من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 29 سبتمبر، 2010

نعمة الحبّ

ثنائيّ - سلوى روضة شقير

توأمة - آن كلود أوليفاري


أخشى يا صديقي العجوز ألا نكون مستحقّين نعمة هذا الحبّ الاستثنائيّ،
وأن نكون أكثر جبنًا من أن نرفعه راية عالية فوق مصاعب الأيّام وتقدّم العمر وحاجة أحدنا للآخر.
لا يحقّ لنا يا صديقي أن نخبّئ حبًّا من هذا النوع بحجة حمايته،
ولا أن نخفيه بحجة ندرة نوعه،
ولا أن نحتفظ به لأنفسنا كأنّه لوحة قديمة نريد الاستئثار بجمالها لأنفسنا.
فالحبّ يا صديقي يحتاج إلى نور الشمس،
ومتى قبّلت أشعّتها المحيية جبينه المرتفع صار شجاعًا ومجابهًا
وما عاد يخشى ألسنة الناس وثرثرات الحاسدين،
لأنّ الحبّ يا صديقي إن لم يكن درسًا يعلّم الناس
الحبّ
والشجاعة
والمغامرة
والعمل
والمشاركة
والإبداع
والضحك
صار شعورًا مرضيًّا أو رغبة عابرة أو انتقامًا من نقص وعوز.
أنا وأنت يا صديقي الحكيم نظلم الحبّ إن ظنّنا
أنّه عاجز عن مواجهة الحياة
وراغب في الاختفاء خلف قضبان التستّر،
فهذا النوع من الحبّ إن صحّ أن نعتبره حبًّا
لا يُنتج
غير الشكوى والكبت والغضب،
ولا يثمر
غير الشجار والعتب واللوم،
ولن نقطف منه غير المعاناة والألم والندم.
ونحن أذكى من أن نفعل ذلك بأنفسنا
وبهذا المولود الجميل الذي نما بيننا وتغذّى من عاطفتنا
وأعطيناه اسم الحبّ
ونحن نعلم أنّ اسمه هذا أعجز من أن يصف ما نشعر به.

الثلاثاء، 28 سبتمبر، 2010

المسيحيّون يخسرون الأرض فهل يربحون السماء؟

شاطئ البترون
صيدا
صور
صور
طرابلس

أكثر الذين اتهموا الفلسطينيين ببيع أرضهم وبلادهم كانوا من المسيحيين. وأكثر الشعراء الذين كتبوا قصائد في حبّ الوطن اللبنانيّ غداة تكوّنه كانوا من المسيحيين. وأكثر الذين يفقدون الأمل بالكيان اللبنانيّ اليوم هم المسيحيّون الذين يبيعون أراضيهم تاركين لغيرهم مهمّة التغنّي بالوطن الجديد الآتي من الجنوب على جناحي المقاومة والتحرير، في أناشيد تمجّد الموت في سبيل أرض زُرعت ألغاماً وأنبتت قبوراً. فلماذا يبيع المسيحيّون أراضيهم؟ وماذا في استطاعة الكنيسة أن تفعل للحدّ من حركة البيع، أم فات الأوان ولم يعد في الإمكان تعويض الخسائر؟
لا يبيع كلّ المسيحيّين أراضيهم من أجل تأمين العلم والاستشفاء لأولادهم، ولا يخفى أنّ كثيرين يبيعون الأرض ليشتروا بثمنها سيّارات فخمة وبيوتاً كبيرة وأثاثًا فاخراً وبطاقات سفر للسياحة. أمام كلّ هذه المغريات تبدو شعارات الأرض والوطن والبقاء والصمود عملة بائدة لا قيمة لها في سوق التجارة. فالمسيحيّ بات ينظر إلى آنيّة المرحلة لا إلى مستقبلها، ويريد أن يستفيد من اللحظة الراهنة لا أن يخطّط لآتي أيّام قد لا يصل إليها. فالأرض بقاء والمسيحيّ يريد الرحيل، والعمل فيها ومن أجلها ميزته الصبر والانتظار وتقبّل تغيّرات الطقس وشحّ المياه وبوار المواسم، والمسيحيّ بات يستعجل الحصاد أيّاً يكن نوعه أو ثمنه. ولا بدّ من الاعتراف بأنّ امتلاك الكنيسة مساحات شاسعة من الأراضي في لبنان ساعد في الحفاظ على الوجود المسيحيّ حتّى الآن، ولو كانت في أيدي سوى الكنيسة لبيعت، ولكن هذا لا ينسينا محاولات جرت لبيع أملاك تابعة للأوقاف أوقفها تدخل الفاتيكان، وان الاعتراف بدور الكنيسة في حفظ الأرض لا يعني إعفاءها من أخطاء ارتكبتها كعدم استغلال هذه الأراضي لإنشاء فرص عمل، فهي اكتفت معظم الأحيان بتأجير ما تملك لمحسوبين عليها مع ما يرافق ذلك من سمسرة وتجارة وسرقة. ولعلّ الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الكنيسة هو حصر تفكيرها في اتجاه تأمين منازل للسكن أو مساعدات مدرسيّة أو إعانات غذائيّة. في حين أنّ المنزل لا يؤمّن دخلاً ولا قسطًا مدرسيّاً ولا طعاماً، أمّا العمل فيؤمّن كلّ ذلك من دون أن يكون الناس عبئًا اقتصاديّاً على المؤسّسات الكنسيّة.
في موضوع بيع الأراضي، لا يتحمّل المسيحيّون وحدهم المسؤوليّة، فثمّة فريقان آخران لا يمكن تبرئتهما هما مسلمو الشرق ومسيحيّو الغرب. فمن واجبات المسلم الدينيّة والقوميّة والوطنيّة منع المسيحيّ من الهجرة لا أن يكون السبب في تهجيره، وإلاّ فلن يبقى الشرق ملتقى الديانات، ولن تكون لبلدان كفلسطين ومصر والعراق وسوريا ولبنان هويّتها التعدّدية التي كانت لها. ولهذا لا تبدو الهجمة الإسلاميّة من لبنانيين وعرب على شراء العقارات في المناطق اللبنانيّة المسيحيّة بريئة خصوصاً متى راقبنا التنافس بين اللبنانيين الشيعة والعرب السنّة، في وقت يعرف المعنيّون بالأمور ما ينتج من ذلك على صعيد التوزيع السكانيّ والتوازن الوطنيّ، لأنّهم بقدر ما يتوسّعون يجبرون المسيحيين على التقوقع في مناطق معيّنة في انتظار الهجرة أو الموت. علمًا أنّ الحجّة التي تُعطى وهي أنّ التزايد السكّاني يتسبب بالتوسّع غير صحيحة، فهناك الكثير من المساحات الخالية من السكّان في مناطق محسوبة على المسلمين ولا يبدو أنّ أحداً يفكّر في الاستثمار فيها. لا يعني هذا الكلام في طبيعة الحال أنّه يجب فرز المناطق طائفيّاً، ولو كان المسيحيّ يبيع هنا ليشتري هناك لكان الأمر مفيداً على صعيد الانصهار الطائفيّ، ولكن حين يكون البيع والشراء حركة اكتساح في اتجاه واحد يقع الخلل.
ومن واجبات مسيحيي الغرب الذين يدّعون الاهتمام بمصلحة أبناء دينهم في الشرق أن يساعدوهم على البقاء في أرضهم عبر تأمين مستلزمات الصمود والحياة الآمنة الكريمة من دون انتداب أو استعمار أو حروب، على الأقلّ ليبقى للمسيحيين وجود في أرض المسيح ومهد المسيحيّة. ولكن ما يحصل هو العكس تماماً مما يجعل الدول الغربيّة، حكومات وشعوبًا وكنائس، تضاعف الشرخ بين مسيحيي الشرق ومحيطهم، وتسهّل في ظروف مصيريّة معيّنة الهجرة إليها. فلنتذكّر أنّ الأموال التي تدفع لإقامة أيّ مؤتمر أو سينودس للبحث في مصير مسيحيي الشرق تكفي لشراء مساحات شاسعة من الأراضي تضمن بقاء هؤلاء في بلدانهم. وهذا أمر يتحمّل المسيحيّون وحدهم مسؤوليّته متى اكتمل المشهد بالذين يبيعون الأرض ليقيموا عرساً فخماً أو مأتماً فيه أكثر من مطران وعشرات الكهنة، فيخسرون الأرض ولا شيء يضمن أنّهم يربحون السماء.
* جريدة النهار - الثلثاء 28 أيلول 2010

الاثنين، 27 سبتمبر، 2010

عرض ثياب داخليّة يتسبّب بنشر عرض وزارة الداخليّة



السيّدة الكريمة، عارضة الأزياء اللبنانيّة المعروفة، صاحبة وكالة متخصّصة بهذا الشأن، واسمها ناتالي فضل الله قرّرت أن تقيم عرضًا للأزياء الثلثاء 28 أيلول على جسر النقّاش في الهواء الطلق رحمة بالمشاهدين وكلّهم طبعًا من عليّة القوم. وتعود أرباح المشروع الفريد من نوعه للمدمنين على المخدّرات، أي لمعالجتهم طبعًا لا لتأمين المخدّرات لهم.
ونالت السيّدة الجميلة في طبيعة الحال رضا الوزارات المختصّة (صحة، رياضة وشباب، تربية، سياحة، موارد، خارجيّة، ..) وخصوصًا وزارة الداخليّة التي سمحت لها ولفريقها بمنع المرور على الجسر المذكور في الاتجاهين من أجل التمارين والعرض.
ويلعن عرض هالبلد الذي سمح في الأسبوع الأوّل من بدء العام الدراسي ومع ازدحام السير الخانق بعرقلة حياة الناس بهذه الطريقة التي أعطتها السيّدة القديرة شعارًا معبّرًا يقول: الجمال ضدّ المخدّرات.
ولكن هل الإدمان على الجمال يا ستّ ناتالي مسموح؟
الناس غاضبون ناقمون ولا يعرفون لمن شكواهم يرفعون، ولكنّ وزارة الداخليّة مطمئنّة إلى أمرين: الأوّل أنّ الناس لن يثوروا وإن بدوا حاملين السلّم بالعرض، فمتى التهوا بأخبار العرض أهملوا قضيّة قطع الطريق العامّ، والثاني أنّ رجال الأمن تلك الليلة لن يتعبوا في تفتيش العارضات والعارضين وكلّهم من الأجانب بحسب السيّدة فضل الله أدام الله فضلها على الجمال والسياحة، فعملاً بوصيّة الشاويش الرحبانيّ: يللي سلاحو ظاهر ما بدّو تفتيش.


الأحد، 26 سبتمبر، 2010

بالليل






بالليل بس ما لاقيك ت إحكي معك وتحكي معي
بحسّ إنّو هالقصّة مش حقيقيّة،
وإنك مش موجود
وإني وحدي
بجرّب فكّر بالمنطق
وقول عندك شغل، تعبان
عندك ارتباطات ومواعيد وسفر
بس عاطفتي بهالوقت من الليل بترجع تغلب
وبقول ما بيهمّني كلّ هالشي
ما بدّي إلاّ إنّك تكون موجود
وبكتب
مرّات ببعتلك شو بكتب
ومرّات بكتب وما بتردّ
وبقول يمكن ما وصلت الرسالة
ومرّات بقول عم تقرا وتزعل
وما بدّك تخبّرني إنّك زعلان
حتّى ما إزعل أكتر
بس بكلّ الحالات بيمرق الوقت بطيء
وما بيطلع ع بالي إشتغل شي
وبتصير الكتابة إلك وسيلة
حتى بكرا بس إرجع شوف شو أنا كتبت
بصدّق القصّة
وبقول عن جدّ إنت موجود
وعم إكتبلك

السبت، 25 سبتمبر، 2010

وقع الكلمات

هل تنتشر الكلمات كما تنتشر أوراق الأشجار في الهواء
قبل أن تسقط على الأرض؟
هل هي ما يبس فينا وما صار علينا أن نتخلّص منه
قبل أن يشوّه كياننا باصفراره وذبوله؟

هل هي غذاؤنا الذي يخرج منّا ويعود إلينا في شكل آخر؟


هل علينا أن ننتظر خريف العمر كي ننفض عنّا أوراقنا العتيقة
ونعرّي أنفسنا أمام الريح والشمس الصفراء؟

أم للكلمات وقع آخر يحدث عن انتشاره دويًّا هائلاً يخضّ العالم؟

الجمعة، 24 سبتمبر، 2010

نقطة حمراء

تصوير: يارا الهبر
لا يعرف العصفور إلاّ أن يبني شكلاً واحدًا
الإنسان أكثر براعة منه في الهندسة
لا في الزقزقة
تصوير: يارا الهبر
نقطة حمراء على السطر الأخضر

طائرات مواكبة لفخامة الشمس

عشاؤه حاضر


الخميس، 23 سبتمبر، 2010

شركاء المتعة






عمر المتعة قصير.
هل لأنّ طبيعة الإنسان اعتادت الإحساس بالذنب حين تستمتع فتعاقب نفسها بالندم وتجلد ذاتها بسياط التأنيب والملامة؟
أم لأنّ الجسد أعجز من أن يحتمل متعته التي تمتصّ طاقته وتتركه غير عارف إن كان اكتفاؤه يكفيه؟
أم لأنّ النفس البشريّة تتوق إلى ما لم تحصل عليه حتّى تحصل عليه، كالصيّاد الذي يلهث خلف طريدة، ومتى حصل عليها تاقت نفسه إلى ملاحقة سواها؟
شركاء المتعة، أيًّا يكن نوعها، يعرفون أنهم محكومون بالضجر والفراغ، غير أنّهم يتحايلون على ما ينتظرهم باختراع متع جديدة تبقي أواصر العلاقة مشدودة بينهم، وهم لا يعلمون أنّ كلّ متعة لا تصدر عن العقل مصيرها الاهتراء والتعفّن. فما يصدر عن العقل يتوهّج ويتجدّد من تلقاء نفسه، كالشمس، وما سوى ذلك طفيليّات تتغذّى من غيرها حتّى تقتله وهي لغبائها لا تعرف أنّها تقتل مصدر بقائها.
شركاء المتعة عابرون حتّى نختبر معهم الحرمان والحزن، عندها تتعمّد الشراكة بميرون خلاصها من آنيّتها لتلبس احتمال الديمومة.
من دون ذلك، من دون معموديّة المعاناة، يبقى شريك المتعة عند حدود المادّة فيك، ولا يلمس بوجدانه ما في داخلك.
ولأنّ كثيرين لا يفهمون هذا التمايز، يخلط الناس بين أنواع العلاقات ويضعون لها أسماء مختلفة كالصداقة والزمالة والرفقة والجيرة والأخوّة والمحبّة، وكثير منها لا يصحّ عليه ايّة تسمية منها.

الثلاثاء، 21 سبتمبر، 2010

شؤون تربويّة أمام السينودس الخاصّ بالشرق الأوسط

وادي قنّوبين
بشرّي

زحلة

الجامعة اليسوعيّة
جبيل



يتزامن السينودس الخاصّ بمسيحييّ الشرق الأوسط مع بدء العامّ الدراسيّ، ومن واجبنا أن نلفت انتباه آباء الكنيسة إلى بعض النقاط/ المشكلات المتعلّقة بواقع التربية في لبنان:
1 - التربية والكنيسة: يفتخر المسيحيّون في لبنان بدورهم في إنشاء المدارس والجامعات الوطنيّة. وهم، وإن كانوا محقّين في ذلك، مدعوون إلى أن يتذكّروا أنّ الوقوف على أطلال هذه الأمجاد لا يغني عن التفكير بالحاضر والمستقبل. فقد استطاع أفراد قلائل تأمين العلم لآلاف التلامذة في فترة زمنيّة قصيرة بالنسبة إلى تاريخ الكنيسة الطويل، ويكفي أن نشير إلى دور مؤسّستي رفيق الحريري وعصام فارس لنفهم أنّ الكنيسة لم تعد تحتكر التعليم ولم يعد في إمكانها التفاخر بأنّ المسيحيّين وحدهم نشروا العلم في الشرق. وبما أنّه من غير المسموح أن نخترع الأبجديّة ونترك لسوانا حبّ المطالعة، فمن غير المسموح كذلك أن نستورد أوّل مطبعة إلى الشرق ونبيع الكتب المدرسيّة بأغلى الأسعار.
2 - الأقساط: أمام عجز الدولة عن تأمين العلم المجّاني للجميع، اضطرّ الناس إلى دفع أثمان باهظة لتعليم أولادهم في المؤسّسات الخاصّة. ولا يغيب عن البال أنّ كثيرين يعملون على استغلال المؤسّسات الكنسيّة، وكلٌّ منّا شاهد على مئات الحالات التي كان فيها أهالي التلامذة يتحايلون على إدارات المدارس للتهرّب من دفع الأقساط. ولكنّنا في المقابل نشهد على ظلم كبير وقع على مئات التلامذة حين سدّت في وجوههم سبل التعلّم لأسباب ماديّة.
3 - الدمج التربويّ: تستفيد بعض المدارس الكاثوليكيّة من هذا العنوان للاستفادة الماديّة من دون تقديم أيّة مساعدة خبيرة أو متخصّصة. فأقساط التلامذة ذوي الحاجات الخاصّة تفوق بأضعاف أقساط سواهم، وكأن لا يكفي الأهالي الهمّ المعنويّ حتّى يفرض عليهم عبء ماديّ لا ينالون في مقابله ما يساعد أولادهم على الاندماج في المجتمع وإلاّ لهانت التضحيات. ويكفي أن نعلم أنّ ثمّة مدارس "دامجة" تحوّل من تريد التخلّص منهم من معلّميها ومعلّماتها إلى العمل مع ذوي الحاجات الخاصّة كي لا تضطرّ إلى دفع تعويضات في حال صرفهم، فإن رفضوا واستقالوا حلّت المشكلة من دون خسائر للمدرسة وإن أصرّوا على البقاء فـ"ضرر التعليم أقلّ" لأنّ تلامذتهم حالات خاصّة لن يزيدها سوءًا معلّمون فاشلون، بحسب رأي هذه المدارس طبعًا.
4 - المحسوبيّات: إنّ إحصاء أقرباء مديري المدارس والعاملين فيها ودراسة ملفّاتهم، بدءًا من الكافيتريا وباصات النقل والحراسة إلى التعليم والطبابة، يظهران أنّ المشكلة ليست في عددهم الكبير فحسب بل في عدم كفاءتهم وفي التستّر على المخالفات التي يرتكبونها.
5- سوء توزيع المدارس: تتصرّف الكنيسة في هذا المجال كالدولة حين تهمل بعض الأطراف وتتمركز في المدن، بل في العاصمة بيروت وضواحيها حيث السلطة والمال. ولا أحد يفهم سبب غياب المؤسّسات التربويّة الأكاديميّة أو التقنيّة المهنيّة عن الجبال والأرياف، في حين تتجاور فروع هذه المؤسّسات وتتنافس في بقعة جغرافيّة ضيّقة.
هذا بعضٌ من فيض المشكلات المتعلّقة بالشأن التربويّ في لبنان، وهو لن ينسينا بطبيعة الحال والمنطق دور المدرسة الكاثوليكيّة الرائد إلاّ أنّ هذه المدرسة نفسها مهدّدة بفقدان هويّتها (اللبنانيّة المشرقيّة) ورسالتها (المسيحيّة السمحاء) ودورها (التربويّ الوطنيّ): أوّلاً إن بقيت خاضعة لأمزجة القيّمين عليها واتجاهاتهم الفكريّة والحضاريّة والسياسيّة من دون أن يكون هناك هيئات مرجعيّة تحاسب وتحاكم؛ ثانيًا إن بقيت عاجزة عن مواكبة حركة العصر وقراءة متغيّرات الأمكنة والأزمنة والأمزجة الشعبيّة، وثالثًا إن بقيت مصرّة على حصر مهماتها الإداريّة والاقتصاديّة والتربويّة في رجال الإكليروس والراهبات حتى لو كانوا من غير أهل الاختصاص (بينهم طبعًا من لا يُجارى في تبحّره بالعلم وتعمّقه بالإيمان) وذلك لعدم ثقتها بالعلمانيين الذين تطلب منهم الكنيسة أن يسلموها أرواحهم ومصائر نفوسهم.
أتريد الكنيسة أن يبقى المسيحيّون في هذا الشرق؟ فلتجد طريقة لتعليم أولادهم من دون أن تطلب منهم بيع أراضيهم لدفع الأقساط. ولحديث بيع الأراضي صلة.
* النهار - 21 أيلول 2010

الأحد، 19 سبتمبر، 2010

الحقد






لا أعرف من أين نأتي نحن الناس بهذه الكميّات من الحقد! غير أنّني أحسب أنّنا إذا استطعنا أن نجمع كميّة العنف الناتج عن هذا الحقد لاستطعنا تأمين مصادر للطاقة لا تخطر على بال إنسان. ولا أعرف إن كانت الحيوانات تعرف الحقد وتمارسه غير أنّني أحسب أنّ الحيوانات عندها ما هو أهمّ لتملأ وقتها به.
هذا الحقد الذي هو مجموع الكراهية والأنانيّة والغباء والحسد والغضب والشره مخيف وشرير وخطير، ولعلّ أخطر ما فيه اقتناع حامله بأنّه ضحيّة حقد ما أو رسول عدالة سماويّة أو حامل لواء قضيّة. لذلك من المستحيل أن تقنعه بأنّه حقود يؤذي بحقده نفسه والآخرين، لأنّ جوابه سيكون في تحويلك هدفًا جديدًا لسهام حقد يتغذّى من أوهام وتخيّلات لا تمتّ للحقيقة بصلة.
الحقد لا يظهر فجأة، فهو ليس عفويًّا أو عابرًا أو آنيًّا، بل تراكمات يوميّة لمشاعر سلبيّة كثيرة، أتلفت خلايا من يجمعها بحرص البخيل، وجعلته مستمتعًا بها كمن يلحس المبرد. لذلك كان الحقد هو أكثر المشاعر التي تخيفني في نفسي وفي الآخر وتقصيني عن نفسي وعن الآخر لأنني أعترف بأنّني في عجزي البشريّ غير قادرة على تحمّل هذا الكمّ الهائل من الكراهيّة التي فاقت حدّها وتخطّت نفسها، ولست بالتأكيد قادرة على التعامل معها ومعالجتها.
يخيفني في الحقد التربّص بالآخر وانتظار الإيقاع به لإيذائه بأشرس الأساليب الممكنة. لذلك فالحاقد إنسان يصبر ويترصّد ويراقب ويخادع ويدّعي ما ليس فيه في انتظار الفرصة السانحة كي ينقضّ على من اعتبره طوال هذه المرحلة عدوّه الوحيد وسبب مآسيه ومعاناته وآلامه وفشله. فالناجح المطمئنّ إلى جوهر نجاحه لا يعرف الحقد.
ويخيفني في الحقد إصراره على تحقيق هدفه انسجامًا مع تفكير مرضيّ شرس لا يرى إلاّ هذه الغاية ولا يرغب إلاّ في تحقيقها. كأن لا شيء في الدنيا/ دنياه/ إلاّها. ولا تنفع محاولات ثني الحاقد عن حقده أو تحويل اهتمامه إلى مجالات أخرى، فهو انطلاقًا من كونه ضحيّة لا يستطيع إلاّ أن يداوي نفسه بجعل الآخرين يدفعون ثمن ما هو فيه.
تجبر ظروف الحياة كلّ واحد منّا على أن يكون غاضبًا وناقمًا، لظلم تعرّض له أو لإهانة لحقت به، وقد تطول فترة الغضب والنقمة أو تقصر تبعًا لحجم الظلم أو قسوة الإهانة. ثمّ تهدأ النفس المظلومة المهانة وتقرّر أن تطوي الصفحة لتستمرّ في الحياة. أمّا الحاقد فلا يعرف كيف يطوي الصفحة لأنّه لم يتعلّم القراءة إلاّ فيها، ولن يجد نفسه خارجها. وإن كان من جحيم فهو هذا: أن يشعر الإنسان بالحقد لا أن يتعرّض له.

الجمعة، 17 سبتمبر، 2010

الضجيج

سكينة
صمت
هدوء
أمان

سكون
من أين يأتي كلّ هذا الضجيج؟ ضجيج الحرب، ضجيج المراهقين، ضجيج الحفّارات والشاحنات، ضجيج السياسيّين والإعلامييّن، ضجيج الأغنيات؟ ضجيج يأكل الأعصاب، يمضغها على مهل، ثمّ يبتلعها ثمّ يجترّها. ضجيج يمزّق الأيّام ويوزّعها شظايا يستحيل إعادة تركيبها.
ضجيج الحرب أكل أعمارنا بحجّة المحافظة على الحريّة فكانت الفوضى التي زرعها الموت، وضجيج التلاميذ في الملاعب والشوارع أكل لغتنا بحجّة تأمين الحريّة لأجيال تعبت من الحرب فكانت الفوضى التي نمّاها الغباء التربويّ، وضجيج الحفّارات أكل الأخضر واليابس بحجّة إعادة الإعمار فكانت الفوضى التي أخافت العصافير والفراشات، وضجيج السياسة والإعلام أكل المنطق فكانت الفوضى التي تولد من رحم نفسها ولا تنجب إلاّ الفوضى، وضجيج الأغنيات أكل اهتراء نفوسنا بحجّة التجديد والتحديث فكانت الفوضى التي اختلط فيها أشباه الأصوات وغاب الجمال.
من يعيدنا إلى الصمت الذي كان؟ من يخلي الشوارع من المارّة المستعجلين؟ من يخنق أبواق السيّارات؟ من يطفئ أجهزة الراديو والتلفزيون؟ من يوقف رنين الهاتف؟ من يسكت الناس عن الهذْر السخيف الساذج الفارغ؟ من يعيد صمت البدايات؟ أين راح الهمس وكيف اختفت الوشوشة؟ أين صوت البحر والنهر والشجر والزهر؟ أين صوت الصمت؟ كيف نسمع ما يجري في دواخلنا ونحن محاطون بكلّ هذا الضجيج؟ كيف نفكّر؟ كيف نحلم؟ كيف نعشق؟ كيف نتفاهم؟ كيف نهدأ؟ كيف نربّي؟
الكلام صراخ، والحبّ قتال، والإصغاء فنّ بائد لا متاحف له. ونحن معبّأون صراخًا ولا نعرف. ولا نكتشف ذلك إلاّ متى قال لنا أحد من خارج حدود ضجيجنا: لماذا لا تهدأون؟ عند ذلك ننتبه إلى أنّنا انجرفنا في دوّامة الضجيج الذي غيّب الجمال عن شعرنا، والفرح عن لغتنا، والمنطق عن أحكامنا، والثقة عن نظرتنا، والأمان عن علاقاتنا. ولم نعد بشرًا. فحين يصير الصراخ وسيلتنا لإثبات الوجود فذلك يعني أنّنا عدنا إلى أدنى مراحل إنسانيّتنا لا بل إلى ما قبل ذلك. فلا يمكن أن تنمو حضارة حيث الضجيج والصراخ. ولا يعقل أن ينتج الصخب إلاّ تساؤلات وشكوكًا تدور في حلقة مفرغة كمثل صوت الآلة الرتيب المتشابه. ربّما لهذا السبب يرتبط الصراخ والبكاء بالجحيم، الجحيم الذي يعني غياب العقل والمنطق والجمال والخير والسكينة. وربّما لهذا السبب يصعب علينا أن نقيم حوارًا مع أهل السماء حيث السكينة والخير والجمال والمنطق والعقل، فنحن، المسكونين بأصوات القذائف وهدير المظاهرات وصراخ الباعة على الطرقات وشتائم السياسيّين وزمامير السيّارات ووقاحة الآليات والمغنّين والمغنيّات، لا يمكننا إلاّ أن نصرخ كأنّنا نولد كلّ لحظة من أرحام أمّهاتنا ونريد أن نعلن أنّنا على قيد الحياة، أو كأنّنا خارجون للتوّ من أرحام الملاجئ ونريد أن نتنفّس. ولذلك لن يعرف العالم كيف يتعامل معنا ما دمنا لم نتخطّ بعد مرحلة الولادة.

الخميس، 16 سبتمبر، 2010

سمعان بالضيعة





يحقّ للمخرج اللبنانيّ الشاب سيمون الهبر أن يفتخر بفيلمه الأوّل (وثائقيّ/ إبداعيّ) (2008) الذي حقّق إيرادات ممتازة ونال جوائز سجّل سابقة يهنّأ عليها مخرجه إذ كان السبّاق للتطرّق إلى حرب الجبل من وجهة نظر مسيحيّة تريد أن تنظر لما جرى نظرة نقديّة. مع الإشارة إلى أنّ الفيلم عند بدء عرضه التجاريّ تعرّض لمقصّ الرقابة.
عنوان الفيلم: سمعان بالضيعة، وهي عبارة تعني في لهجتنا اللبنانيّة: الإنسان الذي لا علم له بشيء. وليست هذه حال "سمعاننا" طبعًا لأنّه أدرى الناس بما حدث في الضيعة التي ضاع أهلها في المدينة بعدما تفرّقوا بسبب حرب الجبل (بين الدروز والمسيحيّين) وهو المصطلح التأريخيّ لمرحلة عنيفة من مراحل الحرب اللبنانيّة.
لن أتحدّث عن الفيلم من الناحية الفنيّة، ولكنّي أعرف سمعان الذي كان يوصل الحليب الطازج إلى بيتنا، وكانت هيئته اللافتة التي تجمع بين الغرابة والشاعريّة والإهمال القرويّ تثير الانتباه ولكنّها لم تدفعني طبعًا لرؤية سمعان كما رآه ابن أخيه سيمون وهو الترجمة الفرنسيّة لاسم سمعان.
لا أعتقد أنّ الشابّ سيمون الهبر كان يريد فقط أن يقدّم فيلمًا يعرّف عنه كمخرج واعد درس في لبنان ثمّ في فرنسا، لكنّه أراد من الفيلم أن يصالحه مع عمّه أوّلاً ليستطيع أن يتصالح بعد ذلك مع نفسه وماضيه وقريته ووطنه. فسمعان عاد إلى قريته المهجورة ليقيم مع البقرة والحصان والهرّة، وليكون "الحكواتي" الذي سوف يحكي كلّ مرّة قصّة جديدة عن الحرب والموت والتهجير، لا لأنّه يكذب ولا لأنّه ينسى، بل لأنّ حكايات الحرب لن تنتهي ولا يمكن الإحاطة بالجوانب كلّها ولو لحكاية واحدة منها. فالحادثة نفسها سوف تروى آلاف المرّات ولن تكون أسبابها ونتائجها واحدة عند الرواة المختلفي الانتماءات والمذاهب والطوائف والأحزاب.
قبل أن يكتشف سيمون الهبر الشخصيّة "السينمائيّة" لعمّه، لم يكن يرى في عمّه – ربّما - إلاّ الإنسان الذي قد يحرجه أمام الناس ويجعله يرفض الاعتراف به أو التقرّب منه، وقد يتجاهله إذا التقى به صدفة، وقد يمنعه من الظهور في حضرة أترابه وزملائه، أليست هذه حالنا جميعا في بداية حياتنا حين نريد أن يكون كلّ أهلنا وأقربائنا "أفضل" ممّا هم عليه؟ في مرحلة معيّنة، لا أحد يستطيع تحديدها إلاّ المخرج نفسه، استطاع هذا الشاب أن يرى في عمّه ما هو أبعد من الشَعر الطويل المربوط، أو الحديث مع البقرة، أو الحديث عنها كأنّها زوجته، فنجح بحسّه الفنيّ وموهبته الأكيدة التي نمّاها بالدراسة، في أن يحوّل سمعان إلى شخصيّة نموذجيّة سيبحث الناس عمّن يشبهها كليًّا أو جزئيًّأ.
بعد عرض الفيلم ونشر المقالات التي ترحّب به وتثني عليه، صار كل واحد منّا يبحث عن "سمعانه" الخاصّ الذي يعرفه في هذه القرية أو تلك، وسنحاول جميعًا أن نفهم تصرّفات هؤلاء "السمعانيّين" من الحالمين الثوريّين الراغبين في جعل هذا العالم مكانًا أجمل للعيش، أو المتشبّثين بماض لا يريدون الاعتراف بأنّه لم يعد موجودًا.
حين تقبّل سيمون الهبر شخصيّة عمّه الطريفة، انتهت مهمّة الفيلم كمجموعة من المشاهد السينمائيّة المترابطة ليستمرّ العمل موضوعًا صالحًا للتعليق والمعالجة. ولكن القضيّة ليست هنا، ليست في شخصيّة سمعان أو القيمة الفنيّة للفيلم بل القضيّة كلّ القضيّة هي هذه الذاكرة المتخمة بمشاهد الحرب، والعاجزة عن إفراغ نفسها بسبب مجموعة من العوامل الطائفيّة والحزبيّة ومخاوف من إثارة الفتن والاضطرابات في البلد. فالفيلم اللبنانيّ، أيّ فيلم لبنانيّ، يخضع في الدرجة الأولى لرقابة مخرجه الذاتيّة قبل أن يعمل مقصّ الرقيب في المشاهد والحوار تقطيعًا وتشويهًا. وهذا ما حصل مع سيمون الهبر الذي تحايل على حكاية مقتل جدّه (والد سمعان) وجعلها تبدو كحادثة من حوادث الحرب الأهليّة، في حين أنّها وقعت قبل ذلك، أي في الزمن الذي يجب أن يكون سلميًّا وآمنًا. فلماذا غيّر المخرج زمن حادثة القتل؟ هل ليقول إنّ الحرب الفعليّة كانت قد بدأت منذ زمن ولكنّ أحدًا لم يعر الأمر اهتمامًا أو لم يجرؤ على إعلانه؟ وهل مطلوب من الإبداع الفنيّ وإن بشكل شعريّ مجازيّ أن يتحايل في ما يمتنع التاريخ عن ذكره، وذلك حفاظًا على المصلحة الوطنيّة؟

الثلاثاء، 14 سبتمبر، 2010

إن وقعت الحرب ولا عَشرة يصلحون

دخان الحرب أم دخان الأراكيل؟

هل نريد أن يعود هذا المشهد؟


يكثر الحديث عن الحرب وكثر ينتظرون الحرب. ولا أعني بذلك الدول المعنيّة بأمرنا بل نحن الشعب المسكين الذي لا يملك سلاحاً ولا يعرف كيف يقاتل. ومع ذلك ننتظر الحرب لنصفّي حسابات عالقة رافضين التفكير في ما ستخلّفه من موت ودمار. نريد أن نأخذ حقوقنا بأيدينا بعدما سئمنا انتظار الدولة والقوانين والعدالة، وبعدما أماتنا الموت البطيء مليون مرّة في اليوم، وامتصّت النقمة نسغ أعصابنا ولم تبق لنا سوى الرغبة في زلزال مدمّر أو طوفان غامر أو حرب شاملة. لم نعد نريد ثورة تجدّد ما كان قائمًا أو تستبدل نظامًا بنظام أو زعماء بزعماء. نريد أن ينتهي هذا الفيلم الطويل المملّ السمج إمّا بسلام حقيقيّ أو بزوال نهائيّ.
المنتظِرُ حكم المحكمة لتبتّ دعواه القضائيّة لم يعد يطيق انتظارًا يجترّ أيّامه، يريد أن تعود الحرب، ولو ليوم واحد ليحقّق عدالة تعفّنت في ملفّات تقضمها الجرذان ليلاً في أروقة قصور العدل القاصر/ المحروم النوم الهانئ يتمنّى أن تعود الحرب ليعلّم جاره المستقوي برجل الأمن أنّ ضجيج الحرب أرحم من ضجيج الفجور/ المصروف من عمله بلا سبب أو تعويض يصلّي كي يصير إلهه إله حرب لا إله رحمة كي يساعده في الانتقام من ربّ عمل لا يعرف ربًّا ولا يؤمن بكرامة ولا يحترم عطاء/ المهان على الطريق بغير سبب سيحوّل الطرق أنهار دم/ والمعتدى عليه وهو الضعيف سيقول عليّ وعلى أعدائي وليأت الخراب من بعدي. فإن وقعت الحرب ونحن على هذا القرف فسيشارك فيها كلّ من جرّب السلم فغدر السلم به، وكلّ من وثق بالدولة فخانته الدولة، وكلّ من آمن بشريكه في الوطن فخيّبت الشراكة آماله. وسيحمل السلاح، أكان بندقيّة أم سكّينًا، كلّ الذين جعلناهم ضحايا: بعنصريّتنا وطائفيّتنا ومذهبيّتنا وكبريائنا وغبائنا وتكالبنا على السلطة والمال. ولن تكون في الحرب، إن وقعت، قضايا وطنيّة أو مواقف بطوليّة ولن يُسمع فيها صوت العقل وتأنيب الضمير ولن يستجيب أحد نداءات الرحمة، بل ستعلو قهقهات الشماتة يطلقها من انتظر الحرب لينفّس حقده في من سخّر السلم لأطماعه، ويرتفع عويل من تدوسهم نعال القتال وهم الذين ما استفادوا من زمن السلم ولا تعلّموا كيف يكون الانتقام.
ينتظر الحرب من جرّبها واستلذّت أحاسيسه بمتع القتل والتعذيب والتنكيل، وينتظر الحرب من رافقت الحربُ طفولته ومراهقته فنام على حكايات البطولات الواهية واستيقظ على آثار الخيبات الباقية. ولذلك تقشعّر الأبدان إن تخيّلنا مشهدًا واحدًا محتملاً من مشاهد ما سنواجهه متى سمعنا أحدهم يقول وعيناه تلمعان رغبة: "بس لو بترجع الحرب ليوم واحد، لساعة واحدة"، والأدهى أن يكون هذا القائل ممّن اختبر الحرب من غير أن يشارك فيها. هو الانحطاط وهي الخيبة. أوصلانا إلى حالة لا يفيها حقّها إن قلنا إنّها بهيميّة. كأنّنا لم نعد بشرًا، كأنّ ما يجري على مدار الساعة رواية مرعبة أنتجها خيالٌ مريض، كأنّ الجحيم هو هذا: أن نمتلئ بكلّ هذا الحقد واليأس والعناد والفساد والأنانيّة. ولذلك لن تكتب رواية ناجحة عمّا نحن فيه لأنّ اللغة لن تجد مفردات مناسبة لوصفه، وكلّ روايات الحرب التي صدرت في لبنان ليست إلاّ مشاهد متقطّعة وقليلة من حرب عبثيّة سخيفة طويلة لا يستطيع العقل البشريّ أن يتحمل رؤيتها في نسختها الكاملة. والآتي أعظم. وبعدما اختبرنا حروب الآخرين على أرضنا ها نحن منطلقون لخوض حروبنا التي سيكون لها ألف اسم واسم وهي ليست سوى عمليّة انتحار جماعيّة بأبشع الطرق ولأتفه الأسباب.
إن وقعت الحرب فهذا يعني أنّ السلم فشل في كلّ شيء: في صقل نفوسنا وتهذيب أخلاقنا ومحو صراعاتنا، في ترسيخ انتمائنا الوطنيّ وحسّنا الاجتماعيّ ومشاعرنا الإنسانيّة، في صهرنا في رؤية واحدة ولو كنّا عشرات الطوائف وعشرات الأحزاب. فمتى صار شعب كامل يسترخص الحياة ويستطيب الموت، في حادث سير أو من أجل ركن سيّارة، فعلى السلم السلام. ويا خوفنا من حرب تحوّل الجميع مجرمين بالفعل أو بالقول أو بالتفكير، وتعِد الأطفال بحرب جديدة أجمل من تلك الموجودة في ألعابهم الإلكترونيّة. ومن يصبر إلى المنتهى سيتمنّى لو لم يخلص ويرَ هول ما يراه. فهل فينا عشرة صالحون ننجو بشفاعتهم؟

جريدة النهار - الثلثاء - 14 أيلول 2010

الأحد، 12 سبتمبر، 2010

يوم الفطر في عين داره



كنّا مجموعة صاخبة مؤلّفة من ثلاث عشرة امرأة وثمانية أطفال، في عين داره حول مائدة الصباح. وكان ذلك في أوّل أيّام الفطر: فالزمن إذًا إسلاميّ، والمكان في حماية الدروز، والسيّدات مارونيّات استغللن يوم العطلة للقاء. قريبات وصديقات فيهنّ الصحافيّات والمدرّسات والموظّفات وربّات المنزل والأمّهات، يلتقين حين تسنح لهنّ ظروف الحياة والعمل. هنادي استأجرت المنزل منذ أوّل الصيف هربًا من حرّ الساحل: بيت مرتفع فوق الطريق، يواجه جبل الباروك المكسو غابات تشيع بعض الأمل في إمكان مقاومة التصحّر الهاجم من كلّ ناحية. على المائدة ترويقة لبنانيّة هي خليط من نكهات: مناقيش بالصعتر والكشك والجبنة، فول مدمّس، باقات نعنع، بندورة جبليّة، لبنة، زيتون، بيض مقلي، تين، درّاق، وحلويات من إعداد السيّدات (اليوم لا مكان للريجيم والنحافة)، ومشروبات ساخنة وباردة، للقهوة الصدارة بينها، بها تُفتح الصبحيّة، وبها تُختم قبل أن يتمّ التواعد على لقاء جديد في منطقة أخرى.
نجمة اللقاء هي الأمّ الشابّة التي عندها سبعة أولاد، وتريد أن تنجب اثنين بعد لأنّها وعدت خالتها بأن تكون مثلها أمًّا لتسعة أولاد. ونجمة اللقاء المستعدّة للطفل الثامن ستصير جدّة بفضل ابنتها الكبرى المتزوّجة والحامل. حالة نادرة في المجتمع المارونيّ الذي يصرّ الأزواج فيه على الاكتفاء بولدين بذريعة تكاليف الحياة وكلفة المعيشة اللائقة. قالت لها دارين أمّ الصبيان الثلاثة: نحن نفكّر بولد رابع لأنّ المجمع المارونيّ أوصى بأن يتعلّم الولد الرابع مجّانًا في المدارس المارونيّة. قلت لهما: في المجمع المارونيّ المقبل ستعدّل هذه الفقرة وسيتعلّم الولد العاشر مجّانًا. فآباء الكنيسة لم يتوقّعوا أن ينجب أحد أكثر من ولدين. أنتما تخالفان الشريعة.
يقع منزل المضيفة في الطبقة الأولى من المبنى، وللوصول إليه كان علينا العبور في الباحة الخارجيّة لمنزل الطبقة الأرضيّة وهي لأصحاب البناية. صاحب الدار العجوز كان يقف في باحة منزله حين مررنا تباعًا قربه، ويردّ التحيّة بأحسن منها، مطعّمًا كلامه وحديثه عن الطقس بأمثلة شعبيّة وأبيات زجليّة. قميصه الكاكي يعيد إلى ذاكرتي زمنًا مضى، وسقف العقد في منزله المشرع الأبواب يطمئن مسترقات النظر بيننا إلى إلفة المكان وسعته ورحابة صدره. من الواضح أنّ الحرب مرّت من أمام البيت ولم تقتحمه ما سمح له بالنجاة بما فيه من أثاث قديم وحكايات أقدم.
قالت لنا هنادي، مضيفتنا التي تفكّر بالاكتفاء بولدها الوحيد رافضة الاقتناع برأي صديقتها جوسلين نجمة اللقاء، إنّ العمّ يوسف يملك الكثير من الحكايات وإنّها لا تضجر من الاستماع إلى أخباره عن عائلته وعن الضيعة. ابنه راهب مارونيّ احتفل منذ بعض الوقت بمرور خمسة وعشرين عامًا على سيامته كاهنًا. والعمّ يوسف يوزّع على الجيران والأصدقاء كتّيبًا أُعدّ في المناسبة وفيه نبذة عن نشاطات ابنه الراهب.
جوسلين أمّ العائلة الكبيرة آتية من كسروان لتمضي بضعة أيّام في ضيافة صديقتها، واصطحبت معها ثلاثة من أولادها. كان وجودها قريبة من بلاد الشوف مدعاة تأمّل وتفكير، استعدت فيه الماضي البعيد حين أتى الموارنة من الشمال إلى هذا الجبل، والماضي القريب، حين مشى الموارنة إلى دير القمر هاربين من الحرب، واليوم حين نجتمع ونتحدّث عن أنّ الأطفال الثمانية الذين يلعبون ويمرحون ويتشاجرون ويتصالحون خارج الدار لن يبقوا في هذه الأرض وسيهاجرون إن بقي وضع المسيحيين على حاله.
دنيا التي يقيم والدها في إقليم الخرّوب، مستقلّة في منزلها الخاصّ في ساحل جونيه، ولكنّها تحضّر أوراق هجرتها إلى أوستراليا. سميرة تتحدّث عن مواسم العنب والتين في قرية زوجها عين المرج بالقرب من بحمدون وتروي بأسى حكايات معيبة عن المسيحيين الذين يبيعون أراضيهم، ثمّ تجيب على من يسألها عن قرب افتتاح الجامعات والمدارس وماذا اختارت بناتها للدراسة والتخصّص، ميّادة منصرفة لفضّ خلافات الأولاد حين يتشاجرون، وتلتقط الصور، وتحكي عن عملها في المدرسة، سامية تتأكّد من أنّ الجميع تذوّق كلّ ما على الطاولات، وتتناول من حقيبتها مقالات أعجبتها وتدعو الأخريات لقراءتها، غادة تعلن أنّها مجبرة على المغادرة باكرًا لأنّها تلقّت اتصالاً طارئًا يستدعيها إلى العمل لتساعد في الإعداد لمقابلة تلفزيونيّة مع النائب الذي تعمل كمساعدة له، مي الآتية من طرابلس حيث تقيم مذ تزوّجت منذ ثلاثة أعوام تحكي عن الحياة في عاصمة الشمال ذات الطابع السنيّ (اللقاء السابق كان في ضيافتها وحينها أخبرتنا عن تقاليد شهر رمضان كما لم تكن تعرفها). ثمّ يتذكّر الجميع أنّ الهدف من اللقاء هو تغيير الجوّ والابتعاد عن الهموم اليوميّة الضاغطة، فتتكفّل ريتا بالمهمّة حين تضفي أجواء المرح بحكاياتها عن السيّدات اللواتي تلتقي بهنّ بحكم عملها كخبيرة تجميل. أما رنا، الشابّة الصغيرة بيننا، فتراقب بعينين ذكيتيّن ما يجري وتلتقط ما يقال، ولا تدعنا نعلم بما يجول في فكرها. كانت تستكشف عن الشرفة عين دارة الجميلة وتسأل هنادي عن كنائسها وأحيائها، وتأسف لأنّ لها أصدقاء من هنا لن تستطيع رؤيتهم لأنّهم يعملون خلال الصيف في المطعم الذي لا يقفل أبوابه طبعًا يوم العيد.
رؤية الجبل تثير الرغبة في المشي بين أشجار الأرز في محميّة الباروك. هي الرغبة في التشبّث بلبنان الذي نعرفه. ربّما لأنّ والدتي من الشوف، ربّما لأنني أمضيت أيّام ما قبل التهجير عام 1982 في عاليه، ربّما لأنّ جدّي قتل ودفن في الجبل، لا أستطيع إلاّ أن أفكّر في أنّ الخلاص الحقيقيّ للبنان الذي نعرفه لن يتمّ ما لم يكن منطلقه لقاء الجبلين المارونيّ والدرزيّ، ليكونا مظلّة فوق السهل والساحل.

الثلاثاء، 7 سبتمبر، 2010

بدل الأكاليل بدل بيع الكتب

مشاكسة
سلوى روضة شقير

قارئ الشعر
فنجان قهوة

قبل قراءة هذا النصّ لا بدّ من التنبيه بأنّ الكلام الوارد هنا لا علاقة له بالواقع بل هو حكاية من صميم القلب ومن تصميم الخيال، وكل تشابه مع حدث ما أو مع شخص ما هو من قبيل الصدفة ليس إلاّ:
قلّلت عقلي ودعوت إلى حفل توقيع كتابي، علمًا بأنّني لا أستسيغ هذا النوع من التسويق لأنّني لست بارعة في العلاقات العامّة (والخاصّة على ما صار كثر يعرفون)، ولأنني أعتبر الأمر عمليّة تجاريّة تبيّن على المفضوح أنّ صاحبها يحتاج إلى المال (ومن منّا لا يحتاج إلى المال؟). المهم، لبّى الدعوة، مشكورين طبعًا، بعض الأصدقاء وأفراد العائلة، وما كنت لألوم من لم يحضر. ولكن ما حصل بعد ذلك هو ما جعلني أجزم بأنّ حفلة التوقيع توقع في مهالك لم تكن لتخطر على بال أحد. فمنذ تاريخ تلك الحفلة المشؤومة وأنا أتلقّى دعوات من الذين تكرّموا ولبّوا دعوتي واشتروا كتابي. والطريف أنّ كلّ ما أتلقّاه من دعوات لا علاقة له بالكتب ودور النشر. وهنا اكتشفت أنّ القضيّة هي مجرّد فرق حسابات وخيارات أوصلتني إلى الفقر وأوصلت سواي إلى الثراء.
فما هي مناسبات هذه الدعوات التي عجزت دعوات أمّي وصلواتها عن صدّها عنّي؟
واحدة دعاني إليها أحد الصحافيّين الذي شرّفني بحضوره التوقيع، وحين افتتحت زوجته متجر المجوهرات الأنيق في المجمّع التجاريّ الضخم وجدت وزوجها أنّ الواجب يقضي بدعوتي. وكذلك فعلت صديقة إعلاميّة افتتحت متجرًا لبيع أفخر أنواع الشوكولا، وثالثة أقامت حفلاً ضخمًا في مناسبة بدء العمل في محل الألبسة الذي قدّمه لها زوجها هديّة كي تتسلّى، وهكذا أمضيت العام الماضي وأنا أردّ الزيارات لمن شرّفني بحضوره حفل توقيع كتاب قيمته أقلّ من عشرة آلاف ليرة. وبما أنني عاجزة عن دفع ثمن الحليّ من متجر المجوهرات اكتفيت بإرسال سلّة زهور بمئة دولار إكرامًا لاسمي ككاتبة تقيم حفلات توقيع، واشتريت من متجر الحلويات علبة شوكولا بخمسة وأربعين دولارًا كنت آكل حبّاتها كمن يأكل فلقًا في سجن عربيّ، واشتريت من متجر الملبوسات أرخص ما يمكن أن يوجد وكان ذلك بنطلون جينز ثمنه مئة وثلاثون دولارًا فقط لا غير. عدا عن فلان الذي اشترى منزلاً لا بدّ من التهنئة بالحصول عليه، وفلانة التي أنجبت طفلة لا يجوز عدم زيارتها مع هديّة، وفلان الذي مات والده وكان لا بدّ من دفع بدل إكليل زهر تبيّن أنّه أغلى من كتابي.
معادلة بسيطة: عشرون دولارًا ثمن ثلاثة كتب سعيت كي أبدع في كتابة إهدائي على كلّ منها في مقابل مئتين وخمسة وسبعين دولارًا ضريبة رغبتي في حفلة توقيع. ألم أقل لكم إنّه مجرّد فرق في الحسابات. وأترك لكم تخيّل سائر المناسبات التي دعيت إليها وكم كلّفني طبع ذلك الكتاب الذي لم يردّ ثمن كلفة ورقه، في حين أخذت أنا نصيبي من أسئلة أبي الذي لا يزال عاجزًا عن أن يفهم لماذا أكتب، ولمن.
لن أخفي عنكم أنّني تمنّيت في سرّي لو كان في الإمكان أن أهدي الجوهرجيّة الكريمة مئة نسخة من كتابي لتوزّعها مجّانًا على زائري متجرها، ولو أنّ متجر الحلويّات يلفّ حبّات الشوكولا بصفحات من كتابي، ولو أنّ محل الملبوسات يلصق بعض صفحات الكتاب على مرايا غرف القياس ليساعدني في التسويق له، ولو أنّني أهدي صاحب المنزل الجديد بعض النسخ تكون النواة لمكتبته الفارغة، ولو أنّ كتابي ينضمّ إلى كتب الطبخ والعناية بالمولود الجديد على رفّ المطبخ عند الأمّ الحديثة العهد، ولو أنّه من اللائق أن أطلب من صديقي المتوفّى والده أن يكتب على ورقة النعي: الرجاء شراء كتاب فلانة بدل الأكاليل وبدل التبرّع بالمال. ولكن كل هذه التمنيّات ستبقى في طبيعة الحال سريّة كأيّة أفكار أخرى نخجل من الإعلان عنها كي لا نتّهم بالجنون أو الشذوذ أو الوقاحة.