من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 27 سبتمبر، 2015

جان الهاشم في قراءة لروايتي للجبل عندنا خمسة فصول


ماري القصيفي في رواية الانسحاق والأمل

جان الهاشم - صحيفة الحياة 11 تمّوز 2014

    تحكي ماري القصيفي، في روايتها «للجبل عندنا خمسة فصول» (دار سائر المشرق)، الحرب اللبنانية في أحد وجوهها، حرب الجبل في ثمانينات القرن الماضي، بين الموارنة والدروز، وهي انتهت بتهجير المسيحيين من تلك المنطقة التي تعايشوا فيها معاً زمناً طويلاً، قبل أن تبدأ حروبهم وتتواتر منذ ستينات القرن التاسع عشر. وهذا التواتر أعطى الكتاب عنوانه، إذ صار لأبناء الجبل فصل خامس متكرّر يضاف إلى فصول السنة الثابتة المتكرّرة بانتظام، هو فصل الجنون: «ففي الفصل الخامس من فصول تلك السنة في الجبل اللبناني، فصل الجنون الذي لا ينفكّ يعود...» (ص 187). وإن تكن الشخصية الرئيسة في الرواية هي الراوية سلوى بو مرعي، إلا أن بطلة الرواية من دون منازع هي «الحرب اللبنانية» بكل صورها البشعة...     
     تتفرَّغ سلوى بو مرعي لكتابة ذكرياتها عن حرب الجبل، وقصة تهجير عائلتها من قريتها، مع سائر المسيحيين في سائر القرى، إلى دير القمر. ليلة التهجير رسمت مستقبلها، وحفرت في نفسها عميقاً حتى باتت وقائعها راسخة في قلبها، وهي تريد أن تبوح بها لكي «تزيل حملاً ثقيلاً كالجبل...» (ص 12).
     في تلك الليلة هربت العائلة من بلدتها عين يوسف سيراً على الأقدام، ما عدا الأب الذي رفض المغادرة ولازم منزله حيث قُتِل. لكن أخاها التوأم سليم، المختلّ عقلياً، نسي الراديو وأصر على العودة للإتيان به، فطلبت منها أمها أن تعود معه وأكملت طريقها فارَّة. تخلَّت عنهما الأم، وتخلّفا عن ركب النازحين، لكن سليم، الذي يعرف الدروب جيّداً، يقودها وصولاً إلى دير القمر حيث تجمّع النازحون، وحوصروا إلى أن كان الخلاص بإخراجهم من هناك بعد أشهر إلى بيروت وسائر المناطق. وينتهي بها الأمر عاملة في دير الصليب، مصح المجانين، الذي أُدخل إليه شقيقها سليم، واختارت العمل هناك لأنها أرادت أن تلازمه لقربها منه ولتعلّقه بها.
     وتبدأ أحداث الرواية الفعلية (زمن الرواية) من هناك، من مصح دير الصليب حيث حاولت أن تنسى ما حدث، لكنها لم تستطع. تقرّر أن تكتب عن تلك المرحلة بناء على نصيحة ثلاثة: مي ابنة خالتها، والصديقة الوحيدة التي بقيت لها، ودانيال العشيق المفقود، وفادي الطبيب في المصح. «اكتبي عنها يزُل الألم وتبقَ الذاكرة» (ص 18). وانتقلت إلى بحمدون لتتفرّغ فيها للكتابة. وراحت تلملم عن ألسنة الناس فيها ذكرياتهم عن وقائع مرحلة سقوط البلدة، والنزوح عنها. أخذت عن جورج ابن صاحب البيت الذي استأجرته، وقرأت أوراق طبيبة طوارئ سويسرية، تدعى جوزيان أندريه، عملت في خلال الحرب في بحمدون ودوّنت يومياتها فيها.
     وما كتبته سلوى يذكّر القارئ بتلك المؤلفات عن حرب الجبل، التي روت الأحداث من زاوية واحدة، وهنا من وجهة نظر شابة مسيحية، معجبة ببعض زعماء طائفتها، وغاضبة على أكثرهم لأنهم لم يعرفوا كيف يقودون الحرب. مع أنها في ما كتبت حمّلت الجميع، مسيحيين ودروزاً مسؤولية الحرب وبشاعاتها. المسيحيون حركشوا، والدروز انتقموا والمواطن دفع «ثمن غباء المسيحي وغضب الدرزي، والغباء قاتل كالغضب» (ص 128).
     وتعود سلوى إلى زمن الأحداث الحقيقي. ما جرى في دير القمر. لم تنم مع المهجّرين في مكان تجمّعهم. هي كرهتهم، وأرادت الابتعاد عن أمّها التي تكرهها معتبرة أنها أخذت كل العقل ولم تترك شيئاً لأخيها التوأم سليم. نامت في الكنيسة حيث قيل إن ثلاثة رجال اعتدوا عليها ومارسوا الجنس معها، فحملت بذلك العار.
وتتحرّك أحداث الرواية بثقل وتباطؤ وتشابه وتكرار، كأن الكاتبة تعمّدت ذلك لكي تبرز تلك الدوامة التي يدور فيها المسيحيون والدروز في فصل الجنون الذي لا يني يتكرّر.
     لم تسلم سلوى من كلّ تلك الأحداث، هي وقعت ضحيتها فتشوّهت نفسيتها بأبشع ما يكون. حمّلها الناس عاراً لم تحمله أساساً، وقد أوضحت ما جرى لها مع الرجال الثلاثة، وما باحوا به لها. الأوّل أراد وهو معها أن يشعر «بأنّ الحرب لم تقتل فيّ كل شيء...»، والثاني أراد أن يتذكّر أمه وهو يغفو على صدرها، والثالث بكى وهدّدها: «إن عرفت أنك أخبرتِ أحداً أنني بكيت قتلتك بلا شفقة ولا رحمة...» (ص 92). حالات ربما تنتاب من انقاد للحرب غصباً عنه، وربما تكون حاجاتها هي نفسها، لأنها حاولت مقاومة الحرب، وافتقدت الأم هي المكروهة من أمها.

     وينتهي القسم الأول من الرواية، مع ما توصلت سلوى إلى تدوينه، لأنها ستصاب بمرض السرطان وتموت قبل أن تكمل ما بدأته. في القسم الثاني تتولّى مي، ابنة خالتها، إكمال ما بدأته، أو بالأحرى إيضاح كل ما ورد في أوراقها من مواقف وأخبار. وتتحول في القسم الثاني إلى راوية بدورها ترى إلى ما أوردته سلوى من منظار آخر. وهنا تتكشّف لنا براعة الكاتبة في لعبة الإيهام، مع ما نكتشفه من وقوع سلوى في حالة الإسقاط (projection) المعروفة في الطب النفسي، بوجهيها: «الإسقاط النفسي»، وفيها تتلبَّس شخصيات الآخرين وتتبنى مواقفهم، و «الإسقاط التحويري» وفيها تعكس حالاتها النفسية على الآخرين. تروي مي، وهي كما رأينا وجه آخر من وجوه سلوى: «وضعتني كتابات سلوى أمام حياتنا كلّنا، ففيها ما حصل معي وتبنّته هي، وفيها حكايات رويتها لها (...) وفيها قصص أقربائنا من المهجّرين (...) وفيها خصوصاً أوراق أنطوني خير الله وجوزيان الطبيبة السويسرية (...) «ظنّاً مني أنني أساعدها (سلوى) في التعلق بالحياة كما فعل انطوني، والإيمان كما تحدّثت عن مفعوله جوزيان» (ص 263).
     ونكتشف أن سلوى هي المجنونة في مصح دير الصليب، وليس شقيقها سليم. ونكتشف أن دانيال، الذي تروي سلوى قصة غرامياتها معه، وحبها له، ليس سوى زوج مي نفسها.
     تعيش سلوى إذاً في أوهامها وكوابيسها، لكن ماري القصيفي، عرفت كيف تقودنا معها على طريق الإيهام، لتكشف لنا في النهاية حقيقة الأمور. طوال الرواية بدت سلوى امرأة مسيحية، تعيش هواجس مسيحيّي الشوف ومخاوفهم. وإذا سلَّمنا بأن مي شكلت عقلها ووجدانها، نجد أن هذه الأخيرة، أصرت مع زوجها دانيال على بناء العائلة، وعلى العمل على الثبات في الوطن، معبّرة عن حنينها إلى أيام المحبة والاختلاط في الجبل، آملة في إحياء ذلك يوماً ما، على رغم بقائها مهجّرة بعيداً من أرض الشوف. عاشت مي الحرب والهواجس، وحمَّلت الجميع، مسيحيين ودروزاً مسؤولية الحرب، لكنها تحلَّتْ بالأمل، استمدّته من دانيال، الزوج المرمِّم وباني الوطن المأمول معها.
     بذلك تصبح سلوى الإنسان اللبناني المصاب بالانفصام بعدما مزّقته الحرب ما بين اليأس والأمل، ما بين الموت والحياة، ما بين الحلم والواقع. في عمق مأساتها ظلت تأمل بوجود حبل خلاص يعيد الرحمة والمحبة إلى القلوب، كتلك المرأة الدرزية بالوشاح البيض، التي روت عنها أنها أنقذتها مع شقيقها سليم أثناء فرارهما، وكما يقول دانيال لزوجته، فإن سلوى «في نصوصها عاشت وعشقت وانتقمت وتطهَّرت، وتمسّكت، في حديثها عن المرأة الدرزية التي سمّتها عذراء الجبل، بحبل خلاص ينقذها من الحقد بالرغم من الأذى الذي تعرَّضت له!» (ص 312).
     وهذا الأمل يحدو الكثيرين على العودة إلى الجبل. لكن ما هو قائم حتى اليوم في الوقائع والنفوس يبقى معوّقاً أساسياً. وربما بسبب ذلك، وما حدث لها، وما تعيشه من تردّد وتمزّق وخوف، لاذت سلوى بالجنون لأنّ «الجنون الحقيقي أبعد ما يكون عن الغباء، وأكثر براءة من أن تلصق به جرائم الحرب، لأنه أجمل من الحقد، وأطهر من الشرّ، وأعمق من المعرفة...» (ص 315).
     «للجبل عندنا خمسة فصول» سجلّ الماضي وصورة الحاضر وهاجس المستقبل ومخاوفه، باللغة المنسابة ما بين السرد البسيط العادي، والتعبير الوجداني العميق المقارب الشعر، هي رواية الضياع والتمزّق والانسحاق، وفسحة أمل تبقى مفتوحة على كلّ الاحتمالات.

الحياة/جان الهاشم
الجمعة 11 تموز 2014

الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2015

من هي السيّدة ذات القلم ولها في العرس رأي نافذ؟ بقلم زاهي وهبي (1994)





     مي م الريحاني هو الاسم المستعار الذي كنت أوقّع مقالاتي به في البداية، وهذه المقالة بقلم الشاعر زاهي وهبي واحدة من الرسائل التي تبادلناها على صفحة "النهار" الثقافيّة في أمور بيروت والشعر والمسرح...

****

     بقلم زاهي وهبي صحيفة النهار – الثلاثاء 26 نيسان 1994

من هي مي م. الريحاني؟
سؤال يلاحقني هذه الأيّام أنّى ذهبت وحللت.
وبعضهم يطرح السؤال بصيغة الشكّ والريبة.
إذ كيف لا أعرف، يقولون لي، مَن لا تكتب ولا تظهر للعلن الثقافيّ إلاّ حين تكتب لي، ومن أين لها هذه الدراية بالمشهد الثقافيّ وأحواله الراهنة، كأنّها مقيمة في خضمّه، عارفة بما خلف كواليسه وبما يجري على الخشبة.
ومع ذلك لا أملك جوابًا عن علامات الاستفهام إلاّ بريد "النهار" في الطابق الثاني والرسائل التي تأتي مذيّلة بالتوقيع في الصفحة الثقافيّة مساجلة حيال هذا الشأن أو ذاك، وكلّما لامست الجرح أكثر أو ضربت على الوتر كبر سؤال بعضهم: مَن هي؟ ومن تكون؟
فكم أودّ سيّدتي لو أعرفك.
*****
لست أقلّ غضبًا منك.
لست أقلّ نقمة أيضًا.
لكن لأعترف لك أوّلاً، بأنّ رسائلك، حتّى حين تخالفني الرأي، تشكّل لي حافزًا مهمًّا للكتابة، وذريعة لوجهة نظر في هذا أو ذاك من مشاهد الثقافة اليوميّة في بيروت الراهنة، وما أسمعه من آراء فيها، أي في رسائلك، من قرّائها الكثر، ستظنّينه نوعًا من المغالاة في المجاملة، لكن الأمر ليس كذلك وحسبك أنّ شوقي أبي شقرا يقول كلّ مرّة:
إنّها تقرأ بذكاء وتكتب بذكاء.
فكيف لا أفرح إذن، ولا أبتهج، حتّى حين لا نتّفق على توصيف مشهد أو على تفسير عبارة مثل تلك التي أثارت غضبك وحنقك (في مقالتي عن مسرحيّة فاميليا) فأخذت الأمر على غير هواه وزيّن لك تأويلك أنّني أكتب هكذا لأسباب لم تكن في بالي وحسباني. أليس أحوج ما نحن إليه الآن هو القراءة بذكاء والكتابة بذكاء؟
*****
أفهم غضبك سيّدتي.
أفهمه وأوافقك.
وأنطلق من رسالتك الأخيرة المحقّة في كلّ ما تضمّنته من ملاحظات على بعض مشاهد الثقافة، لاعتبر أنّ المأزق الحقيقيّ الذي تعيشه الثقافة في بيروت اليوم، يكمن في غياب الحوار وفي النرجسيّة المفرطة الطاغية على كلّ ما عداها وفي المداهنة والإخوانيّات.
أتظنّين أنّ ثمّة كاتبًا أو كويتبًا يعترف بسواه؟
أتظنّين أنّ هناك من يضع الآخر في ذهنه بين كلّ الكتّاب والكتبة؟ إلاّ إذا كان وإيّاه من القبيلة الثقافيّة.
يؤسفني أن أوافقك في كلّ ما تضمّنته رسالتك الأخيرة، وما فيها غيض من فيض الانتهاكات التي ترتكب باسم الثقافة وتقترف في حقّ الوجدان العامّ، أي في حقّ القرّاء والمشاهدين، أو في حقّ القلّة التي لا تزال تعتبر نفسها معنيّة بأحوال الثقافة وأحوال أهلها. ومن هم أهلها؟
هل تعتقدين سيّدتي أنّ عبّاس بيضون على خطأ إذ يقول: هذا كلام مقاه أو كلّه كلام مقاه! أنا لا أظنّه على خطأ وإن كنت لا أنفي عنه كونه واحدًا منّا (منّا جميعًا) من المساهمين في تحويل الثقافة أو على الأقلّ العلاقات الثقافيّة إلى كلام مقاهٍ، وكذلك مع الشعراء الشبّان الذين يظنّون أنّهم خاتمة الشعر ونهاية المطاف فلا يسمعون نقدًا ولا يردّون تحيّة.
ولو شئت وصفًا للمرحلة أو للذهنيّة الثقافيّة الراهنة لقلت إنّها "ذهنيّة المقهى". وأظنّ أنّ المكتوب يقرأ من عنوانه فلا حاجة للاستطراد في شرح ماهيّة "ذهنيّة المقهى"، إنّها ببساطة كلّ ما أشرتِ إليه في رسالتك الأخيرة بدءًا بالفولكلور الذي رافق الاحتفاء بأمين معلوف وانتهاء باسكندر حبش. وهذا واقع مؤلم ومفجع لا ينفع معه أيّ دواء سوى الكيّ، وكم هم قلّة منبوذة من يجرؤون على الجهر بالحقيقة والإشارة إلى الخطأ.
*****
الذي إصبعه في النار ليس كمن إصبعه في الماء.
ولعلّك تجرؤين على تسمية الأشياء بأسمائها لأنّك بعيدة عن المقهى وعن ذهنيّته، وعساك تظلّين بعيدة كي لا يطولك رجس أو نجاسة.
والمقهى، يا صديقة الكلمة، ليس مجرّد طاولة أو فنجان قهوة، إنّه آليّة تفكير وطريقة تصرّف وسلوك يوميّ ومقاربة للأشياء، وبدل أن تكون هذه الآليّة حضاريّة وإنسانيّة باعتبار المقهى أحد مظاهر العيش المدنيّ ومكانًا للالتقاء والتفاعل بين الناس، نجدها تتحوّل في صيغة المقهى الراهنة إلى آليّة جاهليّة وقبليّة تتحرّك وفقًا لصلات القربى والأرحام. وهذه القربى غالبًا ما تكون محكومة بعادات الثأر والانتقام.
سبق لي أن أشرت تكرارًا إلى ظاهرة خطيرة تنتاب المدينة اليوم، وتسهم في تفكّك أوصالها وفي عدم قيام حوار حقيقيّ فيها.
أذكر في زمن الحرب كان الآخر، أو وجوده، حاجة ماسّة وضرورة، كان موت ودمار ووحشة قاتلة وكان كلّ منّا يأنس بجاره أو بعابر الطريق، وكنّا نكتب ونقرأ ونبتهج بما نكتبه وبما نقرأه، كان كلّ منّا يتأكّد من وجوده على قيد الحياة، من قراءته لنصّ الآخر، لقصيدته، لمقاله، لتعليقه، لتحيّته في الصباح بعد ليل من القصف المجنون، وكان المقهى يجمعنا في الخوف والقلق والترقّب في انتظار ما بعد الحرب، مثلما كانت تجمعنا الكتابة في الحال ذاتها، وكانت تلك الحال مكانًا للأنس والإلفة ولنموّ مشاعر الودّ والصداقة بين الباقين على قيد المدينة بعد أن هجرها من هجر، وكان المقهى مظهرًا من مظاهر استمرار المدينة على قيد الحياة، وكذلك كانت الكتابة.
ثمّ انتهت الحرب، وكان لا بدّ لها أن تنتهي، وجاء السلام أو شبّه لنا أنّه جاء، وبدأت المدينة تستعيد أوصاف حياتها المدنيّة، وبدأ كلّ منّا يبحث عن صورته في المرآة الجديدة، وتبدّلت أدوار واختلطت أوراق، وفي غمرة كلّ ذلك، كانت تتكشّف حقيقة بشعة فالحرب تركت صدوعًا وفجوات هائلة في الناس والأمكنة، والسلام بدا أكثر وحشة منها، والآخر الذي كان بالأمس ضرورة ومرآة، صار اليوم، نقيضًا وعدوًّا، إذ راح كلّ منّا يؤكّد وجوده بإلغاء الآخر، ونقل البعض أخلاقيّات المتاريس إلى المقهى والصفحات، ولست أبالغ إذا قلت إنّ ثمّة ما يشبه "حرب الإلغاء" الحقيقيّة التي تدور بين مَن حوّلوا الثقافة متاريس والكتابة إلى رصاص قاتل، بل أشدّ قتلاً من رصاص الحروب.
وأكثر ما تتجلّى هذه الحرب في الصمت المشبوه وغياب الحوار واعتماد التجاهل موقفًا نقديًّا من الآخر وطغيان النرجسيّة على غالب الذين يعتبرون "مفاتيح" اللعبة الثقافيّة. ولو تقرأين جيّدًا بعض السجالات وبعض الكتابات النقديّة تعرفين كم أنّ النقد فقد ضميره، وكيف تنحدر الكتابة إلى دركها الأسفل على يد بعض مَن صنعوا مجدها وألقها وهذا أكثر استدعاء للألم والشفقة في آن.
*****
سيّدتي،
في بيروت اليوم ظلم لا يطاق.
ظلم، لا للمثقّفين، بل للثقافة نفسها.
في بيروت اليوم مثل عمليّة تزوير، مرّة قوامها الصمت، ومرّة قوامها الكلام الموارب، ودائمًا قوامها فقدان النقد لضميره المهنيّ والأخلاقيّ، وغياب الحوار وعدم الاعتراف بالآخر وطغيان النرجسيّة.
وأيّة فجيعة حين يتحوّل النقد إلى مكيدة والكتابة إلى كلام مقاه؟
*****
أفهم غضبك وأقدره ولا أبحث له عن أعذار.
وعساك تجدين أسبابًا للكتابة غير الغضب، فما تخشينه خطأ في بعض آرائك أجده عين الصواب، لكن ليس في اليد حيلة غير الرأي والموقف في وجه حاملي شعار: عين الصواب تبلى بالعمى!
أو عسانا نصحو ذات يوم على غضب ساطع كما تشتهين.
سيّدتي،
ليس هذا ردًّا أو عتبًا، إنّه استكمال لحوار بدأ بيننا منذ عام وأكثر وأظنّه يطول.

الأحد، 20 سبتمبر، 2015

إنسان من القرن الحادي والعشرين (2008)



(من كتابي: نساء بلا أسماء - 2008 - دار مختارات)

     استيقظ رجل يعيش في القرن الحادي والعشرين وهو يشعر بضجر شديد. حاول أن يفكّر لعلّه يجد سببًا لمشكلته، فأعياه التفكير. ثمّ قام بجردة حساب استعاد فيها ما فعله خلال اليوم الفائت، فلربّما كانت المشكلة في أنّه لا يحسن تنظيم وقته أو ملئه بما يناسب. فوجد أنّه يفعل ما يفعله كلّ الرجال من أمثاله: يستيقظ باكرًا، يستحمّ، يحلق ذقنه، يشرب القهوة، ينطلق إلى العمل، يعمل، يتناول غداءه، يتابع العمل، يعود إلى البيت، يرتاح قليلًا، يشاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ يخلد إلى نوم مضطرب.
     من الطبيعيّ أن يضجر. عليه أن يفعل شيئًا، أن يدخل بعض التعديلات على هذا البرنامج الرتيب. وهذا ما حصل في اليوم التالي: استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، وقبل أن يعود إلى البيت، اتصل بصديق قديم ودعاه لتناول فنجان قهوة، قبل الصديق الدعوة، شربا القهوة، استعادا أحاديث قديمة، افترقا على أمل لقاء جديد، عاد إلى البيت، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا ثمّ خلد إلى النوم المضطرب.
     في اليوم الثاني، قرّر أن يدخل تعديلًا آخر. استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، وقبل أن يعود إلى البيت، ذهب إلى النادي الرياضيّ، اتّفق مع المدرّب على أيّام التمرين، عاد إلى البيت، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم الثالث، استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، ذهب إلى النادي الرياضيّ، تمرّن، استحمّ، عاد إلى البيت، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم الرابع، استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، ذهب إلى النادي الرياضيّ، تمرّن، استحمّ، ذهب إلى السينما، عاد إلى البيت، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم الخامس، استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، ذهب إلى النادي الرياضيّ، تمرّن، استحمّ، ذهب إلى السينما، التقى صديقًا آخر، تناول معه العشاء الخفيف، عاد إلى البيت متأخّرًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة (غير التي كان يشاهدها في وقت أبكر)، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم السادس، استيقظ باكرًا، استحمّ، حلق ذقنه، شرب القهوة، انطلق إلى العمل، عمل، تناول غداءه، تابع العمل، ذهب إلى النادي الرياضيّ، تمرّن، استحمّ، ذهب إلى المرأة التي يمارس معها الجنس مرّة في الأسبوع، عاد إلى البيت، استحمّ، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم السابع، لم يستيقظ باكرًا، لم يستحمّ، لم يحلق ذقنه، شرب القهوة، لم ينطلق إلى العمل، لم يعمل، فكّر، فكّر كثيرًا في الأسبوع الذي مرّ، وفي الأسابيع التي ستمرّ، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة، تناول غداءه، حاول أن ياخذ قيلولة، لم ينجح، خرج من المنزل، ذهب إلى النادي، تمرّن، استحمّ، التقى بعض الأصدقاء، تحادثوا في موضوعات سبق أن تحادثوا فيها، شعر بالضجر، عاد إلى البيت، استحمّ، استراح قليلًا، شاهد بعض البرامج التلفزيونيّة وهو يتناول طعامًا خفيفًا، ثمّ خلد إلى نوم مضطرب.
    في اليوم الثامن، ضجر من الاستيقاظ باكرًا، ضجر من الاستحمام، ضجر من حلاقة ذقنه، ضجر من العمل، ضجر من تناول الغداء، ضجر من الأصدقاء، ضجر من النادي، ضجر من السينما، ضجر من المرأة التي يمارس معها الجنس مرّة في الأسبوع، ضجر من البرامج التلفزيونيّة مع العشاء الخفيف، ضجر من النوم المضطرب.
    صار عليه أن يختار أمرًا من ثلاثة: الانتحار أو الزواج وإنجاب الأولاد أو البحث عن قضيّة يبشّر بها.
***

الثلاثاء، 8 سبتمبر، 2015

بعبدا: فراغ رئاسيّ وتخمة نفايات (2015)

الريحانيّة - بعبدا وكنيسة مار الياس

كرتون وبلاستيك... ولا فرز

الطريق غير الرسميّ لقصر الرئاسة




فلأوضح أوّلًا أنّ اختياري طريق النفايات الموصلة إلى كنيسة بلدتي مجرّد صدفة، فلستُ أنا من اختار المكان ليكون مكبًّا لأهل المنطقة وسكّانها والعابرين، ولست مواظبة على القيام بالواجبات الدينيّة أو ممارسة لها، وبالتالي أكتب فقط عن مكبّ نفايات صودف وجوده على الطريق إلى الكنيسة. فاقتضى لفت الانتباه.

النفايات والقصر الرئاسيّ:
في مرحلة تاريخيّة واحدة تتزامن مع الذكرى المئويّة الأولى للحرب الكونيّة الأولى، بدت بعبدا عاجزة عن التعامل مع أمور لافتة كثيرة: إقفال مدرسة الراهبات، خلوّ القصر الجمهوريّ فيها من رئيس "مارونيّ"، انحلال مجلس بلديّتها، أزمة نفايات غير مسبوقة في تاريخ لبنان. كلّ ذلك والجمعيّات الأهليّة والمدنيّة فيها مغيّبة بعدما صيّروها ضحيّة صراعات عائليّة/ حزبيّة.
كانت الريحانيّة على هامش الحياة البعبدويّة بسبب عدم وجود طريق مباشر يصل بينهما. لكن الرئيس أمين الجميّل ارتأى شقّ طريق رديف وبديل عن طريق القصر الجمهوريّ الرسميّ. وقيل لنا عهدذاك أنّه يريد استخدامها لتنقلّاته السريّة من القصر وإليه، لذلك أقيم حاجز حديديّ وسط الطريق المستحدثة يبقي العبور عليها محصورًا بسكّان القصر وزائريه. مع انتهاء عهد الجميّل، صارت الطريق عامّة وصارت قريتنا الجبليّة الغارقة في بساتين الزيتون والتين والسمّاق والخرنوب مدينة صاخبة لا تهدأ حركة المرور فيها... ونفايات المدينة طبعًا غير نفايات القرية.

النفايات والمجلس النيابيّ:
ثمّة في مشهد النفايات المتراكمة على الطريق ما يحرّرني شخصيًّا من أيّ التزام وطنيّ أو اهتمام سياسيّ أو شعور بوجوب المشاركة في انتخابات نيابيّة قد تحصل يومًا ما، وبخاصّة أنّني مقتنعة بأنّ الوجوه والأسماء لن تتغيّر. فأن يكون نائب منطقتي "المسيحيّ" مثلًا هنري الحلو أو حكمت ديب أو ناجي غاريوّس، شاهدًا على هذا المشهد ولا يحرّك ساكنًا مسألة تدعوني للهزء من الذين لا يزالون يؤمنون بزعيم أو سياسيّ. فشكرًا لهذه الأكياس ولكلّ الزبالة التي فيها لأنّها أكّدت إيماني بالابتعاد عن صندوق الاقتراع.

النفايات والمجلس البلديّ:
يعرف المتابعون أن لا مجلس بلديًّا في بلدة بعبدا. وبالتالي ليس هناك من يلام مباشرة على إهمال مسألة بيئيّة صحيّة على هذا القدر من الخطورة. فرائحة الفضائح والدعوى والرشاوى غطّت بنَتَنِها على رائحة النفايات الممتدّة من اللويزة إلى اليرزة إلى الريحانيّة إلى الأنطونيّه وبرازيليا وسبنيه وسائر أحياء بعبدا... ما عدا القصر الرئاسيّ طبعًا حيث النظافة التامّة...
لذلك، حرّرني كيس النفايات أيضًا من أيّ واجب قد يناديني لانتخاب مجلس بلديّ جديد أو التعاون معه. فأن يكون الراغبون في الوصول إلى المجلس البلديّ الجديد متعامين عن النفايات، متغاضين عن التفكير (ولو مجرّد التفكير) في مسألة معالجتها عبر الفرز على الأقلّ، وأن يكونوا شهود زور لأنّهم ليسوا في موقع القرار، فذلك كلّه يعني أنّ مسؤوليّاتهم مرتبطة بالموقع لا بالضمير. وليست المبادرات الفرديّة المشكورة سوى دليل على عجز جماعيّ، ولن تكون كافية لتؤسّس لحركة شعبيّة فكأنّ النخب العائليّة في المنطقة أعلى شأنًا من أمر مشين كالنفايات. لذلك سأقول لمن يدعوني لانتخابه: لم يكن القرار في يدك، لكن قراري في يدي.

النفايات والكنيسة:
ليس تفصيلًا ألّا تكون الطريق إلى الكنيسة في الريحانيّة طريق نحل بل طريق ذباب وبعوض، لكأنّ دعوة البابا فرنسيس إلى إيلاء البيئة الأهميّة القصوى لم تصل بعد إلى صندوق بريد كهنة الرعيّة. لذلك لن أفهم كيف أنّ العونيّين في البلدة يصفقّون لجنرالهم وصهره المحافظَين على حقوق المسيحيّين ويقبلون في الوقت نفسه أن يكون حرم الكنيسة مزبلة، ولن أفهم كيف أنّ القوّاتيين في البلدة معجبون بالحكيم ومغرمون بزوجته الحكيمة لأنّهما يضعان أمن المجتمع المسيحيّ فوق كلّ اعتبار، ومع ذلك يسكت هؤلاء القوّاتيّون أمام مشهد الزبالة تصل إلى عتبة الكنيسة. ولن أفهم كيف تسكت الكنيسة الجامعة الرسوليّة المقدّسة عن تحويل درب الكنيسة دربَ أوساخ وقاذورات تقود مباشرة إلى جهنّم لا إلى السماء...
ولكن من قال أنّ المطلوب أن نفهم؟...

النفايات والفرز:
تظهر الصور الثلاث التي التقطتها اليوم لطريق النفايات كميّة كبيرة وواضحة من العبوات البلاستيكيّة والزجاج والعلب الكرتون. ما يعني أنّ الفرز كان ممكنًا، خصوصًا أن طبيعة الأرض المحيطة كانت ستسمح إلى حدٍّ ما بالتخلّص من النفايات العضويّة. لكن ماذا تفعل البلدة، في غياب مرجعيّات فاعلة، مع العابرين الذين يرمون نفاياتهم ومع العمّال الذين تعجّ بهم ورش البناء ومع العناصر العسكريّة التي تحيط بالبلدة وتقيم فيها وليس عندها مكبّات خاصّة بها؟

أنا والنفايات:
شعرت اليوم وأنا أمام مكبّ النفايات، والعاصفة الرمليّة تضفي طابعًا ساخرًا على المشهد برمّته، برغبة شديدة في أن أرى التلّة ترتفع أكثر وأكثر. أردت أن تخفيَ عنّي الأبنية الحديثة، والأشجار القليلة الناجية من مجزرة الإعمار بلا وعي أو مسؤوليّة. أردت أن تصير القمامة أهمّ من أيّ لقاء قمّة جرى في القصر الرئاسيّ، وأن تصير أكياس الزبالة أكثر عددًا من أكياس الفضّة والذهب التي بيعت بها المنطقة، وأن تصبح للجرذان والفئران والذباب والبعوض والصراصير أصوات انتخابيّة لها تأثيرها، وأن يعمّ الدمار وتنتشر الفوضى، وأن يصير النقاء مجرّد ذكرى في صورة قديمة، وأن تخنقَ رائحةُ العفن والاهتراء عطر البخور، وأن تُخرس أصواتُ الشاحنات رنينَ الجرس، وأن يعميَ دخانُ الحرائق ورمل الصحراء العيونَ التي تعامت عن مسيرة الفساد والتعتير.
اليوم، رأيت الخراب الآتي وكان مغريًا وجميلًا ونظيفًا وواعدًا.

الاثنين، 7 سبتمبر، 2015

البداية كانت مع الثورة على اللغة (2011)


حرف 0  بلغة الجسد

لم تبدأ ثورة الشباب في البلدان العربيّة فجأة. لم تنطلق شرارتها مع بو عزيزي التونسيّ الذي أشعل نفسه فاشتعلت المنطقة. بدأ الأمر حين ثار الشباب على اللغة واخترعوا لغتهم الخاصّة بمكوّناتها المأخوذة من الحرف العربيّ والأجنبيّ والرياضيّات ورموز قرّروا أنّها تعني كذا فصارت كذا. فمن يستطيع أن يشير إلى أوّل من اعتبر رقم (2) همزة لأنّه يشبهها في الكتابة إن أدرنا وجهه للجهة المقابلة، ورقم (3) هو العين، ورقم (5) هو الخاء ورقم (7) هو الحاء، ورقم (8) هو الغين؟ وهكذا سائر الرموز التي تقرّر أنّها رسومات سهلة التعلّم والكتابة.

حين انتشرت هذه اللغة ذات اللفظ العربيّ والشكل الهجين بدأت الثورة بين الشباب. فحين يمتلك الإنسان وسيلة تعبيره الخاصّة تبدأ حريّته بالتكوّن لتعبّر عن شخصيّته الجديدة. والتاريخ شاهد على أنّ المجتمعات ارتقت حضاريًّا وفكريًّا حين تطوّرت وسائل تعبيرها وسهلت لتصير في متناول العامّة.

وهذا ما غفل عنه علماء الاجتماع وعلماء الألسنيّة فلم يحدسوا بالتغيّرات التي تصيب المجتمع العربيّ، وها هم اليوم يحاولون تحليل ما يجري بدل أن يستبقوا الأمور عبر قراءة المتغيّرات السريعة. فاللغة الجديدة ساوت بين الجامعيّ وصاحب المهنة، وتداولها المتمكّنون لغويًّا من العربيّة أو الفرنسيّة أو الإنكليزيّة. ولعلّ أهم ما فيها أن لا قواعد لها، حتّى الآن على الأقلّ. فالشباب لا يعلمون أنّ قواعد اللغة تأتي بعد اللغة ولا تسبقها.

كتبت عن هذا الموضوع منذ أعام حين وصفتُ تلميذة طلبت منها أن تكتب على اللوح عبارة باللغة العربيّة، فوقفت من جهة اليسار أي من حيث تبدأ الكتابة باللغة الأجنبيّة وبدأت الكتابة بشكل عفويّ واضح، ولم ينتبه أحد من التلاميذ إلى أنّ ما يجري غريب ومفاجئ.

منذ أعوام إذًا والعقل في رؤوس الشباب يتأقلم مع تغيّرات سريعة طاولت الملابس والعادات ووسائل التعبير وهي كلّها تحتاج لغة جديدة. وكلّ ما نفعله نحن الذين لم نستوعب ما جرى بعد هو الاستهجان حين نرى مسابقة تلميذ مكتوبة بمزيج من لغات لا رابط بينها إلاّ ميثاق وضعه الشباب بينهم ووحدهم يفهمونه. ومن هذه اللغة بدأ التغيير. وهذا ما عجز سعيد عقل عن تحقيقه، لأنّه كتب اللغة العربيّة بالحرف اللاتيني حين لم يكن المجتمع العربيّ مستعدًّا لذلك ولأنّه اعتبر الأمر مقضيًّا فأصدره بقرار في حين أنّ اللغة هي إنتاج عقليّ ينبع من الحاجة ويتغيّر تبعًا لمتغيّرات تطرأ على هذه الحاجة. وما عجز "عقل" سعيد عقل عن تحقيقه أنجزه على الأرجح شبّان جاهلون لا يجيدون أيّة لغة من اللغات الحيّة إجادة تامّة فاخترعوا واحدة لهم انتشرت كالنار في الهشيم.

وكان علينا أن ننتبه إلى أنّ من يقوم بثورة لغويّة لن يعجزه شيء آخر، لأنّ تركيبة العقل العربيّ الشابّ لم تعد هي نفسها.  

السبت، 5 سبتمبر، 2015

حركات الاحتجاج في مرآة المثقّف العربيّ (صحيفة الحياة 2011)



صحيفة الحياة / الإثنين, 30 مايو 2011
فرض المقهى نفسه على المشهد الثقافيّ العربيّ خلال العقود القليلة الماضية، حتّى أنّ أسماء بعض المقاهي دخلت التاريخ بعدما ارتبط ذكرها بأدباء وصحافيّين ومفكّرين اتّخذوها مواقع نضال ومراكز تجمّعات. ولا يفوق عدد النصوص التي كتبت في مديح المقاهي إلّا تلك التي كُتبت في رثاء ما أُقفل منها على اعتبار أنّها صفحات مطوية من ذاكرة شارع ومدينة ووطن. وقد سعى المثقّفون إلى استغلال هذا المكان المدينيّ والابتعاد به عن أن يكون مجرّد مكان للّقاء وتناول القهوة، فأضفوا عليه صفات ليست من طبيعته كأن يكون ساحة نضال أو منبراً إعلامياً أو نادياً للثقافة.

أكاد أقول إنّ الثورات العربيّة – أو أياً كان اسمها - هي في شكل من أشكالها ثورة على الثقافة والمثقّفين. وبصرف النظر عن تعريف كلمة «الثقافة»، وقد تباينت التفسيرات التي تناولتها، يبقى المقصود هذه الشريحة من المجتمع التي كان عليها أن تُحدث «الثورة»، فإذا بها، وبعد كلّ التغيّرات التي فرضت نفسها على الساحة العربيّة، عاجزة عن مواكبة المستجدّات. وعلى رغم أنّ تحرّكات الشارع ارتبطت ارتباطاً عضوياً بالشبكة الإلكترونيّة وسواها من وسائل الاتّصال السريعة والمتطوّرة، كان لافتاً اعتراف كبار المفكّرين والمثقّفين بأنّهم يجهلون تماماً أبسط سبل الاستفادة من الإنترنت وخدمات التواصل الاجتماعيّ. ما يعني أنّ المشهد يبقى على الشكل الآتي: المثقّف في المقهى يقرأ الصحيفة الورقيّة اليوميّة التي اعتاد قراءتها منذ عشرات السنين، أمّا الشاب الجامعيّ فيضع في جيبه جهازاً صغيراً يتيح له معرفة كلّ ما يجرى في العالم لحظة بلحظة. وإذا كان الأوّل أكثر قدرة على تحليل بعض الأمور القليلة بعمق يرتكز على التاريخ، فإنّ الثاني مقتنع بأنّه يمتلك صورة عالميّة شاملة عن الحاضر فضلاً عن مفاتيح فهم المستقبل. ثمّة أمور ثلاثة أعاقت المثقّفين عن لعب الدور الرياديّ عملياً فانكفأوا إلى التنظير.
أوّلها ابتعادهم عن أجيال الشباب في المدارس والجامعات وتقوقعهم في حلقات ضيّقة يقرأ فيها الواحد منهم نتاج الآخر ويكتب عنه في الصحيفة. والنص اليوم بات مادة امتحان في المدرسة أو الجامعة ولا مجال لمناقشته أو الاعتراض عليه. وقليلة جداً المؤسّسات التربويّة التي سمحت بمقاربة نصوص جريئة فكراً ولغة، أو قامت بدعوة مثقّف منفتح ومتحرّر يطرح مواضيع غير معلّبة. هذه الهوّة بين الثقافة والتربية، بين النصوص الإبداعيّة والمناهج الرسميّة، بين التربية والتلقين، جعلت المثقّف كائناً فوقياً غريباً عاجزاً عن التواصل مع الفئات العمريّة الشابّة. وحين شذّت مجموعة قليلة من الشعراء والأدباء عن هذه القاعدة كان ذلك من خلال نصوص مختارة بعناية تجعل جبران خليل جبران مقبولاً في تمجيده الطبيعة ومرفوضاً في نقده رجال الدين، ونزار قبّاني شاعر المرأة من دون الإشارة إلى شعره السياسيّ، ومحمود درويش صاحب قصيدة وحيدة عن خبز أمّه.
الأمر الثاني الذي غرّب المثقّف عن محيطه هو تأثّره بالفكر الأجنبيّ خلال الدراسة في الخارج أو بواسطة الترجمات التي اطّلع عليها، حتّى بدا الأمر كأنّ الكاتب العربيّ يطمح إلى أن يُترجم ليقرأه غير العرب أكثر ممّا كان يعنيه أن يترك أثراً في مواطنيه. ولذلك يبدو الكثير من الإنتاج الأدبيّ الذي كُتب خلال الوجود الفرنسيّ أو الإنكليزيّ في الشرق أكثر تعبيراً عن حالات نفسيّة «أوروبيّة» تعاني مثلاً من الاكتئاب عند الغروب، أو الإحباط بسبب الحربين العالميّتين، أو الوحدة في حين أنّ الحياة الاجتماعيّة والعائليّة في الشرق لا تشبه ما عند الغربيّين. والتأثّر بالموضوعات الأوروبيّة (فرنسيّة وإنكليزيّة وألمانيّة) ثمّ الأميركيّة أبعد الفكر العربيّ عن التطلّع إلى تفاصيل الحياة اليوميّة، فكان من الصعب على القارئ العربيّ أن يجد في أكثر النصوص التي بين يديه صدى لمخاوفه وأحلامه. والمحاولات القليلة التي رصدت الواقع كانت أعجز من أن تحدث ثورة لأنّها لم تكن تمثل حالة عامّة طاغية، أو تيّاراً جارفاً لا يترك مجالاً لغيره، وإلّا لما كانت الثورات العربيّة تأخّرت كلّ هذا الوقت.
الأمر الثالث هو ارتباط الثقافة بالسلطتين الدينيّة والزمنيّة. وحين يتباهى بعض العرب بأنّ الخلفاء كانوا يكرمون الشعراء يغيب عنهم أنّ هذا التكريم آتٍ من شخص يمثّل الدين والدولة في الوقت نفسه، وأنّ الشاعر المكرّم هو الذي كان يلاقي هوى عند صاحب السلطتين، وفي هذه الحالة لا يمكن الحريّة المطلقة أن تجد لها مكاناً، والتاريخ شاهد على عدد الضحايا الذين قضوا عند افتراق طريقهم عن طريق السلطة الحاكمة. وانسحب الأمر إلى اليوم، فالمثقّف في بحثه عن مصدر رزقه، وفي غياب مؤسّسات الدولة التي تعطيه حقوقه بمعزل عن انتمائه الدينيّ أو الحزبيّ، يجد نفسه مضطراً إلى الاتّكاء والاتّكال على سلطة تحميه وتؤمّن له حياة لائقة، وإلّا هاجر بحثاً عن حريّة التعبير وكرامة العيش.
ومتى أضفنا عجز المثقّف العربيّ عن فهم تداعيات العولمة، ومواكبة السرعة في الاختراعات، وملاحقة آخر صيحات الفنون وإنجازات العلوم، تأكّد لنا أنّ التغيير الذي انطلق في الشارع العربيّ لا يدين لأيّ مثقّف بإطلاقه، ولن يستطيع أيّ مفكّر لا يمتلك لغة العصر الجديد (سينما، إنترنت، موسيقى، أزياء...) أن يفهمه ويعبّر عنه، وجلّ ما يمكنه تحقيقه هو وصف ما يراه على شاشة التلفزيون التي صارت جزءاً من أثاث المقهى الحديث. لقد خسرت الثقافة معارك كثيرة: القضيّة الفلسطينيّة والتشرذم العربيّ وانتشار الأميّة والفساد السياسيّ وهيمنة الأصوليّة وقمع الأنظمة، لأنّها، أي الثقافة، كانت دائماً منفعلة لا فاعلة، مشاهدة لا شاهدة، ولعلّ المطلوب الآن كثير من التواضع للقيام بنقد ذاتيّ دقيق يعيد للثقافة دورها في صناعة المستقبل عوض أن تبقى غارقة في البكاء على أطلال الماضي أو اجترار أمجاده الغابرة.

الثلاثاء، 1 سبتمبر، 2015

الثورة مؤنّث ثور (8 تمّوز 2015)


يا صديقي الثورجي 
كيف بدّك تعمل ثورة وإنت بتخاف حدا يشوفك مع البنت يللي بتحبّا
وناوي تعمل وطن وإنت ما تعلّمت تلمّ تيابك الوسخين عن الأرض
ومقرّر تغيّر الحكم وإنت ما قدرت تغيّر رأي إمّك بصاحبتك 
ومصرّ إنّك بتفهم بسياسة البلد والعالم ومش ضاهر برّات منطقتك
وبتأكّد إنّك ما بتخاف إلّا من الله يللي خلقك بس بتخاف من مرتك تعرف إنّك مش طايق شكلا
ويا صديقتي الثورجيّة
كيف بدّك تعملي ثورة وإنت مصاحبة واحد ت يصرف عليكي
وع بالك تنزلي ع الشارع بمظاهرة وبراسك إنّو يا ريت المحلّات بتكون فاتحة ت تشتري كم غرض
وحابّة تشاركي بتغيير الوضع بس ما بتطيقي تشاركي بدفع الفاتورة بالمطعم
وبدّك تحكي بالسياسة بس ناطرة ت تشوفي بأيّا حزب رح يستقرّ صديقك الجديد
ومصرّة تدلي بدلوك ببير النظام العالميّ وإنت ولا مرّة حملتي دلو أو سطل ولا مرّة شايفة بير
يا أصحابي الثورجيي من كلّ الفئات الشعبيّه، ما بتمشي الثورة مع البرونزاج والريجيم والأركيلة والحجاب والصليب والتشفيط بالسيّارة وشفط الدهون، وما فيكن تعملو ثورة ونصّكن مفكّر إنّو الثورة هيي مدامتو للثور، والنصّ التاني ما بيعرف يلفظ حرف "الثاء"... ما بتظبط
وما فيكن تعملو ثورة إذا ع عيد الاستقلال الناس بتفرش السجّاد، ويوم الاعتصام الناس بتروح ع البحر صيفًا وع التلج شتاء، ويوم الإضراب بتعجق بالمولات والمطاعم... 
وما فيكن تعملو ثورة برمضان ولا ع عيد الميلاد ولا على عاشورا ولا ع عيد الكبير ولا وقت الأخبار ولا وقت المسلسل، ولا بالبرد ولا بالشوب، ولا بالعجقة ولا بموسم المدارس والتنزيلات... 
عملو حيّالا شي بس يا ريت ما يكون إسمو ثورة، لأنّو الثورة مفروض أوّل شي ما يكون إلها علاقة بالدين
يعني اخترعتو الحرف والتبّوله، ما فيكن تخترعو إسم لهالشي يللي ناوين تعملو؟

ماري القصّيفي - 8 تمّوز 2015

ملاحظة: الثورجي عنوان رواية للدكتور نمر فريحة