من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 29 فبراير، 2012

كلّما اجتمع اثنان مسيحيّان كان الحديث عن "الخوارنة والراهبات" ثالثهما

الراهب الحبيس يوحنّا خوند

عنوان طويل لأزمة طويلة لا تبشّر بالخير!
فحين يصير الخوارنة والراهبات موضوع نكات وطرائف ومادّة حديث بين المسيحيّين أنفسهم، فهذا يعني أنّ المأزق المسيحيّ كبير وخطير، لا لأنّ الحديث عن هؤلاء من المحرّمات، بل لأنّ الأخبار التي يتناقلها الناس تفضح الفساد الذي يهدّد الكنيسة. ويمكن اختصار أحاديث الناس بثلاث نقاط:
-       ليس في الإكليروس اليوم مصلّون: فالموارنة (سأحصر الكلام عنهم وإن كان يصحّ على سواهم) يتباهون بأنّ عندهم ناسكًا هو الراهب الحبيس يوحنّا خوند، ما يعني أنّ الأشخاص الذين ينصرفون إلى الصلاة نادرون، مع العلم أنّ النسك والصلاة من صفات المارونيّة كما نشأت واستمرّت.
-       ليس في الإكليروس المارونيّ اليوم مفكّرون وعلماء: فمن يستطيع أن يذكر اسم راهب مفكّر أو كاهن عالِم أو لاهوتيّ لافت؟ فالشخصيّة الأكثر شهرة اليوم في الكنيسة المارونيّة هي الأب فادي تابت (المخرج والممثّل المسرحيّ)، وأنا وإن كنت لا أجد ما يمنع أن يوضع الفنّ في خدمة الكنيسة، لا يمكنني إيجاد مبرّرات تمنع وجود لاهوتيّين ومفكّرين وعلماء اجتماع يفرضون أنفسهم وعلومهم على الوضع المارونيّ الحاليّ.
-       ليس في الإكليروس المارونيّ اليوم من يؤمن بعمل المؤسّسات: فالمأسسة مصطلح لا يغيب عن صفحات نتائج المجمع المارونيّ، ومع ذلك فلا وجود لما يسمّى مؤسّسات: فالفوضى والاستنسابيّة والمحسوبيّة والمزاجيّة والفساد والسرقة هي العناوين الكبرى في المدارس والجامعات والمستشفيات التي يدير شؤونها الإكليروس المارونيّ.
لا ينحصر كلام الناس في هذه النقاط، بل يتباهى كلّ منهم بأنّه يعرف أخبارًا عن ذلك الكاهن أو تلك الراهبة أو ذاك الراهب لو وصلت إلى البابا لشكّلت فضائح ما بعدها فضائح. ومجرّد ذكر البابا يعني أنّ الناس لا يثقون بأنّ رأس الكنيسة المارونيّة، أيًّا يكن، قادر على إصلاح الأمور، والسبب الذي لا يعلمه أكثر الموارنة أن لا سلطة مباشرة وفاعلة من بكركي على الأساقفة، ما يعني أنّ كلّ مطران هو بطريرك في أبرشيّته، يسأل ولا يُسأل، يُحاسِب ولا يُحاسَب. وهنا تقع الإشكاليّة التي لم ينج الموارنة من تأثيرها: هل المطلوب أن يكونوا مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بكنيسة الغرب مع ما يعني ذلك من احتمال تغريبهم عن شرقهم؟ أم المطلوب الاحتماء بكاثوليك العالم وبابا روما في وقت تتهدّدهم المخاطر؟
قد يختلف اثنان مارونيّان ملتزمان على نسبة الفساد في الكنيسة، علمانيّين وإكليروسًا، لكنّهما يتّفقان على أنّ الفساد موجود وخطير.
قد يختلف اثنان مارونيّان ملتزمان على من هو الكاهن الفاسد أو من هي الراهبة الفاسدة، (هنا يلعب الانتماء السياسيّ للشخص المتحدّث دوره في توزيع الصفات) غير أنّ كلمات مثل الفساد والانحطاط والمستقبل القاتم تبقى قاسمًا مشتركًا.
والأدهى من كلّ ذلك أنّ هذين المارونيّين، مهما اختلفا، يُجمِعان على أنّهما ليسا متفائلين بنهضة مارونيّة قريبة. وهنا كلّ الخطر.

الاثنين، 27 فبراير، 2012

في مناسبة صدور رواية "يوم الدين" لرشا الأمير...بالإنكليزيّة



مقالة للشاعر والناقد عبده وازن (صحيفة الحياة) حين صدرت رواية "يوم الدين" في ترجمتها الفرنسيّة:

رواية رشا الأمير «يوم الدين» الى الفرنسية ... هل يمكن تجريد «البطل» من فحولته اللغوية؟

قارئ رواية رشا الأمير «يوم الدين» في ترجمتها الفرنسية الصادرة حديثاً عن دار «سندباد» (باريس) يلمس اختلافاً كبيراً بين النص - الأصل والنص المترجم. والاختلاف ليس ناجماً عن انتقال النص من لغة الى أخرى، بل عن مفهوم الكتابة الذي تبدل بين النصين. وإن كان المترجم يوسف صدّيق سعى الى الحفاظ على روح النص الأول وعلى خصائصه معتمداً لغة فرنسية على قدر من المتانة، فإن الترجمة لم تتمكن من بلوغ صنعة النص العربي وبلاغته والجماليات التي اتسم بها. وقد يبدو مستحيلاً على اي ترجمة ان توازي هذا النص العربي، لغة ومراساً لغوياً بات اليوم نادراً ونادراً جداً.
قارئ الرواية في ترجمتها الفرنسية يجد نفسه مباشرة امام المادة الروائية وأمام «البطل»، رجل الدين المنفتح الذي وقع في حب الفتاة المجهولة و الذي يوجه الآن كلامه إليها، معترفاً ومسترجعاً قصة حبهما وصوراً من ماضيه الشخصي والعام. ليس في الرواية من أحداث جسام ولا وقائع حاسمة بل مناخ ترسّخه تلك المذكرات التي يكتبها الشيخ معتمداً ضمير الأنا المتكلم. لكن المذكرات ليست مذكرات صرفاً ولا يوميات، مثلما ان الرواية ليست رواية في المفهوم الرائج للفن الروائي ولا رواية «رسائلية» أي رواية تتوسل فن الرسالة لتكتب نفسها. وقد تكمن هنا فرادة «يوم الدين» في كونها نصاً سردياً يمسك الراوي بزمامه كما تمسك الكاتبة بزمام راويها. إنها لعبة مزدوجة، لعبة «تنكرية» إذا أمكن القول، ترتدي الكاتبة خلالها قناع الراوي لتسقط عن وجهه قناعه الآخر أو الخفي.
تظهر الصيغة الفرنسية خيوط هذا العالم وملامحه وقسمات شخصيته الرئيسة، الراوي الذي لا يشبه ابطال الروايات، ليس لأنه يتولى فعل الاعتراف أو التذكر فحسب، بل لأنه ايضاً هو من يصنع صورته ويرسم ظلاله انطلاقاً من مخيلة الكاتبة. وقد يجد قارئ الترجمة الفرنسية، إن كان همه روائياً صرفاً، متعة لا يجدها في النص الأصل. وهذا لا يعني ان الترجمة افضل من الأصل، بل على العكس، فالترجمة لم تكن إلا تلطيفاً للنص العربي الموغل في الصنعة والسبك، وقد نجحت في نقل جو الرواية متخلية عن حيلتها اللغوية الصعبة والدربة التي بلغت مبلغ الإعجاز المصطنع أو المصنوع بالأحرى. في الترجمة الفرنسية ينصرف القارئ الى مرافقة الراوي خائضاً حكاياته الشخصية وسيرته المتقطعة او المجتزأة والمآزق التي واجهها وقصة الحب التي عاشها وكان المتنبي، الشاعر الذي شغل الدنيا، الشعلة التي أوقدتها.
لا يضاهي النص المترجم إذاً النص العربي. إنه صورة «استيضاحية» له. ومن تعذّر له استيعاب النص العربي يمكنه فهمه في ترجمته. هكذا يفعل بعضهم عندما يقرأون امهات النصوص التراثية إذا قدّر لها ان تترجم الى لغة اجنبية. يجد القارئ في النص المترجم ما فاته في الأصل أو ما استغلق عليه جراء عجزه عن مقاربة اللغة - الأم التي لا تخلو من الوعورة والتي تميل الى ان تكون - مجازاً - اللغة - الأب، لا سيما إذا كانت لغة رجل متضلّع من علوم اللغة وفنون البيان وضروب البلاغة والفصاحة، مثل هذا الشيخ المفتون بالمتنبي والذي لم يكتف بقراءة ديوانه بل ألزم نفسه ان ينسخه بقلمه إمعاناً بالاحتفال به، كما يعترف. و «مريد» المتنبي هذا لم يسعه ان يعتمد إلا تلك اللغة «المقعّرة»، المشغولة بحذافيرها والطالعة من فنون «الصناعتين» كلتيهما كما تجلتا في العصور القديمة ولا سيما عصر الانحطاط الذي عرف بكونه عصر التأليف اللغوي.
لو لم تختر رشا الأمير شخصيتها الرئيسة أو «راويها» رجل دين لما أمكنها اعتماد هذه اللغة التي لا يمكن وصفها إلا بالبديعة مهما اختلفت الآراء حولها. وهذه لغة لم يبق لها من يكتبها إلا ندرة الندرة ولم يبق لها من قراء إلا قلة تألف هذا التفنن في السبك والصوغ. ولعل هذا «البطل» الطالع من «فحولة» المتنبي استطاعت الكاتبة ان تبرر فحولته ايضاً، وهي «فحولتها» اللغوية التي استعارتها من صميم اللغة، ولو أن التراث لم يأت على ذكر المرأة «الفحلة» بل قصر هذه الصفة على الذكور. إنها الكاتبة بقناع كاتب، يتقن التفنن والتأنق والترسّل... وإلى ما هناك من ضروب البلاغة أو الفصاحة والبديع. وقد يسأل قارئ النص العربي نفسه: هل ما برح من كتّاب يجيدون مثل هذا الفن الذي يفترض الكثير من الجهد والتؤدة والذي ينزع عن السرد عفويته وإيقاعه الحي النابع من الزمن الراهن نفسه؟ هل يمكن روائياً ان يكتب بمثل هذا التنقيح والإحكام والصقل؟ أما ما يزيد من الحيرة إزاء هذه الرواية، فهو انها تحمل رؤية الى العالم إن لم تكن فلسفة، وأن بطلها مأزوم ويعاني ويعيش تجربته الداخلية. والكتابة هنا ليست من باب الفن للفن أو الحذلقة واللعب المحكم والإنشاء الجمالي على ما عوّدنا كبار الناثرين الجماليين قديماً وفي عصر النهضة. وهذه مهمة صعبة فعلاً لأنها لا تقوم على تخوم الشكلانية بل تغرق في بعدها الإنساني الذي جسّدته مكابدة الحب والألم والتأمل في الذات والعالم.
قد يحق للقارئ ان يميل الى النص العربي أكثر مما الى النص المترجم، وأن يعثر فيه على متعة لم يجد في النص المترجم إلا صدى لها. إنها متعة القراءة التي لا تخلو من المشقة، بل متعة المشقة نفسها، التي عانتها الكاتبة في لحظة الكتابة، كأن النص لم يكتب مرة واحدة بل مرة تلو مرة حتى بلغ هذه المرتبة من الأناقة والحسن. إنها متعة النص يشوبها شيء من العجز أو الاستحالة. فالقارئ لا يقرأ ببساطة بل هو يُكب على القراءة - كما يقال - لئلا تفوته شاردة مهما كانت ضئيلة. ولعل إصرار الفتاة أو «البطلة - الظل» على تسمية المتنبي باسمه «احمد» قد يدل على افتتانها بالكناية التي أطلقها ابو العلاء المعري على ديوان المتنبي وهي «معجز أحمد». وقد عجب شيخنا «عجباً مكتوماً، كما ورد في الرواية، لشابة ترفع الكلفة بينها وبين هذا القدر الهائل من الشعر والعربية والتاريخ والغموض».
تستهل رشا الأمير أحد فصول الرواية بجملة تقول: «هذا الكتاب المكتوب المكتوب...» وكأنها تؤكد ما قامت به. وسمحت لراويها ان يكون مرآة لها فقال: «كتابك فكيف أهديكه؟» وهذه الجملة لو نقلت الى العربية من الفرنسية التي ترجمت إليها لكانت على سبيل المثل: «هذا كتابك! كيف أجسر على ان أهديك إياه؟». وهذا ينطبق، ايضاً على جملة أخرى تقول بالعربية: «لك ان تتساءلي عما يُكتبني، لا سيما ان الكتابة بصيغة المتكلم لم تكن اللسان مني يوماً ولا اللسان بيني وبينك». اما في الترجمة من الفرنسية الى العربية فتصبح: «تقدرين ان تتساءلي عما يدفعني الى الكتابة، خصوصاً ان استخدام صيغة المتكلم لم تكن طريقتي في الكتابة ولا طريقتنا في المحادثة». هذان الشاهدان الصغيران قد يوضحان مدى الاختلاف بين النص ورديفه الفرنسي لا سيما انهما يتعلقان بفعل الكتابة نفسها. ولا يخفي شيخنا أثر الفتاة فيه وحضها إياه على كتابة حياته وعلى نشر ما يكتبه ويسميه «يوميات واستطرادات» أو «ما أُكتبه» كما يقول (البناء للمجهول) وكأنها هي التي تُكتبه إياه أو تمليه عليه من داخل طويته. ترى ألم يقل الراوي عن الكتاب الذي بين يديه: «كتابي كتابنا»؟ هذا الالتباس، بين الراوي والكاتبة، بين الكاتبة وظلها أو قرينها الذي اختارته ذكراً، منح الرواية بعداً غير مألوف عادة، شمل اللغة مثلما شمل الفن الروائي والعلاقة العميقة بين الراوي الحاضر والفتاة الغائبة التي يخاطبها وكأنه يكتب إليها ما يشبه الرسالة الطويلة.
سيظل القارئ الذي أحب النص العربي وأُعجب به وبفرادته وديباجته الأنيقة وألفاظه المتخيرة، سيظل حائراً امام النص الفرنسي: هل يمكن تجريد «البطل» من فحولته اللغوية؟

السبت، 25 فبراير، 2012

عن رواية "نساء يوسف" للينة كريديّه




السبت, 25 فبراير 2012
ماري القصيفي
هل هي رواية عن المرأة التي تجد في المرأة الأخرى مرآتها، أم رواية عن الرجل العاجز الغائب مهما ادّعى القوّة والحضور؟ لا يسهل على القارئ أن يجزم بالجواب عند الانتهاء من قراءة رواية «نساء يوسف» للينه كريديه الصادرة عن دار الآداب، لأنّ الروائيّة تمعن في فضح صورة الرجال المهمّشين كلّما تعمّقت في وصف عوالم النساء السريّة. ما جعل الرواية تتّسع، على صغرها (119 صفحة من القطع الصغير)، لعالمين: أحدهما ذكوريّ واضح ظاهر، وبيّن مفضوح، والآخر أنثويّ غامض، ومستتر مخادع. ولكنّ الأوّل لشدّة اطمئنانه إلى وجوده وسطوته لم يأخذ حذره من العالم «السفليّ» الآخر الذي يتأسّس مكتفيًا بذاته، غارقاً فيها، يريد أن يقطع كلّ ما يربطه بسواه بعدما يئس منه. أمّا صلة الوصل بين هذين العالمين، فخادمة سوداء ضخمة القامة، مراهقة العاطفة، تعرف خفاياهما، وتعترف لنفسها/ لنا بأنّ عليها أن تحسم خيار انتمائها.
أكثر من قصة
ولعلّنا نسيء إلى الرواية إن اختصرنا فكرتها بمجرّد القول إنّها قصّة خادمة تروي حكاية الشيخة الخليجيّة «نوال» مع زوجها الذي اتّخذ زوجة ثانية ثمّ ثالثة، أو حكاية «يوسف» ابن «نوال» الذي لم يستطع مقاومة تقاليد المجتمع، فتزوّج ابنة عمّه بعدما تخلّى عن حبيبته الأميركيّة المسيحيّة، اللبنانيّة الأصل، أو حكاية صغيرة العائلة «زيزي» التي تجيد الألعاب الجنسيّة، تمارسها مع مربّيتها، ثمّ تجد نفسها بعد زواجها وخيانة زوجها لها باحثة عن العزاء في حضن صديقتها، أو حكاية «نادين» التي أحبّها «يوسف» لكنّه لم يجرؤ على الزواج منها فعرض عليها أن تكون امرأته السريّة، فتخلّت عنه لتنصرف إلى حياتها العمليّة، حيث حقّقت نجاحاً باهراً لم يدفّئ حياتها العاطفيّة. فالموضوع إذًا ليس مجرّد تجميع حكايات قد نقرأ عنها في الصحف أو نشاهدها في المسلسلات التلفزيونيّة أو تنقلها الألسن عن خفايا الحياة الخليجيّة، بل هو رصد للشرخ الذي لم يعد يكتفي بالتمظهر في الوظيفة والعمل والحياة الاجتماعيّة، بل طاول التكوين العاطفيّ ليجعل الرجال في وادٍ تظهره الرواية غارقاً في الغباء والجهل والجبن، والنساء في وادٍ آخر ينصرفن فيه إلى اجترار العواطف واقتناص الرغبات وتوريث الأحلام.
قد يوحي عنوان الرواية بأنّ ثمّة رجلاً واحداً اسمه «يوسف» تدور في فلكه مجموعة نساء. هذا صحيح إلى حدّ ما، ولكن حين نجد في «يوسف» استمراراً لوالده الشيخ الذي تزوّج زواجاً تقليديّاً، نعرف أنّ هذا الشابّ هو نموذج الرجل الخليجيّ الذي نقلت الثروة النفطيّة عائلته من حال إلى حال، وسافر وتعلّم واختبر الحياة خارج إطار مجتمعه الضيّق، إلّا أنّه لم يستطع توسيع أفق تفكيره أو تحرير عقله.
وما مجموعة النساء التي تصوّرها الرواية حوله إلّا النساء اللواتي يتواجدن حول أيّ رجل خليجيّ حقّق بعض الثراء: زوجات، وخادمات، وعشيقات، وبنات، وكنّات، لا يعرف شيئاً عن عوالمهنّ التي استسلمت فيها الواحدة منهنّ بسبب حرمانها وكبتها، للحبوب المهدّئة (نوال، والدة يوسف)، والجنس والتسوّق (زيزي، شقيقته)، والانهيار العصبيّ (أفراح، زوجته)، والمثليّة الجنسيّة (دادا نعيمة، خادمته)، والدعــارة (صــونيا، عشيقته)، والعمل (نادين، حبيبته).
نمط حياة
تنهي الراوية دادا نعيمة، القصّة بإعلامنا أنّ ابن «يوسف» يشبهه، وبأنّ ابنته تشبه عمّتها، كأنّها تؤكّد أن لا مجال لإحداث أيّ تغيير في نمط الحياة في مجتمع يمتلك أحدث وسائل الاتّصال ولا تواصل فيه بين الرجال والنساء. لذلك تعود هي إلى قريتها في الجنوب الأسود بعد أكثر من ثلاثين سنة في خدمة عائلة لم تبدّل السنون أفكار أفرادها، لتتابع حياتها وهي محاطة بفتيات يعملن في خدمتها، تقطف منهنّ متعها الصغيرة، وتحميهنّ، هي التي هربت من تحرّش عمّها بها، من تعديّات الرجال، فتقول: «ما أملكه سيكفي لبناء بيت لطيف ودكّان صغير لأبيع به حاجات البنات... يوجد الكثير منهنّ في تلك المنطقة البائسة، سيأتين إلى الدادا نعيمة ليساعدنها ويخدمنها وسترعاهنّ بكلّ محبّة وحنان، سيكون بيتي الملجأ الآمن لهنّ من وحوش سبق واختبرتهم... لن يتمّ افتراسهنّ كما تمّ انتهاكي عشرات المرّات، سأقوم بتعليمهنّ بحنان النسوة بعضهنّ مع بعضهنّ الآخر، ذلك التعاطف غير المفهوم لكنّه مألوف لدرجة البداهة، كم تعرف المرأة ألم ووجع شبيهتها بتواطؤ المتآمر الصامت» (ص 117 و118).
نجحت الرواية من دون الإغراق في الوصف، أو الإسراف في نقل التفاصيل، في سرد قصّة عائلة عبر أجيال ثلاثة. كلّ ذلك في غياب الحوار، وهو عنصر من عناصر القصّ، وذلك للدلالة على انعدام التواصل بين شخوص الرواية. وإن حدث ونقلت الكاتبة عبارة عن لسان أحدهم، تركتها بلا جواب مباشر، كأنّ كلّ واحد من أفراد هذه العائلة غارق في أوهامه وأحلامه و «فانتاسماته»، ولا حاجة لكلام لن يقدّم ولن يؤخّر في مجرى الحياة المنحدرة نحو مزيد من الوحدة والانعزال. وأجادت الروائيّة كذلك في تصوير المشاهد التي تنقل حالات النساء العاطفيّة الحسيّة، تهدف منها إلى تحليل نفسيّات المرأة في مختلف مراحل عمرها، وعلى اختلاف ثقافتها وبيئاتها، كما في مشهد زيزي «بطفولتها الخبيثة» (ص34) تتحرّش بمربّيتها خلال الاستحمام والنوم، ووصف حالة الشغف التي اختبرتها «نادين مع «يوسف» (ص 74)، وغرق «أفراح» في بَوْلها علامةً لاستسلامها التامّ لقذارة حياتها الزوجيّة (ص110) بعدما انهارت أعصابها.
ولعلّ أكثر المشاهد تعبيراً عن حالة الضياع والتشظّي التي تختصر حالة المرأة مشهد «زيزي» تستسلم لصديقتها. ففي صفحة واحدة من عشرين سطراً، تنقلنا الروائيّة ببراعة بين كلمات السطر الأوّل وفيها: «الحجاب والخمار والكفوف السوداء ولا تفوّت صلاة فرض» إلى السطر الأخير وفيه نقرأ: «... وحنان تفتح «زيزي» أزرار قميصها الأسود، تنظر إلى نهديها...» (ص 114). فبين هذين السطرين نرى «زيزي» التي التجأت إلى الدين والصلاة والحجاب لتواجه زواجها الفاشل، تتبادل مع صديقتها الحنان والحبّ اللذين لم تجدهما إلّا في أحضان مربّيتها وأمّها.
«نساء يوسف» رواية عن الرجولة المفقودة والأنوثة الملتفّة على نفسها كعقرب حاصرتها النيران فقتلها الاجتفاف لا السمّ (علميّاً ليس صحيحاً أنّ العقارب تلسع نفسها بل هي تموت من وهج النار)، وبالتالي هي رواية عن موت الحبّ.
وهنا لا يمكننا إلّا التوقّف عند كثرة الروايات الخليجيّة التي تتصدّى للكبت الجنسيّ وثورة النفط والهجرة وقمع الحريّات والتزّمت الدينيّ، في حين ما من رواية عن الحبّ الذي يحتاج وقتاً لينضج، وتحرّراً من الأفكار المسبقة لينمو، وشجاعة ليواجه التقاليد والأعراف. وهي كلّها، وفق الرواية، غير متوافرة في المجتمع الخليجيّ الحاليّ، ما يستدعي سؤالاً بديهيّاً عن مستقبل هذا المجتمع المحاط بكلّ الثورات والتغيّرات التي يختبرها العالم العربيّ.

السبت، 18 فبراير، 2012

رواية "قاديشا" لألكسندر نجّار



تجربتي الأولى في الترجمة كانت مع روائيّ غزير وقدير هو ألكسندر نجّار. ولم يكن لي أن أتشجّع على خوض هذه التجربة لولا حماسةُ الناشر الإعلاميّ الصديق أنطوان سعد، وثقةُ الروائيّ اللبنانيّ الفرنكوفونيّ الذي ترجم له سابقًا أدباء لهم مكانتهم المميّزة كالروائيّ "جبّور الدويهي" في رواية "الفلكيّ"، والشاعر الراحل "بسّام حجّار" في رواية "دروب الهجرة". والحاجة إلى التشجيع كانت ضروريّة لأمرين: أوّلهما أهميّة الكتاب في هذه المرحلة الدقيقة التي يواجهها مسيحيّو الشرق، والوقت القصير الذي يفصل بدء العمل عن موعد إصدار الرواية في مهرجان أنطلياس للكتاب. كلّ هذا حصل بالتزامن مع اضطرار الكاتب للسفر، ما جعل لقاءات العمل المشتركة بيننا، والضروريّة لعمل كهذا تنحصر في لقاء واحد تمّ بعد الانتهاء من الترجمة.
ولا أخفي أنّ معرفتي بالمنطقة التي تدور فيها أحداث الرواية: تاريخًا وجغرافية، كانت عاملًا أساسًا في تجرّؤي على نقل الرواية إلى العربيّة، في وقت قصير كان عليّ خلاله أن أنتهي من إعداد كتابي "أحببتك فصرت الرسولة" ليكون جاهزًا للمعرض المشار إليه. فضلًا عن أنّ موافقتي على ترجمة رواية "قاديشا" دفعت الناشر الصديق إلى أن يطلب منّي ترجمة كتاب "ثورة الفلّاحين" لرمزي سلامة، فوافقت بعدما انتقلت إليّ حماسته لموضوع الرواية أي ثورة طانيوس شاهين ضدّ الإقطاعيّين، وهي أوّل ثورة في هذه المنطقة من العالم، والتي تشهد اليوم ثورات لا أحد يعرف إلى ما ستؤول إليه (ولي عودة إلى هذه الرواية).
***
رواية "قاديشا" هي رحلة في المكان والزمان، في التاريخ والجغرافية، يقوم بها مصرفيّ لبنانيّ يدعى "سامي رحمة" من بلدة بشرّي، بعدما رزح تحت أعباء حياته العمليّة الضاغطة، وفشل حياته الزوجيّة التي انتهت بالطلاق. فيذهب إلى بيت جدّه في "بشرّي" زاهدًا في كلّ شيء، وراغبًا في الوقت نفسه في البحث عن معاني الأشياء وقيمة الحياة. وهناك، في حضن الطبيعة، يستعيد ذكرى حبيبته "فلورنس" التي التقاها في باريس خلال سنوات الدراسة، فيبحث عنها على الفايسبوك، ويراسلها. وحين أتاه الجواب بعد أيّام، علم أنّ الفتاة الفرنسيّة التي حقّقت حلمها وصارت مراسلة صحافيّة، آتية إلى لبنان من سوريا حيث كانت تغطّي أحداث الثورة.
حين يلتقيان يكتشفان أنّ ما كان بينهما لم تخبُ شعلته، لكّنهما في الوقت نفسه مرهقان من مسيرة حياة سيطر عليها التعب والعمل والخواء الروحيّ. ومن هنا كانت تلك الرحلة التي قاما بها في الوادي المقدّس، برفقة دليل سياحيّ، كان مقاتلًا في الحرب اللبنانيّة. رحلة بين الأودية والمغاور والأديرة والكنائس، رحلة بين محطّات في تاريخ تلك المنطقة المرتبطة بتاريخ الموارنة وتأسيس كنيستهم، وما رافقها من اضطهاد ومعاناة، وفي الوقت نفسه ما نتج عنها من إنجازات ونجاحات على المستوى الحضاريّ، وبخاصّة ما ارتبط بها من حياة نسكيّة وبطولة وعِلم، استطاع الموارنة بسببها أن ينتصروا على المؤامرات الداخليّة والتعديات الخارجيّة.
***
حدّد الروائيّ محطّات لرحلة شخصيّاته، يتوقّفون عندها ليعودوا إلى تاريخ المكان، قبل أن يواصلوا تقدّمهم، إن على الصعيد الشخصيّ عبر كسر الجليد العاطفيّ بين الرجل وحبيبته، وإن على الصعيد التأريخيّ للوصول إلى الزمن الحاضر. أمّا المحطّات فهي: وادي قزحيّا، سيدة حوقا، وادي قنّوبين (مغارة مارينا)، مار ليشع، مار سركيس (بشرّي). وفيها كلّها نجد كيف تداخلت السياسة بالدين، وكيف طغت المصلحة الخاصّة على العامّة، وكيف جابهت البطولة الخيانة، وكيف انتشرت الحياة النسكيّة في أرض يطمع بها الجميع.
لعلّ المدارس الكاثوليكيّة، في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المسيحيّين، مدعوة إلى وضع هذه الرواية بين أيدي تلامذتها، لا لتغريبهم عن تاريخ لبنان بطوائفه كافّة، ولا لعزلهم في أفق ضيّق محصور، بل لإعطائهم دروسًا وعِبرًا عن تاريخ طائفة استقدمت أوّل مطبعة إلى الشرق، وحملتها قطعًا مفكّكة على ظهور البغال إلى أودية سحيقة يحلم اللاجئون إليها بارتقاء قمم المجد بالعلم والإيمان والحريّة، فلربّما تعلّمت الأجيال الجديدة أن لا خلاص بغير ذلك.
***

الجمعة، 17 فبراير، 2012

"آخر نزلاء القمر" للشاعرة "خاتون سلمى"



هو كتاب الترحال والسفر وتوضيب الحقائب والاهتمام بالأولاد والإقامة في الغرف الغريبة. بهذه الكلمات يمكننا اختصار القصائد الستّ للشاعرة اللبنانيّة خاتون سلمى، لكنّ هذا الاختصار في الوصف لا يكفي قطعًا للدخول إلى العالم الشعريّ لصاحبة "عانقت امرأة تنتظر" (2009) و"آخر نزلاء القمر" (2012) - كلاهما عن دار الجديد - لأنّ الشاعرة بقدر ما تبدو امرأة تعنى بتفاصيل الحياة اليوميّة لامرأة لها أولاد وأصدقاء، تبرع في جعل هذه التفاصيل لمعات شعريّة مكثّفة، تلتقطها في حلّها وترحالها ولا تتعب. بل فلنقل إنّها تتعب من التنقّل والسفر لكن لا من متعة تحويل كلّ مشهد، ولو عابرًا، جملة شعريّة مميّزة.
"هل ما زلتُ الجرحَ/ يعبث بصدأ الشفرة؟" (ص 7)، تسأل في قصيدة تصف نفسها فيها بـ"نبيّ الطيور المهاجرة" (ص 9)، لتعود فتسأل "أهكذا يولد الحزن/ على أسرّة الغرباء/ فوق بلاط مرقّط/ والطفلة تعيد يديّ الدمية/ إلى وجع المساء؟" (ص 9). وهكذا تتوالى الأسئلة المعلّقة في انتظار الاستقرار المنتظر والذي قد يحمل طيف جواب. هي أسئلة عن هدف السفر، وحزن الوداع، وتعب الوصول، وغربة المكان، فتقول: "يصل الدمع وحيدًا/ واليد التي لوّحت/ لممرّات الرحيل/ تجرّ الحنين/ حقيبة إثر حقيبة" (ص 15).
تبدو لي الشاعرة في هذه القصائد مرهقة، تحمل ولدين "في غفوة على أكتاف الرحيل" (ص47) ومجموعة حقائب وتجرّ نفسها بين المطارات لتصل إلى حيث يفترض أن يلاقيها الرجل/ الحبيب/ الزوج، لذلك تسأله وهي تنتظر: "إن كان قلبك عند حافّة الأرض ينبض/ قلبُ من على مقبض الباب ينتظر؟" (ص25)، وحين لا يصل تلحق به: "من طواف المطارات/ من رنين الأبواب/ من انكسارات الأشعّة/ فوق جسدي العابر" (ص 31)، "هل رأيتم وردة الروح/ وهي تهرول في أروقة المطارات؟" (ص41).
وحين يلتئم شمل العائلة يكون ذلك في السيّارة وعلى عجل وبين محطّتين: "هو في مكانه/ هم في المقعد الخلفيّ/ وأنا عائلة" (ص57) تقول الشاعرة، ثمّ تضيف بنبرة أمّ خائفة على أطفالها في المقعد الخلفيّ: "يد على المقبض/ يد تحكم الأقفال/ طرقات، غرف، أبواب/ شرفات قليلة" (ص 60).
تنجح كلمات خاتون سلمى في نقل التوتّر الذي يصيب كلّ من يمضي وقته في السفر، كما في نقل حالة الانغماس في المشاهد التي تتلاحق أمام عيني المسافرة، كالغيم والطرقات والبيوت والسجائر الممعوسة وقطارات الأنفاق. لكنّ الناس لا يحضرون بقوّة، كأنّ انشغال الشاعرة في عوالمها الداخليّة وهمومها العائليّة وحاجتها إلى الاستقرار غيّب عنها وجوه الآخرين. أتخيّلها جالسة في مقعدها (في الطائرة أو القطار أو السيّارة)، ورأسها يلتصق بالزجاج البارد، تعدّ "المقاعد الفارغة" (ص45)، وتختبئ خلف نظّارتيها وتبتسم للعابرين (ص 48)، تئن من ألم كتفها من ثقل الحقائب، ومن عصب ساقها اليسرى (ص54)، وتحوّل كلّ ذلك شعرًا تقاوم به، قبل أن تقرّر أن ترتجل الفرح وتمضي قُدمًا (ص67).

الخميس، 16 فبراير، 2012

"الحفيدة الأميركيّة" للكاتبة إنعام كجه جي: صراع الحضارات في عائلة واحدة



بطلة هذه الرواية فتاة عراقيّة مسيحيّة، هاجرت مع والديها وأخيها إلى الولايات المتحدة هربًا من حكم "البعث" الذي اختطف الوالد وعذّبه. لكنّ الفتاة تلتحق بصفة مترجمة، بالقوّات الأميركيّة التي أرسلها بوش لتحرير العراق وتخليصه من صدّام حسين، بعد هجمات 11 أيلول. وفي العراق، تحاول المجنّدة أن تتصالح مع وطنها من خلال علاقتها بذاكرة جدّتها "بتول"، أمّ والدتها.
حاولت "زينة"، وهذا اسم بطلة الرواية، أن تخفي أمر التحاقها بالجيش الأميركيّ عن جدّتها، إلّا أنّ هذه الأخيرة حدست بالأمر ما أسقمها وهي المرأة العراقيّة الأصيلة التي بقيت، حتّى بعد وفاة زوجها الضابط، تخرج بذّته العسكريّة وتلمّع أزرارها احترامًا لولاء صاحبها للقوميّة العربيّة ومشاركته في حرب فلسطين عام 48، ثمّ أحيل على التقاعد بعد ثورة 58 بأشهر قلائل (ص90). وهنا تسأل الحفيدة جدتها: "كيف كان جدّي قوميًّا وهو المسيحيّ الكلدانيّ؟"، فتجيبها الجدّة": ولم لا؟ هل تمنع الأديان حبّ الوطن؟
إلى جانب هذه العلاقة المشحونة بمشاعر متضاربة بين الجدّة العراقيّة والحفيدة الأميركيّة، تعاني "زينة" من وطأة عاطفتها نحو "مهيمن"، ابن "طاووس" المرأة التي تخدم جدّتها والتي أرضعت "زينة" حين أصيبت والدتها بالحمّى، ما يجعلها بالتالي أخت "مهيمن" بالرضاعة. وكأن لا يكفي هذا العائق، حتّى يتبيّن أنّ الشاب الذي وقع أسيرًا في الحرب مع إيران، عاد من أسره ملتزمًا دينيًّا بعدما كان شيوعيًّا، والتحق بجيش الصدر، ما يعني أنّ أخته بالرضاعة عدوّته في الوقت نفسه.
تأخذنا الحفيدة الأميركيّة إلى أرض أجدادها لنرى من خلال عينيها قصور صدّام التي تحوّلت مراكز عسكريّة، والشوارع المزروعة رعبًا، والعيون التي تنظر بعداء إلى الأميركيّين، ثمّ تنقلنا إلى أميركا حيث والداها المنفصلان لا يتوقّفان، كلّ في بيته وسيّارته، عن الاستماع إلى الأغنيات العراقيّة، وحيث مقابر شهداء الجيش الأميركيّ التي تقيم الأمّهات الثكالى إلى جانب شواهدها شاهدات على فظاعة الحرب.
نجحت الروائيّة في الجمع بين العالمين المتناقضين بتقاليدهما وعاداتهما، والمتشابهين بكميّة الأسى التي زرعها الحقد فيهما، لذلك جاءت عبارة أحد المترجمين، وهو عراقيّ يعمل مع الجيش، معبّرة عن التنافس على الظلم بين الأنظمة، فيقول للجنود الأميركيّين الذين أثارت فضيحة سجن أبو غريب اشمئزازهم: هذا لا شيء بالنسبة إلى ما كان يجري في السجون زمن صدّام حسين!
بدت المصالحة بين الحاضر والماضي مستحيلة وكذلك بين الشرق والغرب، فالروائيّة جعلت الجدّة تموت قبل أن تسامح حفيدتها على تعاملها مع الأميركيّين، كأنّ الحفيدة المدلّلة ماتت يوم رحيلها مراهقة عن العراق، أو كأنّها فسدت ولم يعد من الممكن إصلاحها. لذا تقول زينة: "أنا غريبة حتّى عن جدّتي، أمّ أمّي. إنّ حيدر ومهيمن وطاووس أقرب إليها منّي لأنّهم ظلّوا مثلها، عراقيّين خلّصًا" (ص131). وكذلك، لم ترغب الروائيّة في زرع أمل مخادع تجعل القارئ يتوقّع نجاح قصّة الحبّ "المحرّم" بين "زينة" و"مهيمن" الذي هيمن على عاطفة الفتاة وأفكارها كما لم يفعل رجل قبله. كأنّ إنعام كجه جي لا تؤمن بأنّ حربًا كهذه، وفي أرض السواد تلك، يمكن أن تنتج سلامًا بين عقليّات لا شيء يجمعها غير العاطفة. فلا يكفي أن تحبّ الحفيدة جدّتها أو أن تحنو الجدّة على حفيدتها كي تردم هوّة الهجرة والخيانة والغربة، ولا يكفي أن يرضع طفلان من ثدي واحد كي تزول الفوارق الطائفيّة والحضاريّة والسياسيّة بين الشاب والفتاة.
فكرتان أخيرتان عن هذه الرواية:
الأولى أنّ موت الجدّة يبدو نهاية مرحلة (خصوصًا أنّ المرأة مسيحيّة) كأنّ العراق لن يعود كما كان.
الثانية أنّ الممارسات الدينيّة متى تطرّفت تتشابه، لذلك يبدو وصف "زينة" وهي تلميذة في مدرسة الراهبات، تقرأ الصلوات الصباحيّة من كتاب "الأيدي الضارعة"، شبيهًا بمشهد أيّ داعية إسلاميّ يترك أثرًا في سامعيه، فيتناقل أتباعه شرائط تسجيل صوته وكلماته. (تفاصيل المشهد في الصفحة 170)
***

من الرواية:
-       "زوينة حبّوبتي... هل هناك بلد على هذه الأرض، غير بلدنا، يتسلّى أهله بذكريات القهر وهدّ الحيل؟" (ص53)
-       تقول "زينة" لوالدها: "كيف تكون تلك البلاد عزيزة وقد جارت عليك، يا أبي، وكسّرت أسنانك وأرعبتك وتجسّست عليك ودبّجت كلابها فيك التقارير؟ (ص 132)
-       تقول "زينة" عن "مهيمن": "لم يحدث معي أن تولّهت برجل يقنعني أنّ الرمّان لا يكون رمّانًا إلّا إذا تناولته من يده" (ص 133)
-       "هل يخشى السجين من أن يقرأ سجّانه أفكاره؟" (ص145)
-       تقول طاووس عن الجريدة: " مفيدة لمن لا يقرأ. تحمي الرأس من الشمس. توضع على حافّة الرصيف للجلوس في انتظار الباصّ. تفرش على المائدة ساعة الأكل".(ص162)
-       "ما أحلى الحياة حين تكون الامتحانات معضلتها الكبرى. بعد ذلك تتعقّد الحياة". (ص167)
-       "بكاء النساء هنا ليس هواية. بل طريقة حياة. رياضة يمارسنها بانتظام، فرادى وجماعات، للحفاظ على لياقتهنّ الروحيّة". (ص190)
***

الكاتبة صحافيّة عراقيّة تقيم في باريس، لها:
-       لورنا، سنواتها مع جواد سليم، سيرة روائيّة، دار الجديد، 1998
-       العراق بأقلامهنّ، محنة العراق بأقلام نسائه، نصوص من الأدب العراقيّ (بالفرنسيّة) دار لو سيربان آ بلوم 2003
-       سواقي القلوب، رواية، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 2005
-       الحفيدة الأميركيّة، واحدة من ستّ روايات اختيرت على اللائحة القصيرة للجائزة العالميّة للرواية العربيّة (البوكر) 2009، صدرت بالفرنسيّة بعنوان "إذا نسيتك بغداد"، ترجمة علا مهنّا وخالد عثمان.

***
لوحة الغلاف: تفصيل من لوحة شاي العصر للرسّام العراقيّ فيصل لعيبي


السلطة الخامسة: القرّاء النقّاد


George Cruikshank
The Headache

المرّة الأولى التي خطرت لي فيها فكرة الكتابة عن القرّاء الذين صاروا سلطة خامسة، مذ أتاحت لهم السلطة الرابعة أي الصحافة أن يعطوا آراءهم في كلّ شأن،  كانت حين قرأت تعليقًا لقارئ مجهول، على أحد المواقع الإلكترونيّة، عن كتاب للشاعرة عناية جابر. والقارئ الذي عرّف عن نفسه بأنّه عربيّ لم يكتفِ بالتعبير عن عدم إعجابه بقصائد الشاعرة، بل أضاف جازمًا إنّ كلّ ما تكتبه الشاعرات اللبنانيّات لا قيمة له.
حين قرأت تلك العبارات القاسية التي يمكن أن يكون صاحبها أيًّا كان (امرأة أو رجلًا، شاعرًا أو ناقدًا أو مجرّد متطفّل)، شعرت بالخوف من هذه الحريّة التي أتاحت لكلّ واحد منّا، ومن دون الإفصاح عن هويّته الحقيقيّة، أن يقرّر قيمة ما يراه أو يسمعه أو يقرأه... وفكّرت في أنّ هذا النوع من الحريّة خطير ومؤذ، يشبه وضع علبة كبريت في يد طفل لا يعرف الخطر الذي يمكن أن يتسبّب به اللعب بعيدانها. ولا أعني بالخطر أن تتأذّى عناية جابر مثلًا أو أيّ شخص مبدع آخر، بل الخطورة في ألّا يبقى المتلقّي متلقيًّا مستعدًّا للتفاعل مع ما يتلقّاه. فما دام قادرًا على أن "يبدع" هو الآخر في غياب أيّ رقيب أو حسيب فلماذا يبقى منتظرًا ما يصدر عن سواه. وغياب هذا التفاعل يفقد الإنسانيّة حسّها الاجتماعيّ، إذ يتحوّل كلّ منّا حلقة تدور حول نفسها ولا تطيق الآخر.
ولكي لا يكون الأمر مجرّد تنظير، جعلت نفسي عنصرًا فاعلًا في هذه السلطة الخامسة، وقرّرت أن ألعب لعبة الاستفادة من حريّة التعليق التي تتيحها الصحف لعلّني أكتشف شعور من يختبئ خلف الاسم المستعار وفي موقع لا رقابة عليه. لقد سبق لي وكتبت باسم مستعار (مي م الريحاني) لكنّ الأمر كان مختلفًا إذ كانت الصحيفة (النهار) قادرة على رمي النصّ في سلّة المهملات في حال لم يتمتّع بالقيمة الأدبيّة التي تسمح بنشره.
فاخترت إذًا مقالة في إحدى الصحف وكتبت تعليقًا عليها، فنشر، ثمّ كتبت ردًّا على التعليق، فنشر، ثمّ كتبت ردًّا آخر على التعليقين فنشر، وهكذا إلى أن توالت الردود بين موافقة واعتراض، مرّة بصفة مجهولة ومرّة بأسماء غريبة، وكلّ شيء ينشر من دون اعتراض. وهذا في حدّ نفسه جميل ومغرٍ، ويستحقّ دراسة اجتماعيّة ونفسيّة، نعالج فيها حاجتنا إلى حريّة التعبير، مهما ادّعينا أنّنا حقّقناها. ولكن حين أنهيت تجربتي شعرت بما يشبه شعور القرد الذي يلحس المبرد، كأنّني استهلكت حريّتي حتّى آخرها ولكن من دون تحقيق أيّ نتيجة.
استعدت هذه الأفكار منذ بضعة أيّام حين قرأت ردًّا عنيفًا وجّهته إليّ قارئة (اسمها تاتيانا حبالله - تولوز) عبر جريدة "الحياة"، تردّ فيه على رأيي في رواية هدى بركات "ملكوت هذه الأرض"، وتأسف للحال التي وصلت إليها كتابة المقالات. أثار الأمر ريبتي في البداية، خصوصًا عندما لاحظت أنّ التعليق وصل إلى الجريدة بعد ساعات قليلة من نشر المقالة على الموقع الإلكترونيّ (أي حوالى منتصف الليل)، ومع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الصحيفة لا تنشر التعليقات التي تسيء إلى الكاتب أو تستخدم كلمات نابية. المهمّ في الأمر أنّني توقّفت طويلًا أمام التعليق الذي جعلني أشكّ في كثير من الأشخاص الذين قد يكونون خلف تلك الكلمات التي لا يمكن أن تصدر عن قارئة معجبة بالرواية فحسب، بقدر ما تحمل موقفًا شخصيًّا منّي. أحد الأصدقاء اعتبر أنّني أخطأت في الإشارة إلى عدد من الروائيّين في مقالة عن "هدى بركات"، فهذا أمر لا يجوز في النقد العربيّ، إذ لا أحد من المبدعين يرضى بتواجده مع سواه في مكان واحد، خصوصًا إن كان هذا المكان مقالة صغيرة في صحيفة. وفي رأي هذا الصديق قد يكون التعليق صادرًا من جهة الروائيّة نفسها التي لم يعجبها النصّ. غير أنّني لم أستطع الاقتناع بهذا التحليل، خصوصًا أنّ الروائيّة هدى بركات كتبت إليّ، ونحن لم نلتق أو نتواصل قبل ذلك، تهنّئني على مقالتي في هذه المدوّنة عن إحصائيّات معرض الكتاب العربيّ (معارض الكتب وقراءة نقديّة أبعد من الأرقام). فكيف يمكن أن تضيق صدرًا بمقالة في صحيفة عرضت الكتاب وأثنت عليه، وهي تعلم أنّ العُجالات في الصحف لا تحتمل الكثير من التحليل والدراسة؟
استعدت وأنا أقرأ تعليق القارئة ما سبق وشعرت به وأنا اقرأ التعليق على كتاب "عناية جابر": الإحساس بأنّنا أمام سلطة غاشمة (أي ظالمة) أشدّ فتكًا من السلطات الأربع المعروفة: التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة والصحافة، لأنّها سلطة مستترة لا نعرف في الغالب وجوه ممارسيها ولا حقيقة وجودهم ولا مقدار ما يعرفونه عن الموضوع الذي يدلون برأيهم فيه. صحيح أنّ الصحافة المكتوبة، قبل عصر الإنترنت، فتحت مجال الردّ للقرّاء، إلّا أنّ الأمر لم يكن سهلًا أو تلقائيًّا أو مشاعًا كما هو الحال الآن مع الشبكة الإلكترونيّة العنكبوتيّة.
أخبرني أحد الصحافيّين أنّه يقرأ تعليقات القرّاء على المقالات في الصحف أكثر ممّا يقرأ المقالات لأنّها، في رأيه، تعبر عن نبض الشارع وأفكار الناس. خطر لي وأنا أسمعه أنّ تلاعبي بالتعليقات التي كتبتها لإحدى الصحف، من باب تجربة هذه المساحة من الحريّة، يعبّر أيضًا عن حاجة كلّ واحد منّا إلى استغلال هذه "العتمة" لممارسة شذوذ فكريّ والذهاب بعيدًا في جرأة القول إلى حدّ الوقاحة أحيانًا أو البذاءة ولو كان ما نكتبه من وحي الخيال الخبيث أو الحقد الأعمى أو الإعجاب المرضيّ...كلّ ذلك ونحن مطمئنّون إلى أنّنا مجهولون لن يُلقى القبض علينا.
كتب أنسي الحاج في صحيفة "الأخبار" مقالة عن كثرة الكتّاب بالمقارنة مع انخفاض عدد القرّاء. لا شكّ في أنّ إمكان النشر عبر الإنترنت (الفايسبوك، تويتر، المدوّنات...) وسهولته ومجّانيّته ساعد في تفشّي موضة الكتابة، لكنّ قيمة هذه الكتابات هي ما يحتاج إلى ميزان دقيق، فضلًا عن السؤال عمّن يقرأ هذه الكميّة الهائلة من الكلمات التي تتدفّق على المواقع الإلكترونيّة والصحف والمجلّات والكتب، في حين أنّ نسبة القراءة في البلاد العربيّة تسجّل عامًا بعد عامًا أدنى نسبة بالمقارنة مع غيرها من الدول.
  

الأربعاء، 15 فبراير، 2012

"معشر الفسابكة" لـ "رامي الأمين"


الشاعر رامي الأمين

حين كنّا في الصفوف الثانويّة كان علينا أن ندرس بعض أبيات من قصيدة "على بساط الريح"، وهي مطوّلة من مئتين وخمسة وعشرين بيتًا للشاعر اللبنانيّ فوزي معلوف (1899-1930). تبدأ القصيدة برحلة واقعيّة في الطائرة، ينتقل خلالها الشاعر إلى رحلة "روحيّة" ينعتق فيها من قيود الأرض. وكان علينا، بناء على متطلّبات المنهج، أن نقدر للشاعر تطرّقه لموضوع حديث وعصريّ هو الطائرة.
في الواقع، كانت الأبيات بالنسبة إلى أعمارنا مملّة لا علاقة لها بحياتنا، وبخاصّة أنّنا لم نر من الطائرة إلّا تحويمها في الجوّ على علوّ شاهق، ولم يعننا من أمر الطائرات إلّا تلك الإسرائيليّة التي تخرق جدار الصوت. والغريب أنّ أيّة آلة من تلك التي كانت تقتحم حياتنا، مع تطوّر التكنولوجيا، لم تنجح في فرض وجودها على النصوص الشعريّة أو النثريّة التي كانت المناهج تفرضها علينا. وكلّ ما كان يشغل بال معلّمينا هو أن يقرّروا إن كان علينا أن نقول "تلفزيون" أو "تلفاز"، و"كمبيوتر" أو "حاسوب"، في حين لم يطرح "الفيديو" أيّ مشكلة. بينما حسمت اللغة العربيّة، بشقّيها الفصيح والمحكي، أمر "الغسّالة" و"البرّاد" و"الثلّاجة" و"المكيّف" و"السيّارة" و"الجرّافة"...
الفايسبوك لم يطرح أيّ أزمة، فرض نفسه ولغته ونصوصه وقوانينه، وما على اللغة سوى الانصياع وإلّا استغني عنها، خصوصًا مع استحداث لغة الدردشة الخاصّة بأهل الفايسبوك الذين وضع لهم أحمد بيضون مصطلح "الفسابكة"، وكتب من وحيهم رامي الأمين كتابه اللذيذ "معشر الفسابكة" الصادر عن دار الجديد.
في الكتاب مجموعة مقالات، صيغت بمزيج من التحليل الاجتماعيّ والتصوير الساخر، تبدأ بتسلّل الفايسبوك إلى نسيج الحياة العربيّة، وصولًا إلى التغيّيرات التي أحدثها في المجتمع العربيّ، مع إعطاء نماذج عن شخصيّات فايسبوكيّة (اللافت أنّ الكاتب لا يأتي على ذكر نساء)، وانتهاء بالحديث عن "الضريح الافتراضيّ"، والمقصود صفحات الذين ماتوا وتركوا خلفهم ما يشبه الأضرحة. وهذا موضوع يستحقّ فعلًا الدراسة والتحليل، ولا أعتقد أنّ أحدًا منّا لم يفكّر فيه، وكنت أشرت إليه في مقالة على هذه المدوّنة بعنوان "مدافن الفايسبوك من يسقي أزاهرها".
***

ممّا ورد في الكتاب:
-       "... عن دور الفايسبوك وتويتر في صناعة الحراك العربيّ، أجبت بأنّني أعتقد أنّ دورهما كان تحريضيًّا وتحضيريًّا، وأنّ هذا الجناس أسّس للثورات". (ص9)
-       "في الحرب المقبلة، من يضع ستاتوس أخيرًا يضحك كثيرًا. بس بدّك يبقى مين يعمل لايك". (ص39)
-       حين رسبت في البكالوريا قال لي خالي بعدما رآني أمام الكمبيوتر إنّني لم أرسب في المدرسة بل نجحت في الإنترنت. (ص72)
-       "هل كان بالإمكان تفادي تمدّد العامّية كبقعة زيت على مريول اللغة الأبيض، فتلطّخه هذا التلطيخ؟" (ص 85)
-      " صديقي ما عاد في الخدمة، لكنّه يرسل لي الفايروسات، دود الفايسبوك، الذي سيأكلنا جميعًا". (ص98)

أمّا الشخصيّات الفايسبوكيّة فهي:
حازم صاغيّة، وسام سعادة، فايز دبوق، أحمد بيضون (شيخ عشيرة الفسابكة)، يحيى جابر، فوزي (خال الكاتب)، مروان سعادة.
***

الشاعر مواليد "شقرا" جنوب لبنان، في التاسع والعشرين من شهر شباط العام 1984، له:
أنا شاعر كبير - دار النهضة العربيّة - 2007 (شعر)
يا علي لم نعد أهل الجنوب - دفاتر هيّا بنا - 2008 (مقالات)

السبت، 11 فبراير، 2012

سقط سهوًا (عن الأهل وأولادهم)


Edward Munch
The Dad Mother


-       سقط ماؤه سهوًا في رحم الفتاة فنما طفل سقط سهوًا في الزقاق، فالتقطه عامل التنظيفات المسنّ، وضمّه إلى مجموعة منّوعة، يحتفظ منذ سقطت تلك التفّاحة سهوًا في يد الرجل الذي سقط من الفردوس.
-       ولد الطفل في المستشفى حين سحبته الممرّضة الغريبة التي ضربته على قفاه كي يصرخ. ثمّ حملته الخادمة الغريبة التي كانت تضربه لأنّه كان يصرخ، ثمّ أرسلوه إلى الحاضنة الغريبة ليصرخ خارج البيت الهادئ، وبعد ذلك صفعته المعلّمة الغريبة لأنّه كان يصرخ في الملعب. ولكن في عيد العَلَم طلب منه المدير الغريب أن يرفع رأسه ويصرخ مطالبًا برحيل الغرباء لتكون صورته معبّرة في كتاب المدرسة السنويّ. وحين صرخ في وجه المعلّم الغريب مدافعًا عن كرامته، قال له المدير إيّاه: لا ترفع رأسك أمامي وإلّا صفعتك. في صحراء الغربة، صرخ الطفل وهو يحكّ مكان الصفعة الأولى على قفاه مطالبًا بمن يشرح له شروط الصراخ فلم يسمع سوى الصدى المدوّي، فحزن حزنًا عميقًا وصمت إلى الأبد.
-       اشترت المرأة طفلًا طازجًا غير أنّها نسيت معه أمومة تحفظه ففسُد.
-       "أولادكم ليسوا لكم". صحيح. لكنّهم ليسوا للجيران أو لأهالي أصدقائهم أو للخادمات أو للمعلّمات أو للإدمان أو للانتحار أو للغربة. من المفروض أن يكونوا أبناء الحياة لا ضحايا الوحدة واليأس والموت.
-       أمضت المرأة شبابها وهي تخضع لعلاج يسمح لها إنجاب الأطفال. وعندما تحقّق لها ذلك أخيرًا وهي في مرحلة متقدّمة من العمر، عهدت بطفلها لأمّها ومربّية وممرّضة وخادمة وعادت لتمارس عملها "بهدف المزيد من تحقيق الذات".
-       نالت شهادة عالية، وقرأت آلاف الكتب، وأجادت الكلام في أكثر من لغة (استعملتها غالبًا في الثرثرة والنميمة)، غير أنّها لم تشعر بالثقة بالنفس إلّا عندما أقامت عرسًا فخمًا، وأضافت إلى شعرها الخفيف جديلة طويلة فاجأت بها الناس الذين فهموا بأيّ حبل اصطادت العريس الذي يصغرها سنًّا.
-       أمضى الأب حياته وهو يؤمن بأنّه يستحقّ أولادًا أفضل من الذين أنجبهم. من الواضح أنّه لم ينظر في وضوح إلى نفسه في المرآة، ولم يسمع نفسه في انتباه وهو يتحدّث، ولم يفكّر للحظة واحدة في أنّ أولاده لم يجدوا لحظة واحدة لهم في جدول أعماله الممتلئ بالمواعيد أو مكانًا ولو صغيرًا في حياته التي أسّسها متناسيًا وجودهم. فكبروا خارج المكان والزمان ولو يعودوا من هذا العالم.
-       بدت الابنة مرتاحة البال وهي تتحدّث عن طفولتها قائلة إنّ والدتها أمضت حياتها في السرير مريضة ولم تهتمّ بها. ثمّ أضافت: لا يحقّ لها أن تطالبني بشيء ولا تستطيع أن تذكّرني طوال الوقت بتضحياتها من أجلي واهتمامها بي، ولست ملزمة تجاهها بأيّ واجب. لمعت السعادة في عيني الابنة وهي تتكلّم كنصل حادّ متشوّق للطعن.
-       حضرات الأهالي الكرام: هناك أزمة حليب وطعام وفواتير، فتوقّفوا عن إنجاب الأطفال ما دمتم ستنزعجون من وجودهم في البيت، وتحارون ماذا ستفعلون بهم في المهلة القصيرة الفاصلة بين المدرسة والمخيّم الصيفيّ، أو في أيّام العطل.
-       قالت الأمّ متباهية: لا أشعر بوجود طفلي طوال النهار، فهو هادئ وصامت مثل الملاك، يجلس أمام التلفزيون ولا يتحرّك. غير أنّ الطفل فاجأ الجميع يوم عيد الأمّهات حين نهض عن الكنبة، وتوجّه نحو أمّه وهو يضحك ببراءة، وأطلق عليها الرصاص من مسدس استعاره من بطله المفضّل.
-       بعدما أنجبت مديرة المدرسة ثلاثة أولاد، وأمّنت استمرار سلالة بشريّة من النوع الممتاز، أصدرت قرارًا يمنع الموظّفات والمعلّمات عن الحمل لأنّهنّ ستغيّبن عن العمل ويعطّلن نجاح المؤسّسة، وأجبرتهنّ على توقيع وثيقة تقول إنّ كلّ موظّفة تخالف الأمر وتحمل، ستجبر على تقديم حليب صدرها (تعرف أنّهنّ يحلبن صافيًا) لأطفال المديرة، وعند الفطام يطردن. "خلصنا غنج ووحام ونوم وولاد فقرا". ختمت المديرة بيانها الرسميّ.
-       صرخت الأمّ الشابّة في وجه الطبيب: ماذا تقول؟ طفلتي مصابة بالسرطان؟ ياإلهي ما أتعس حظّي! هل كتب عليّ منذ الآن أن أمضي حياتي في المستشفيات؟ فأجاب الطبيب: مدام! ابنتك هي المريضة والقضيّة هي قضيّة حياتها هي لا حياتك أنت؟ فردّت الأمّ في ذكاء تُحسد عليه: إنّها طفلة لا تفهم ماذا يجري ولا تشعر بشيء! فهمس الطبيب في أذن مساعدته وهو يغادر الغرفة: لا تزال تتكّلم عن نفسها.
جريدة النهار – الثلاثاء 10 حزيران 2008