطعام الشهيّ، مهما اشتدّت الحاجة أو صعبت الظروف...
وباختصار... كثير من الحياة!
فكيف لمن لا يثير تذكّره سوى الابتسامة والشعور بجوّ الإلفة والحفاوة أن يموت ويندثر أثره؟ وكيف لعمّتي التي قاومت صعوبات لا تعدّ ولا تحصى أن تستسهل الرحيل؟ وكيف لخالي الذي يستعذب المغامرة ويتحدّى الحياة أن يستسلم بلا مقاومة؟ 
لا أعرف طبعًا متى يلقي كلّ منهما سلاحه ليمضي إلى حيث ينتظر الآخر، لكنّي حين أنظر إلى والدي يبكي أخته التي تصغره، وإلى والدتي تتحسّر على أخيها الذي يصغرها، أعرف أنّنا كلّنا تقدّمنا في العمر، وأنّنا محاطون بموت كثير وبشع حتّى أنّنا نحسد من يموت على سرير العناية بين الأهل والأحبّة. لكنّي أرى كذلك، من خلال غشاء الدمع، أنْ ما دام هناك من يعتني بوالديه لسنوات، كما فعل أولاد خالي وعمّتي، فثمّة ما يخفّف من صعوبات الحياة وقسوة الموت...
عمّتي تتألّم... وكذلك خالي... ربّما هذا هو الموت الذي يخيفنا وهذا ما عجزت الإنسانيّة حتّى الآن عن إيجاد حلّ له: الوجع لا الرحيل، مذلّة طلب الرعاية لا الموت، كرامة المريض لا سمعة الطبيب. 
وبسبب هذين الألم والمعاناة تحترق قلوبنا!
ويا عمّتي، لن أنسى وجهك يسابق وجه أمّي حين أصحو من التخدير بعد أيّ عمليّة جراحيّة أخضع لها!
ويا خالي، قد أنسى بعض حكاياتك الطريفة لكنّي لن أنسى احتفالك بلقيا هذه الحكايات واستهجانك عدم معرفتي بها!
فشكرًا لكما على إرث الحنان والحكاية... والحبّ!

الخميس، 22 أكتوبر، 2015

جرمانوس جرمانوس: شِعر طالع من مبخرة الغطيطة بالجرد


وادي قنّوبين


كنت صغيرة، ربما في الثامنة او التاسعة من عمري حين تأكدت من انني احب الامور الغير شكل. احب الشعر. كان ذلك على سطح البيت الذي كان جدي ناطوره، وخالي يربي الحمام في غرفة كنا نسميها "غرفة السطح". يومذاك كنت وابنة خالي سعيدتين لاننا سنلاعب الحمائم البيض التي سيطلقها خالي حولنا مشترطاً ان نتبادل الادوار، انا وابنته، في ان نسند الباب الذي لا قفل له من الداخل كي لا تهرب الطيور.
بعد نوبتين او ثلاث ضجرت ابنة خالي من مهمة الحراسة فبحثت عن شيء ما تضعه خلف الباب، وحين وجدت ما تبحث عنه انصرفت الى ملاحقة احدى الحمامات امام ناظري والدها الذي قال لي وهو فخور بابنته: هي اذكى منك، أنت لم تفكري في البحث عن حجر يسند الباب. اما انا فكنت حزينة، لا لان ابنة خالي اذكى مني وتفكيرها عملي اكثر من تفكيري فحسب، بل لان اللعبة انتهت، واللهفة التي كنت اشعر بها وانا القي بثقل جسمي الصغير على الباب زالت، ولم يعد ثمة ضرورة لانتظار زميلتي في الحراسة لتستلم نوبتها، فأسرع الى حيث الاقفاص المفتوحة تنتظر كي أمد يدي المضطربة واحاول ان ألمس الطيور التي لا يزال هديلها الرتيب يهدهد الطفلة التي كنتها وريشها المتطاير ينغمس في حبر مخيلتها.
استعدت كل ذلك وانا اقرأ جرمانوس جرمانوس في ديوانه بالمحكية: "بسهر انا وياك لطلوع الحمام". ربما بسبب الحمام، ربما بسبب الشعر، ربما بسبب الشاعر. وربما لانني شهدت معجزة ان يكون الشاعر هو شعره، وان يكون هذا الشعر هو كينونتك التي، ومن دون ذنب اقترفته، لا يمكنك ان تعرف عنها الا بكلمات سواك. عدت الى غرفة السطح وتذكرت البنت بعينيها السوداوين الواسعتين الناظرتين بشغف الى مشهد الطيور المرفرفة، وكيف انكسر الحلم فيهما حين صار الامر متاحاً وسهلا وسريعا، فلم تعد تستعجل ابنة خالها وتقول لها بلهفة: صار دوري. وقصيدة بعد اخرى، اعادني جرمانوس الى الطفلة التي كنتها يوم عمادتي، حين اقام الوالدان حفلة غداء تبارى فيها شعراء العائلة والضيعة في الزجل. ولا تزال والدتي حتى اليوم تأسف لان احدا لم يكتب ما قيل في تلك المناسبة. وما زلت اتردد في إعلامها بان موسيقى غنائهم رفرفت فوق مهدي، وكلماتهم داعبت شعري، فغفوت وانا احلم بأن أصير شاعرة مثلهم، مثل جرمانوس الذي يقول في اولى قصائد الديوان: "وفيي شعر/ اكثر م فيي/ كتاب".
الشعر الذي لا يعديك شعرا ويعيدك شاعرا ليس شعرا. ليس شعرا ان لم يجعلك تغضب على الشاعر الذي وصل الى العالم الغامض الذي تعرف انت في عمق اعماقك بوجوده، غير انك لم تجرؤ على تصديق حدسك، فلم تبحث عن الدروب اليه. وليس شعراً ان تحول غضبك حقدا وكرها وحسدا، لانه الغضب المحيي الذي ينفض عن اغصان ايامك الاوراق اليابسة والثمار المهترئة ويجعلها سمادا عند جذعك، لعلك تعطي اوراقا خضراء وثمارا جديدة، الغضب الذي يطرد التجار من هيكل الشعر ويعيده محراب صلاة وبداية خلاص.
هذا هو الشعر. هذا هو شعر جرمانوس جرمانوس، المتصالح مع نفسه ولغته وتراثه، الثائر على الفقر لا على الفقراء، الناقم على الخبث والمشفق على الخبيثين، العاشق المؤمن بالانسان والطبيعة، المسكون بالنغمة والصورة تصدران عنه كابتسامة طفل ودمعة عجوز، بلا ادعاء او كبرياء.
فقراؤه؟ أنا منهم: "وهنّي وعم يصلّو/ البكي/ نقّط ع صابيعن دمع/ صارو شمع".
جدّته؟ هي جدّتي: "وِجّا خريف المبخره.../ وكفوفها زعتر طري.../ وعيونها صِرّة تعب".
الطفولة؟ هكذا هي في بالي: "هادا الوتر/ ماشي حفا ع الصوف بكانون".
الليل؟ هو ليل الشعر، ابن الوعي والحب "والليل ركوه عم يفوّرها الحنين".
والمرأة؟ جسد تعشق المقيمة فيه لا جثة في مشرحة اللغة: "والخصر:/اول ما عم تغشى شمس ايلول ع طراف الورق/ يطلع منا ريحة نبيد".
ميشال طراد هو العمود السابع في قلعة بعلبك بحسب فؤاد سليمان، أما انت، جرمانوس جرمانوس، فشجرة أرز شابة تنمو في حمى اشجارنا المعمرة، وتحت ظلال موهبتك الاصيلة، يستريح تاريخ لبنان مطمئنا الى المستقبل.


الأحد، 18 أكتوبر، 2015

حكاية الرجل الذي اكتشف أن ليس لديه وقت للحبّ



(2010)

لم يقل له أحد أنّ المهمّات التي ألقتها الحياة على عاتقه تتطلّب حضورًا دائمًا والتزامًا جديًّا وانتباهًا كاملاً، لذلك حين وقع في حبّ امرأة غير زوجته لم ينتبه إلى أنّه سيظلم نفسه قبل أن يظلم أيّ أحد آخر.
هو زوج صالح ملتزم طوال الوقت،
هو والد متفانٍ منتبه طوال الوقت،
هو ابن بارّ محبّ طوال الوقت،
هو شقيق مخلص خدوم طوال الوقت،
هو موظّف نشيط متوفّر طوال الوقت،
هو صديق وفيّ عطوف طوال الوقت،
هو مثقّف متابع شغوف طوال الوقت،
فهل يمكنه فضلاً عن هذه السباعيّة المتكاملة المتطلّبة أن يكون حبيبًا عاشقًا حاضرًا طوال الوقت؟
لم يكن يعلم أنّ الوقت القليل الذي يسرقه بين هذه الشخصيّات السبع تسمح له بممارسة الحبّ (11 دقيقة بحسب باولو كويللو) لا الحبّ، وحين عرف ذلك اكتشف أنّه سيدفع غاليًا ثمن هذه المعرفة، وأنّه من غير الإنسانيّ والعادل أن يطلب الإنسان من نفسه أن يكون رجل الخدمة ليلاً ونهارًا لكلّ من حوله، لأنّه سيفشل في مكان ما بلا أدنى شكّ، هذا إذا كان حظّه جيّدًا وذكاؤه خارقًا ما قد ينقذه من أن يخسر كلّ شيء.
لم يكن الرجل يعلم طبعًا أنّه سـ"يقع" في الحبّ لا بل أنّه سـ"يحلّق" مع الحبّ، لذلك كانت التزاماته الجميلة الأخرى متكاملة متجانسة منظّمة، لكلّ منها موعده وجدوله الزمنيّ، وكانت الحياة مدروسة الخطوات لا مكان خاليًا فيها لأيّة مفاجأة أو خلل، ولكنّ من صفات الحبّ أن يقتحم الأمكنة التي لا تخطر على بال، أن يخربط ما كان منظّمًا، ألاّ يحمل ساعة في يده، ألاّ يحترم مواعيد النوم والعمل والغداء والراحة، أن يكون مشاغبًا مشاكسًا عنيدًا، طفلاً يحتاج إلى عناية واهتمام وانتباه، فهل يستطيع أن يكبر بالقامة والحكمة وسط هذه المهمّات الجديّة الدقيقة أم سيبقى طفلاً عاجزًا عن النمو، يبحث عن مكان للعب بين أقدام الكبار، ثمّ يختبئ خجلاً من قامته القصيرة ويهرب خوفًا ممّن قد يؤذي طراوة عوده؟
هكذا فكّر الرجل وهو يرزح تحت التعب والإرهاق. ترفٌ أن يحبّ وهو مطالَب في كلّ لحظة بعمل ما، بمهمّة ما. سيظلم نفسه ومن يحبّها إن استمرّ في توزيع نفسه ووقته على هذا الشكل ولن يبقى لها، خصوصًا هي، إلاّ فتات يعرف أنّها ستقتات بها وتكتفي لأنّها تحبّه. ولكن إلى متى سيمكنه أن يحتمل صيامها المفروض عليها، واكتفاءها ببقيّة عاطفة ووقت؟
كانت الأفكار تتنازعه وهو يحاول التشبّث بحبّ قد لا يشعر بمثله في آتي أيّامه، وفي الوقت نفسه لا يرضى لنفسه بأن يخلّ بأيّ من التزاماته الأخرى التي تشكّل مشاهد أساسيّة من هذه اللوحة الجداريّة التي اسمها حياته، ولن يقبل طبعًا بالإساءة إلى من لا ذنب له في عاطفته الطارئة أكان هؤلاء في بيته أو في عمله.
وكان يعرف في قرارة نفسه أنّه يهرب إلى التزامات جديدة ليهرب من التفكير في حلّ، وأنّه سيتعب من هذه الالتزامات الإضافيّة، وأنّ ما كان يحتمله جسده وهو شابّ لن يرضاه وهو كهل، وأنّه سيقع يومًا تحت وطأة كلّ ذلك. فهل سيجد الجواب عندها؟ هل سيكون لحسه المبرد هو الحلّ مع أنّه يعرف جيدًا أنّ ما يسيل هو دمه وما يخسره هو حلمه بنوع آخر من السعادة؟

السبت، 3 أكتوبر، 2015

عن غازي قهوجي الذي كان صديقي وسيبقى...

الدكتور غازي قهوجي في حفل توقيع روايتي
"كلّ الحقّ ع فرنسا"

كلمات الصديق الدكتور غازي قهوجي على كتابه:
قهوجيّات - أركيلة الحلم العربيّ

قرأت خبر رحيلك يا غازي على صفحة صديقنا يحيى جابر، إذ كتب: "يا صور... ليفتح بحرك صدره ويستقبل موجةَ ضحكٍ عائدة في تابوت... يا صور مهندسك المسرحيّ السينمائي الساخر غازي قهوجي مات".... فاتصلت بصديقك وأخيك ابراهيم جاماتي، فأكّد لي صوته الخبر...
كنت صديقي يا غازي! صديقي الذي استمعَ إليّ أشكو ولم يبح لي يومًا بألمه وحزنه، حتّى إنّ الذين كانوا يروننا نحتسي القهوة في مقاهي شارع الحمرا، لم يصدّقوا حين كنت أقول لهم إنّني لا أعرف عن خصوصيّاتك أكثر ممّا يعرفون. لكنّي حين علمت، من سواك، خبر مرضك، لم أسامحك وغبتُ عن صورة حياتك، من دون أن تغيب عن بالي صور لقاءاتنا الجميلة الذكية الصاخبة الملأى بالأخبار والطرائف والمعلومات والذكريات. لم أفهم يومها كيف تخفي عنّي أمرًا بمثل هذه القسوة، لتختفي بدورك، لولا بضع رسائل إلكترونيّة، في سرير وجعك ومعاناتك.
كم يمكن للصداقة أن تكون طفوليّة مهما كبر الأصدقاء في العمر. عتبت أنا عليك، وأنت أصررت على إحاطة حياتك الخاصّة والعائليّة بسور من التكتّم، أكاد أجزم أن الذين استطاعوا التسلّل إليه من عالم الفنّ والمسرح والسينما والتلفزيون قلائل جدًّا. فعصبة الأصدقاء حولك، أولئك الذين بنيت معهم علاقة صافية يعود تاريخها إلى صفاء الطفولة والصبا، هذه العصبة العصيّة على الدخلاء كانت تكفي لتجعلك في مأمن من الوحدة وفضول الآخرين، كلّ الآخرين.
لكن، مذ واكبتَ بمحبّة وحكمة إنتاجي الكتابيّ، وجدت فيك السند والمرشد، فما غبتَ عن حفلة توقيع إلى أن أرهقك المرض وأكل من عافيتك، فاختفيت رافضًا أن نراك بلا ضحكة، وبلا طرفة جديدة، وبلا شهوة للحياة والفنّ والعطاء.
سألتك مرّة: لماذا تتعب نفسك في واجبات اجتماعيّة كثيرة؟ فأجبتني: يجب أن أقف إلى جانب الناس في أحزانهم لأخفّف من وقعها، وفي نجاحاتهم لعلّ فرحهم يزيد. وأنا كنت واحدة من هؤلاء الذين خفّفت من ألمهم وضاعفت فرحهم... وستبقى. إذ يكفي أن أستعيد قولك لي مرّة، وأنت تروي لي طرائف جرت بينك وبين الأخوين رحباني: يؤسفني أنّ عاصي لم يلتقِ بكِ... يومها شعرت بالزهو والفخر... وأجبتك وأنا أحاول أن أخفي ارتباكي: خلص، بيكفي إنّك تعرّفت عليي.
أخبرتني أمورًا كثيرة يا صديقي عن الفنّ والفنّانين، وتمنّيت عليك دائمًا أن تكتبها وتنشرها، لأنّك الشاهد الوحيد عليها. وكنت تتردّد لخشيتك من أن تتعرّض لخصوصيّات الآخرين. يا لهذه الكلمة التي جعلتها محور حياتك ورافقتك حتّى موتك: خصوصيّة الإنسان التي يجب ألّا نقترب منها. ومع ذلك كان لك احترام لآراء الآخر لم أجده عند أحد. فكَثُر أصدقاؤك ومحبّوك وهم يعرفون تمام المعرفة أنّك لا توافقهم الرأي في شؤون كثيرة...
 جميلًا كنت يا صديقي، ذلك الجمال الذي ينبع من الداخل بصفاء ومحبّة، وكريمًا سخيًّا، وشهمًا أبيًّا، وصديقًا صادقًا (أذكر جيّدًا كيف حزنت على صديقك وليد غلميه)، وأنيقًا متواضعًا، ومثقّفًا جامعًا...
 وخفيف الظلّ، وخفيف الدمّ! أتذكر كم دارت نقاشات بيننا حول هاتين الصياغتين وعن مصدر كلّ منهما؟ ألم تكن مشكلتك الوحيدة مع ثقيلي الظلّ والدم؟ هؤلاء فقط لم تكن تحتمل وجودهم قربك.
الرسالة الأخيرة التي وصلتني منك كانت منذ عام وفي مثل هذا الشهر. كانت قصيرة ومرفقة بنصّ من نصوصك الطريفة، عدت إليها اليوم، فوجدت فيها هذه العبارة الساخرة: "يقال: كل ديك على مزبلته بيصيح! كثر عدد الديوك بشكل كبير فأصبح لزامًا علينا أن نستورد "مزابل"!"
وها أنت ترحل تاركًا لنا وطنًا صيّرته الديوك مزبلة! فكيف كنت ستطيق البقاء حيث كلّ هذين القرف والخبث؟
صديقي غازي! تبدو الآن قريبًا أكثر من أيّ وقت مضى! كأنّ الموت انتقم لي من المرض الذي أبعدك. فلا تعتب عليّ إن بكيتك الآن وأنت في البال والوجدان والقلب، حيث لا وجع ولا مرض... بل شعرٌ وفنٌّ وأدب ومسرح وغناء وصداقة صافية... ولكن دعني الليلة أفرغ حزني دمعًا... وغدًا، سيكون لنا لقاء مع كلّ كلمة أقرأها عنك، وبالنيابة عنك، ومع كل كلمة أكتبها. 
وإلى اللقاء في سماء صارت اليوم أجمل...