من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 29 يناير، 2011

كلمات من أجل مصر






1- معرض الكتاب الذي كان من المقرّر افتتاحه اليوم لن يتعرّض للسرقة. للحرق ربّما. لكن لا للسرقة. فالذين يسرقون لا يعنيهم أمر الثقافة والكتب والمعرفة والفكر، والذين يحرقون من سلالة هولاكو وجنكيزخان ونيرون. الكتب تئنّ من الوحدة في المعرض المغلق، يتّكئ الكتاب على الآخر، يسند أحدهما الثاني وتتبادل كلّها الآراء حول ما يجري في الشارع، تقفز أسماء المؤلّفين والشخصيّات من على الأسطر، تخرج من الصفحات، تغادر الكتب، تنزل عن الرفوف، تجتمع في الممرّات، وتؤدّي الصلاة كي ينتهي هذا الجنون.
***
2- تقف الفتاة المصريّة الجميلة على حافة نهر النيل وتسأل المياه الباكية: إن رميت نفسي في النهر ضحيّة لك يا نيلنا العظيم كما كان يفعل أجدادي حين كانوا يقدّمون إليك الذبائح كي تفيض عليهم بالخير، هل تقبل تضحيتي وتغمر أرض مصر بالمياه قبل أن تسيل دماء أبنائها في الشوارع؟
***
3- مصر أمّ الدنيا، يقول المصريّون. وأمّهات مصر كيف يشعرن في مثل هذه الظروف؟
كالأمّهات في العالم كلّه: ينتظرن عودة أولادهنّ سالمين إلى أحضانهنّ، وهنّ يفكّرن في من سينقذ مصر ممّا هي فيه إن بقي الأولاد في الأحضان. من الأغلى: الوطن أم الولد؟
هي مأساة الإنسان مذ اكتشف معنى الوطن.
***
4- كنت أظنّ أنّ المسيحيّين سيهربون قبل غيرهم من مصر حين كتبتُ منذ أيّام عن الهرب إلى مصر ومنها.
الشرّ لا يوفّر أحدًا، والغضب يطاول الجميع، والفوضى لا دين لها.
***
5- غريب أمر الإعلام العربي: يهلّل الإعلاميّون للخلاص من نظام في دولة ما ويخضعون لنظام مشابه في بلد آخر!

الأربعاء، 26 يناير، 2011

الهرب إلى مصر، الهرب من مصر



اختار الربّ للعائلة المقدّسة التي تتكوّن من يسوع ابنه ومريم ويوسف أن تهرب إلى مصر حين تهدّدها الخطر في فلسطين. كانت مصر تحمي في ذلك الزمن، زمن الخلاص. اليوم يهرب المسيحيّون من مصر، أو على الأقلّ يفكّرون في ذلك.
يبدو الأمر مخيفًا حين نعرضه بهذه البساطة.
أعيد قراءة السطرين الأوّلين وأكتشف كيف يمكن أن تتغيّر الأمور في وقت قصير بالنسبة إلى الزمن، ويصير المواطن المصريّ القبطيّ غريبًا في دولة تعرّف عن نفسها بأنّها دولة إسلاميّة. هكذا صار المسيحيّ في كلّ بلد عربيّ: حالة عابرة، مهاجرًا مع وقف التنفيذ، مشروع هرب ينتظر تأشيرة دخول بعدما أخرجه التعصّب من جلده وأرضه ومن بين "ناس" كان يؤمن بأنّهم أهله و"ناسه".
أخطأ المسيحيّون، الكثير من المسيحيّين، في رصد ما يجري في المنطقة، ولعلّ خطأهم الأكبر كان حين اعتبروا قضيّة فلسطين قضيّة تخصّ المسلمين وحدهم. ولكنّ المسلمين أخطأوا كذلك، أخطأوا في إبعاد المسيحيّين عن القضيّة الأساسيّة وعن كلّ ما تولّد عنها، وعن الحكم والإدارة والسياسة. ومن الواضح أنّ ما يجري الآن في مصر والأردن والعراق ولبنان وتونس والجزائر واليمن يشير إلى تغيّرات جذريّة قد تصيب العالم العربيّ، ومن الواضح كذلك أنّ المسيحيّين مشغولون عن ذلك بإعداد حقائب الرحيل.

الجمعة، 21 يناير، 2011

منزل من نساء (النصّ الخامس والأربعون من كتابي رسائل العبور - 2005)



Leonid Afremov


ترتّب النساء ملابسه في الخزانة
يضعن الجوارب في مكان
والملابس الداخليّة في مكان
والقمصان في مكان
تمتدّ أيديهنّ إلى السرير
يداعبن الغطاء والوسادة
يتركن لمساتهنّ على كلّ ما يلمس جسده
ويترك لهنّ متعة البحث عن رائحته
والاحتفاظ بها
***
ترتّب النساء كتبه وأوراقه وأقلامه
والهدايا التي قدّمته نساء أخريات
يبحثن بين الكلمات والحبر عن رغباته السريّة
يعبثن بالنقاط فوق الحروف
يتركن بصماتهنّ على أطراف الصفحات
يترك لهنّ متعة البحث عن صورته
والاحتفاظ بها
***
ترتّب النساء أكواب الشاي وفناجين القهوة
تمرّ أناملهنّ على الحواف التي التصقت بشفتيه
يعببن من الطعم العالق بها
يتركن أحمر الشفاه على كؤوس النبيذ
يترك لهن متعة البحث عن مذاقه
والاحتفاظ بها
***
تأتي النساء الغريبات إلى بيته
يسكنّ في الخزائن والأدراج
يقبعن بين الفراش وغطائه
وعند لقاء الورقة بالقلم
وفي التحام الزجاج بالنبيذ
يخرجن كلّ ليلة من مخابئهنّ
ويتجولّن في صمت
***
أمّا هي المقيمة
في انطفاء الشموع
وفي فراغ الزهريّات
وجمود التماثيل الصغيرة
فتراقبهنّ في عجز.

الثلاثاء، 18 يناير، 2011

حبّك الفجر الأوّل

Lord Frederic Leighton

من يستطيع أن يصف الفجر الأوّل في تاريخ البشريّة؟
من يملك القدرة على تخيّل ذلك الفجر البهيّ الهادئ حين انفجر للمرّة الأولى ألوانًا ومشاعر ورغبات؟
من يمكنه أن يجد الكلمات التي تحكي ولو بالرمز عن لحظة انبثق فيها الضوء من رحم عتمة السماء
ليعلن ولادة ما سيصير اسمه الفجر؟
ذلك الفجر الذي حاول الكون التمسّك به لأطول فترة ممكنة خشية ألاّ يعود مجدداً
أو أن يكون مجرّد مشهد عابر في مسلسل التكوين
أو أن يمضي إلى حيث ينطفئ ويزول جماله الطفل النعس
ذلك الفجر الأجمل
حامل الدهشة البكر
المزيّن بالنور الفضوليّ
المغتسل بأولى حبيبات الندى
المتهادي على إيقاع تنفّس الحياة في صدر الأرض،
ذلك الفجر أليس هو حبّك؟
....
(التتمّة في مجموعة نصوص شعريّة تصدر قريبًا بعنوان: أحببتك فصرت الرسولة)

السبت، 15 يناير، 2011

ثمار بطنها وثمار فكري


Pino Daeni 



ثمار بطنها أولاد يؤرجحون عمرك بين الأمل والملل
تعطيك إيّاهم الحياة
وهي تذكّرك في كلّ لحظة بأنّهم ليسوا منك ولك،
بل ودائع عندك يؤخذون منك
مهما اعترضت ورفضت
وثمار فكري كتب تحكي للأطفال حكايات
وتروي سير الرجال ليتعلّم منها الأولاد
أوزّعها للناس ولا أترك منها ولو نسخة واحدة عندي.

***
التتمّة في مجموعة نصوص شعريّة تصدر قريبًا بعنوان: أحببتك فصرت الرسولة)

الثلاثاء، 11 يناير، 2011

الدويلات الخمس للبنان الجديد


السائرون في نومهم
Phedro Thomas

     صار لا بدّ من تقسيم لبنان.
     فما نحن فيه غير عادل وغير إنسانيّ، ولا يجوز أن تبقى الأمور على حالها. وعلى عكس كلّ المشاريع التقسيميّة التي طرحت خلال تاريخ هذا البلد غير المتفق على تاريخه وجغرافيّته، وبصرف النظر عن مختلف القوانين المقترحة والرامية إلى منع الفرز الطائفيّ، هناك مجال لتقسيم إنسانيّ عادل وغير طائفيّ أو مذهبيّ، يؤمّن ديمومة هذه الدويلات ويضمن حركتها الاقتصاديّة في شكل غير مسبوق.
     دويلة مرضى السرطان كيان قائم في حدّ ذاته وعدد سكّانه إلى تزايد واضح فضلاً عن الذين سيطلبون الانضمام إليه وحمل جنسيّته من الأطباء والممرضين والصيادلة والمعالجين وأصحاب دكاكين الأعشاب ومتاجر الشَعر المستعار وتجّار الأدويّة. هي دويلة هادئة، مواطنوها معلّقون بأنبوب مصل وأمل حياة، لا يعنيهم أمر رئاسة دويلتهم أو حكومتها أو وزرائها أو جيشها، فحديثهم يدور حول الصحّة والألم والخوف والرجاء، ولا يحلمون إلاّ بعلاج طال انتظاره.
     ودويلة المدمنين كيان آخر هادئ، فيه مواطنون من مختلف الطوائف والمذاهب والأعمار، وتدور حركته الاقتصاديّة حول الكحول والمخدّرات، ويتعايش فيه التاجر مع المدمن، اللذين لن يؤذيهما أن تقوم بينهما مؤسّسات إنسانيّة تحلم بمعالجة حالات الإدمان. وستنضمّ إلى هذا الكيان بطبيعة الحال مجموعات المرضى النفسيّين والمحبطين وذوي النزعات الانتحاريّة.
     أمّا دويلة ذوي المخطوفين فكيان حزين صامت في غالب الوقت، تنطلق منه في مناسبات معيّنة أصوات تطالب بجلاء الأمور في هذا الملّف. فوق منازل مواطنيها أعلام تحمل صور الغائبين المعلّقين بين الحياة والموت، المنتظرين الحياة أو الموت. هي دويلة تستقطب المنجّمين والمبصّرين الذين يرون المستقبل بكلّ وضوح ويعجزون عن تحديد مصير مخطوف واحد. ولكنّهم في الدويلة الناشئة سيتبارون في كشف مصائر لا يريد أحد في دولة لبنان الموحّد أن يذكّرهم أحد بها. قد تبدو هذه الدويلة إلى زوال مع موت الأهالي الذين تقدّم بهم العمر ولا يجدون من يرثهم في حمل مسؤوليّة هذا الملفّ الإنسانيّ. ولكن إن فكّرنا في أنّ الخاطفين يجدون دومًا أسبابًا للخطف اطمأنّ بالنا إلى أنّ هذا الكيان وطن نهائيّ لكلّ ذوي المخطوفين في العالم.
     الدويلة الرابعة للمعوقّين، وأبناؤها خليط من ضحايا الحرب والأمراض والخلل التكوينيّ، وتجارتها أدوية ومهدّئات وأطراف اصطناعيّة ومقاعد متنقّلة ومؤسّسات تحاول أن تجعل الحياة سهلة لمواطنين لا تلحظ دولة لبنان العظيم الموحّد وجودهم في سياستها أو برامجها.
     الدويلة الخامسة دويلة الأراكيل وهي ملجأ المعنيّين والمعنيّات (لا صلة قرابة مع الأمير المعنيّ فخر الدين) بالغناء الخفيف والرقص الهستيريّ والفيديو كليب التجاريّ والسهر الذي لا علاقة له بالعُلى أو بتأنيب الضمير. هي دويلة تحتاج إلى مختلف العاملين في مجال تأمين الأطعمة والأراكيل إلى البيوت ولا تستغني عن نُدُل المطاعم والمقاهي والعاملين في مواقف السيّارات، ولا عن رجال المواكبة والحراسة وعاملات التجميل ومزيّني الشعر. هي دويلة الخدمات السريعة والربح الصافي و"البخشيش" الأكيد نظراً الى الكرم اللبنانيّ المشهود له.
والجميل في موضوع هذه الدويلات غير الطائفيّة أنّ رجال الدين سيجدون مجالات أرحب لنشر دور عبادتـ(هم)، ففي الدويلات الأربع الأولى صلوات مدفوعة للشفاء والصبر والرجاء، وفي الدويلة الخامسة انتشار كثيف يهدف إلى محاربة الخطيئة وإنقاذ النفوس التي أعماها دخان الأراكيل وأفقدها السكر الاتجاه الصحيح.
     ويبقى موضوع الرئاسة في كلّ دويلة: ففي الأولى للحالة السرطانيّة المستعصية كي تخلو الكرسي سريعًا، وفي الثانية لأكثر المواطنين إدمانًا واستعداداً للجرعة الزائدة كي لا يبقى طويلاً في مركزه، وفي الثالثة للأمّ التي يميتها الهمّ والانتظار، وفي دويلة المعوّقين توزيع للصلاحيّات: فكرسي رئاسيّ لكلّ مُقعد، وعصا قياديّ لكلّ أعمى. أمّا دولة الأراكيل السعيدة فيرأسها صاحب أقصر نفَس لكي يكون حتماً صاحب أقصر ولاية.
     قد يعترض بعضكم على أنّ هذا المشروع التقسيميّ لا يلحظ مكاناً لأهل الفكر والفنّ والأدب. والجواب عن ذلك أنّ هذا المشروع يفتح أبواب العمل لهذه الشريحة من الناس: أناشيد وطنيّة للكيانات الناشئة، أغنيات شعبيّة وأفلام سينمائيّة، برامج الواقع اللئيم التي تنقل مباشرة معاناة الناس وسهراتهم، كلمات رثاء لرؤساء الكيانات الراحلين سريعاً، كتابة تاريخ جديد، مدارس لتعليم ركن السيّارات وتأمين الطلبات إلى المنازل، منحوتات ولوحات لشهداء من نوع آخر، ندوات فكريّة لمناقشة أهميّة التوزيع الجديد للشعب اللبنانيّ العنيد. أمّا من يجد منكم أنّه لا ينتمي بطريقة أو بأخرى إلى إحدى هذه الدويلات فعليه أن يخجل من نفسه لأنّه بالتأكيد ليس من أبناء شعبنا العظيم.
***
جريدة النهار - الثلاثاء 11 كانون الثاني 2011

السبت، 8 يناير، 2011

يعبر ملكًا (النصّ الثاني من كتابي رسائل العبور - 2005)



كملك يعبر شوارع مملكته في يوبيله الذهبيّ ثمّ يعود إلى قصر البُعد والارتفاع. هكذا يعبر صديقي الآن. أنظر إليه وألوّح له كسائحة وُجدت صدفة بين رعايا مملكته، ولا تستحقّ أكثر من نظرة ملكيّة عابرة.
وحين يعود صديقي إلى قصره، لن يتذكّر سوى الجموع التي كانت تتدافع على جانبي الطريق، ولكنّه، لن يستطيع، مهما حاول، أن يتذكّر وجهًا واحدًا منها.
والصديق العابر كملك، لا يُظهر اهتمامه بمشاكل الرعيّة. وحين ينزل عن عرشه ويزور الناس يبدو راغبًا فقط في الاستماع إلى ما يقولونه عنه، وكيف يصفون حدائقه الجميلة المحيطة بقصره، والشوارع الفسيحة التي تكاد لا تتّسع لموكبه، والعربة المذهّبة التي لا تليق إلاّ بأمثاله. وعندما يبدأ أبناء المملكة بالحديث عن أنفسهم يضجر الملك ويتثاءب ويدخل إلى قصر نومه كبطل في مسرحيّة انتهت عروضها مع نهاية الموسم. ولكن يحلو لي أن أؤمن بأنّ صديقي، الذي يعبر كملك، ينهار خلف الستائر المسدلة على مسرح حياته، ويكتم تعب الأيّام تحت قناع الصمت، ويخبّئ حزن الأمكنة وراء لامبالاته بمن حضر وبمن غاب عن احتفالات تنصيبه.
أعرف أنّ صديقي لا يعرف ما أعرفه. وإن عرفه فلن يعترف به. ولن يقبل أن تصدر صحف المعارضة في مملكته لتشير إلى خلل في رؤياه المستقبليّة، سببه تفسّخ في جدران قصره القائم على أسس الماضي الواهية. ولكنّي أحبّ صديقي الذي يعبر الآن إلى قصر غيابه. ولأنّني أحبّه أحاول أن أومئ له لأشير إلى المتربّصين بعرشه، إلى التشقّقات في سقف مملكته، والحُفر أمام عربته، ولكنّه دائمًا كان يظنّ أنّني ألوّح له كسائحة غريبة عن تقاليد مملكته فيردّ عليها متسامحًا ويمضي.
أحبّ صديقي الذي يهيّئ الآن احتفالات عبوره. ولأنّني أحبّه سأتركه يرحل إلى حيث يريد، وسأشهق بالبكاء كمراهقة أمام موكب نجم عالميّ، وسأكتفي مثلها بذكرى اللقاء العابر أخبر عنه الأيّام الآتية. وسأكتب على الجدران كالمقاتلين الذين يتركون على حيطان متاريسهم آخر كلماتهم: صديقي مرّ من هنا، ومضى. وعندما يحلّ السلام، وتُمحى كلمات المعارك من ذاكرة البيوت التي عاد إليها أصحابها، سأتذكّر أنا، آخر المقاتلين، أنّ صديقي الذي مرّ من هنا ومضى إلى مجد طموحه، كان ذكيًّا فترك ساحة المعركة قبل أن تمزّقه أمّ المعارك وأشرسها، تلك التي يواجه فيها الإنسان نفسه.
يدخل صديقي العابر ضباب الذكرى وهو لا يزال هنا، أنظر إليه وهو أمامي مباشرة، على مسافة أصابع، وأقنع نفسي بأنّه ليس هنا، وبأنّ الذي أراه ليس إلاّ طيفه يعود إلى حيث كنّا نلتقي.
أترك المسافة بين الواقع والآتي. أحاول أن أفيد من الجرعة الأخيرة من دواء مفقود، من القطرات الأخيرة من العطر الهديّة، من لمسات الشمس الأخيرة قبل موسم البرد، من مرور نيزك في لحظة نادرة من ليل أسود.
أرغب في أن أمسك الآن يد صديقي العابر، المشغول حتّى الاحتفال بلحظات عبوره الملوّنة بألوان رغباته المتناقضة. ولكنّ يده مشغولة بالتلويح للجماهير المجتمعة حول عربته الذهبيّة، وهو يمرّ كملك جميل آت من حكاية قديمة، ليعبر إلى مخيّلة طفلة، أخبرتها جدّتها بأنّ الحلم هو الحياة.


الخميس، 6 يناير، 2011

شيخوخة


Karolina Albrich- Poland




مؤلم
أن يتقدّم بك العمر دفعة واحدة،
أن تكتشف فجأة أنّك انتقلت من مراهَقة مشاغبة دافئة ثائرة حيويّة إلى شيخوخة مستكينة باردة مسالمة مريضة،
أن تنظر بواقعية جافّة إلى من كنت ترنو إليه بعينين حالمتين بريئتين،
أن تعرف أنّ ما كنت تنتظره لن يتحقّق،
أنّ من كنت تحبّه لا يستحقّ أن يُدعى لك حبيبًا،
أن تمرّ إلى جانب المشهد عابرًا محايدًا بعدما كنت تقتحمه برغبة والتزام،
أن تجفّ الدمعة في مقلتيك بعدما كنتَ تغتسل بشلاّلاتها حزنًا وغضبًا وتفاعلاً،
أن تبتسم في هزء أمام من كانت عيناك تضحكان له في فخر وإعجاب،
أن تلمس استغلال الآخرين لك بعدما ظننت أنّهم يستغلّون كلّ لحظة ليكونوا معك،
أن ترى في موت الآخرين احتمالات موتك، وفي أمراضهم سيناريوهات أوجاعك،
أن يتساوى عندك الغياب والحضور،
أن تتشابه أمامك وجوه الناس وكلماتهم،
أن تستعيد الذكريات لا لأنّها جميلة تنعش الروح بل لتتأكّد من سذاجتك،
أن تكفّ عن الحسد والغيرة لا لأنّك صرت قدّيسًا بل لأنّك تعب،
أن تنام بلا أحلام وأن تستيقظ بلا أهداف،
أن تفقد كلمات الإعجاب مصداقيّتها،
أن تتشابه الفصول، والأيّام، والملابس، والأخبار، والهدايا...
أن تنظر إلى المرآة فترى الخيبات التي نالت منك لا الوعود المنتظرة مواعيد تحقّقها،
أن تصير زيارة الطبيب قضيّة حياة أو موت،
أن تصغي لا أن تتكلّم،
أن تدخل في الصمت الأبله،
أن تكفّ عن الحديث عن نفسك،
أن تمتنع عن مراقبة الآخرين،
أن تنتظر كلّ يوم موت أحدهم كحدث لا بدّ منه،
أن يفاجئك العمر وأنت تظنّ أنّك ما زلت شابًا أو أنّ عمرك الحقيقيّ لا يبدو على وجهك وجسمك،
أن تكتشف أنّ الصداقات راحت ضحيّة المكان والزمان والمزاج،
أن تقول: "ما بقا من العمر أكتر ما مضى"،
أن ترفض المناصب الجديدة لأنّك لم تعد تثق بمحبّة من يعرضها عليك، أو لأنّك لا تثق بأنّك أهل لها،
أن تصلّي لأنّك خائف ووحيد،
أن ترى البقع الداكنة على يديك بعدما شغلك الآخر بالنظر إليه دون سواه،
...
مؤلم
أن يحصل كلّ ذلك دفعة واحدة،
وفي وقت كنت تؤمن بأنّك في بداية الطريق...

الأربعاء، 5 يناير، 2011

الديانات بالألوان

زعيم روحيّ يضحك!!!
ألا يخشى أتباعه خسارة السماء؟
تناقض مع الألوان المحيطة؟؟؟اللون الأسود لليهود والمسيحيّين والمسلمين
حائط المبكى، الجمعة الحزينة، ذكرى عاشوراء:
ألا تغسل هذه الديانات إثم البشريّة إلاّ بالدمع؟

التهديد والوعيد، النار والجحيم، القتل والمجازر:

ألا تكتب هذه الديانات تاريخها إلاّ بالدم؟

العنف، الحرمان، التعذيب:

ألاّ تشبع هذه الديانات من اللون الأسود؟

لماذا يكون الأسود لون القبر الذي تنتهي إليه الحياة كما نعرفها

ولا يكون لون الرحم الذي تنمو فيه هذه الحياة؟

إذا كان المؤمنون أبناء النور فلماذا يرتدون اللون الأسود؟