الخميس، 31 ديسمبر، 2009

قبل أن تنتهي السنة


قبل أن تضاف إلى سنوات عمري سنة جديدة
قل لي إنّي ما زلت شابّة جميلة.
قبل أن تعلن ساعة منتصف الليل انتهاء عام وبدء عام
قل لي إنّي أصلح لكي أكون امرأة أحلامك.
قبل أن يطلق الناس الأسهم الناريّة في ليلة العيد احتفالاً بالعيد
قل لي إنّي المرأة المناسبة في المكان والزمان المناسبين.
قبل أن تكسر النسوة الصحون والأقداح الزجاجيّة ليتخلّصوا من شرّ السنة الراحلة
قل لي إنّي أيقونتك المرفوعة فوق مذبح أحلامك.
قبل أن يتعتع الفرح العقول ويطلق الألسنة بكلام لا تعرف صدقه من كذبه
قل لي إنّي ابتسامتك الدائمة وفرحك النابع من عمق أعماقك.
قبل أن أعتاد الضجر والوحدة واليأس والحزن قل لي
إنّ السنة القادمة ستكون أجمل من السنة الراحلة.
قبل أن يطلّ صباح اليوم الأوّل من السنة الجديدة
قل لي إنّ كلّ يوم من حياتنا سيكون يومًا أوّل من سنة جديدة، قبلها سهرة عيد وبعدها أمل أكيد.
قبل أن تبحث لي عن هديّة ثمينة
قل لي إنّي هديّة السماء إليك.
قبل أن تقرأ كلماتي
قل لي الكلمات التي أنتظرها لكي لا أقول أنّني أنعشت ذاكرتك وما كلماتك سوى صدى كلماتي.
قبل أن تنتهي السنة
قل لي كوني بخير لأكون بخير.
قبل أن يلتقي عقربا الساعة عند منتصف الليل ويتعانقا في حنان
دعنا نلتقي أوّلاً ثم قل لي ما تريد.

الأربعاء، 30 ديسمبر، 2009

المتأمّل في الألم

مونيه
إلى أنسي الحاج
سلام عليك أيّها الخاشع أمام صليب الألم صامتًا!
سلام عليك أيّها الرجل المتكّئة عليه آلام الآخرين والمتكّئ على خياله النحيل السائر نحو الغروب.
سلام عليك أيّها الشاعر العاشق والمعشوق، والطفل العاجز عن سبر أغوار الحقائق. المدمن على اللذات المحرّمة والمقدّسة. الساهر، العابر، المتأمّل، المتألّم، الملحد، المؤمن، الغاضب، الباحث، المجروح، المتسائل، المستسلم، العابث.
أكاد أراك الآن أمام أوراق بيضاء ترسم عليها علامات الوقف التي يتوقّف عندها الكلام قبل أن يجد ما يقوله.
وحيدًا، في عتمة المرض الذي يحاصرك ويسخر منك ويتهّمك ويهينك. تحمل سيف القتال راغبًا في محاربة عدو لا تراه ولا تعرف عنه إلاّ الغدر والقسوة في حين أنّ صوت قهقاته الساخرة يملأ الهواء ويتسرّب إلى المياه ويعربش على الجدران ويتسلّل إلى أغطية السرير.
أكاد أسمع صمتك المختبئ بين المكتب والكرسي، وبين الكتب المتراصّة كأموال البخلاء، وبين ذرّات البنّ المطحون كأحلامك، وبين غرفة النوم والشرفة المفتوحة على كلّ الاحتمالات.
أيّها الثائر المؤجّلة ثورته، والحبيب الموصوم بالخيانة، والرجل المتهّم بالنساء، من يلومك إن رزحت تحت ثقل الحزن والأسى حين اكتشفت فجأة أنّ الرجل آخر من يعلم، وأنّ الشاعر يستطيع أن يسبر عوالم مجهولة، ويكتشف المكامن الخفيّة، ويرصد ما يجري في دواخل النفوس، ويؤلّف أسماء وحكايات ووجوهًا، لكنّه يعجز عن اختراع دواء ينقذ من يحبّهم من الأمراض والأوجاع، وأنّ المبدع قادر على تخليد نفسه وتخليد من يريد ولكنّه يعجز عن حماية أحد من الموت، وأنّ السماوات تنحني خجلاً أمام الألم المحطّم والمذلّ وإن قيل في تمجيده الكثير من الكلام، لكنّها نادرًا ما تتدخّل لتخفيفه.
أيّها الشريك المستعيد الآن أعوامًا من الأفراح والآلام والصور، وأيّاماً من الغياب والابتعاد والسفر، وساعات من الغضب والثورة والصمت، ودقائق من الأحاديث والعتاب والحنين، ولحظات من العشق والجنون والشعر، من يجرؤ على أن يمشي اليوم على الدرب الممتدّة شوكاً بين قلبك وعقلك بعدما ذبلت زهراته الربيعيّة البيضاء وانحنت أعناقها النحيلة مستسلمة راضية؟

الثلاثاء، 29 ديسمبر، 2009

مرآة جديدة للسنة الجديدة


Pino Daeni
1 - قالت المرأة العتيقة للمرآة العتيقة: سأكسرك عند منتصف الليل الفاصل بين عامين لينكسر الشرّ الذي اختبأ فيك طيلة العام، وليكن للمرأة الجديدة مرآة جديدة في السنة الجديدة، ترى إلى وجهها فيها وتكتشف أنّ الوجه لم يعد هو نفسه لأنّ المرأة التي فيها لم تعد هي نفسها. إطار جديد ومرآة جديدة ووجه جديد للسنة الجديدة: تفتّت صورة المرأة التي كانت في المرآة القديمة تنتحب وهي تقف على أطلال عمرها تنكش الرمل وتذرف الدمع وتنتظر فلا ينبت إلاّ الشوك الجارح، توزّعت شظايا أفكارها قطعًا صغيرة مشوّهة، وتناثرت خفايا نفسها القلقة. وحين رأت إلى وجهها في المرآة الجديدة اكتشفت امرأة أخرى لا تريد إلّا أن تكون مع نفسها.
*****
2 - في ليلة رأس السنة وضعت المرأة كلّ رجل تعرفه في مكانه المناسب، واحتفلت وحدها بالعيد.
*****
3 - من يخبر الرجال أنني وجدت من تاقت إليه نفسي واشتاق إليه جسدي، فليتوّقفوا عن ادّعاءات الرجولة. فالرجل الذي أحبّه فضح سذاجة أفعالهم؟ ومن يخبر النساء أنّني وجدت من حلمت به أيّامي وانتظرته خلايا عقلي، فليمتنعن عن ادّعاءات الأنوثة، فالرجل الذي يحبّني يعرف كيف هي المرأة التي يريدها.
*****
4 - لا تدعُ أحدًا إلى حياتك إن لم يكن له مكان ووقت.
*****
5 - الأغنياء هم الذين يتسبّبون بزحمة سير خانقة خلال الأعياد، فالفقراء لا يملكون سيّارات ولا ثمن الوقود ولا ثمن الهدايا. عندما يصير الأغنياء هم الحلّ يحلّ على الأرض السلام.
*****
6 - يعود الإنسان الحديث إلى الكهوف والمغاور: يجلس في غرفته وحيدًا كما فعل الإنسان البدائيّ، يرسم على شاشة الكمبيوتر كلمات كما رسم الرجل المتوحّش على جدران المغارة صورًا، يخترع آلهة يعبدها كما فعل الإنسان الأوّل. ويحلم باليوم الذي يخرج فيه من قوقعته ويتواصل مع الآخر بلا خوف.
*****
Claudine Doury
7 - كلّ الذين يشعرون بالحزن خلال الأعياد هم الذين راهنوا على الناس ليفرحوهم، ولم يتعلّموا، على رغم التجارب والخيبات، أنّ الناس يسرقون الفرح ولا يهبونه. ويوم نتعلّم هذا الدرس نفرح في العيد الفرح الحقيقيّ الذي لا يسلبنا إيّاه أحد.
*****
8 - حين نفتح الهدايا ينتهي العيد.
*****
9 - قالت المرأة الجديدة لمرآتها الجديدة: تغيّري قدر ما شئت ولكن تذكّري أنّك لن تكوني على هذه الصورة بعد موتك بثلاثة أيّام!
*****
10 - يؤمن ذاك الرجل بالمحبّة والمتعة لأنّ كلتيهما لا تؤمن بالحصريّة.
*****
11 - ثمّة هدايا كلاسيكيّة لا تحتاج إلى تفكير وعناء كالأقلام والملابس، وثمّة هدايا هي بمثابة استثمار ماليّ مستقبلي كالمجوهرات واللوحات، وثمّة هدايا لا تدوم كالأزهار والحلويات. الكتب والتسجيلات الموسيقيّة وحدها تتطلّب دراية بالآخر ووقتًا للاختيار ولا تفقد قيمتها مع أنّها ليست ضربًا تجاريًّا مربحًا. ولذلك فالمقبلون عليها قلائل.
*****
12 - أهدت المرأة زوجها نبتة جميلة لأنّ الزاوية في المنزل خالية، وأهدى الرجل زوجته لوحة جميلة لأنّ الجدار فارغ، أمّا الحبّ الذي كان فلم يجد مكانا مع أنّ الفراغات كثيرة والأماكن الخالية باردة.
*****
13 - في البداية كانت هداياه ثمينة وجديدة، ثمّ صارت رمزيّة أو مستعملة، ثمّ صار يختار واحدة من الهدايا الكثيرة التي تقدّم إليه. وكانت النهاية. نهاية شيء جميل.
*****
Doris Billing

14 - يحلو للناس ليلة العيد أن يرفعوا أصواتهم هازجين وأن يطلقوا المفرقعات الناريّة وأن يملأوا الدنيا صخبًا وغناء وعربدة، وأغلب الظنّ يفعلون ذلك كي لا يسمعوا أنين المرضى وصراخ المتألّمين وتنهّدات المتروكين، ولولا ذلك لما استطاع أحد أن يتابع حياته.
*****
15 - كنت مريضة فما زرتموني خوفًا من التقاط فيروس الإنفلونزا، ألم يقل الكتاب: كونوا حكماء كالحيّات؟؟
*****
16 - حذار! عكازك نفسه يمكنه أن يكون العصا التي تكسر جرّة أحلامك!
*****
17 - العواطف المهترئة والقبلات الدبقة والمواقف المجّانية أخطر من الاحتباس الحراريّ.
*****
18 - لن تكون السنة الجديدة جديدة ما لم يكن كلّ منّا إنسانًا جديدًا.
*****
* صحيفة "النهار" الثلاثاء 29 كانون الأوّل 2009

الاثنين، 28 ديسمبر، 2009

عجائب لبنان السبع

وسط بيروت

العالم كلّه يعرف أخبارنا ومشاكلنا وإنجازاتنا وآثارنا ومبدعينا وأبطالنا وشهداءنا، ولكن هناك الكثير ممّا لا يعرفه الناس عنّا ولا يجوز أن يبقى طيّ الكتمان، إذ لو كان هذا الكثير عيبًا أو خللاً لكان من الواجب أن نصلحه أو نعالجه، أمّا إذا كان من مفاخرنا ومآثرنا فيجب أن نعلنه على الملأ لنعلّم الآخرين ما لا يعلمون. فعندنا في لبنان مجموعة من العجائب أرجو ألاّ توجد في سواه من البلدان لكي نحتفظ بحقّنا في دخول الحضارة من بابها الواسع وهي تستحقّ بلا أدنى شكّ الإضاءة عليها من باب الواجب الوطنيّ. لا تذهب بكم الأفكار إلى مغارة جعيتا أو غابة الأرز أو شعر عاصي الرحبانيّ وصوت فيروز، فهذه عجائب من صنع الخالق جلّ اسمه، ولكن ما سوف أكشف لكم النقاب عنه من صنع البشر أو اكتشافهم، بشر لبنانييّن أقنعهم سعيد عقل بأنّهم آلهة:
الأعجوبة الأولى: مغارة علي بابا التي ظنّ المؤرّخون أنّها من وحي الأساطير والحكايات هي في الحقيقة خزنة الدولة اللبنانيّة.
الأعجوبة الثانية: لون البحر الأزرق عندنا ناتج عن التسمّم وليس كمّا يدّعي العلماء عن أنّه انعكاس للون السماء.
الأعجوبة الثالثة: خبير بيئيّ معترف به رسميًّا يعلن في حديث لإحدى الصحف اللبنانيّة المحترمة عن أنّه وضع قطيعًا من الماعز في حرج من الأشجار المعمّرة، وعلّم الراعي كيف يعلّم الماعز أن تأكل العشب الذي سوف ييبس ويتسبّب في حرائق خلال الصيف، كما علّمها كيف تمتنع عن أكل النباتات النادرة، وكيف تكون عنصرًا مساعدًا في الحفاظ على البيئة (من الواضح أن تلاميذي "أتيس" أي أعند من الماعز).
الأعجوبة الرابعة: كلّ اللبنانيّين يصلحون للخدمة في المطاعم والفنادق، وهذا رقم قياسيّ لم يسبقنا أحد إليه...ولن.
الأعجوبة الخامسة: قبل ظهر كلّ يوم، تظهر مقدّمة برنامج عن الطعام على إحدى الشاشات وتعلّمنا فنّ الطبخ الصحيّ في بثّ مباشر تجيب فيه على أسئلة المهتمّين. وفي الوقت نفسه، يتّصل أولادها بمطعم الوجبات السريعة ليؤمّن لهم طعام الغداء لأنّ والدتهم مشغولة بإرشادنا وتعليمنا.
الأعجوبة الخامسة: عدد المطربين والمطربات عندنا أكبر بما لا يقاس من عدد العلماء.
الأعجوبة السادسة: استطاعت مذيعة شابّة أن تحقّق ثروة طائلة من مجرّد العمل، بضمير مهنيّ وحرفيّة عالية، في الربط بين برامج التلفزيون.
الأعجوبة السابعة: ما زلت أكتب وأنا مقتنعة بأنّ الكتابة قد تغيّر أحدًا ما...هو أنا.

ثمّة عجائب لا تحصى ولا تعدّ، ولكنّنا نعتبر أنّ رقم سبعة برمزيّته ومعانيه كفيل باختصار العجائب الأخرى كلّها، بدءًا من اللحظة الأولى من تاريخ لبنان وحتّى كتابة هذه السطور...ونشرها.
لا شكّ في أنّ كلّ عربيّ سيجد عجائب مماثلة في بلده، وقد نتبارى في اختيار العجائب السبعة الأكثر تميّزًا وتعبيرًا عن قدرة الإنسان عندنا على "فعل العجايب"، وقد نتقاتل وقد تنشب الحروب بيننا، وعند ذلك سنكون قد أضفنا أعجوبة ثامنة لم يسبقنا أحد إليها.
*****
أحيانًا، تبدو الكتابة عن مآسينا مؤلمة أكثر من المآسي نفسها. فالكتابة ولو في سخرية سوداء عن واقعنا العربيّ تجعل الأمر حقيقيًّا، كأنّ الكتابة تضع الحدّ الفاصل بين الوهم والحقيقة، بين المتخيّل والواقع، كأنّ الكتابة تقول لك بجرأة من يملك المعلومات كلّها أنّ الكلمات على قسوتها أعجز من أن تنقل الإحباط كما هو، وأنّ الكلمات على لهجتها الهازئة أعجز من أن تعالج هذا الإحباط.
وهذه هي الإشكاليّة: فهل نستمرّ في الكتابة أم ستمرّ الكتابة مرور الكرام؟

الحصاد كثير والعطل الرسميّة أكثر


لا أعرف إن كان هناك بلد آخر في العالم تبدو فيه العطل عشوائيّة واعتباطيّة كما هي في لبنان، غير أنّني أعرف أنّ بلدًا خارجًا من الحرب ورازحًا تحت ثقل الديون، يحتاج أبناؤه إلى العمل ليلاً ونهارًا كي يعيدوا الازدهار إلى بلدهم لا إلى التقاتل في سبيل الحصول على يوم عطلة جديد. والسبب؟ صراعات مذهبيّة وحسابات انتخابيّة.
الصحافة في كلّ بلاد العالم تعمل طوال أيّام الأسبوع، ولا علاقة لها بالأعياد الدينيّة منها أو الوطنيّة، أمّا عندنا فتحتجب الصحف ولو كانت الحرب قائمة والمنطقة مشتعلة والأخبار تتوالى في كلّ ثانية، ثمّ يتساءل القيّمون على الصحف عن سبب سيطرة الصحافة المرئيّة على المكتوبة، وانحسار عدد القرّاء. كنت أتوقّع من الصحافة، خصوصًا تلك التي تتبنّى قضيّة الدفاع عن الناس أن تهتمّ بهم على مدار الساعة. غير أنّ هذا الأمر لم يحصل وتوالت العطل بسبب تزامن الأعياد والمناسبات المسيحيّة والإسلاميّة في وقت واحد. وقِس على ذلك في مختلف المجالات حتّى وصل الأمر إلى المستشفيات حيث لا تجد أحدًا في قسم الطوارئ بسبب الأعياد، ويغضب الطبيب على من استدعاه ويقول له: ألم يستطع حضرته أن يجد وقتًا أنسب لجلطته الدماغيّة من ليلة العيد؟ لا بل يلجأ أكثر أطباء الأمراض النسائيّة إلى تسريع عمليّة الولادة أو تأخيرها كي لا تفاجئه الحوامل بالولادة في عطلة نهاية الأسبوع أو خلال الأعياد.
الحصاد كثير في بلدنا، ولكن لا أحد يريد أن يشتغل. الكلّ يطالب بحصّته من العطل ويدّعي أنّه يطالب برغبته في إيجاد العمل، وكلّ سياسيّ يريد إرضاء جماعته فيطالب لها بعيد وذكرى، والجماعة تريد التسكّع أمام أبواب المقاهي وعلى أرصفة الشواطئ أو التمدّد أمام شاشات التلفزة أو تحت مظلاّت البحر. هل هو اليأس من العمل والاشمئزاز من خبز معجون بعرق الجبين في وقت تندى جباه آخرين لا خجلاً أو انفعالاً بل بسبب التخمة وتراكم الدهون؟ لا شكّ في أنّ العطل حقّ من أبسط حقوق العمّال والموظّفين، ولكن لماذا لا تكون مدروسة وموزّعة بحسب الحاجة إليها؟ ففي البلاد التي تحترم مواطنيها ينال الناس حصّتهم من العطل بشكل لا يؤثّر على سير العمل ولا يحرم العاملين من الراحة. وإذا علمنا مثلاً أنّ عطلة الأمومة في بلدان متحضّرة تُمنح طويلة بلا منّة أو تهديد بالطرد، نفهم خشية المعلّمات من الإنجاب لأنّ مؤسّسات تربويّة تجبر المتعاقدات معها عند توقيع عقد العمل على القبول بمبدأ عدم الإنجاب خلال العام الدراسيّ وإلاّ اعتبرن في حكم المستقيلات.
والمضحك في الأمر أنّ بعض "المتفذلكين" يضعون "التنبلة" تحت باب الكسل المبدع وهي نظريّة سرت منذ فترة ووضعت في شرحها وتحليلها كتب كثيرة، حتّى أنّ أحد كبار مبدعينا منصور الرحباني تبنّاها وأشار إليها في أحد أحاديثه التي صارت نادرة بسبب وضعه الصحيّ. نحن نقبل أن يكون كلّ كسل ينتج أعمالاً كتلك التي أنتجها الرحابنة، ولكن ليس كلّ من جلس ساهمًا أو أطرق مفكّرًا صار مبدعًا. ولذلك حذار من تبنّي نظريات فيها من الكسل الجسديّ والخمول الذهنيّ ما يشوّه النظريّات ويؤخّر مسيرة المجتمع. يقول الكتاب المقدّس إنّ الله استراح في اليوم السابع واستمتع برؤية ما خلقه، فمن حقّنا إذًا أن نرتاح بعد إنجاز ما علينا من واجبات لتصير العطلة حقًّا مكتسبًا. وللصحافة تحديدًا نقول: أخباركم "البايتة" ستحوّل الجرائد "خِرَقًا" لتنظيف الزجاج.

الأحد، 27 ديسمبر، 2009

توقّعاتي للعام 2009! ما الذي صحّ منها؟


لست من هواة التنجيم وقراءة الطالع ولكن الأمر لا يحتاج إلى عناء كبير لكي نعرف ماذا ينتظرنا في لبنان خلال العام الميلاديّ الجديد، وخصوصًا على الصعيد الثقافيّ. ولمن لا يعلم فقد أعلنت بيروت عاصمة عالميّة للكتاب للعام الجديد، ومن طرائف الأمور أن يتمّ الاختيار في سنة الانتخابات النيابيّة وانطلاق المحكمة الدوليّة، وما يعني ذلك على الصعيدين السياسيّ والأمنيّ، من دون أن ننسى الشقّ الاقتصاديّ بعد الأزمة العالميّة وتوقّع عودة آلاف اللبنانيّين إلى بلدهم بعدما صرفوا من أعمالهم.
واليونسكو التي اختارت بيروت عاصمة عالميّة للكتاب اعتبرت أنّها تقدّم للبنان بهذا الاختيار هديّة ثمينة، خصوصًا أنّ بيروت ستكون المدينة التاسعة بعد مدريد (2001) والإسكندريّة (2002) ونيودلهي (2003) وأنفير (2004) ومونتريال (2005) وتورينو (2006) وبوغوتا (2007) وأمستردام (2008). وإذا كان الرقم 9 هو رقم الحظّ الجيّد عمومًا، فهل يكون كذلك بالنسبة إلى بيروت العاصمة العالميّة التاسعة للكتاب في عام يحمل رقم 9 وبعدما كانت بيروت عاصمة للثقافة العربيّة خلال العام 1999؟
المعنيّون بالشأن الثقافيّ لا يتوقّعون ذلك، بل يعتبرون أن لا شيء يوحي حتّى الآن بأنّ ثمّة ما يحضّر للاحتفال بهذا الحدث في عاصمة تضمّ 250 دار نشر، ومع ذلك يحتفل أيّ كاتب إن بيع 250 نسخة من كتابه في سنة واحدة. لا بل يذهبون إلى أبعد من ذلك حين يشيرون إلى عدم الاحتفاء بهذا الإعلان خلال المعرض العربيّ الدوليّ للكتاب الذي أقيم عشيّة السنة الجديدة إلاّ من باب رفع العتب.
والاحتفال بالكتاب يعني حكمًا الاحتفال بالكتّاب، وليس في الأفق ما يشير إلى تكريم أدباء لبنانيّين وعرب أو دعوات لأدباء عالميّين أو ندوات أو معارض أو ما يشبه ذلك، فالجميع هنا مشغول بالصراعات السياسيّة وقد تكون الكتب الوحيدة التي ستقرأ في عناية هي كتب الأبراج ليعرف الناس متى يحذرون حركة الكواكب التي قد تؤثّر سلبًا على مزاج أحد زعمائهم ما سيؤثّر حتمًا على مصائرهم الهشّة، أو كتب الصلوات ليبتهل الناس بواسطتها كي تمرّ السنة العالميّة للكتاب بألف خير على عاصمة لبنان التي كتب عليها أن تنتفض من الرماد دائمًا.
وإذا كانت الكتب تقرأ من عناوينها فالأمل، كلّ الأمل، أن يكذّب مضمون السنة المقبلة توقّعاتنا، السياسيّة منها والثقافيّة.
* نشر هذا النصّ في مطلع السنة ومن الواضح أنّ الأمر لم يكن يحتاج إلى ذكاء أو نجوم وكواكب!

السبت، 26 ديسمبر، 2009

لا تكابروا! كلّكم تسمعون التوقّعات!


أكثرنا يؤمن بأنّ المنجمين كاذبون ولا صدقوا، ومع ذلك، فكلّنا يسمع التوقّعات، فدعونا من المكابرة. صحيح أنّنا نقدّم أعذارًا مختلفة ولكنّ هذه الأعذار الواهية لا تقنع عاقلاً، فمنّا من يقول إنّه يفعل ذلك للتسلية، ومنّا من يقول: من باب الفضول، ومنّا من يدّعي أنّه ليسخر من "نجوم" آخر السنة الذين يقرأون تحرّكات النجوم، ومع ذلك فكلّنا يلتقط التوقّعات من هنا وهنالك، عبر وسائل الإعلام والكتب وأحاديث الجيران ومواقع الإنترنت غير أنّنا نكابر ونقول إنّنا لا نؤمن بالغيب.
وإذا كنّا كلّنا لا نؤمن بهذه الأمور، فمن يشاهد إذًا برامج التلفزيونات والإذاعات المتعلّقة بهذه المواضيع ما يدفع أصحاب الإعلانات لحجز المواعيد مسبقًا، ومن يشتري الكتب والمجلاّت التي تنشر بالتفاصيل ما سيحدث مع كلّ منّا ومن يسجّل أرقام هذه المبيعات، ومن يؤمّن دخل هؤلاء المنجّمين والرّائين والعرّافين ما يسمح لهم بتأمين مدخول السنة كلّها في ليلة رأس السنة؟ طبعًا، نحن، على اختلاف طوائفنا وبلداننا وأحزابنا.
أمّا لماذا نفعل ذلك، ولماذا راجت هذه الموضة في الأعوام الأخيرة أكثر ممّا كانت عليه سابقًا؟ الجواب بسيط، لأنّنا شعب يئس من الأرض فبحث عن خلاصه في النجوم، وكرهت نفسه ما يراه فسعى خلف ما لا يراه، ولم يعد يطيق ما تقوله الوقائع ففضّل الاستماع إلى ما هو من خارج هذا الواقع، وملاحقة الأوهام على التفكير والتحليل والمنطق. ولنتذكّر أنّ قصص ألف ليلة وليلة بأساطيرها وحكاياتها ما كانت لتنتشر بين الناس لولا رغبة الشريحة الكبرى من الناس في العصر العباسيّ في الهرب من الفقر في أغنى دول ذلك العصر، وما كان "عنترة" ليعود على حصانه من عتمة النسيان لولا حاجة الناس إلى بطل يدغدغ أحلامهم العربيّة في زمن الهيمنة غير العربيّة.
ليس جديدًا أن يبحث الإنسان عن أجوبة وحلول في عوالم اللامحسوس واللامرئيّ وعلوم الغيب. وهذا تاريخ البشريّة يشهد على علاقة الإنسان بالكواكب وتحرّكاتها وتأثيراتها، ورغبته في معرفة المجهول الآتي لعلّه يتّقي شرّه، ولولا الخوف من الشرّ الكامن لما أراد أحد أن يقرأ طالعه. ولكنّ تاريخ الشعوب والحضارات يشهد أيضًا على أنّ هذه الأمور لا تنتشر وتتفاعل بين الناس إلاّ في أزمنة الحروب والأمراض والخيبة والفقر. وثمّة اتّجاه عند القيّمين على الأمور، أو في لاوعي الناس يدفعهم للجوء الجماعيّ إلى هذه الحلول الغيبيّة كنوع من المخدّر أو المنوّم يطمئن النفوس القلقة ويلهيها عن المتابعة والمساءلة والاعتراض على أساس أنّ هذه الأمور ليست في يد أحد وماذا يستطيع حكّامنا أن يفعلوا ما دامت النجوم قالت كلمتها الأخيرة؟
ونحن اليوم في أسفل دركات الانحطاط الفكريّ على المستوى الجماعيّ ويجب ألاّ نخدع أنفسنا بارتفاع الأبراج والأبنية ولا بانتشار وسائل الإعلام، ولأنّنا في هذا المستوى من التخلّف والجهل كان من الطبيعيّ أن تجد التوقّعات والرؤى أرضها الخصبة لتنمو وتنتشر كالفطريّات، ويصير لكلّ حزب عرّافه، ولكلّ محطّة فضائيّة منجمّتها، ولكلّ صحيفة أبراجها و"متسلّقو" هذه الأبراج الذين لا يرضون إلاّ أن يقرأوها بالخطّ العريض الواضح وإلاّ اتّصلوا بالمسؤولين عن الصحيفة واعترضوا.
كلّكم تذكرون العرّافات والعرّافين الذين ارتبطت أسماؤهم بأباطرة وملكات ورؤساء وزوجات رؤساء، وكلّكم تعرفون ارتباط أسماء شعراء وصحافيّين بأحزاب وقادة، ولكن أن يكون شعب بكامله وفي العلن تحت تأثير تنويم مغناطيسيّ اسمه "التوقّعات"، وألاّ يصدّق الناس إلاّ هذا الفلكيّ لأنّه يقول ما يقوله من خلال تلك الإذاعة أو هذه المحطّة التلفزيونيّة أو لأنّه مع ذلك الحزب وليس مع هذا، فهذا ما لن تسمعوه إلاّ في بلداننا.

الثلاثاء، 22 ديسمبر، 2009

ما حدا يهديني جزمة كاوتشوك



كان في قرية من قرى لبنان عائلة تتوق إلى صبيّ بعد سلسلة ولادات كانت نتيجتها مجموعة بنات. وكان في قرية أخرى بعيدة كنيسة تسمّى "مار الياس الراس" أمامها بئر عجائبيّة المياه تهب البنين للمحرومات والمحرومين. ويؤكّد الناس أنّ على كلّ عائلة ترغب في الحصول على وليّ العهد الذي طال انتظاره أن تربط آخر بنت في العائلة بحبل على خصرها وتدلّيها في تلك البئر حتّى تغمرها المياه إلى عنقها. وهناك، في عتمة المكان وبرودته على الفتاة الخائفة أن تصرخ إلى مار الياس مردّدة ما علّموها إيّاه: يا مار الياس الراس ابعتلي ع راسي راس. والرأس المطلوب هو صبيّ في طبيعة الحال. وبالفعل قامت تلك العائلة بما تقضي به التقاليد، وأنزل رجال العائلة الطفلة الهلعة إلى البئر بعدما وعدوها بإعطائها كلّ ما ترغب فيه. وحين خرجت وهي ترتجف من البرد والخوف، سألوها عمّا تريد فكان جوابها: جزمة كاوتشوك. وبقيت على طلبها مع أنّ الحاضرين سخروا من غبائها وقالوا لها: ألم يكن في استطاعتك أن تطلبي أسوارة ذهب أو ملابس جديدة أو لعبة تتكلّم؟

*****
تعود إليّ الحكاية في كلمات مختلفة، أكتبها كلّ مرّة كأنّها حكاية جديدة، وكأنّ الفتاة الثانية لا تعرف الأولى، والثالثة لا تعرف الثانية، وكأنّ الحكاية جرت في كلّ قرية من قرى لبنان وبقيت جزمة الكاوتشوك كجزمة بابا نويل تسير على الدروب الضيّقة لتصل إلى قدمين صغيرتين حافيتين تريد صاحبتهما أن تقفز في الحقول وتعبر السواقي وهي مطمئنّة إلى أن لا شوك يجرح جلدها الطريّ ولا حشرة تلدغها وتبكيها.
تعود الحكاية حين أرى إلى الناس وهم يهرعون لشراء الهدايا وتبادلها على العيد من دون أن يكون عندي كبير ثقة في أنّهم يتهادون فعلاً ما يرغب كلّ منهم في تقديمه أو الحصول عليه، أو أنّهم يجدون متّسعًا من الوقت ليصغوا إلى ما يريده الآخرون عوض أن يتمّموا واجبًا فرضته الأسواق التجاريّة والعادات الاجتماعيّة لتبقى عجلة الاقتصاد في حركة كلّها بَرَكة لمن يعرف قوانين البيع والشراء والتوفير؟
لا أحد يعرف إن كانت الفتاة حصلت على جزمة الكاوتشوك، أو إن كان الصبيّ المنتظر قد ولد مخلّصًا الفتاة من رحلة ثانية إلى بئر الأسرار. فالحكايات تنتهي دائمًا عندما يتوقّف المستمع عن الإصغاء لتبدأ رحلته مع حكاية أخرى. وأنا كنت دائمًا أتوقّف في حكاية أمّي عند جزمة الكاوتشوك. ومنها أعود في مخيّلتي إلى جسد تلك الفتاة المرتجفة بردًا وخوفًا وغضبًا. الغضب لم يحضر حين استمعت إلى الحكاية في المرّات الأولى، لم أكن مستعدّة للاعتراف بأنّ الطفلة تستطيع أن تغضب على والديها اللذين لا يتوقّفان عن إنجاب الأولاد، وعلى أخيها المنتظر الذي سيخلّد اسم أبيه، وعلى رجال العائلة الذين لفّوا الحبل حولها، وعلى النساء اللواتي شجّعنها لتنقذ أمّها من غضب أبيها، وعلى نفسها لأنّها فتاة، ولأنّها طفلة، ولأنّها عاجزة عن الرفض. فكان طلبها جزمة الكاوتشوك، بساطها السحريّ الطائر الذي تستطيع عبره الابتعاد إلى عالمها الخاص بعدما أجبرها الآخرون على الخروج مرّتين من رحم المياه وهي التي لم تختر الدخول إلى أيّ منهما.
في المشهد الختاميّ لمسرحية المحطّة، تصرخ "وردة" واهبة الأحلام وزارعة الكلمات طالبةً بطاقة سفر تحملها، مع الذين آمنوا ثمّ رأوا، في القطار المنتظر إلى حيث تبدأ الأحلام الجديدة: حدا يعطيني بطاقة/ حدا يعطيني بطاقة، بقيت تردّد. ولكنّ دورها في السفر لم يحن بعد، وعليها أن تزرع المزيد من المحطّات في سهول الأرض. هذه المرأة ألا تشبه طفلة الجزمة؟ والطفلة نفسها التي نزلت إلى البئر لتصعد بالصبي الضائع بين مائي أبيه وأمّه وتختم به سلالتها، ألا تشبه "زمرّد" التي نزلت إلى البئر لتنقذ ختم المملكة؟ وهل الحكايات كلّها حكاية واحدة لا تضجر الحياة، تلك الجدّة العجوز، من سردها؟
هذه المرّة عندما استعدت حكاية الطفلة ذات الجزمة الكاوتشوك كانت المسكينة مرهقة تعبة، فكونها الوحيدة بين أخواتها التي تملك جزمة واقية كان عليها أن تذهب إلى الدكّان لجلب الأغراض، وأن تساعد والدها في العمل، وأن تنظّف البيت والطريق. والغريب في الأمر أنّها على رغم مرور السنوات وتقدّمها في العمر ونمو قامتها بقيت قدماها صغيرتين على قياس الجزمة إيّاها.
* صحيفة "النهار" - الثلاثاء 22 كانون الأوّل 2009

الجمعة، 18 ديسمبر، 2009

ليلى بعلبكي: أنا أحيا، نحن نحيا

ليلى بعلبكي

هل كانت ليلى بعلبكي تعي عشيّات ستّينيات بيروت الذهبيّة أنّ تصريف فعل الحياة سينتقل من مفردها المحدود الضيّق إلى جمع أنثويّ تضيق به رفوف المكتبات العربيّة؟ وهل هي عن سابق تصوّر وتصميم خطّطت في بضع سنوات ونفّذت في ثلاثة كتب ما قد يعجز كثيرون عن فعله في أعمارهم المديدة؟

بين عامي 1958 و1964، أصدرت تلك الشابّة روايتها الأولى "أنا أحيا" عن دار مجلّة "شعر" التي أعلنت أنّ هذه الرواية سيكون لها تأثير كبير في مستقبل الرواية العربيّة، ثمّ رواية "الآلهة الممسوخة"، وأنهت حياتها الأدبيّة بعد مجموعة قصصيّة بعنوان "سفينة حنان إلى القمر"، قادتها إلى محاكمة فريدة في لبنان إذ كانت المرّة الأولى التي يحاكم فيها كاتب على كتاب كتبه، بحسب تعبير محاميها الراحل محسن سليم. ومع أنّ القضاء برّأ الروائيّة الشابّة من تهمة الإخلال بالآداب العامّة، آثرت ليلى بعلبكي الاعتزال والابتعاد عن الأضواء، تاركة المجال واسعاً لتحقيقات صحافيّة ودراسات جامعيّة، ستجد في عودة الكاتبة إلى الساحة الأدبيّة بعدما غيّبها الصمت طويلاً، ومع اقتراب عيد الميلاد الخمسين لبطلة روايتها "لينا"، مادّة جديدة للقراءة والتحليل.
• • •


نحن الذين من عمر "لينا"، نحن الذين ولدوا مع إطلالة عصر الذهب وداعبت أحلامنا تهويدة "أنا أحيا"، وشببنا وشبنا في عصور القذائف والبارود ونحن نصرخ: نريد أن نحيا، ماذا تعني لنا عودة ليلى بعلبكي، لا بل ماذا تعني لنا قيامة بطلتها "لينا" من موت ظننا أن لا قيامة بعده؟ لا شكّ في أنّنا مدعوون إلى قراءة جديدة للرواية وللظروف التي سمحت بولادتها، لا بل نحن مطالبون بأكثر من ذلك، إذ علينا التأمّل في الدرك الذي هبطنا إليه بعدما كانت الحركة الثقافيّة عهد ذاك تبشّرنا بولادة عصر الأنوار والحريّات والانفتاح والحياة، ومحاولة فهم الأسباب التي غيّرت وتغيّر صورة لبنان الذي كنّا نعرفه. لا بل أقول أكثر: لعلّنا مدعوون إلى كتابة رواياتنا الخاصّة عمّا فعلنا أو بالأحرى عمّا لم نفعل بعدما أطلقت ليلى بعلبكي صرختها وعن اكتفائنا بأنْ بقينا الصدى المنتظر صوتًا آخر يصرخ في صحارى الجهل والتخلّف. وإن لم نفعل، إن لم نكتب تاريخنا وأحلامنا ومآسينا وأوجاعنا ومخاوفنا وكبتنا، ستبقى رواية ليلى بعلبكي ناقصة وبطلتها أسيرة التقاليد والمحرّمات والممنوعات.
• • •


يطيب لي أن أرى في عودة ليلى بعلبكي أملاً في عهد ذهبيّ آخر لا انتفاضة الرمق الأخير لمدينة تودّع كونها عاصمة عالميّة للكتاب، وأن يكون لقاؤنا بها عبر حفل توقيعها وقراءة كتبها فرصة ننفض فيها الغبار لا عمّا كتبته هي فحسب، بل عن ذاكرة بيروت الثقافيّة برجالاتها وسيّداتها، عن مجلاّتها ودور نشرها ومسارحها ومكتباتها ومعارض فنونها التشكيليّة وندواتها، فنحن في أمسّ الحاجة إلى مختبرات للحياة لا إلى متاحف الموت والدمار، وإلى معارض للكتب تضخّ الحياة في شرايين ثقافتنا وتدفعنا إلى طرح الأسئلة لا إلى حفظ الأجوبة، وإلى كتاب موحّد للتاريخ يأخذ تلاميذ لبنان في مشوار الحضارة على دروب هذه البلاد، فتتعرّف الأجيال الصاعدة الى الأب يواكيم مبارك والشيخ عبدالله العلايلي والأب ميشال الحايك وجانين ربيز وميشال أسمر ورضا خوري وشوشو وميشال طراد وغيرهم الكثير الكثير من رموز الأدب والفكر والفنّ.


ليلى بعلبكي! هل عاد زمن الحياة وزالت عصور الآلهة الممسوخة؟ آمل أن بلى.


وإن لا، فهل خطيئة أنّنا ما زلنا نحلم بذلك؟


(•) وقعت ليلى بعلبكي كتبها أمس( 17 كانون الأول 2009 ) في "البيال".


* صحيفة النهار - الجمعة 18 كانون الأول 2009

السبت، 12 ديسمبر، 2009

اتعسوا برأيكم ولا تسعدوا برأيي


إذا استعدنا أشهر قصص الحبّ في التاريخ، وتذكّرنا ما رافقها من صعوبات، نجد أنّ الأهل هم السبب المباشر في المعاناة التي لحقت بطرفَي العلاقة، وحجّتهم الحرص على مصالح أولادهم، ما يجعلهم مقتنعين بأنّ وقوفهم في وجه هذه المشاعر هو التصرّف الأمثل.
وتتنوّع الحجج التي يقدّمها الأهل لتبرير مواقفهم المعارضة، فهناك الاختلاف الطبقيّ والعرقيّ كما في قصّة عنترة بن شدّاد وابنة عمّه عبلة، وهناك الخوف من نظرة المجتمع وكلام الناس كما في قصّة جميل بن معمر وبثينة، وهناك الصراعات العائلية كما في قصّة قيس بن الملوّح وليلى، وهناك الاختلاف الطائفيّ كما في روايات "ضحيّتان" لجورج مصروعة و"طواحين بيروت" لتوفيق يوسف عوّاد و"الحيّ اللاتينيّ" لسهيل ادريس، وكثير من الأمثلة التي لا تحصى في التاريخين العربيّ والعالميّ، وكلّها تبيّن أن لولا ممانعة الأهل لما كان عندنا قصّص حبّ خالدة.
تبيّن هذه النماذج أن ليس الحبّ هو ما جعل المأساة تنمو تدريجًا، وليس الحبّ هو ما أوصل الحبيبين إلى الجنون أو التشرّد أو الموت، بل مواقف الأهل التي مهما اختلفت تبقى موحّدة تحت عنوان المعارضة ومنع هذا الحبّ من تحقيق غايته في اللقاء والوصال. ولذلك تبدو الحجج التي يقدّمها الأهل بعيدة كلّ البعد عن المنطق والعدالة فضلاً عن أنّها تؤكّد أنّ ما يسعى إليه الأهل هو تحقيق غايتهم الشخصيّة بغضّ النظر عن مشاعر أولادهم، ما يؤكّد أنّ الأنانيّة هي المحرّك الأساس، غير أنّها تتنكّر بثوب الرغبة في ما هو أفضل للأبناء والبنات.
بعض ممانعات الأهل يقف خلفها خوف الأب على ابنته من حبيب يشبهه ويتصرّف مثلما فعل هو مع النساء، ولذلك فكثير من الآباء يقول حين يستبدّ به الانفعال: أنا رجل وأعرف ماذا يريد الرجال. أو قد يكون سبب الاعتراض خشية الأم من أن تقع ابنتها على حبيب يتصرّف معها بعد الزواج كما يتصرّف زوجها هي معها وأن تكون ابنتها عاجزة عن المواجهة مثلها. وهناك الرغبة في الإبقاء على الأولاد لأطول فترة ممكنة في البيت العائليّ، وهناك الشعور بأنّ على الأبناء أن يعيلوا أهلهم قبل أن يفكّروا في الزواج والارتباط ، وهنا أتذكّر حكاية شابّة جميلة ارتبطت بقصّة حبّ مع طبيب يعلّمها في الجامعة وقرّرا الزواج، وكانت حجّة والدها في الممانعة، أنّ عليها أن تعمل لتفيه كلفة ما دفعه عليها قبل أن تفكّر في الزواج.
إنّ التربية التي تنتقل ممارستها من جيل إلى جيل من دون مراجعة أو مساءلة أو نقد تضع في ذهن الأهل أنّ الأولاد استمرار لهم وبالتالي يستطيعون أن يتابعوا عبر حياة أبنائهم وبناتهم ما عجزوا هم عن تحقيقه، فالأب يريد أن يعمل ابنه في مهنة اختارها له وغالبًا ما تكون تتمّة لعمل متوارث في العائلة أو مرادفًا له، والأم تريد من ابنتها أن تتزوّج من الرجل الذي يشبه فتى أحلامها هي، وأيّ اعتراض على ذلك هو من العقوق ونكران الجميل.
تحضرني هنا خاطرة كان جدّي يردّدها حين يُسأل عن رأيه في موضوع ما: "اتعسوا برأيكم ولا تسعدوا برأيي"، أي أنّه لم يكن يعطي رأيه حتّى ولو كان في ذلك للآخرين سعادة (غير مضمونة على كلّ حال). وكنت أتساءل وأنا أسمع ذلك منه إن لم يكن الأمر تهرّبًا من المسؤوليّة أو جهلاً في ما يجب أن يقال، غير أنّني كنت ألاحظ أنّه قانع في دوره هذا، مكتف بأن يقول للناس، ومن بينهم أولاده: أنتم أحرار في الاختيار، وتحمّلوا وحدكم نتيجة خياراتكم.
أعتقد أنّه في ذلك كان يبحث عن حريّته.

الجمعة، 11 ديسمبر، 2009

مشاهدات من عالم سائقي التاكسي3

وسط بيروت

لم أكتف من تنقلاّتي في سيّارات التاكسي بجمع الأخبار الحزينة واللحظات الإنسانية المؤلمة، كانت الطرائف والمواقف المضحكة جزءًا من حياة السائقين اليوميّة، ولولا ذلك لا أحسب أنّهم كانوا احتملوا هذا الدوران اليوميّ على إيقاع الأبواب التي تفتح وتغلق لزبائن من مختلف الأعمار والأجناس والجنسيّات والأمزجة.
قال لي أحدهم إنّ صفْق الباب هو صفّارة الانطلاق على الطريق. وكم من مرّة انطلقت السيّارة من دون الزبون الذي كان يقف على الرصيف مشدوهًا لا يفهم ما الذي يجري. وقال محدّثي إنّ هذا النوع من الحوادث يقع دائمًا وخصوصًا أمام المطار حيث لا يستطيع السائق أن يركن سيّارته ليساعد الزبون في نقل حقائبه إلى السيّارة. فيأتي الحمّال ويفتح الباب الخلفي ويضع بعض الحقائب، وما أن يسمع السائق صوت الباب وهو يغلق حتى ينطلق من دون أن ينتبه إلى أنّ العائد من السفر لا يزال واقفًا على الرصيف.
وروى لي آخر أنّ سيّدة اتصلت بالمكتب لتطلب سيّارة، ففوجئ عامل الهاتف بسلسة من الشروط لم يسمعها من أحد آخر مجتمعة ومحضّرة كأنّها تقرأ من مرسوم جمهوريّ، مع العلم أنّ أكثرها من طبيعة هذا العمل ولا داعي لذكره بهذا الأسلوب المتعجرف: سيّارة من لون معيّن، التأكّد من أنّ الإطارات في حالة جهوزيّة تامة، نظافة السيّارة، نظافة السائق، عمر السائق، شكل السائق، الدقيقة التي يجب أن تكون فيها السيّارة أمام المبنى وإلاّ امتنعت عن الركوب فيها، وهي غير مسؤولة عن ازدحام السير أو أي عرقلة أخرى. وقبل أن تتابع السيّدة جدول الشروط، صرخ بها عامل الهاتف قبل أن يقفل الخطّ: "مدام، سكّرنا المكتب، وتركنا الشغل، والله يلعن هالوظيفة ويللي بعد بيشتغل فيا".
أمّا أطرف ما حصل معي شخصيًّا فيختصر في الحكاية التالية:
بعدما اتخذت مكاني في سيّارة التاكسي، رنّ هاتفي المحمول فرددت، وكان كلامي مع المتّصل بي يدور حول شؤون التربية والتعامل مع التلاميذ، وقد سمحت لنفسي بالاسترسال فيه لسببين: أوّلاً لأنّ المسافة طويلة وجاء الحديث ليلهيني عن التذمّر الصامت من ازدحام السير ومخالفات السائقين، ولأنّ الموضوع في حدّ ذاته مشوّق وليس فيه شيء من الخصوصيّة التي قد نخشى أن يطّلع عليها الغرباء. وما أن أنهيت حديثي الطويل، حتّى بادرني السائق بسؤال كان من الواضح أنّه كان ينتظر بفارغ الصبر طرحه قبل أن يوصلني إلى حيث أقصد. وبما أنّ السؤال كان عن طبيعة عملي في التربية وما إن كان في استطاعتي أن أساعده في حلّ مشكلة عالقة مع زوجته الحامل بسبب اختلاف الرأي بينهما في ما يتعلّق بتربية ابنهما البكر ذي الأعوام الثلاثة، وتحضيره لاستقبال المولود الجديد. وكان من الطبيعيّ أن أنقل إليه الرأي العلميّ والنفسيّ في الموضوع، غير أنّ ما نصحته به هو كيف يتكلّم مع زوجته كي يستطيع إقناعها بالمنطق والعلم وبأسلوب هادئ بعيد عن التشنّج، وعلى جرعات خفيفة كي تقتنع مثلاً بأنّه لا يجوز لطفلهما أن ينام معهما في السرير.
والطريف في الموضوع، أنّني بعد بضعة أيّام، وحين كنت أستدعي سيّارة تاكسي من المكتب نفسه، سألني عامل الهاتف وهو يضحك إن كنت لا أمانع في إرسال السائق الذي أقلّني في المرّة السابقة لأنّه أوصى بأن يتمّ إرساله حين أتصل مرّة ثانية. وبالفعل أتى السائق نفسه، وما أن جلست على المقعد الخلفيّ حتّى فاجأني بتقرير مفصّل عمّا نصحته بالقيام به وكيف كانت ردّة فعل زوجته وعن مقدار النجاح الذي حقّقه في الأيّام الأخيرة. ثمّ سأل إن كان يستطيع طرح المزيد من الأسئلة عن مدرسة ابنه، ورغبته المرضيّة في تناول السكاكر وامتناعه عن تناول أطعمة أخرى، وما إلى ذلك من الأسئلة التربويّة.
أجبته عن أسئلته وأنا أفكّر في أنّ الكلام ولو في التربية رخيص في حين أنّ البنزين غال. وبالتالي لا بدّ من أن أدفع أجرة السيّارة، في حين أنّ الرجل المهموم بأمور طفله فرح لأنّه حصل على جلستين علاجيّتين مجانيّتين.

الثلاثاء، 8 ديسمبر، 2009

من مغارة بيت لحم إلى قمّة كوبنهاغن

وادي القدّيسين في قنّوبين

في مغارة الميلاد، "أرسل الله ابنه الوحيد نورًا للأمم"، وبالتالي لم تكن ثمّة حاجة إلى إضاءة تستهلك مقدّرات الطبيعة. وأدفأت الحيوانات الطفل الإلهيّ الذي وضع على القشّ الدافئ فلم تكن ثمّة حاجة إلى تدفئة مركزيّة تسبّب إهدارًا في الطاقة. ولم تكن الأرض تنشد إلاّ السلام، كأنّ الأمور الأخرى كانت متوافرة ولم يكن من الداعي طلبها. الخشب الموجود كان يكفي لبناء هيكل سليمان والصلبان على عدد المغضوب عليهم، والمياه الموجودة تكفي لعمادة من يرغب في الولادة من الروح بعدما ولد من الجسد، والتربة الموجودة يرسم عليها المسيح علامات الأزمنة لمن يعرف أن يقرأ، ويضعها على عيني الأعمى فيرى. أمّا اليوم فيبحث الناس عن المياه والخشب والتراب ومصادر الطاقة، وهم يعرفون أن لا سلام على الأرض ما لم يجدوا حاجتهم من هذه العناصر التي لا وجود للحياة بالشكل الذي نعرفه من دونها.

في مغارة بيت لحم، وصل المجوس، علماء الفلك في بلاد فارس، ولم تكن في بالهم المفاعلات النووية ولا القضاء على بني إسرائيل، كانوا يثقون بأنّ السماء وعدتهم بما هو أهمّ وأجمل وكانوا يريدون أن يكونوا شهودًا لا شهداء، وبأنّ الثروات التي يملكونها ليست ملكًا خاصًا بهم وحدهم، بل هي ملك الجميع. ووصل الرعاة البدو وهم يعرفون أنّ وجودهم في مكان واحد مع ملوك المجوس لا يعني أنّ الشيوعيّة هي التي انتصرت بل المحبّة، وأنّ فقرهم لا يعفيهم من المسؤوليّة عن مصير هذا العالم، وأنّ دعوتهم إلى هذا حضور هذا "المؤتمر" لا تعني أنّهم سيحصلون تلقائيًا على حصصهم من هدايا الميلاد.

من مغارة بيت لحم إلى قمّة كوبنهاغن، لا تزال البشريّة مجدّة في سعيها نحو الخلاص.

هناك من يبحث عنه في هذه الأرض، وغالبًا ما يعني ذلك خلاصه هو ولو على حساب البشريّة، فيتلف غلاله كي لا يهبط سعرها في السوق، أو يقتل ليختبر سلاحًا جديدًا، أو يبيد شعوبًا في سبيل بقاء شعوب أخرى.

وهناك من يبحث عن هذا الخلاص في السماء فيهملون الأرض وما عليها ومن فيها، وحتّى هؤلاء ينقسمون فريقين: فريق يستثمر أمواله في الفضاء بحثًا عن مستعمرات جديدة وشعوب غريبة ولا يلتفت إلى أهل بيته، وفريق يؤمن بأنّ كلّ شيء باطل ولا يستحقّ هذا العالم إلاّ أن نعبر فيه سريعًا ومن دون أن نتعلّق بأيّ شيء فيه.

وفي مختلف تلك الحالات لم تصل البشريّة إلى مدينتها الفاضلة ولم تستعد بعد فردوسها المفقود.

في قمّة كوبنهاغن سيطلب الأثرياء من الفقراء أن يستحمّوا أقلّ ليملأوا هم أحواض السباحة في قصورهم ومنتجعاتهم، وأن يناموا باكرًا ويوفّروا الطاقة الكهربائيّة ليسهروا هم تحت أشّعة ثريّاتهم الكريستال، وأن يمتنعوا عن قطع الأشجار لتدفئة غرفهم الصغيرة ليملأوا هم مواقد تضفي جوًّا شاعريًّا على شاليهاتهم الغارقة في دفء "الشوفاج".

ونحن من يتابعون أخبار تلك القمّة المصيريّة والتي ستكون كلفة مصاريف الوفود والوقود فيها باهظة، إذا علمنا أنّ الحرارة خلال أيّام القمّة ستراوح بين درجة واحدة وسبع درجات، فسنسأل أنفسنا ببراءة: لماذا تمّ اختيار بلد بارد ومكلف في حين كان ممكنا عقد القمّة في بلد معتدل الحرارة يوفّر التدفئة أو التبريد لآلاف المشاركين من رؤساء ومرافقين وموظّفين ومراسلين؟ هذا طبعًا فضلاً عن مصاريف الفنادق والتنقّل ووجبات الطعام.

إنّ قمّة تبدأ بمثل هذه المبالغ الخياليّة من المصاريف على آلاف العلماء، من أجل التفكير في إنقاذ كوكب الأرض ستجعل العالم مغارة علي بابا لفئة من الناس تريد أن تبيع سيّارات وأسلحة، ومغارة الإنسان البدائيّ لفئة أخرى لا تعرف إلاّ أن تكون مستهلِكة ومستهلَكة.

ولكنّها، أيّ القمّة، لن تجعلنا قطعًا قريبين من مغارة الميلاد حيث استطاع طفل صغير وامرأة بسيطة ونجّار نشيط (بالتأكيد لم يقطع في حياته من الأشجار ما تسبّب بخطر على البيئة) ومجموعة رعاة مع حيواناتهم، وثلاثة علماء فقط، أن ينقلوا البشريّة إلى عهدها الجديد.

* جريدة النهار - الثلاثاء 8 كانون الأوّل 2009

الأحد، 6 ديسمبر، 2009

كتاب حضارة موحّد لتواريخ متعدّدة

دير مار أنطونيوس قزحيّا حيث توجد أوّل مطبعة دخلت إلى الشرق


من حقّنا أن نقول إنّنا لسنا مع كتاب تاريخ موحّد، ولكن من حقّنا في المقابل أن نطالب بكتاب حضارة موحّد، يخبر قصّة الحضارة في لبنان، وحكايات ناشريها في العالم وسِيَر عظمائها، ويروي كيف ساهم لبنان في الحضارة العالميّة وكيف عمل على ترسيخها عبر أفراد منتشرين في بقاع الأرض.
فمن المؤسف فعلاً أنّ القيّمين على كتاب تاريخ لبنان الموحّد هم السياسيّون، وأنّ المستشارين هم رجال الدين، وأنّ جامعي المعلومات هم موظّفون في الدولة يأتمرون بأمرها ويكتبون بأقلامها. تخيّلوا كم سيكون رائعًا أن يشرف الشعراء على هذا الكتاب الذي لن يخبر قصص البطولات المختلَف حولها، ولن يتطرّق إلى المعارك التي لا يُعرف من المنتصر فيها ولا من المنهزم.
بلى، فلنتخيّل كتاب تاريخ يتحدّث عن الشعراء والروائيّين والسينمائيّين والمسرحيّين والفنّانين التشكيليّين.
ولنتخيّل لو كان بين أيدي أولادنا كتاب تاريخ يحكي عن العلماء الذين على صورة حسن كامل الصبّاح، وعن المفكّرين الذين على مثال شارل مالك، وعن مؤسّسي المدارس الوطنيّة الذين من طراز المطران يوسف الدبس.
تخيّلوا كتاب تاريخ يتحدّث عن المتعاطين بالحرف لا بالسلاح، وعن ناشري الكلمة لا عن ناشري الفساد، وعن المعلّمين لا عن السياسيّين، وعن الصحافيّين لا عن قادة الجيوش، وعن المهندسين والبنّائين لا عن مفخّخي الجسور، وعن الذين يحوّلون "الوعر إلى أرز وسنديان" لا عن زارعي الفتن والألغام.
ما رأيكم في كتاب تاريخ تطالعنا فيه أغاني الرحابنة وزكي ناصيف وروميو لحّود لا خطب الزعماء، وموسيقى توفيق الباشا ووليد غلمية وفيلمون وهبي لا أناشيد الحروب الأهليّة والفتن الطائفيّة؟ وما رأيكم في كتاب تاريخ نتعرّف فيه إلى جانين ربيز مؤسّسة "دار الفكر والأدب"، وميشال الأسمر مؤسّس "دار الندوة"؟ وهل من داع للتذكير بأنّ الأسماء طرحت على سبيل المثال لا الحصر؟
من يُبعد السياسة اللبنانيّة الضيّقة عن الكتاب الموحّد لتواريخ لبنان المتعدّدة؟ ومن يقنع الدولة بأنّ هذا الكتاب ليس الوسيلة لتوحيد اللبنانيين وتقريب وجهات النظر بينهم؟ جرّبت الدولة خدمة العلم ولم تجد أنّها الحلّ الأنسب لصهر قلوب اللبنانيّين، وها هي اليوم تراهن على كتاب تاريخ انطلقت الشكوك حوله ما أن أعلنت خطوطه العريضة وراحت التساؤلات تتوالى حول ما يرضي الطوائف والعلمانيّين والأحزاب على اختلاف عقائدها وميولها، وأهل الوطن وجيرانه الموالين والمعارضين، والمغتربين، وهذا في حدّ ذاته عمل مستحيل لن يبصر النور إلاّ وقد قضت المحسوبيّات والمصالح الشخصيّة على العِلم والموضوعيّة.
ندعو في إصرار الشعراء إلى كتابة تاريخ لبنان. نقول ذلك ونحن نعلم أنّ الفساد طالهم أيضًا فأصابتهم عدوى الحزبيّات الضيّقة فانقسموا شيعًا ومراتب وجبهات. ومع ذلك سيكونون حتمًا، ومهما تكن سيّئاتهم، أفضل مئة مرّة من أيّ مؤرّخ يكتب تاريخ لبنان في ظلّ القيود المفروضة حاليًّا. ولن أصدّق أنّ شاعرًا حقيقيًّا يضع الفيتو على أحد من أهل الفكر والأدب والفنّ والعلم ما دام ساهم في الإنجازات الحضاريّة اللبنانيّة، بدءًا من التاريخ القديم إلى اليوم. أمّا إذا كان الشعراء سيرسبون أيضًا في امتحان المواطنيّة والانتماء والحريّة فلا داعي لكتابة تاريخ لبنان إذ لن يكون للبنان أيّ دور يستحقّ التأريخ.

* النهار – 19 كانون الثاني 2004


السبت، 5 ديسمبر، 2009

من مذكّرات امرأة واقعيّة


كان هذا الشهر مليئًا بالنشاطات، وأنا فخورة بنفسي لأنّي أنجزت وفي نجاح تامّ عددًا من الأعمال والمهمّات:
كتبت مجموعة مقالات أثارت موجة من الإعجاب وحرّكت عددًا مرتفعًا من الأقلام وقمت بدراسة مجموعة نصوص لأدباء محليّين وعالميّين،وشاركت في ندوة ضمّت كبار المفكّرين، وألقيت محاضرة في جامعة خاصّة، وأنهيت تصحيح مسوّدة مجموعتي القصصيّة فأضحت جاهزة للطبع، ولبّيت كذلك الدعوات الكثيرة التي وجّهتها إليّ الجمعيّات الأدبيّة والصالونات الفنيّة، وحللت ضيفة مكرّمة في أكثر من برنامج حواريّ، ثمّ سافرت إلى أوروبا لمشاهدة مجموعة عروض مسرحيّة، وهناك غيّرت لون شعري، وخضعت لجلسات تدليك، واشتريت مجموعة من الملابس وبعض الأحذية وحقائب اليد، وهدايا ثمينة لرئيسي في العمل ولزوجته وأولاده ولبعض الصحافيّين، والتقيت صديقي الذي سبقني إلى هناك فمارسنا الحبّ حتّى التعب. لكنّي كنت أشعر طوال الوقت بأنّ عليّ أن أقوم بعمل ما غير أنّي نسيت ما هو. ولم يسعفني صديقي على التذكّر فأهملت الأمر كي لا أنغّص عليه أجواء الرحلة.
عدت إلى البلد وفي رأسي مجموعة هائلة من الأفكار والمشاريع حتّى أنّي لم أكن أعرف من أين أبدأ. إنّما خلال مرحلة التخطيط والفرز وقبل اتّخاذ أيّ قرار تعرّضت لحادث سيّارة. صحيح أنّ الأضرار كانت ماديّة، لكنّ السائق الغبيّ كاد يتسبّب في عرقلة أعمالي وتنفيذ مشاريعي، إذ كان عليّ أن أتنقّل بسيّارات الأجرة، ولأنّ أعصابي المتوتّرة لم تحتمل ثرثرة السائقين استأجرت سيّارة بيد أنّي بقيت متأكّدة من أن هناك ما يجب القيام به أيضًا، لكنّي لم أملك فكرة واحدة عمّا يمكن أن يكون. ورغم أنّي راجعت دفتر مواعيدي مرارًا وتكرارًا لم أكتشف ذاك الذي نسيته وأعلم بوجوده في زاوية من ذاكرتي. ثمّ قرّرت أن أهمل الأمر كي لا أسيء إلى أدائي.
كنت أعود إلى المنزل في ساعة متأخّرة، وغالبًا ما كنت أمضي الليل لدى صديقي الذي عاد بعدي إلى بيروت. وتذكّرت مرارًا أنّ حقائبي تنتظر إلى جانب السرير كي أفرغها، لكنّ أفكاري كانت مأخوذة بأمور أخرى وتقف أمام تحديّات لا يمكن التهاون في شأنها. وكم أعجبت بنفسي وهنّأتها عندما استطعت في وقت قصير أن أضع مختلف الأمور في نصابها الصحيح. فحصلت على التهنئة والترقية والشهرة في فترة قياسيّة قياسًا بالآخرين. وحين كنت أحتفل بانتصاراتي مع صديقي الجديد، لأنّ القديم أضجرني بآرائه "المتفلسفة"، صدح صوت هاتفي الخلويّ: إنّها أمّي، قلت في تأفّف، وحين أجبتها في صوت محايد كي أفهمها أنّي لا أستطيع الاسترسال في الحديث، فاجأتني بسؤال: هل أستطيع أن أعرف متى ستجدين الوقت لاسترجاع ابنتك؟
* النهار – الاثنين 12 كانون الثاني 2004

الجمعة، 4 ديسمبر، 2009

صلاة من عتمة الملل


يا ربّ، أعرف أنّي لا أصلّي كثيرًا، لكنّي سأفترض أنّك تحبّ أن تسمع صوتي بين حين وآخر، وسأفترض أيضًا أنّك تحبّ أن تسمع صلاة مختلفة عمّا اعتدت سماعه.
يا ربّ! أبعد عنّي الأصدقاء والمحبّين الذين يتذكّرونني مرّة أو مرّتين، فأنا لست فيروز ولا أحبّ أن أزار مرّة واحدة كلّ سنة. وأقسم، مع أنّك لا توافق على مبدأ القسم، بأنّني لن أعتب على من ينساني أو يهمل الاتّصال بي. وإذا كان الآخرون يطلبون إليك ألاّ يبقوا وحيدين فأنا أجيّر بواسطتك لهؤلاء جميع الذين يتشدّقون ليل نهار بالصداقة والمحبّة والاهتمام، وعند الحاجة لا تجدهم. في أيّ حال أنت عرفت ذلك في بستان الزيتون وشعرت كإنسان بسيف الألم يجوز صدرك ولكنّك غفرت، إلهًا، وسامحت، أمّا أنا فأنا.
يا ربّ! خلّصني من القبلات الدبقة ذات الطعم والرائحة التي تلتصق على وجنتي مرّة في العام ثمّ أحاول طوال العام محوها وإزالة آثارها.
يا ربّ! أنقذني من المهنّئين في ساعات الفرح ومن المعزّين أمام رهبة الموت ومن العائدين عند المرض ومن المهلّلين عند النجاح، هؤلاء الذين لا أراهم إلاّ في المناسبات ثمّ يختفون.
يا ربّ! تعبت من الابتسام لحظة كان البكاء يقف على ضفّتي عيني منتظرًا تحطّم سدود "العيب". وضجرت من "التطنيش" مع أنّ الغضب كان يهدر في صدري وكلمات الرفض والتأنيب تقف على حدود شفتيّ تنتظر أن أفتح لها الباب لتتدفّق. وسئمت من "الحرام" و"لا يجوز" و"طوّلي بالك" و"عامليهم على قدّ عقلاتن" و"هالقدّ الله عاطيهن". لماذا يا ربّ لا يحترمون هم ما أعطيتهم ويتصرّفون على أساسه؟
يا ربّ! أنت تعرف أني لا أحبّ أن أكون وحيدة، ولكنّك تعرف أيضًا أني لا أحبّ أن أكون محاطة برجال لا يشكّ كلّ منهم ولو للحظة في أنّه أكثر الرجال وسامة ورجولة وكرمًا وذكاء وثقافة، وبنساء تظنّ كلّ واحدة منهنّ أنّها ضحيّة كلّ الرجال مع أنّها لم تعرف رجلاً. وأنت تعلم بلا أدنى شكّ أني قاسية القلب وسليطة اللسان، مع أنّي أحاول، ولو بغير جهد حقيقيّ، أن أتغيّر، لذا لجأت إليك لتقوم عنّي بمهمّة إبعادهم بوسائلك المحبّة اللائقة.
يا ربّ! أنا مستعدّة للعمل طوال ساعات الليل والنهار، وهذا ما أفعله كما تعلم، وللمتاجرة بالوزنات التي أعطيتنيها، ولمساعدة المحتاجين على قدر طاقتي وقدرتي، على مثال الأرملة ذات الفلس، غير أنّي أسألك في المقابل، وأنا أعترف بضعفي البشريّ وبخطاياي الكثيرة وبكبريائي وأنانيّتي وجهلي، أن تحميني من الثقيلي الدم المقتنعين بأنّهم خفيفو الظلّ، ومن الأغبياء الذين يعتقدون أنّهم أذكياء، ومن الذين يقتحمون حياتي في مناسبات متباعدة وهم مقتنعون بأنّهم أصدقائي المخلصون وبأنّ صمتي أمامهم خجل، وأنّ ابتعادي عنهم تواضع ولياقة، وأنّ نظرات الغضب في عينيّ إشارات استغاثة.
يا ربّ! إنّي آسفة، ولكنّي ضجرت فعلاً من "العجقة" و"الازدحام" و"الثرثرة"، وصار من الواجب أن يفعل أحدنا شيئًا.
وبما أنّك تعرفني جيّدًا،ستفضّل حتمًا أن تتصرّف أنت. فلك الشكر سلفًا بالنيابة عنّي...وعنهم.
* النهار – الاثنين 12 كانون الثاني 2004

الأربعاء، 2 ديسمبر، 2009

عمري مئة عام



عمري مئة عام
(ترجمة حرّة لأغنية فرنسيّة)

1- عمري مئة عام
وأنا جدًّا سعيد
أجلس على المقعد
أراقب من بعيد
أترابي الذين من عمر يديّا
فأنا إذًا لا أرى شيّا
أتحرّش بالعابرين بالعصا وأضحك
أركل الكلاب المزعجة وأضحك
لا أحد يقول شيئًا
فأنا جدًّا عجوز
سريع العطب
رفيع المقام
لا أحد منّي
يقدر أن يغضب
فعمري الآن مئة عام.


2- لم أعد أعشق
لم أعد أفرح
لم أعد أكره
لم أعد أمرح
لم أعد أرغب في شيء
غير أني كشجرة الدلب
يحييني بعض المطر
يكفيني بعض المطر
لكي أنجو من الخطر.


3- أنّى ذهبت فحولي أولاد
يدورون حولي، يسخرون منّي
أمّا النساء فهنّ أقلّ
ولكن من عاد عنهنّ يسأل؟
أكلّم العصافير ولو كانت تطير
هكذا وصفني القول الشهير
وأمضي الوقت أسأل نفسي:
القبّعة؟ على أيّ كرسي؟


4- عمري مئة عام
وأنا جدًّا سعيد
فأضراسي لا تزال تؤلم
ولكنّ الألم أمر مفيد
فهو لا يصيب إلا من كان حيّا
أنتظر بهدوء على مقعدي
متى ينفجر هذا العالم القديم
الذي يحمل فيه الفناء
فأنا منذ عهد قديم
لم أعد أؤمن بشيء
وحان الأوان كي أستريح.


5- لم أعد أعشق
لم أعد أفرح
لم أعد أكره
لم أعد أمرح
لم أعد أرغب في شيء
غير أني كشجرة الدلب
كهذي العصا
قويّ قديم
في أحسن حال
لا أتمنّى للشبّان حربًا ضروسًا
مع أني لا اعرف كيف تكون الحروب
غير أني شهدت ثورة أيّار الثامنة والستين
وإن كنت لا أذكر في أيّ عام
ومن فيها انتصر ومن فيها هُزم.


6- لا، ليست المائة عمري
وإن كنت أدّعي فما يعنيك أمري؟
فكلّ ما قلته كلمات
وكلّ ما وصفته أمنيات
ليتني في المئة أكون غدًا
لا بل اليوم، وليس غدًا
أرغب فعلاً في أنْ عجوزًا أصير
لعلّني عند ذاك سعيدًا أصير
لعلّني أعبر من دون خطر
حواجز الحياة
لعنة القدر
أهوال الحياة
شرور البشر
لعلّي أعبر من دون خطر
بين المسامير والشوك والحجر.

الثلاثاء، 1 ديسمبر، 2009

أحببتك على عللك لعلّك تبرأ منها



الحبّ لا يوجد إلاّ حيث العلل، وإلاّ فما الحاجة إليه؟

الحبّ يسعى إلى الكمال، لا بل إلى الاكتمال بالآخر، وإلاّ فما الحاجة إليه؟

ولو كان الواحد منّا بلا علّة لما احتاج إلى الآخر، وهل من إنسان بلاّ علّة؟ أليس قول المسيح عن أنّ ما من أحد بلا خطيئة هو من باب التأكيد على أنّنا نحمل هذه العلّة على الأقلّ؟

الجسم البشريّ لولا الحبّ لكان مجموعة من القاذورات والأمراض والميكروبات والأنسجة العرضة للاهتراء، والأعضاء التي تنتظر التلف كلّ لحظة بعدما كانت تتجدّد كلّ لحظة، والخلايا التي تحمل عناصر حياتها وموتها في الوقت نفسه. ولكن في لحظة الحبّ يحاط الجسم البشريّ هذا، المملوء بكلّ ما يمكن أن يثير اشمئزاز الآخر، بهالة من النور والسموّ ويتحوّل كلّ ما يخرج من الجسم عسلاً وطيباً وبخوراً. ولولا الحبّ لما حصلت هذه المعجزة.

غير أنّ في الجسم عللاً أخرى، منها ما هو طارئ لا سلطة للإنسان عليه ومنها ما هو كامن ينتظر لحظة الاعتراف به. والحبّ يغفر ما لا سلطة لأحد عليه، فهل يعتب العاشق على حبيبه إن مرض، أو شاخ، أو أعيق، أو عجز؟ قد يصبّ غضبه على المرض والشيخوخة والإعاقة والعجز، وعلى الحياة التي سمحت بكلّ ذلك ولكن ليس على الحبيب.

ولكنّ العلل الكامنة المختبئة خلف ستائر الكذب والخداع هي ما يخيف وبالتالي لا يكون الحبّ حبّاً إن كان ثمّة علّة نرفض الاعتراف بوجودها أو طلب المساعدة لمعالجتها. لربّما كان الخوف هو ما يمنع أحدنا من الاعتراف بعلله، الخوف من النبذ والهجر والوحدة بعدما ذقنا الرضا والوفاق والحبّ. وهذا الخوف هو ما يدفعنا لنظهر في صورة الكمال التي لا عيب فيها ولا دنس ولا علّة، فنحاول أن نشبه الصورة التي وضعناها لأنفسنا عن أنفسنا، ونعمل على تسويقها وإقناع الآخرين بصدقها وأصالتها ونحن نخشى كلّ لحظة أن يكتشف خبير بارع الزيف والتزوير والخداع. ساهمت في ترسيخ ذلك في أذهاننا صورة الإنسان الكامل التي بشّر بها بعض الفلاسفة والتقطتها وسائل الإعلام حين راحت تدعو إلى كمال الأجسام وجمالها. فنحن حين صرنا أسرى الصورة الكاملة الأوصاف لم نعد نريد أن نعترف بعللنا الظاهرة منها والمخفيّة، ولذلك أمعنّا في الهرب من الحقيقة لمصلحة الخداع وبالتالي الخيبة.

هل نستطيع أن نحبّ المختلس والسارق والمعتدي والمغتصب والقاتل والمجرم؟

لا شكّ في أنّنا نكره الاختلاس والسرقة والاعتداء والاغتصاب والقتل والإجرام، وقد نقع في حبّ أحد الذين التصقت بهم هذه الصفات ونحن مقتنعون بأنّنا مخلّصوهم، ولكن هذا أمر يحتاج إلى كثير من السمو والوعي والترفّع كي لا يصير حبّنا لهم تواطؤاً وتآمراً واشتراكاً في ما هم فيه غارقون. فأن تحبّ صاحب العلّة التي من هذا النوع يعني أنك قادر على أن تمدّ يدك لتخرجه من عتمة علّته إلى حيث الضوء والحبّ والنور. أمّا إن كانت علّته ستجرّك معه إلى هاوية بؤسه وغضبه وحقده فهذا ما لا يجوز لك أن تفعله بنفسك لأنّك مسؤول عن هذه النفس، عاشق لها، صديقها، ولا يجوز لك أن تعرّضها لهلاك ليس له مبرّر.
Miro


لعلّنا مدعوون إلى القبول بأننا لسنا آلهة بعدما كان لبعض الديانات والفلسفات دور في دفعنا إلى طلب التساوي مع آلهتنا في كلّ شيء، وكانت مأساة كلّ منّا أن عوقب باكتشاف هشاشته كلّ مرّة خيّل إليه فيها أنّه اقترب من تحقيق ألوهته. ولهذا حلا للإنسانيّة أن تقلب الأدوار وتتخيّل أهل السماء وهم راغبون في ارتداء أجسام البشر واختبار مشاعرهم وآلامهم، فجاءت أعمال كثير من المبدعين – في الرواية والفنّ التشكيليّ والسينما – لتظهر الآلهة التي تغار من الإنسان أو تعشقه وهي التي تعلم نقاط ضعفه، أو الملائكة التي تتخلّى عن خلودها من أجل قبلة حبّ، أو الرجال الآليين الذين تمنّوا أن يشعروا بما يشعر به البشر.

- قالت المرأة للمرآة: أحببته على علله لعلّه يبرأ منها، غير أنّه أحبّ علله أكثر من أيّ شيء آخر.

* النهار - الثلاثاء 1 كانون الأوّل 2009